شرح متن السلم المنورق (١) - الشيخ حسام رمضان - مقدمة العلم والمتن
﴿مقدمة العلم﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته
الطيّبين الطاهرين أما بعد.
فإن الله سبحانه وتعالى
قد شرّف الإنسان وميّزه عن سائر أصناف الحيوان بالعقل فلا بد حينئذ من أن يستخدم
هذا العقل وأن يضعه في موضعه وهو أن يملأه بالمعلومات وأن يكثر من قراءة العلوم ومن
المعارف لأن ذلك هو شكر الله سبحانه وتعالى على نعمة العقل وقد كثرت العلوم
والمعارف فمنها علوم عقلية ومنها علوم لغوية ومنها علوم شرعية إلى غير ذلك من
العلوم الكثيرة.
وكل هذه العلوم تعتمد
أساسا على الفكر، فهذا الفكر الذي تعتمد عليه العلوم ولا يكون علم من العلوم إلا
به لابد من علوم تنظّمه وترتّبه وتقعّده ونعلم بها كيف نصيب في هذا الفكر وكيف
نحترز عن الخطأ في هذا الفكر، هذا هو علم المنطق، فعلم المنطق قد وضعه العلماء
للحفاظ على الفكر من الخطأ فلابد حينئذ من أن تعرف هذا الفكر ما هو؟ ما ماهيته؟ ما
معنى أنك تفكر؟ ومن أن تعلم طريقه الذي إذا سلكته كنت صائبا في هذا الفكر وأن تعلم
الأخطاء التي تعتري هذا الفكر لتحترز عنها، هذا الذي يتكفل به علم المنطق.
وحينئذ لا يخلو
إنسان من الحاجة إلى هذا العلم فكل إنسان مُضطَرّ مفتقر لهذا العلم وقد ركّبه الله
سبحانه وتعالى في عقول البشر تركيبا فطريا، فإن كل الناس قد خلقوا بمبادئ أساسية
وبقواعد مركبة في فطرتهم من هذا العلم ولولا ذلك لما كان العقلاء ولما استطاعوا أن
يفكروا أصلا لكن العلماء قد دوّنوا هذه القواعد.
فإنّك تفكّر
بقواعد المنطق وتتعامل بها منذ أن ولدتَ ولكن لا تستطيع أن تعبّر عنها بألفاظ ولا
تستطيع أن تحضر هذه القواعد التي ركبت فيه، هذه المبادئ التي تتعامل بها لا يمكنك
أن تفرق بين مبدأ وآخر لضعف خبرتك ولضعف علمك وقدرتك على ذلك, تكفّل علماء المنطق
بوضع هذه القواعد وأول من صنعوا ذلك هم أهل اليونان من الفلاسفة والحكماء، وقد منّ
الله سبحانه وتعالى عليهم بالحكمة وبحسن التفكير والتنظيم والترتيب فوضعوا لنا
علوما كثيرة وأطلقوا عليها الفلسفة بمعنى علم الحكمة فالفاسفة هي الحكمة.
وقد آتاها الله
سبحانه وتعالى لكثير من خلقه إلا أن الذين برعوا فيها ودونوها وكانت لهم الشهرة
بين الخلق هم أهل اليونان، فلما دونوا هذه العلوم دونوا من هذه العلوم أساسها وهو
المنطق، فالمنطق علم يتعلق بالتفكير ويتعلق بالفكر، كيف تفكر؟ مالفكر الذي تفكره؟
ما خطأه؟ ما صوابه من حيث القوالب والقواعد؟ وليس "مالأمر الصواب والأمر
الخطأ؟"، هناك فرق بين أن تتعلّم كيف تفكر تفكيرا
صحيحا مستقيما وكيف تحترز عن التفكير الباطل الفاسد فرق بين هذا وبين أن أعطيك
فكرا صحيحا أو فكرا سقيما.
فهؤلاء قد وضعوا
لنا القوالب والقواعد والمبادئ التي يسير عليها الخلق في تفكيرهم، في لغة وفي
عقيدة وفي شئون الحياة وفي أمور تختص بذات الإنسان وفي أمور تختص بذات الباري في
أي أمر يمكن أن تستعمل هذه القواعد لأنها التي ركبها الله سبحانه وتعالى فطريا في
البشر لكنهم لا يستطيعون تدوينها فهؤلاء تكفلوا بتدوينها.
أيضا هذه القواعد والمبادئ التي دونها ووضعها الله تعالى في البشر بالفطرة يمكن أن تُشوَّس ويمكن أن يذهَل الإنسان عن فطرته السليمة وأن يتّبع أفكارا أو طريقة في التفكير -لا أقصد معتقدات معينة، نقصد الطريقة التي يفكر بها- يمكن أن يخالط قوما يتعلم منهم طريقا غير صواب في التفكير كما نرى كثيرا من الناس يفكرون بطريقة غير صحيحة فاحتاج مثل هذا لتقويم فكره ولتعديله فحينئذ يتفكر بالقواعد المدونة، فلا يقال حينئذ إن المنطق قد وضع في الإنسان وهو غريزة في البشر فلماذا نحتاج لدراسته؟ لا!، دراسته أمر مهم.
هذا بالنسبة لعموم الخلق ولعموم الناس وأنهم يحتاجون لهذه
القواعد المدونة مع أنها ركبت في فطرتهم يحتاجون لها بسبب أنها قد شُوّست عندهم أو
أنهم ذهلوا عنها أو أنهم يريدون معرفة طريق فكرهم، أنت ربما تصنع أمرا من
الأمور ولكنك لا تستطيع أن تعبر عنه ولا تعرف حقيقة الأمر الذي صنعته، أنت تؤدي
هذا الأمر بتعوّدك عليه لكن ما حقيقته؟ وما تفصيله؟ فهذا الإنسان يحتاج لمعرفة هذه
القواعد, هذه الحاجة عند عموم الخلق.
أما الحاجة التي
تخص طالب العلم فهو أن العلماء المتأخرين رحمهم الله قد أغلقوا
علومهم في كل المجالات في شتى الفنون، أغلقوا علومهم بمصطلحات وبقواعد المنطق، ومن
نظر العلوم بعد القرن الخامس والسادس خاصة بعد عصر الإمام حجة الإسلام الغزالي
رحمه الله يعلم ذلك يقينا، هو أنه ما من علم في لغة كان نحوا أو صرفا أو كان
بلاغة بعلومها الثلاثة أو كان غير ذلك من علوم اللغة أو في علوم عقلية كعلم الكلام
وعلم الفلسفة وعلم آداب البحث وغير ذلك من العلوم العقلية التي كثرت عند الفلاسفة
أو في علوم شرعية كعلم أصول الفقه وكعلم الفقه وعلم التفسير وغير ذلك من العلوم الشرعية وعلوم أخرى كعلوم الهندسة
وعلوم الطب وعلوم الحساب إلى ما هنالك من العلوم، كل هذه العلوم أغلقت بقفل هو المنطق،
فحينئذ تظهر الحاجة الضرورية لطالب هذه العلوم حتى وإن كانت فطرته سليمة جدا
ومستقيمة بل ربما تكون كفطرة الشيخ الرئيس أو كفطرة من وضعوا المنطق.
نعم، حتى وإن
كان الأمر كذلك فلابد من أن يدرس هذا العلم بالألفاظ التي دونت وكتبت لأن العلوم
الأخرى التي يريدها قد أغلقت بهذه
المصطلحات ففطرتك سليمة مستقيمة ليس فيها تشويش ولا خطأ لكنك لا تعرف الاصطلاح
الذي أغلقوا به العلوم فتقرأ في أصول الفقه مثلا وأنت فطرتك سليمة ليس فيها تشويش،
إذن أنت من حيث الفطرة لا تحتاج لتقويم بقواعد المنطق، نعم، لكن من حيث الكتاب
والعلم الذي تقرأ فيه أنت مفتقر لعلم المنطق لأن مؤلفه ما كتبه وما دونه إلا
بالاصطلاح المنطقي، هذا شأنهم ودأبهم.
ومن
المستحيل أن تستطيع فهم الكتاب من الكتب التي كتبت بعد القرن السادس إلى عصرنا هذا
بغير فهم المنطق، هذا ما قرّره كل المتأخرين ولم يشِذّ في ذلك إلا الجاهل أو
المتكبر المتعنّد، حتى قال العلّامة اليوسي
رحمه الله وهو تلميذ الإمام السّنوسي «تحصيل العلوم (كافة) بغير معرفة المنطق من
خوارق العادات»، وهذا كان من المتأخرين في القرن العاشر أو ما بعده، يقول
"من خوارق العادات" أي لا يحصل ذلك إلا على سبيل خرق العادة و ليس
معتادا.
فهذا العلم تظهر
فائدته وتظهر ضرورته لطالب العلم الذي يحتاج للنحو مثلا، كيف تقرأ شروح الألفية؟
أو شروح الآجرومية؟ وهو متن للمبتدئين، كيف تقرأ حدودهم؟ تعريفاتهم؟ كيف تقرأ
تقسيمات الأبواب والفصول بغير معرفة المنطق؟ كيف تقرأ علم الصرف؟ فتقرأ علوم
البلاغة؟ خاصة علم المعاني والبيان؟ كيف تقرأ هذه العلوم بغير المنطق؟ هذا مستحيل
ولا يقال "هذه علوم لغوية والمنطق علم عقلي ما شأن العلوم اللغوية بالعلم
العقلي؟" نقول "من كتب علوم البلاغة ودوّنها كتبها بالاصطلاح المنطقي".
فحينئذ إذا دخلتَ
على هذا الكتاب وأردتَ على كتاب من كتب البلاغة وأردت أن تقرأه فهو كمن يريد أن يقرأ
كتبا بِلغة إنجليزية مثلا وهو لا يدري شيئا عنها أو من كان يريد أن يقرأ كتابا باللغة
العربية وهو لا يدري شيئا عنها كأن تكون لغته لغة أخرى، فهذا طبيعته جيدة وفطرته
سليمة ولغته مستقيمة لكنه يقرأ كتابا بغير لغته، كذلك أنت إذا أردت أن تقرأ كتابا
من كتب البلاغة أو كتب الأصول أو كتب علم الكلام أو كتب التفسير، أي الكتب
المعتمدة في التدريس وليست الكتب التي تأخذ بها قصصا وروايات في التفسير أو الكتب
التي تحكي لك المعنى الإجمالي فهذا ليس التفسير الذي يريده طالب العلم.
التفسير الذي
يريده طالب العلم هو أن ينظر في لفظ الكتاب وأن يعلم ما يحويه من القواعد اللغوية
ومن القواعد الشرعية ومن غير ذلك، فكيف يعلم ما يحويه من القواعد اللغوية إلا إذا
علم اللغة؟ وكيف يعلم اللغة من كتب علماء اللغة إلا إذا علم المنطق، لأنهم علموها
ودونوها باصطلاح المنطق، ولا يمكن أن يعلم ما في لفظ الكتاب من قواعد أو من الأمور
الأصولية والتي يعتمد عليها الفقهاء في الاستنباط إلا بمعرفة أصول الفقه وأصول
الفقه لا يمكن أبدا -هذا أنا أقوله بالقطع والجزم- فهمه ولا إحكامه ولا معرفة
مقاصد العلماء منه بغير المنطق ولا بغير علم الكلام، بل إن الشيخ ابن الحاجب رحمه
الله قد جعل علم الكلام في مختصره من مبادئ علم أصول الفقه وهذا قد نص عليه في أول
مختصره المشهور في أصول الفقه وألحق العلّامة السبكي رحمه الله في متنه جمع
الجوامع، ألحقه بشيء في علم الكلام لمعرفته، بضرورة علم الكلام في أصول الفقه،
وعلم الكلام يحتاج طالبه اضطرار للمنطق وهذا مشهور ومعلوم.
كذلك الفقه،
الفقه التلقيني الذي تُلَقَّنُ به المذهب كأن تعلم هذا جائز وهذا واجب وهذا مباح
وهذا مندوب وهذا سنّة، هذا الفقه التلقيني ينفع للجميع حتى للعوام لا يحتاج من
الشخص إلا أن يفهم أمورا هي الأحكام أو المصطلحات كالواجب، مالواجب؟ كالفرض كالركن،
أمور قليلة ليس فيها صعوبة فلذلك نرى كثيرا من العامة يدرسونه ويستمعون له، هذا
الفقه التلقيني ليس الكلام فيه ولا يحسن بك وأنت طالب علم أن تتلقن الفقه بهذا
الشكل.
إنما الفقه المقصود هو أن تدرس القول ومستند القول، هذا إذا
كنت تقتصر على مذهب من المذاهب، أن تدرس قولا ومستند القول إن كانت مرتربتك تسمح
بذلك ولم تكن مبتدئا فتدرس القول ومستند ذلك القول ومعتمد الإمام في قوله بهذا
القول ولابد من أن تكون متبعا لمذهب من المذاهب لتستقيم الأقوال ولتتثق عندك.
حينئذ إذا أردت
أن تعلم مستندهم، ومستندُه القياس، مستنده الاستحسان، مستنده الإجماع، مستنده كذا وكذا،
هناك نصوص متعارضة، عام بخاص، فخصص العام، كيف تعلم هذه القواعد بغير أصول الفقه؟
كيف تفهم هذا الكلام بغير أصول الفقه فافتقر الفقه في
دراسته بهذه الطريقة لمعرفة قواعد الأصول وقواعد الأصول بيّنّا أنها تفتقر للمنطق
وللبلاغة وللنحو وهكذا، فحينئذ تظهر الحاجة الضرورية لطالب العلم بالنسبة
للمنطق.
المنطق
وضعه إرَسَطُ، بكسر الهمزة وفتح الراء والسين وضم الطاء بغير واو
ويقال فيه غير ذلك لأنه اسم عجمي فيتصرف فيه تصرفات كثيرة، فإرسط كان من بيت الحكمة وكان كل فرد في بيته من الرجال والنساء
والصغار والكبار يشتغلون بالحكمة، فهو من البيوت التي منّ الله سبحانه وتعالى
عليها بالحكمة ولا تنظر إلى ما يقال في ذمهم ومن القدح فيهم وكذا وكذا فهذا يتعلق
بقسم في الفلسفة وهو الإلهيات ولا شأن لنا بها واستبدله المسلمون بعلم الكلام.
أما المنطق فليس
داخلا في هذ الذم، المذموم عندهم هو قسم الإلهيات وما يتعلق بذات الباري سبحانه
وتعالى، فكل كلام لهم في ذات الباري قد وقع المسلمون أو خطّأهم المسلمون فيه ودوّنوا
علم الكلام بديلا عنه، أما ما عدا ذلك من الطبيعيات التي يتكلمون فيها من أمور السماء
والأرض والجبال وغير ذلك من الأمور الطبيعية، وكذلك العلوم الرياضية كالحساب
والمسيقة والطب والهندسة وغير ذلك وكذلك المنطق فكل هذه: الطبيعيات والرياضيات
والمنطقيات لا ذم فيها ولا تنظر فيها إلى أنه لم يكن مسلما وكان قبل الإسلام،
فعلمهم مذموم، هذا كله لا يقال إلا فيما يتعلق بكلامهم في ذات الباري فحسب، أما ما يتعلق بكلامهم في
غير ذلك فإنه ليس بمذموم خاصة المنطق فإن المنطق مجمع من كل من جاء بعدهم على أنه
لا خطأ في قاعدة من قواعده لأنها قد وضغت لتبين الفكر السليم فقط وليست أنها تعطيك
فكرا، ليست أنها تعطيك عقيدة وإنما تعطيك طريقة التفكير، وقد نظر العلماء بعدهم في
ذلك واستحسنوا صنعهم ودرجوا عليه.
وأدخله الإمام
الغزالي رحمه الله في كتبه ونشره وأدخله في مذهب أهل السنة وجعل مقدمة منه في
بداية كتابه المستصفى وبيّن أن أصول الفقه يعتمد عليه اعتمادا أصليا وأيضا أدرجه
في آلات الاجتهاد وهذا يرشدك إلى أهميته فجعله من آلات ومن أدوات المجتهد التي
لابد أن يتكمل المجتهد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن يتكمل بها وبدونها لا يصح أن
يكون مجتهدا، أن يستنبط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، هذا الذي صنعه الإمام
الغزالي وجرى عليه كثير ممن جاء بعده من الأئمة والعلماء، فهذا كله يرشدك إلى أن
هذا الذي صنعه إرسط وغيره من أهل اليونان ليس هو المذموم وليس مندرجا في الكلام
الذي يقال عليهم.
قد وضع في
المنطق كتب كثيرة، متون وشروح وحواشٍ وأشهر هذه المتون التي تعتمد عليها المدارس
العلمية منذ زمان بعيد متن السلم المنورق للشيخ الأخضري رحمه الله، وكذلك متن
إيساغوجي للحكيم الأبهري، وكذلك متن التهذيب للعلامة السعد التفتازاني، وكذلك متن
الشمسية للعلامة الكاتبي، فهذه أشهر المتون، وأيضا مختصر الشيخ السنوسي، فمختصر
الشيخ السنوسي قبِله أكثر المتأخرين واعتمدوا عليه وأكثر الشروح التي تتناول هذا
المتن يرجعون فيها إلى مختصر الشيخ السنوسي وشرحه.
فمتن السلم عليه
شروح كثيرة، عليه شرح ناظمه العلامة الأخضري وعليه شرح العلامة الدمنهوري وقد
شرحته عدة مرات والحمد لله، وعليه شرح الشيخ الملوي شرح صغير وهو المطبوع وشرح
كبير ولم يطبع، وعليه شرح للشيخ الباجوري رحمه الله وهو في صورة الحاشية وعليه شرح
للشيخ القويسني وآخرون.
هذه الشروح كلها
محمودة لكنها ما بين شرح مطول وشرح غير مطول، شرح الشيخ الدمنهوري وشرح الناظم
ليست شروحا مطولة، شرح الشيخ الملوي الصغير هو متوسط ليس كشرح الشيخ الدمنهوري ولا
كحاشية الشيخ الباجوري، وأفضل الشروح وأطولها على هذا المتن هو شرح العلامة
البناني رحمه الله، هذه هي شروح هذا المتن ونحن إن شاء الله تعالى نتناول شرح
المتن نفسه بإذن الله تعالى.
وأما متن إيساغوجي
فعليه شروح كثيرة منها شرح حسام الدين كاتي وهو شرح ليس مطولا وهو من أوائل الشروح
التي كتبت على هذا المتن أو هو أول شرح، وهناك شرح العلامة شيخ الإسلام زكريا الأنصاري
وقد شرحته أيضا، وهناك شرح الكلنبوي، وهناك شرح العلامة المحقق الفناري وقد شرحته
كاملا منذ سنتين والحمد لله.
ومتن التهذيب للعلامة
السعد التفتازاني هو من المتون التي تناسب الطالب المتوسط في هذا الفن وعليه شرح
مشهور شرح العلامة الخبيصي وعليه حواشٍ كثيرة، وأما متن الشميسة فأشهر شرح عليه
وهو المعتمد المعتبر في جميع المدارس العلمية فهو شرح العلامة القطب الرازي رحمه
الله وأشهر حاشية عليه هي حاشية العلامة السيد الشريف الجرجاني.
هذه الكتب متونا
وشروحا وحواشيا إن انتهيت منها ومن تحقيقها وإن أعطيتها وقتا طويلا من عمرك وأفنيت
من أجلها ما تفنيه من جهد ومال ووقت وتعب وتسهر عليها الليل وتقوم عليها النهار
تفيدك جدا وتقصر معك مدة التي تقضيها في غير المنطق من العلوم بل إذا كنت ستدرس
أصول الفقه إن فرضنا أنه سيفهم بغير المنطق إن كنت ستدرسه في خمس سنوات بغير معرفة
المنطق فستدرسه في عام واحد إن درست المنطق و كنت من الحاذقين فيه.
إذن عرفنا أن
المنطق علم يختص بالفكر وعرفنا من وضعه وعرفنا مؤلفات هذا الفن المعتبرة والمشهورة
في تعليمه في المدارس العلمية، هناك مؤلفات كثيرة تناسب العلماء أو من يريد أن
يرتقي أكثر وأكثر في هذا الفن، وأطول كتاب على الإطلاق في هذا الفن هو كتاب الشفاء
للشيخ الرئيس ابن سينا رحمه الله فهو أم هذا العلم، فهذا الكتاب طويل جدا قد فصل
فيه الشيخ الرئيس هذا العلم تفصيلا.
فهذا الكتاب
بالنسبة لعلم المنطق ككتاب المجموع مثلا للنووي بالنسبة لعلم الفقه وكتاج العاروس
مثلا بالنسبة لعلم اللغة وكمفصل الزمخشري وككتاب سيبويه بالنسبة لعلم النحو فهو
كتاب قد استقصى فيه الشيخ الرئيس رحمه الله هذا الفن وبيّن الصواب فيه والخطأ،
تكلم فيه كلاما طويلا، هذا قراءته وفهمه يحتاج منك لهمة عالية، نسأل الله سبحانه
وتعالى أن يفهمنا هذه الكتب، أما مختصر الشيخ السنوسي فالمناسب أن يقرأ بعد تهذيب الشيخ
التفتازاني رحمه الله ولو قرئ بعد الشمسية يكون أفضل، وعليه حاشية للشيخ الباجوري
وحاشية للعلامة اليوسي رحمهما الله تعالى.
يقولون في تعريف
علم المنطق بحسب ثمرته وغايته هو علم تعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكر، والذهن
هو قوة أودعها الله سبحانه تعالى في الإنسان بها يكتسب الآراء، فهذه القوة فائدتها
أن تكتسب الآراء، أن تقول "هذا صواب وهذا خطأ، أميل إلى هذا الرأي أو إلى هذا
الرأي، هذا هو الذي أراه وهذا لا أراه" فهذه القوة التي بها تصنع هذه الأشياء
تسمى في اصطلاحهم بالذهن، وهذه القوة كي تكتسب الآراء الصائبة أو كي تكتسب الآراء مطلقا
لابد لها من عمل تعمله كما أن اليد وضع الله سبحانه وتعالى فيها قوة بها تبتش وتضرب
وتحمل وتكتب فعملها هو الضرب والكتابة والحركة وأن تُرفع وأن تُخفض هذا عملها كذلك
الذهن فهو كاليد إلا أنه ليس قوة محسوسة واليد محسوسة، فهو قوة عملها الفكر، العمل
الذي وكلت به هذه القوة هو الفكر.
فما الفكر إذن
الذي تعمله هذه القوة وبسبب ذلك يقول الإنسان عن نفسه إنني أفكر؟ هناك أمر فكرت
فيه كثيرا، هذا الأمر يحتاج لتفكير، ما هو هذا الفكر؟ نقول الفكر في اصطلاحهم هو
ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى أمر مجهول، إذن الفكر انتقال، فهو الحركة، فهو عملية
التحريك كما أنني أحرك يدي من هذا المكان إلى هذا المكان كذلك الفكر هو أن يتحرك
الذهن من شيء لشيء، إن حصل ذلك كان فكرا فالذهن مثلا يتحرك في أمور كانت قد حصلت
للإنسان فأنا أجلس هكذا وأحرك ذهني في أمور قد حصلت لي منذ زمن، أقول "كنت في
يوم كذا في مكان كذا" وأُجري ذلك في الذهن وأنتقل من هذا الأمر الذي حصل لي
قبل ذلك إلى أمر آخر "وكنت قد كتبت كتاب كذا وفي يوم كذا قرأت كتاب كذا، وفي
يوم كذا كنت جالسا مع فلان أتكلم في كذا" فلا شك في أن الذهن هنا ينتقل من
أمر لأمر ومن أمر لأمر وكلها أمور معلومة لهذا الذهن.
هذا لا نسميه
فكرا ولا نسميه تفكيرا، الماذا؟ لأنه وإن كان عملا للذهن وحركة وانتقلا إلا أنه
انتقال في صور محفوظة، من صورة محفوظة لصورة محفوظة، من صورة معلومة لصورة معلومة،
أنا أقول "كنت في يوم كذا آكل كذا" هذا أمر أنا أعلمه عن نفسي حصل لي،
وانتقلت منه إلى تذكر الأمر الآخر وهو "أنني في يوم كذا كنت جالسا مع فلان"،
هذا أمر أنا أعلمه، فانتقلت من ملوم لمعلوم، فهذا ليس فكرا وإنما يسمونه تذكرا، فأنت
تتذكر أمورا.
حينئذ نقول لا
بد في الفكر من أن يكون انتقالا من معلوم لمجهول، ليس من معلوم لمعلوم وإنما من
معلوم لمجهول ليعلم هذا المجهول، فإن انتقل الذهن من معلوم لمجهول فعلم هذا
المجهول بسبب هذا الانتقال سمي فكرا، هذا هو الفكر في اصطلاحهم، لكنه لا يُنتقل من
معلوم واحد إلى مجهول واحد فإن المجهول الواحد لا يعلم إلا بمعلومين فأكثر ولا يُعلَم
بمعلوم واحد، فلذلك لا بد من أن تنتقل من معلومين أو من معلومات إلى مجهول، فإن
انتقلت من مجهول لمجهول ليس فكرا وإن انتقلت من معلوم لمعلوم ليس فكرا وإن انتقلت
من معلوم واحد لمجهول واحد ليس فكرا، لا بد من أن تنتقل من المعلومين فأكثر لمجهول
فيُعلم، فإن انتقلت من المعلومين فأكثر لمجهول ولم يعلم فليس فكرا.
إذن تبين من ذلك
أن ماهية الفكر هي انتقال من معلومين فأكثر لمجهول يُعلَم بهذا الانتقال، هذا هو
الفكر، أنت إذا صنعته تسمي نفسك حينئذ قد فكّرت وتقول "أنا فكرت في هذا
الأمر" أي الأمر المجهول، كان مجهولا عندي وفكرت فيه فعلمته، ما معنى هذا؟ معناه
أنه كان مجهولا فانتقلت إليه من معلومين فأكثر فصار معلوما، حينئذ أكون قد فكرت في
هذا الأمر، لكن هذه المعلومات التي ننتقل منها أو ينتقل منها الذهن إلى المجهول
لابد فيها من أمور منها:
1.
أن تكون (المعلومة)
مناسبة للمجهول، ليس أن نأتي بأي معلومات لنعلم أي محهول بل لابد من مناسبة بين
المعلومات وبين المجهول الذي أريد أن أعلمه، هذا شرط، وهو أن تكون مناسبة كما
سنبين.
2.
أن هذه
المعلومات المناسِبة بعد الحصول عليها لابد من وضعها بطريقة معيّنة وبترتيب مخصوص
وليس يوضع هذا المعلوم قبل هذا المعلوم أو العكس، لا، بل لابد من أن توضع هذه
المعلومات بترتيب معين ينتج هذا الترتيب العلم بهذا المجهول الذي ننتقل إليه ولولا
هذا الترتيب المخصوص لما حصل الانتقال الصحيح.
إذن لابد من
تعدد المعلومات، أن يكون ما ننتقل منه معلومين فأكثر ولابد من أن تكون مناسبة
للمجهول ولابد من أن تكون مرتبة وموضوعة في هيئة معينة مخصوصة حتى يحصل الانتقال،
متى حصلت هذه الأمور حصل العلم بالمجهول ومتى حصل العلم بالمجهول سمي هذا الشخص
حينئذ -الذي صنع ذلك- مفكرا، وسمي صنعه فكرا، ومتى لم يحصل شيء من هذه الأمور أو
لم يحصل واحد منها فليس بفكر جينئذ.
هذا الذي جعلهم
يعرّفون الفكر بأنه ترتيب أمور أي أمور
مرتبة، ترتيب أمور معلومة لأنه لا يجوز أن ينتقل من مجهول أو مجهولات لنعلم مجهولا
فالمجهول لا يفيد العلم بالشيء والجهل لا يأتي بعلم لذلك قالوا "ترتيب
معلومين فأكثر" لماذا؟ هل كل ترتيب لمعلومين يكون فكرا؟ لا، قالوا
"للتوصّل لأمر مجهول" أي للتوصّل للعلم بأمر مجهول لنرفع هذا الجهل عن
هذا الأمر، فهذا هو الفكر: هو ترتيب أمور معلومة، أمور أي أمران أو أكثر توضع هذه
الأمور في صيغة وهيئة ترتيبية يحصل بسبب هذا الترتيب الانتقال منها إلى علم بأمر
مجهول.
حينئذ نقول قد
رتبنا أمرين معلومين أو أكثر قد تكون ثلاثة أو أربعة أو خمسة، أقلها أمران، أما
الانتقال من أمر واحد إلى مجهول واحد فليس بكافٍ أو ليس نافعا وليس بفكر، حينئذ
نكون قد فهمنا تعريف الفكر في اصطلاحهم بقولهم هو ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى
أمر مجهول حينئذ.
قلنا يشترط في
هذه الأمور أن تكون مناسبة وأن تكون معلومة وأن تكون مرتبة، أما كونها معلومة فموجود
في التعريف لأنهم قالوا "ترتيب أمور معلومة" وأما كونها موضوعة في هيئة
تأليفية فمأخوذ من التعريف أيضا وهو أنهم قالوا "ترتيب أمور" وأما كونها
مناسبةً فهذا مفهومٌ وليس مذكورا في التعريف، فحينئذ يكون التعريف مشتملا على
حقيقة الفكر التي هي أنه أمور معلومة مناسبة للمجهول موضوعة في ترتيب وهيئة معينة
ويُنتقل منها إلى العلم بالأمر المجهول.
هذه هي حقيقة
الفكر أما أمثلته: فمثلا أنت تقول أنا أجهل معنى "الكلمة" في علم النحو،
مثلا، فهذا أمر مجهول فكيف تعلم معناه؟ نقول فكِّر! إن فكرت وصلت إلى العلم بأمر
مجهول، كيف أفكر؟ نقول لك ارجع إلى معلوماتك التي تعلمها في علم اللغة مثلا أو في
علم النحو أو تعلمها بالضرورة أو بالبديهة أو تعلمها من العرف، المهم أننا نحتاج
إلى رجوع للمعلومات لأن التفكير لابد فيه من معلومات تستجمع لننتقل منها إلى هذا
الأمر المجهول، فنقول ارجع إلى المعلومات التي عندك، هذا أول شيء هو أن يتحرك ذهنك
إلى المعلومات المخزونة.
الثاني الذي
يصنعه الذهن بعد هذه الحركة هو أن يفتش وأن يبحث عن المعلومات المناسبة للمجهول
الذي يريد العلم به، حينئذ يصل، إن كانت عنده ووصل إليها أمكنه أن يفكر، لو لم تكن
عنده يحتاج لتحصيلها، فلنفرض أنها موجودة في معلوماته وقد علمها قبل ذلك، فنقول
حينئذ فلتحضرها ولابد من أن تضعها في هيئة وترتيب معين، بعد ذلك ينتقل ذهنك دفعة
واحدة للعلم بالأمر المجهول بعد الحصول على هذه المعلومات المناسبة وبعد ترتيبها،
يحصل الانتقال الدفعي الذي لا تملكه أنت، يحصل الانتقال من هذه المعلومات إلى
العلم بهذا العلم المجهول، هذه هي العملية التي هي الفكر.
فنقول لك ارجع
إلى معلوماتك، ماذا تعلم؟ تقول "أنا أعلم معنى العالم مثلا وأعلم معنى
الإنسان وأعلم هذا أنه خشب وأعلم أن هذا ثوب وأعلم أنني فلان وأنني في يوم كذا وأعلم
أنني أكلت كذا، أعلم أمورا كثيرة، وعندي معلومات كثيرة، ننظر في كل واحد منها نراه
غير مناسب للكلمة، لا يناسبها بشيء، تعلم أن هذا خشب هذا لا يتناسب مع الكلمة في
شيء لأنه جسم خارجي والكلمة أمر لفظي، تعلم أن هذا ثوب لا يتناسب أيضا مع الكلمة،
تعلم أن هذا زيد، هذا لا يتناسب مع الكلمة التي أجهلها وأريد أن أعرف حقيقتها، إذن
ليس عندك معلوم يناسب معنى الكلمة فلا سبيل إلى علمك بالكلمة حينئذ إلا أن تتحصل
على معلومات تناسبها.
يأتي الآخر
ويقول "نعم من المعلومات التي عندي: اللفظ، أعلم ما معنى اللفظ وأعلم معنى
الإفراد، وأعلم كثيرا من الكلام ومن قوعد إلى آخره" يعلم أشياء كثيرة منها
اللفظ ومنها الإفراد نقول "نعم، اللفظ هو أمر معلوم عندك يناسب الكلمة،
والإفراد أمر يناسب الكلمة" حينئذ توصلنا إلى معلومات مناسبة للكلمة هي اللفظ
والإفراد.
وأمور أخرى كأن
تعلم الوزن وأن تعلم الصوت وأن تعلم التركيب إلى آخر ما هنالك من الأمور التي
تناسب الكلمة لكننا نحتاج هنا إلى اللفظ والإفراد فإذا تحصلنا على هذين المعلومين،
"اللفظ" وهو أنه صوت يعتمد على مخارج الفم، و"الإفراد" وهو
أنه يكون من لفظ واحد، هذا معلوم و هذا معلوم، نقول حينئذ لم يبق لك إلا شيء واحد،
أنت فتشت في معلوماتك ووصلت إلى معلومين، والمعلومان مناسبان للكلمة التي تريد أن
تعلمها، لم يبق لك إلا شيء واحد: أن تضع المعلومين في ترتيب وفي هيئة تنتج لك
معرفة ما تجهل.
فإذا قلت
"اللفظ المفرد" كانت هذه هي حقيقة الكلمة فحينئذ تقول "قد علمت
الآن معنى الكلمة، هي اللفظ المفرد" كيف علمت ذلك؟ تقول "فكرت"، ما
معنى أنك فكرت؟, تقول "بحثت عن معلومات عندي تناسب هذه الكلمة التي كنت
أجهلها ووجدت -والحمد لله- وجدت اللفظ والإفراد ووجدت أمورا كثيرة أعلمها ولا تناسب
الكلمة فأعرضت عنها، ثم رتبت هذين المعلومين ووضعتهما في ترتيب معين فحصل لي حينئذ
العلم بحقيقة الكلمة"، هذا يسمى فكرا.
كذلك من لا يعلم
معنى الإنسان، يفتش في معلوماته وبعد أن يفتش فيها يأتي بما يناسبها فسيجد معنى
عنده هو اللفظ والإفراد والخشب والثوب والتليفون والورق إلى آخر ما هنالك من
المعلومات، لا يجد معلوما من هذه مناسبا للإنسان إلا معلوما كالحيوان كالجسم كالنامي
كالحساس كالمتفكر إلى آخر ما هنالك من هذه المعاني التي تناسب الإنسان، فيتعلم في
هذا العلم كيف يرتبها ترتيبا معينا ينتج حقيقة الإنسان فإذا أتى بمعلوم وهو "حيوان"،
وبمعلوم هو "ناطق" ورتب هذين المعلومين، وضع الحيوان أولا والناطق ثانيا
نتجت له حقيقة الإنسان حينئذ فيقول "أنا فكرت، فعلمت بتفكيري معنى
الإنسان"، ما معنى ذلك؟ أي "بحثت عن معلومات ووجدتها مناسبة للإنسان
ورتبتها فحصلت حقيقة الإنسان، هذا شأن التفكير في معرفة حقائق الأمور.
وقد تجهل أمرا
فيه حكم كأن تجهل مثلا أن العالم حادث، هل هو حادث أو ليس بحادث؟ حادث أم قديم؟
تجهل ذلك ولا تعلم فنقول لك ما قلناه في الكلمة وفي الإنسان "ارجع إلى
معلوماتك التي هي مخزونة عندك، فتّش فيها و ابحث عما يناسب هذا الحكم الذي هو:
العالم حادث، هل عندك ما يناسبه؟ بمعنى هل عندك قضايا تشتمل على لفظ العالم وهل
عندك معلومات تشتمل على لفظ حادث؟ فربما نجد بين هذه المعلومات اشتراكا في شيء
يجعلنا ننتقل من العالم إلى الحادث فيحصل العلم بحدوث العالم وربما لا نجد، إن كنت
لا تجد فتحتاج إلى أن تتعلم وأن تكتسب معلومات تناسب الحكم الذي هو العالم حادث".
"وربما تجد"
كأن يجد إنسان أنه يعلم أن العالم متغير، هذه هو يعلمها لأنه يرى أنه ينتقل من
حالة كذا إلى حالة كذا ويعلم أن هذا يسمى تغيرا، فحينئذ يقول "أنا عندي معلوم
يناسب ما أبحث عنه وهو العالم حادث"، ما هو المعلوم؟ "هو أن العالم
متغير"، نقول "نعم، هذا ضعه معنا الآن نريده، عندك معلوم آخر؟ لأنه لا
ينتقل من معلوم واحد لمجهول، لابد من معلومين فأكثر"، يقول "نعم أعلم أن
المتغير لا يكون إلا حادثا" نقول "نعم، عندك معلومان كل منهما يشترك مع
العالم حادث في شيء وكل منهما يشتركان في شيء هو المتغير"، حينئذ يحصل
الانتقال الدفعي إن رتبت القضيتين ترتيبا صحيحا بأن يقول "العالم متغير وكل
متغير حادث" يحذف المتغير فيبقى "أن العالم حادث" فيحصل العلم بأن
العالم حادث.
ولو عكس الترتيب
لم يصح بأن يقول "كل متغير حادث والعالم متعير" لم يصح ولم يحصل
الانتقال حينئذ لكون العالم حادثا فهذا الترتيب ليس بصحيح، وإن رأيناه فهو على
التسامح، فالأصل هو أن يرتب لكنه قد يذكر مع التخالف فقد يذكر "كل متغير حادث
والعالم متغير" ونقول إنه قياس ومنتج هذا على سبيل التسامح لأنه لابد من
الترتيب الصحيح الذي ندرسه في آخر هذا النظم بمشيئة الله تعالى.
حينئذ يقول
"أنا جهلت أن العالم حادث وفتشت في معلومات عندي فوجدت معلومات كثيرة، وجدت
أن زيدا قائما ووجدت أنني فلان ووجدت أن هذا علم كذا ووجدت أن هذا خشب" كلها
معلومات فيها أحكام بخلاف ما كنا نصنعه في الكلمة وفي الإنسان لم يكن فيها أحكام
أما هذه فمعلومات فيها أحكام، وهذا كتاب، هذه ورقة، هذه دار، هذا إنسان، هذا طائر،
إلى آخر ما هنالك من الأحكام الموجودة عنده.
وجد منها أمورا
تناسب الإنسان، أو يقول "وجدت أمورا تناسب العالم حادث وهي أن العالم متغير
وكل متغير حادث ورتبتها فنتج لي العلم بأن العالم حادث، وقد كان مجهولا، فيسمى هذا
الإنسان مفكرا وتكون القوة العاقلة عنده التي هي الذهن تكون قد فكرت وعملت عملها
هو تفكير، انتقلت من المعلومات إلى المجهولات حينئذ والفكر صحيح لأنه مطابق
للقواعد التي تذكر هنا.
هذا هو ما يتعلق
بالفكر حقيقة وأمثلة، ولا يخرج تفكير ولا فكر أبدا عن أن نتوصل إلى أمر مجهول ليس
فيه حكم أو إلى أمر مجهول فيه حكم ولا يوجد ثالث لهما فكل الأفكار التي تكون في كل
علم من العلوم أو في شتى مجالات الحياة فإنها ترجع إلى الأمرين، ومن أتقن وأحكم
الطريقة التي يصل بها من المعلومات إلى المجهولات استطاع أن يكون فكره صحيحا في كل
المجالات وأن يكون فكره سريعا قويما يستطيع أن يثبته و يدافع عنه وأن يبطل فكر
غيره هذا هو القالب.
أما ما هي
المعلومات التي علمها والمجهول الذي أراد أن يصل إليه بعينه من أين حصّل هذه
المعلومات؟ هذه المعلومات في لغة، في شرع، في عادة، في عرف، في مأكل، في مشرب،
المنطقي لا شأن له بذلك، المنطقي لا يتكلم عن المعلوم في نفسه، لا يلقنك المعلومات،
المنطقي يقول لك "عندك معلومات لا شأن لي بها لكنني أعلمك كيف ترتبها لتصل
إلى مجهول، ما هذا المجهول؟ لا شأن لي به أنا أعلّمك الوصول على العلم به فقط"،
لذلك لم يتعلق بالمنطق منع ولا حظر لأنه يعلمك انتقالا وليس في ذلك ما يضر لا في
اعتقاد ولا في غير ذلك مما سنبين بمشيئة الله تعالى في الكلام على حكمه.
إذن هذا هو
الفكر, وأمثلته قد اتضحت وله مثال تقريبي لهذا الذي ذكرناه و هو أنهم شبهوه بمن
أراد أن يفتح بابا مثلا، ووجد بابا مغلقا بقفل، فهذا مثل الأمر المجهول، فالأمر
المجهول مغلق لم يعلمه شخص وأراد أن يفتح هذا الباب كما أنك تريد أن تعلم هذا
المجهول، فماذا يصنع؟ مهما حاول لا يستطيع لأن هذا القفل مغلق، فلا بد من أن يتحصل
على شيء يفتح به هذا القفل.
فحينئذ يقول
"أرجع إلى صندوق به آلات وأدوات وأشياء تناسب فتح القفل" وليس أنه يأتي
بأي أدوات ولا بأي آلات، فهناك آلات وأدوات تناسب صناعة الكتب ولا تناسب فتح القفل،
وهناك آلات وأدوات تناسب صناعة هذا الخشب وهذا الكرسي، لا تناسب فتح القفل كما
هناك معلومات لا تناسب المجهول، وهناك آلات وأدوات تناسب فتح القفل كأن يكون
منشارا يقطع به هذا القفل، أو يكون مفتاحا يفتح به هذا القفل إلى آخر ما هنالك من
الأمور التي تناسب فتح القفل فحينئذ يقول "نعم، قد تحصلت عليها ووجدتها".
إن لم يجدها -كما قلنا في الإنسان الذي لم يجد المعلومات التي تناسب المجهول- إن لم يجدها فعليه أن يبحث عنها في مكان آخر، إن وجدها يأتي بها ويصنع أمرا معينا يتعلمه بخبرة في صناعة ما، يصنع أمرا معينا مرتبا منظما حينئذ يفتح القفل، هذا هو الذي يصنع في التفكير أيضا، لكن هذا في المحسوسات والتفكير أو الفكر في الأمور المعنوية، الأمر انغلق فرجعنا إلى أمور تناسب المنغلِق وأتينا بها ووضعناها بصورة معينة نتعلمها فينفتح الأمر المغلق فيعلم حينئذ، هذا هو المثال الحسي، هذا ما ذكره الناظم في قوله (والبعد فالمنطق للجنان ** نسبته كالنجو للسان، فيعصم الأفكار عن غي الخطا) وسنأتي على هذه الأبيات.
﴿مقدمة المتن﴾
قال الناظم رحمه الله :
بسم الله الرحمن الرحيم
|
1- الحَمـدُ لِلَّهِ الَّذِي قَـد
أَخـرَجَا |
|
نَتَـائِجَ الفِـكرِ لِأَربَـابِ الحِـجَا |
بدأ بالبسملة
والحمدلة لحديث النبي ﷺ «كل أمر ذي بال لا يُبدأ بـ"ألحمد لله" فهو أجذم، أبتر»
وفي بعض روايات «بـ"بسم الله"» فأعملَ المصنف رحمه الله الحديثَين
واقتدى أيضا بالكتاب العزيز فإنه بدأ بالبسملة وثنّى بعدها بالحمدلة قال (الحَمـدُ
لِلَّهِ الَّذِي قَـد أَخـرَجَا).
(أخرجا) أي أظهر
(نتائج الفكر) الفكر قد عرفناه والحمد لله، والنتيجة هي الأمر المجهول الحكمي الذي
نتوصل إليه كما قلنا رتبنا العالم متغير وكل متغير حادث فوصلنا إلى نتيجة هي الأمر
الذي كان مجهولا، ويسمى نتيجة بعد أن نعلمه هي: أن العالم حادث، فالشيخ هنا يقول
الحمد لله الذي قد أظهر نتائج الفكر.
(لأرباب الحجا) أي
لأصحاب العقول، فأرباب جمع رب بمعنى صاحب والحجا هو العقل بكسر الحاء والقصر أي
بغير همزة بعد الألف، أي لأصحاب العقول الذين يفكرون بمعنى أنهم يبحثون عن معلومات
ويرتبونها، هو يحمد الله سبحانه وتعالى على إظهاره النتائجَ بعد هذا التفكير
لهؤلاء العقلاء.
وفي ذلك براعة
استهلال وهي أن يذكر المتكلم في بداية كلامه ما يفيد ويبين مقصوده الذي يقصده،
فهنا الشيخ يؤلف هذا النظم وهو طويل فيأتي في أول بيت بما تفهم به مقصوده من هذا
النظم، هو أن مقصوده في بيان نتائج الأفكار وفي معرفة الفكر، في معرفة حقيقته
وطريقته، فهذه تسمى عندهم ببراعة الاستهلال.
|
2- وَحَـطَّ عَنهُم مِن سَمَـاءِ العَقلِ |
|
كُلَّ حِجَـابٍ مِـن سَحَابِ الجَهلِ |
(حط) أي أزال ووضع.
(عنهم) أي عن
أرباب الحجا.
(من سماء العقل)
أي من العقل الذي هو كالسماء فشبّه العقل بالسماء لرفعته و لعلوه ولأن السماء تظهر
فيها الشمس ويظهر فيها القمر وتظهر فيها النجوم التي تنير للإنسان ولغيره، كذلك
العقل فيه المعارف وهي تنير للإنسان طريقة فلذلك شبه العقل بالسماء فهو من إضافة
المشبه به (سماء) للمشبه (العقل).
(كل حجاب من سحاب
الجهل) أيضا شبه الجهل بالسحاب، فإن الجهل حجاب بين الإنسان وبين العلم، وهو قد
بين أن العقل كالسماء، فالحجاب بين الإنسان والسماء هو السحاب فشبه الجهل بهذا
السحاب، لأنه كان يحجب الإنسان عن رؤية السماء، كذلك الجهل يحجُب الإنسان عن العقل
وعن العلم بالأشياء، يقصد بالحجاب الجهل والمقصود أن الله سبحانه وتعالى أزال عن
أصحاب العقول الذين يفكرون أزال عنهم الحُجُب التي هي الجهل المشبه بالسحاب التي
تعيقهم عن معرفة العقل والعلم الذي هو كالسماء.
|
3- حَتَّى بَدَت لَهُـم شُمُوسُ المَعرِفَه |
|
رَأَوا مُخَــدَّرَاتِـهَا مُنكَــشِفَه |
(حتى) : للغاية أي إلى أن بدت لهم.
(بدت) أي ظهرت
(لهم).
(شموس المعرفة) أي
المعرفة التي هي كالشموس، أي المعرفة التي هي كالشمس، فإن الشمس واحدة وليست
متعددة لكنه جمعها هنا تعظيما فقال "شموس"، (حَتَّى بَدَت لَهُـم
شُمُوسُ المَعرِفَه) أي ظهرت لهم المعرفة هي العلم بالنتيجة، هي العلم بالأمر
المجهول الذي أرادوا أن يتوصلوا إليه، قال حتى بدت لهم هذه المعرفة التي هي كالشمس
في أن المعرفة تنير للعقل طريقه كذلك الشمس تنير للإنسان طريقه فشبه المعرفة
بالشمس بجامع ذلك.
لما بدت لهم
شموس المعرفة، قال (رأوا مخدراتها منكشفه) الضمير في "مخدراتها" الظاهر
أنه يرجع إلى "شموس" لأن الضمائر ترجع إلى المضاف، لكن الأظهر أنه يرجع
إلى المضاف إليه هو المعرفة، أي رأوا مخدرات المعرفة ويمكن أن تقول رأوا مخدرات
الشموس، مخدرات جمع من مخدّرة وهي الأمور المستترة المخفية في خِدرها وهو الستر، أي
رأوا المعلومات والمعاني الخفية المستترة رأوها منكشفة.
لما أوصلهم الله
تعالى ومنّ عليهم بترتيب حسن للمعلومات وصلوا إلى العلم بالمجهولات وفي ضمن وصولهم
للعلم بالمجهولات وصلوا إلى أمور دقيقة خفية فإن المعاني والمعلومات لا تتساوى،
منها معلومات يعلمها أكثر الناس فقد يخفى عليك معلوم منها ومنها معلومات لا يعلمها
كثير من الناس فأنت عندما يوفقك الله تعالى لتتوصّل إلى المعاني وإلى المعلومات
تتوصل في ضمن ذلك إلى المعاني وإلى المعلومات الخفية أيضا لذلك قال (حَتَّى بَدَت
لَهُـم شُمُوسُ المَعرِفَه ** رَأَوا مُخَــدَّرَاتِـهَا مُنكَــشِفَه).
|
4- نَحمَـدُهُ جَـلَّ عَـلَى الإِنعَامِ |
|
بِنِعــمَةِ الإِيمَــانِ وَالإِسـلاَمِ |
(نحمده) حمد أولا بالجملة الاسمية وحَمِد
ثانيا بالجملة الفعلية ليحوز شرف الأسلوبين.
(جل) جملة
اعتراضية بمعنى عظم.
|
5- مَـن خَصَّنَا بِخَيرِ مَن قَد أُرسِلاَ |
|
وَخَيرِ مَـن حَـازَ المَقَامَـاتِ العُلاَ |
(من خصنا بخير من قد أَرسلا) أو (أُرسِلا)
بالبناء للمعلوم أو المجهول سِيّان.
(وخير من حاز)
أي جَمَع (المقامات العلا) ﷺ.
|
6- مُحَـمَّدٍ سَيِّـدِ كُـلِّ مُقتَفَى |
|
العَـرَبِيِّ الهَـاشِـمِيِّ المُصـطَفَى |
(محمدٍ)
و(محمدٌ) و(محمدًا) يجوز الوجوه الثلاثة لكن النصب لا يساعده النظم لأنه ليس موجودا
في هذا اللفظ ألف بعد الدال، ويجوز في هذا النظم الجر والرفع ويتوافق مع رسمه،
والجر على البدلية على أنه بدل من «خير»، من خصنا بخير من قد أَرسلا أي من خصنا
بمحمد سيد كل مقتفى.
والأحسن الرفع
أن تقول "محمدٌ سيدُ كل مقتفى" ليكون لفظه مرفوعا كما أنه ﷺ مرفوع، فلا
يناسبه الخفض والجر لعلو مرتبته ﷺ، قال (محمد سيد كل مقتفى) أي سيد كل متّبَع (العَـرَبِيِّ
الهَـاشِـمِيِّ المُصـطَفَى).
|
7- صَـلَّى عَلَيهِ اللَّهُ مَـادَامَ الحِجَا |
|
يَخُـوضُ مِـن بَحرِ المَعَانِي لُجَجَا |
(صَـلَّى عَلَيهِ اللَّهُ ما دام) ما
مصدرية ظرفية أي مدة دوام (الحجا) أي العقل (يخوض من بحر المعاني) أي المعاني التي
كالبحر فهي من إضافة المشبه به للمشبه، (لججا) جمع من لجة وهي الماء العظيم
المضطرب.
شبه المعاني
بالبحر والبحر كبير وواسع، وشبه المعاني الصعبة خاصة بالماء العظيم المضطرب فهو
هنا يقول صَـلَّى عَلَيهِ اللَّهُ مَـا دَامَ الحِجَا أي مدة دوام كون الحجا
(يخوض) ويتعمق ويغوس في المعاني التي هي كالبحر فيتحصل على المعاني الصعبة والأمور
العَوِيصَة التي هي كالمياه المضطربة.
|
8- وَآلِـهِ وَصَـحبِهِ ذَوِي الهُدَى |
|
مَـن شُبِّهُـوا بِأَنجُــمٍ في الِاهتِدَا |
يشير إلى حديث النبي
ﷺ «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
ثم قال :
|
9- وَبَعـدُ فَـالمَنـطِقُ لِلـجَنَانِ |
|
نِسبَتُهُ كَـالنَّحـــوِ لِلِّسَــانِ |
(وبعد) أصلها: أما بعد، والأصل الأصيل: مهما
يكن من شيء فأقول بعد البسملة والحمدلة والصلاة على الرسول ﷺ وعلى آله وأصحابه المنطق
كذا كذا إلخ، فالأصل الأصيل: مهما يكن من شيء، فهذا شرط للإطلاق، ثم وضعوا نائبا
عن مهما يكن من شيء بعد البسملة والحمدلة والصلاة فأقول، أو مهما يكن من شيء أقول
بعد البسملة والحمدلة الخ، لك هذا ولك ذاك، وضعوا مكان مهما يكن من شيء
"أمّا" فيقولون "أما بعد" وهي فصل الخطاب، وكان النبي عليه
الصلاة والسلام يفتتح خطبه بها، ثم أنابوا الواو عن "أما" فالواو نائبة
عن أما وأما نائبة عن مهما يكن من شيء بعد، والمقصود أنه يقول لك: مهما يكن من شيء
فأقول لك بعد ما مر من الكلام، ماذا يقول؟
(فالمنطق) أي
فأقول المنطق (للجنان) أي للقلب ولعل مقصوده هنا بالجنان العقل، (نسبته كالنحو للّسان)
بيّن هنا نسبة النحو للّسان وشبه نسبة المنطق للجنان أو العقل بها، فنسبة النحو
للّسان هي نسبة العاصم والحافظ فإن النحو قد وضع ليضبط نطق اللسان بالكلمات
وبالتراكيب فهو يحفظ ويعصم اللّسان عن اللحن والخطأ في الكلام، هذه هي نسبته للسان،
نسبة العاصم والحافظ.
ونسبة المنطق للعقل
وللذهن ما ذكرناه وفصلناه وبيناه هو أنه يجعله يفكر تفكيرا صحيحا سليما ويبعده عن
التفكير الخطأ فهو يعصمه ويحفظه أيضا، فالمصنف هنا يقول: نسبة المنطق للعقل كنسبة
النحو للّسان، النسبة هي العصمة والحفظ، هذا هو معنى قوله (وبعـدُ فَـالمَنـطِقُ
لِلـجَنَانِ نِسبَتُهُ) أي نسبة المنطق للجنان (كَـالنَّحـــوِ) أي كنسبة النحو (لِلِّسَــانِ)
وهي الحفظ.
|
10- فَيَعصِمُ الأَفكَارَ عَن غَيِّ الخطا |
|
وَعَـن دَقِيقِ الفَهـمِ يَكشِفُ الغِطَا |
(فَيَعصِمُ الأفكار) أي فَيَعصِمُ الفكر
لكنه جمع ذلك بسبب تعدد الأفكار عند الشخص وعند الأشخاص.
(عن غي الخطا) هذه
الإضافة بيانية أي عن الضلال الذي هو الخطأ.
(وَعَـن دَقِيقِ
الفَهـمِ يَكشِفُ الغِطَا) هذه الواو ليست عاطفة على "عن" السابقة فليس
العطف هنا صحيحا لأن معناه حينئذ فيعصم الأفكار عن غي الخطا ويعصم الأفكار عن دقيق
الفهم، وهذا خطأ، وإنما هذه جملة استئنافية، الواو هنا استئنافية، فيعصم الأفكار
عن غي الخطا ويكشف الغطا عن دقيق الفهم، فحينئذ "ويكشف" يكون معطوفا على
"يعصم".
(وعن دقيق الفهم)
أي عن الفهم الدقيق، فهو من إضافة الصفة للموصوف، عن الفهم الدقيق أي الفهم الخفي
الذي لا يظهر لجميع الناس، قال وعن الفهم الدقيق (يكشف الغطا) فإذا كشف الغطاء عنه
حينئذ ظهر للعاقل الذي يفكر.
الأفكار والفكر قد
عرفناه و المنطق كيف يعصم؟ المنطق يبين لك الطريقة الصحيحة في الفكر وهو أنه ما هي
المعلومات المناسبة للمجهول؟ فيعقدون في المنطق أبوبا تعلم منها كيفيةَ مناسبةِ
المعلوم للمجهول لأنه شرط في الفكر وهو أن تكون المعلومة مناسبة للمجهول ويبيّنون
لك كيف ترتبها ويبينون لك أيضا الأخطاء التي تمكن أن تقع في هذا الفكر.
فإذا علمت ذلك
من المنطق سلكت الطريق الصواب وابتعدت عن الخطأ في الفكر فانعصم ذهنك وفكرك عن
الخطأ، فلذلك جعلوا المنطق عاصما للذهن عن الخطأ في الفكر وهو ما ذكره المصنف
بقوله (فَيَعصِمُ الأَفكَارَ عَن غَيِّ الخطا ** وَعَـن دَقِيقِ الفَهـمِ يَكشِفُ الغِطَا)
إذا صحت أفكارك وصلت إلى المعلومات وصولا سليما فكثرت المعلومات الصحيحة عندك
فظهرت بعد انكشاف هذه المعلومات لك معلومات دقيقة تخفى على كثير من الناس فتكون
العصمة لفكرك من الخطأ قد أدّتك إلى المعرفة بالأمور العويصة الصعبة الدقيقة في
المعلومات والمفهومات.
|
11- فَهَـاكَ مِن أُصُـولِهِ قَوَاعِـدَا |
|
تَجـمَعُ مِـن فُنُـونِهِ فَـوَائِـدَا |
(فهاك) أي خذ، فهو اسم فعل أمر بمعنى "خذ".
(من أصوله
قواعدا) الأصل والقاعدة والقانون والضابط بمعنى واحد، كلها بمعنى القاعدة الكلية
التي يُعرَف منها أحكام جزئياتها، فكل قضية ليست بكلية لا تسمى قاعدة، إنما
القاعدة لابد وأن تكون قضية كلية، أنت تقول "زيد قائم" هذه ليست بقاعدة،
إنما إذا قلت "كل عالم بالنحو فإنه لا يقع الخطأ في نطقه" هذه قاعدة
لأنها قضية كلية اندرج تحتها كثير من الجزئيات وهو هذا العالِم وهذا العالم وهذا
العالم، فهذه جزئيات اندرجت تحت قولك "كل عالم بالنحو".
تقول
"كل إنسان حيوان" فهذه قاعدة لأنها اندرجت تحتها جزئيات فيه زيد وبكر
وعمرو وفاطمة وعائشة فتقول فاطمة حيوان، زيد حيوان، عمرو حيوان، فقد عرفت أحكام
جزئياتها، فالأصل والقانون والقاعدة والضابط إذا رأيتها في أي كتاب أو في أي علم فهي
بمعنى واحد بمعنى الأمر الكلي الذي تعرف به أحكام جزئياته.
فالعلوم كلها قواعد
وكلها ضوابط وكلها قوانين لأن مسائلها أمور كلية، كما يعلم ذلك من مارَسها، فهو
هنا يقول: خذ من أصوله، لأن المنطق علم والعلوم كلها قواعد وقوانين فهو يقول لك:
خذ من أصوله، أي من أصول المنطق قواعدَ أي خذ قواعد أي الأمور الكلية هي بعض أصول
وبعض قواعد المنطق، فالقاعدة والأصل بمعنى واحد، فحاصل هذا الشطر أنه يقول لك: خذ
قواعد من المنطق هي بعض قواعده، هي بعض أصوله.
(فَهَـاكَ مِن
أُصُـولِهِ قَوَاعِـدَا) أي فخذ قواعد هي بعض قواعد المنطق، (تجمع من فنونه) الفن
بمعنى النوع، فالفنون بمعنى الأنواع فيقول: تجمع هذه القواعد التي أعطيها لك هي
بعض قواعد المنطق تجمع من فنونه أي من أنواعه ويقصد بالأنواع هنا مسائله والجزئيات
التي تندرج تحت هذه القواعد، (فوائدا) الفائدة هي ما يُتحصل في آخر الشيء، الثمرة
التي تحصل من الشيء، فهو يقول لك: خذ قواعد هي بعض قواعد المنطق فبأخذها تكون قد
جمعت من أنواعه وفنونه فروعا وفوائد هي فروعه هي جزئياته المندرجة تحت القواعد
والقوانين, فإن القاعدة والقانون كما ذكرنا أمر كلي له جزئيات، هو يقول لك: إن
أخذت قوانينه استفدت هذه الفروع التي هي هذه الجزئيات المندرجة تحته.
فإنك في الفقه
مثلا تعلم حكما من الأحكام أن الوضوء مثلا شرط للصلوة، فحينئذ تعلم أن هذا الوضوء من
هذا الشخص شرط لصلوته وأن هذا الوضوء من هذا الشخص شرط لصلوته فإذا علمت القاعدة
الكلية وهي كل وضوء شرط للصلوة أو كل صلوة يشترط لها الوضوء علمت حينئذ هذه
الجزئيات، فاستفدت بالقاعدة الكلية فروعا كثيرة.
هذا مقصوده، خذ!
أعطيك بعض قواعد المنطق إن أخذتها تكون قد جمعت الفروع المندرجة تحتها، قال :
|
12- سَمَّيـتُهُ بِالسٌّلَّــمِ المُنَـورَقِ |
|
يُرقَـى بِـهِ سَمَـاءُ عِلـمِ المَنطِقِ |
(سميتههُ) الضمير يرجع على أمر مفهوم، فإنه
لم يذكر نظمه سابقا ولم يتعرض لذكره وإنما ذكر المنطق وذكر القواعد والأصول وذكر
أنه أعطاك بعض القواعد، لكن المسمى بـ"السلم المنورق" ليس هو بعض هذه
القواعد بل هي الألفاظ التي تفهم منها هذا البعض، فحينئذ الضمير في
"سميته" لا يرجع على القواعد والأصول التي يعطيها لك الذي يقول لك خذها،
وإنما يرجع إلى الألفاظ التي وضعت لإفادتها، فحينئذ (سميته) الضمير يرجع لما فهمناه
من الكلام السابق في قوله: خذ بعض قواعد المنطق أي خذها في ألفاظ، خذها في النظم،
سميته أي سميت هذا "النظم" الذي تأخذ به هذا البعض أو هذه القواعد،
سميته بالسلم المنورق بتقديم النون، أو المرونق بمعنى المزين، كلاهما بمعنى واحد،
المشهور المرونق بمعنى المزين والمزخرف وأما الثابت في نسخة الناظم فهو المنورق
بتقديم النون.
(السلم) في الأمور
الحسية هو ما يُرتقى به ويتوصل به من سفل لعلو وسمّى نظمه هذا بذلك، سماه بالسلم لما
أنه يتوصل به إلى العلم ببعض قواعد المنطق، يُنتقل به من الجهل إلى العلم ببعض
قواعد المنطق، ويُنتقل منه أيضا إلى العلم بما في المطولات بعد ذلك فيكون سلّما.
قال (يُرقَـى
بِـهِ سَمَـاءُ عِلـمِ المَنطِقِ) أي يرقى به علم المنطق أي يتوصل به إلى علم
المنطق ويرتقي الإنسان به في علم المنطق نفسه، فأنت تصنع به (بها المتن) الأمرين:
أنك تنتقل من جهل بعلم المنطق إلى علم المنطق، وأنك تنتقل من علم المنطق نفسه من
درجة إلى درجة أعلى لذلك كان سلّما، قال أن
يرقى به علم المنطق الذي هو كالسماء، شبه بالسماء لما له من رفعة.
|
13- وَاللهَ أَرجُـو أن يَكُونَ خَالِصَا |
|
لِـوَجـهِهِ الكَـرِيمِ لَيـسَ قَالِصَا |
(و اللهَ أَرجُـو أن يَكُونَ خَالِصَا) خالصا
من كل الشوائب.
(لِـوَجـهِهِ
الكَـرِيمِ لَيـسَ قَالِصا) القالص هو الناقص، يدعو الله سبحانه تعالى ويرجوه أن
يجعل هذا التأليف خالصا لوجهه الكريم خالصا عن شائبة الشهرة والرئاسة والسمعة وحب
الدنيا، (ليس قالصا) أي ليس ناقصا بحصول هذه الأشياء في نية المصنف وأيضا يمكن أن
نحمل قوله (ليس ناقصا) على نقص آخر وهو أنه يرجو الله سبحانه وتعالى ألا يجعل متنه
هذا مهملا متروكا لا يأخذه العلماء ولا الطلاب ولا ينتشر بينهم ولا يُدرّس، فيسأل
الله ويرجوه أن لا يجعله ناقصا هذا النقص فيسأله أن يكون هذا المتن قد تناوله أكثر
الطلاب والعلماء وأن يشيع في اليلاد وينتشر.
|
14- وَأَن يَكُـونَ نَـافِعًا لِلمُبـتَدِي |
|
بِـهِ إِلَــى المُطَـوَّلاَتِ يَهتَـدِي |
(وَأَن يَكُـونَ نَـافِعًا لِلمُبـتَدِي)
فحينئذ قد بيّن "ليس قالصا" وهو بأن يكون نافعا للمبتدئين وألا يكون
متروكا ومهملا، فكَم من كتاب وجدناه متروكا ولا يعلم الناس ولا الطلاب ولا العلماء
عنه شيئا، أما هذا المتن فإن الله سبحانه وتعالى قد كتب له الشهرة والقبول بين
الطلاب والعلماء بل لا يكاد يوجد بلد من البلاد إلا ودخله هذا المتن، فقد استجاب
الله سبحانه وتعالى لدعاء مؤلفه.
(بِـهِ إِلَــى
المُطَـوَّلاَتِ يَهتَـدِي) حينئذ يكون سلّما.
وقد ذكر الشيخ
الملوي رحمه الله في شرحه على هذا المتن كلاما قال «قد ذكر لنا شيخنا أبو عبد الله
الكنكسي عن شيخه العلامة اليوسي أن المؤلف وهو العلامة الأخضري كان مجاب الدعوة وأنه
دعا لمن يقرأ التأليف بالنفع وقد أجاب الله دعاءه فكل من قرأه بنيّة خالصة لله
تعالى انتفع به كما هو مشاهَد» هذا كلام العلامة الملوي عن شيخ شيخه.
وأنا أشهد أيضا أن هذا المتن نافع وشاهدتُ في نفسي وغيري منفعة هذا المتن فإنه ما قرأه طالب العلم إلا وانتفع واستفاد وفتح الله عليه في غير المنطق وفي المنطق أيضا من العلوم وقد جربت ذلك شخصيا فما قرأت هذا المتن مع نفسي أو أقرأته للطلاب إلا وانفتحت علي أمور كانت مغلقة وما ينغلق علي أمر في حياتي إلا وأنوي تدريس هذا المتن وأفتح مع الطلاب وأشرحه لهم فينفتح هذا الأمر بإذن الله سبحانه وتعالى بأعظم مما طلبت وقصدت فعلمت بذلك كلام العلامة الملوي وغيره من الشراح الذين قالوا إن الله استجاب للناظم هذا المتن بأن الله سبحانه وتعالى يفتع وينفع الطلاب الذين يقرأونه ويعتمدون عليه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا المتن وبغيره وبهذا العلم وبغيره من العلوم.
انتهينا من
الكلام على المقدمة، بعد ذلك عقد المصنف رحمه الله تعالى فصلا قال:
Komentar
Posting Komentar