شرح متن السلم المنورق (٢) - الشيخ حسام رمضان - فصل في جواز الاشتغال به
﴿فصل في جواز الاشتغال به﴾
قد بيّنّا قبل
ذلك أن المنطق هو علم يعصمك عن الخطأ في انتقالك من المعلومات إلى المجهولات بأن
يبيّن لك المعلومات المناسبة لتحترز عن المعلومات غير المناسبة وأن يبيّن لك كيفية
اختيار هذه المعلومات ويبيّن لك كيفية ترتيبها والوصول منها إلى المجهول بحيث إذا
لم تحقق هذه الشروط لم يتحقق الانتقال الصحيح إلى المجهول فكان فكرا فاسدا حينئذ.
كل ذلك يُعلم من
الأبواب الآتية في علم المنطق وفي هذا النظم فيذكرون في شِقِّهِ الأول ما يتعلق
بالتصورات وبالتعريف وفي شقِّه الثاني ما يتعلق بالاستدلالات والأقيسة، إذا علمت
ذلك علمت أنه لا يمكن أن يتعلق بذلك حظر ولا حرمة ولا أن ذلك يصادم شرعا من
الشرائع ولا أنه يخالف عرفا من الأعراف بل هو الأمر الفطري الطبيعي الذي خلق الله
سبحانه وتعالى الإنسان عليه فلا يمكن أبدا أن يتفوّه عاقل من العقلاء علم هذا
المعنى الذي ذكرناه وفهمه عن أهله لا يمكن أن يتفوّه بحرمة لهذا العلم ولا أن هذا
العلم يجرّ إلى الكفر ولا أنه يجر إلى الزندقة ولا أنه يخالف شرعا من الشرائع لأن هذا
أمر ذهني مبني عليه كل ذهن من أذهان البشر.
أما ما يتعلق به
هذا الفكر، ما يدخل في هذا الفكر فكما بيّنّا في المرة الفائتة، الفكر كالكوب
كالقالب الذي توضع فيه الأشياء وأنت تضع فيه ما تشاء، فأنت يمكن أن تستدل على أمر
كفري أو أن تستدل على أمر إيماني إسلامي، المنطقي لا ينظر لهذا، لا أنه كفر ولا
أنه إسلام، هو يعلّمك كيف ترتّب ما عندك من معلومات، كانت هذه المعلومات كفرا كانت
إيمانا لا نظر له لذلك، هو يعلمك ترتب الأمور الكفرية لتتوصل إلى كفر؟ هذا ليس شأن
المنطقي، هو يعلمك ترتب أمورا مطلقة، فمثلا أنت تقول أو شخص يقول على صنم من
الأصنام "هذا إله" هو يعتقد ذلك كفرا وشركا فيقول "هذا إله"
ثم يقول "وكل إله يجب السجود له".
المنطقي يعلّمه
أنه بناء على معلومات هذه ينتقل منهما -من قوله "هذا إله (للصنم) و كل إله
يجب السجود له"- يعلمه أنه يحصل الانتقال من هذين المعلومين إلى قوله "هذا أي الصنم يجب السجود له"
ولا يلام المنطقي حينئذ ولا يقال للمنطقي أنت حينئذ نقلته إلى شرك أو إلى كفر أو
كذا أو كذا، لا! هو يعلّمه أن المعلومات التي عندك كيف تنتقل منها إلى مجهول حتى
وإن كان كفرا أو شركا، والمنطقي ليس مسئولا عن هذا الكفر أو هذا الشرك، إنما
المسئول هو الشخص الذي يعتقد أنه (الصنم) إله أما "كل إله يجب السجود له"
فهذا أمر معلوم ليس خطأً، أما قوله "هذا إله" فهو خطأ، فلما وضع هذا
الخطأ وهي قضية موجبة، المنطقي يقول صح وضعها مقدمة صغرى في الشكل الأول و"كل
إله يجب السجود له" المنطقي قال له هذه قضية كلية موجبة يصح وضعها بل يجب
وضعها في الشكل الأول كبرى فضعْها كبرى.
فلما صنع ذلك
قال له إذن يجب الانتقال حينئذ بعد حذف المكرّر (أي) بعد حذف "إله" و"كل
إله" تحذف هذا فتنتقل إلى "هذا يجب السجود له" فتبين بذلك أن هذا
الذي وضعه الشخص هو مسئول فيه وهو ضامن لما وضعه في هذا القالب، أما القالب
والصورة والهيئة التي وضع فيها فمسئولية المنطقي ولا يلام المنطقي حينئذ.
مثله مثل من يقول
"الله إلهي" من ناحية المنطقي ليس من ناحية صحة المقدمة أو بطلانها،
يقول "الله إلهي و كل إله يجب السجود له" فالنتيجة "لله يجب السجود
له"، هذا الفكر واحد، الفكر هنا واحد وهذه مسئولية المنطقي يضبط بقوانين
المنطق، الفكر هنا واحد بين من وصل إلى الشرك والكفر وبين من وصل إلى الإيمان، أما
المفكَّر فيه فالأول كان كفرا وشركا والثاني كان إيمانا، لا هذا مسئولية المنطقي ولا
هذا مسئولية المنطقي، مسئولية المنطقي هو الفكر الذي هو الشكل الأول بقوانينه
وشروطه التي تذكر في هذا الكتاب، إذن ظهر
الآن أن المنطق على المعنى الذي بيناه وصرح ونص عليه أهله لا يمكن أن يمنع ولا أن
يحظر بل هو نافع في كل فن وفي كل علم وفي كل تفكير يصنعه الإنسان.
فحينئذ نقول الفصل
الذي عقده الشيخ الأخدري رحمه الله في قوله (فصل في جواز الاشتغال به) ليس معقودا لبيان
حكم المنطق الذي نتكلم عنه والذي بينا أنه انتقال من معلوم إلى مجهول، وإنما هو
بيان للكتب التي بيّنت هذه القواعد واختلطت بقواعد وبأصول الفلسفة، فإن هذه
المعاني التي ذكرناها في كيفية الوصول من المعلوم إلى المجهول قد دوّنها علماء،
هؤلاء الذين دونوها منهم من كان مسلما ومنهم من لم يكن كذلك، فعندما يدوّنها غير
المسلم يريد أن يمثل لقواعدها فيمثل على قواعده، يمثل على أصوله وعقيدته، فتأتي
الأمثلة ويأتي كلامه بأصول غير إسلامية يكون فيها كفر ويكون فيها إلحاد على ما
يذكره المتكلمون من المسلمين.
فحينئذ نقول هذه
ليست من صلب قواعد المنطق، هذه انجرّ إليها المؤلف بسبب عقيدته، فلا يحكم على
المنطق نفسه بها، إنما يحكم على مؤلَّفه ويحكم على كتابه، فحينئذ نقول: هذا الفصل
معقود لبيان قراءة أمثال هذه الكتب التي شرحت المنطق وبينته ومع شرحها للمنطق ذكرت
قواعد ومبادئ أمورٍ غير إسلامية يأباها الإسلام، كأن يشرح هذا المنطق فيلسوف ويذكر
أن العالم قديم وهذا يعارض ما قرّره الإسلام من حدوث العالم ويذكر أن النفس
الناطقة ليست حادثة وهذا يناقض ما قرّره علماء الإسلام ويذكر أن الله علة وهذا
يتسبب في نفي الاختيار والقدرة عن الله تعالى، هذا أصل من أصوله هو يذكر ويشرح
المنطق، ماذا يصنع؟ هل يشرح أصول غيره أو يشرح المنطق دون أن يذكر أمثلة أصلا؟ لا
يمكن ذلك، فحينئذ تكون هذه الكتب قد خلطت بين المنطق الذي ذكرناه وأنه شيء سليم،
شيء لا يمكن أن يتعلق به حظر ولا حرمة لكنه يخلطه بأصوله الكفرية.
ومن علماء
الإسلام من صنع ذلك أيضا لأنه يشرح المنطق ويبينه وهو يشرح يأتي بأصول هؤلاء ليردّ
عليها أو ليتكلم لها بأي كلام فحينئذ تكون هذه الكتب قد ذكرت مع قواعد المنطق
أصولا غير إسلامية، ما حكم قراءة هذه الكتب؟ هذا الذي يذكره المصنف هنا فتنبه!
الفصل هذا ليس معقودا لمثل السّلّم ولا لمثل إيساغوجي ولا لمثل الشمسية ولا لمثل
كتب الإمام الغزالي، لكنه يندرج في مثل هذا الفصل كتب الإمام الفخر الرازي وكتب
العلامة العضد الإيجي وكتب العلامة الأرموي كالطوالع وكالمطالع للأرموي أيضا، والطوالع
للبيضاوي، والمطالع في المنطق للأرموي وشرحه القطب الرازي، هذه الكتب تدخل في هذا
الكلام وكذلك كتب الفلاسفة كالشفاء للشيخ الرئيس وكتب ابن رشد وكتب الفرابي كلها
تندرج في هذا الفصل، هل يجوز قراءتها أو لا يجوز؟ أما مثل السّلّم وإيساغوجي
والشمسية والتهذيب ومختصر العلامة السنوسي فلا يدخل في هذا الفصل، هو مباح ومتفق
عند من درس هذه العلوم وفهمها، متفق عندهم على قراءتها بل بعضهم بالغ وأوجبها.
حينئذ يُلام
المصنف في أنه كتب أو دوّن هنا فصلا لا يتعلق بمتنه فيتوهم الطالب على أن هذا
الخلاف يتعلق بهذا المتن وبغيره، كان عليه أن ينبه، أن يذكر أن مثل هذا جائز، لكنه
يمكن أن يُعتذر عن ذلك بأنه قال في آخر كلامه (وَالقَـولَةُ المشهُـورَةُ
الصَّحِيحَه جَـوَازُهُ لِـكَامِـلِ القَـرِيحَـه) إن كان ذلك يقال في الكتاب
المختلِط بالفلاسفة، فما شأن الكتاب الذي لم يختلط بعقائد الفلاسفة؟ إن كان يقال
إن القول المشهور الصحيح هو جواز قراءة الكتب التي اختلطت بعقائد الفلاسفة فيفهم
من ذلك أن الكتاب الذي لم يختلط بعقائد الفلاسفة يجوز بل يستحبّ.
هذا الذي يمكن
أن يقال في حق المصنف رحمه الله تعالى، ورجوعا إلى ما ذكرناه قبل ذلك وآنفا من أهمية
المنطق أذكر شيئا ذكره الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى وهو من المتقدمين، فله كتاب
في المنطق شرح فيه الكتب الثمانية لأُرُسْطوطاليس سماه بـ"التقريب لحد المنطق
والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية" لكنه غير نافع لمن أراد أن يدرس
المنطق على طريقة المتأخرين لكنه ينفع من أراد أن يدرس أو أن يعلم طريقة ابن حزم
بالنسبة لفلسفة أهل اليونان، فهو استقى هذا الكتاب من كلام أرسطوطاليس ومن كلام
الفرابي ومن كلام من ترجم الحكمة اليونانية وشرح ذلك.
ذكر في مقدمته
قال "وبعد فإن من سلف من الحكماء قبل زمننا جمعوا كتبا رتبوا فيها فروق وقوع
المسميات تحت الأسماء التي اتفقت جميع الأمم في معانيها" هذا كان شُغلا شاغلا
للفلاسفة، هو أنهم رأوا أن جميع الناس يتفقون في معاني الأشياء ويختلفون في
ألفاظهم في لغاتهم فحاولوا بيان الأمور المتعلقة بالمعاني ليجمع عقول الناس قدر
الإمكان على فكر واحد وعلى طريقة علمية واحدة، فحاولوا بيان ما للأسماء وما
للمسميات وما يختلط فيه الأمران، ذلك كتب الفلاسفة طافحة به وجزاهم الله خيرا على
ما صنعوا وقدموا في ذلك، لذلك يقدمون كتبهم في المنطق وفي غيره بالكلام على
الاشتراك وعلى الترادف وعلى التباين وعلى بيان ما يحصل فيه التداخل بين الألفاظ
ويفرقون بين الاشتراك والتداخل والعموم والخصوص المطلق والوجهي، ذلك ليحصل ما ذكره
ابن حزم رحمه الله وهو قوله "جمعوا كتبا رتبوا فيها فروق وقوع المسميات (أي
المعاني) تحت الأسماء التي اتفقت جميع الأمم (و"التي" صفة للأسماء) في
معانيها" ، قال "وإن اختلفت في أسمائها وإن اختلفت الأمم في تسمية هذه
المعاني".
قال "التي
يقع بها التعبير عنها إذ الطبيعية واحدة" طبيعة الأشياء واحدة وإن اختلفت لغات
الناس في التعبير عنها، قال "والاختيار مختلف شتى" أي اختيار الناس في
التعبير عنها، قال "و رتبوا كيف يقوم بيان المعلومات من تراكيب هذه الأسماء"
كيف نبين هذه الأمور من خلال تراكيب الأسماء كما هنا كما بينا في المنطق أننا
نتوصل إلى معرفة الشيء حقيقته بتركيب معاني معلومين فأكثر، بينوا ذلك أيضا.
قال "وما
يصح من ذلك وما لا يصح"، قال "وتقفّوا أي تتبّعوا هذه الأمور فحدوا في
ذلك حدودا ورفعوا الإشكال عنها" الذي كان من يقرأ تاريخ الفلاسفة ويقرأ ما
كان يدور بينهم من مناظرات يعلم مراده بقوله "ورفعوا الإشكال" لأنه كانت
عندهم إشكالات كثيرة كانوا يقعون فيها، "فنفع الله تعالى -هذا كلام الإمام من
أئمة الإسلام من الفقهاء ومن أهل الفتوى ومن أهل الاجتهاد- بها منفعة عظيمة وقرّبت
بعيدا وسهّلت صعبا وذلّلت عزيزا في إرادة الحقائق فمنها كتب أرسطوطاليس" يقال
أرسطوطاليس بهذا اللفظ الطويل ويقال إرسط وهو مختصر من هذا اللفظ، قال "فمنها
كتب أرسطوطاليس الثمانية المجموعة في حدود المنطق" هو كان يكتب المنطق في كتب
ثمانية.
الكتب التي جاءت
في العصور المتأخرة تجمع هذه الكتب الثمانية في أبواب ثمانية ويضعونها في كتاب
ويسمى بكتاب المنطق، وباب الكليات كان يسميه بإيساغوجي أو المدخل وباب القول
الشارح وباب القضايا وأحكامها وباب القياس ثم باب البرهان والجدل والشعر والخطابة
والسفسطة فهذه كانت كتبا وفي المؤلفات التي نتناولها تكون أبوابا، هذا معنى قوله
فمنها كتب أرسطوطاليس الثمانية المجموعة في حدود المنطق، وكتاب هذا كتاب ابن حزم
وهو التقريب لحد المنطق في بيان هذه الكتب الثمانية جمعها أيضا في كتاب واحد.
قال "وليعلم
من قرأ كتابنا هذا أن منفعة هذه الكتب" هذا كلام مهم جدا، هذا كلام تقبله ممن
عاين وممن تعلم هذه العلوم، ليس أنك تذهب إلى فقهاء أو محدثين أو أهل اللغة وتأخذ
منهم كلاما في حق العلوم العقلية، اقبل كلام من قرأ ومن عايش هذه العلوم ومعلوم
عنه السلامة في الدين، ابن حزم معروف ومعلوم عنه السلامة في الدين لأنه من الفقهاء
والعلماء ومن المحدثين أيضا، أما أن يقبل مذهبه أو أن يرفض أنه وقف أمام الأئمة
الأربعة أولا هذا شأن آخر لكنه من العلماء الذين حافظوا أو أرادوا الحفاظ على
الإسلام واجتهد في أمر الإسلام، أما قبول اجتهاده وعدم القبول هذا أمر آخر.
قال "ولِيعلم
من قرأ كتابنا هذا أن منفعة هذه الكتب ليست في علم واحد فقط بل في كل علم فمنفعتها
في كتاب الله عز وجل وحديث نبيّه صلى الله عليه وسلم..." انظر إلى قوله "فمنفعتها
في كتاب الله عز وجل وفي حديث نبيّه صلى الله عليه وسلم وفي الفتيا في الحلال
والحرام" يذكر عن كتب أرسطوطاليس الذي لم يكن مسلما وكان قبل المسيح عليه
السلام بأكثر من ثلاثمئة عام يذكر عنها أنها نافعة في الفتيا بالحلال والحرام وهذا
نقبله من ابن حزم لأنه ممن اشتغل بالفتوى، قال "وفي الفتيا بالحلال والحرام والواجب
والمباح أعظم منفعة" قال "وجملة ذلك" (أي نقول هذا الكلام في كلام
إجمال) قال "وجملة ذلك في فهم الأشياء التي نص الله تعالى ورسوله صلى الله
عليه وسلم عليها، وما تحتوي عليها من المعاني التي تقع عليها الأحكام وما يخرج
عنها من المسميات وانتسابها تحت الأحكام على حسب ذلك والألفاظ التي تختلف عبارتها
وتتفق معانيها".
ثم قال "وليعلم
العالمون" هذا الكلام ليس بالترتيب، أنا أخذت هذا الكلام غير مرتب من كلامه
فالكلام الأول انتهى بقوله "فمنها كتب أرسطوطاليس إلخ" وقوله
"وليعلم" هذا في موضع آخر في مقدمة هذا الكتاب وقوله هنا "وليعلم
العالمون" هذا في موضع آخر في مقدمته لأن بينها (بين هذه الفقرات من الكلام) كلام
لا نحتاجه، قال "وليعلم العالمون أن من لم يفهم هذا القدر فقد بعُد عن الفهم
عن ربه تعالى وعن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجز له أن يفتي بين اثنين أي أن
يقضي بين شخصين متنازعين في شرع أو في غيره، ولم يجز له أن يقتي بين اثنين بجهله
بحدود الكلام وبناء بعضه على بعض وتقديم المقدمات وإنتاجها النتائج التي يقوم بها
البرهان وتصدق أبدا أو تمييزِها من المقدمات التي تصدق مرة وتكذب مرة أخرى".
هذا كلام عالم
من العلماء المتقدمين ممن قرأ كتب أرسطوطاليس بنفسه وعلى شيوخه وليس أننا نسمع من
فقيه أو من عالم باللغة أو بالحديث يسمع مثلك، يسمع مثل الطالب المبتدئ، يسمع مثله
عن العلوم العقلية ثم يحرمها أو يبيحها أو يقرأ الكتاب قراءة عابرة أو ينظر في أهل
هذه العلوم، هذا هو الأمر الغالب في من تكلم في هذه العلوم من الفقهاء، هو أنهم
ينظرون لأهل هذه العلوم فيرون أحوالهم لا ترضِي الشرع فيحكمون على العلوم بالتحريم،
هذا في الحقيقة هو السبب الأصيل لأكثر من حرم ذلك من الفقهاء والمحدثين.
وأيضا ممن ذكر
فائدة ذلك وحث عليه الشيخ السنوسي شيخ السنة في شرح مختصره في علم المنطق وهو من
الكتب المنقحة أيضا والتي لم يذكر شيئا من الأصول الفلسفية فال "تعلُّم فن
المنطق وحفظ قواعده وفهمها يسهل للعقل وعر الأنظار (أي الأنظار الصعبة) ويتسع به
مجال الفكر مع الراحة والأمن من الخطأ في سلوكه مفاوز الاعتبار (أي في سلوكه
الاعتبارات والأقيسة الصعبة)".
وقد ذكر الشيخ الأُبِّي
في شرحه لصحيح مسلم عن الشيخ الإمام ابن عرفة رحم الله الجميع، الشيخ ابن عرفة له
مختصر أيضا في المنطق شرحه الشيخ السنوسي لكن مختصره وشرحه ليسا مطبوعين، قال "وقد
ذكر الشيخ الأبي في شرحه لصحيح مسلم عن الشيخ الإمام ابن عرفةَ رحم الله الجميع
أنه كان كثيرا ما يوصيهم على فن المنطق" كان كثيرا يوصي تلامذته بفن المنطق،
ويأمرهم ودراسته، ومعلوم أن هؤلاء من المغاربة والمغاربة كانوا أشد الناس وقوفا في
وجوه العقلاء وفي وجوه أهل العلوم العقلية فالمغاربة أكثر الناس وقوفا ومصادمة لمن
يتكلم بالعلوم العقلية وعلوم الطبيعة وهذه الأشياء، وذلك معلوم لمن قرأ التاريخ وهؤلاء من
أهل المغرب.
فانظر إلى ما يصنعه ابن
عرفة في هؤلاء، يوصي تلامذته قال "كان كثيرا ما يوصيهم على فن المنطق ويؤكد
الوصية" قال "ويقول لهم لابد أن أموت وترحموني على هذا" أي أن أموت
وأن تذكروني بعد الموت بالرحمة أن ترحموا علي لأنني نصحتكم وأوصيتكم بهذه الوصية
أي يقول لهم "ستذكرون وصيتي هذه بعد موتي وتقولون رحمه الله كان ينصحنا بذلك"،
انظر إلى كلام إمام من الفقهاء الكبار ومن العلماء من أهل الشرع.
قال الشيخ السنوسي رحمه
الله "أو تذكروني أو كلاما يقرب من هذا لم أتحققه الآن لطول العهد" هذا كلام
الشيخ السنوسي، قال "وبالجملة فالعلوم كلها متيسرة طوع اليد" كالأمور
التي تكون صعبة وتيسر في يدك، المنطق يجعل العلوم كذلك، قال "فالعلوم كلها
متيسرة طوع اليد لمن حقق المهمّ من هذا الفن إن يسر الله له ذلك" هذا كلام
الإمام السنوسي رحمه الله في مختصره وهو من الأئمة المعلوم عنهم الحفاظ على السنة
والذب عن العقيدة وعن الكتاب العزيز وعن سنة رسول الله.
والعلامة الباجوري رحمه
الله في حاشيته على مختصر الشيخ السنوسي ذكر قال "ومن كلام الحسن ابن سهل
رحمه الله: يا بني تعلموا المنطق فإنه يفضل الإنسان على سائر البهائم وكلما كنتم
بالمنطق أحذق كنتم بالإنسانية أحق" وأيضا يروى عن أبي علي الماكري أنه قال "هذا
العلم لا يعطيه الله تعالى بكماله إلا لمن أحب من أوليائه" هذا كلام عالم من
علماء المغرب أيضا فيقول هذا العلم لا يعطيه الله تعالى بكماله إلا لمن أحب من
أوليائه، قال "ومنهم الشيخ ابن عرفة والشيخ السنوسي رحمهما الله".
هذه بعض الأقوال التي
حثت على تعلم المنطق، قال الشيخ الأخضري رحمه الله في نظمه :
|
15- وَالخُلـفُ فِي جَـوَازِ الاِشتِغَالِ |
|
بِــهِ عَـلَى ثَـلاَثَـةٍ أَقــوَالِ |
(والخلف) أي والاختلاف، فالخلف اسم مصدر
بمعنى الاختلاف قال (في جواز الاشتغال) أي وعدم جواز، لأنه ذكر أقوالا بالجواز
وعدم الجواز، قال (به على ثلاثة أقوال) وبينا أن هذه الأقوال تتعلق بالكتب التي
دونت المنطق وخلطتها بقواعد وبأصول الفلاسفة، فحينئذ قوله في الترجمة (فصل في جواز
الاشتغال به) أي فصل في بيان جواز وعدم جواز اشتغال طالب العلم بقراءة كتب المنطق
التي اختلطت بقواعد الفلسفة، هذا إذا أردت أن تفهم الترجمة بتمامها، فهذا الفصل
أيضا في حق الكتب التي اختلطت بقواعد الفلاسفة أو بالكفريات ليس في حق كل إنسان بل
في حق طالب العلم خاصة لأنه الذي يمكن أن يَزيغ بقراءة هذه الكتب.
فصل في جواز وعدم جواز
قراءة أو اشتغال طالب العلم يقراءة وليس "به" أي بالمنطق نفسه لأن
المنطق نفسه بينا أنه لا يتعلق به ذلك، بجواز اشتغال وعدم جواز اشتغال طالب العلم بقراءة
كتب المنطق التي اختلطت بأصول كفرية أو بقواعد الفلسفة (والخلف في جواز الاشتغال)
أي وعدم جواز الاشتغال أي طالب العلم بقراءة الكتب التي اختلطت بقواعد الفلاسفة
كالطوالع والمطالع وككتب الفخر الرازي أو أكثر كتبه.
|
16- فَابنُ الصَّـلاَحِ وَالنَّوَاوِي حَرَّمَا |
|
وَقَـالَ قَـومٌ يَنْبَـغِي أَن يُعـلَمَا |
فنقل عن العلامة الشيخ
الإمام ابن صلاح وعن الإمام النووي رحمهما الله تحريم هذا الفن وفي عهد الإمام
النووي وابن الصلاح لم يكن المنطق قد نُقّح ولا قد خُلّص من الأصول الكفرية أو من
أصول الفلاسفة ففي عهدهما كانت الكتب في المنطق تذكر المنطق مخلوطا بعقائد
الفلاسفة، فهذا الذي جرهما للكلام في حق المنطق ولتحريمه لأنه لا يأمن الإنسان حينئذ من أن يزيغ وأن يوافق
هؤلاء في قول أو في شيء قرأه وهو لا يوافق الإسلام، فربما يقع الإنسان في أقوالهم
وهو لا يدري أنها تخالف الشريعة فحرّموا هذه الكتب لأجل ذلك.
هذا الذي يمكن أن يقال
في حقهما، لكن لا نحمل ذلك على المنطق الذي ذكرناه فإنه لا يقول عاقل بذلك كما صرح
الشيخ الملوي وغيره وكما بينا عن الشيخ ابن حزم وعن الشيخ السنوسي وسنذكر أقوالا
أخرى أيضا، قال (فابن الصلاح والنواوي حرما) وأذكر شيئا عن ابن الصلاح خاصة، هو
أنه كان يعادي أهل المعقول فمعاداة أهل المعقول معلومة عن الشيخ ابن صلاح، هو
مشهور صاحب المقدمة في مصطلح الحديث وكان من الفقهاء الكبار، فهو معلوم عنه معاداة
أهل المعقول، ومعلوم أنه ليس من أهل هذه الفنون وليس من أصحابها حتى قيل إنه ذهب
إلى بعض الشيوخ ليدرس المنطق فلم يستطع، قرأ عليه مرة ومرتين وثلاثة وأكثر فلم
يستطع أن يفهم منه شيئا، والله أعلم بهذا النقل،
المهم أنه ليس من أهل هذه الفنون.
وقد علم عنه في حياته
مصادمته للإمام العلامة سيف الدين الآمدي وكان يشَنّع عليه كثيرا وكان يبغضَه
والإمام سيف الدين الأمدي من أئمة المعقول الكبار من أئمة المعقول والشرع بل هو
صاحب مدرسة سار عليها المتأخرون بعد ذلك وانتفعوا بعلومه منفعة كبيرة فما كان من حق
ابن الصلاح أن يتعرض للإمام الآمدي بشيء من ذلك إلا أن كثيرا من الفقهاء والمحدثين
علم عنهم معاداة أهل المعقول فلا تقبل منهم قولا، لا تقبل إلا من خالط أهل هذه
العلوم ومن قرأ علومهم، وناهيك بالغزالي رحمه الله الذي قال "من لم
يعلم المنطق فلا ثقة بعلمه" وأدرجه في آلات الاجتهاد ووضعه في أوائل المستصفى،
وهو كتاب في أصول الفقه وهو يتعلق بأهم وبأشرف علم من العلوم الشرعية وهو
الاستنباط (أي) علم أصول الفقه.
أما الإمام النووي
فعذره أن الكتب التي كانت في عصره هي الكتب المختلفة
بعقائد الفلاسفة فإن قيل كان عليهم -إن صح قولك- فكان عليهم أن يميزوا وأن يقولوا
هذه الكتب هي المحرمة لأن فيها عقائد الفلاسفة ولا يأمن الإنسان من أن يقع فيها أو
كذا أو كذا، نقول: ليس من شأن الفقيه أن يصنع ذلك، هو فائدته أن يحمي الشرع فحماية
الشرع في مثل عصرهما أو في مثل عصر الإمام النووي أن يحرم هذه الكتب أو أن يمنع
الطلاب من الاقتراب منها.
قال (وقال قوم ينبغي أن
يعلما) ينبغي بمعنى يستحسن أو يستحب أو يجب، فيستعمل الانبغاء بالمعنيين، (وقال
قوم ينبغي أن يعلما) وقد قيل بالأمرين، قيل بالاستحسان وبالاستحباب وقيل بالوجوب، فبعضهم
قال بوجوب المنطق ومنهم من قال بوجوبه وجوبا عينيا وذلك ليس بمشهور ومنهم من قال
بوجوبه وجوبا كفائيا أي يجب على كل قُطْر أن يكون فيه من يدرس هذا العلم ليتصدى
لمن يشكك في الإسلام، هذا معنى الوجوب الكفائي أما من يريد أن يتعلم هذه العلوم
فكان يجب عليه وجوبا كفائيا قبل عصر المتأخرين أن يتعلم المنطق، أما في هذا العصر
أو في العصور التي تَلَتْ عصر المتأخرين فإنه يجب وجوبا عينيا على من أراد أن يدرس
هذه العلوم، بل صارت دراسة المنطق شرطا لفهم هذه العلوم فتنبه لهذا!.
قال (وقال قوم ينبغي أن
يعلما) ومنهم أو أشهرهم الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وهو القائل "من لم
يعلم المنطق فلا ثقة بعلمه" ومنهم العلامة اليوسي الذي ذكرنا كلامه في المرة
الماضية حيث قال "تحصيل العلوم بدون معرفة المنطق من خوارق العادات"
والإمام الغازلي له أبيات في ذلك يقول "حكمة المنطق شيء عجب ** واختلاف الناس
فيه أعجب" يتعجب من اختلاف الناس فيه، يقول المنطق لا يختلف فيه والعجب كل
العجب أن يختلف الناس في حكم المنطق مع أنه لا يوجد مسوِّغ للاختلاف في حكم المنطق،
يقول "حكمة المنطق" ووصفه بالحكمة، "حكمة المنطق شيء عجب ** واختلاف الناس
فيه أعجب، كل علم (أي المنطق) هو قانون له" أي المنطق قانون له، هذا تصريح
أيضا من الإمام الغزالي بأن المنطق قانون لكل علم وكل فن، كل علم هو قانون له أي
المنطق قانون لهذا العلم، قال "وبه يدرك ما يستصعب، وله في نفس من لم يره"
وله أي للمنطق في نفس من لم يره ولم يدرسه ولم يجلس مع أهله، "وله في نفس من
لم يره نفرة يَنفُر منه" قال "نفرة توجِب ما لا يوجَب" توجِب أن
يحرمه وأن يقف في وجه أهله وأن يشنّع عليهم وأن يذُمّ هؤلاء، "توجب ما لا يوجب"،
يقول توجب أمورا ما كانت توجب هذه الأمور، قال "وكذا ينفر من ليس له أدب عمن
لديه أدب" انظر لهذا التشبيه يقول كما أن كثيرا من الناس قد نفروا عن المنطق
ونفر الناس عنه فهم يشبهون من ليس عنده أدب وينفر أيضا عن من كان له أدب، هذا كلام
الإمام الغزالي رحمه الله.
أيضا ممن حرم المنطق
الإمام السيوطي رحمه الله وهو مشهور بذلك وله كتاب في ذلك، والإمام السيوطي لا عذر
له بخلاف ابن الصلاح والنووي، فإن السيوطي رحمه الله كان بعد تدوين المنطق وتنقيحه
وتصفيته من شوائب الفلسفة، فلا عذر له لكن السيوطي رحمه الله معلوم بشدته وغلظته
على أهل المعقول ولا تجد له
دليلا ولا حجة في ذلك، لذلك لم يقبل أحد قوله ولا كلامه وأكثر نقوله في كتابه "القول
المشرق في تحريم المنطق" عن فقهاء ومحدثين ولغويين وأُدباء وأكثر من النقول
عن الشيخ ابن تيمية رحمه الله أيضا في تحريمه المنطق والشيخ ابن تيمية معروف في
وقوفه وغلظته على أهل المعقول وعلى الفلاسفة بل على المتكلمين من أهل السنة فنقل
عنه أيضا كثيرا وقبل كلامه دون تعقيب، والشيخ ابن تيمية ممن مارس هذه العلوم
وقرأها ودرسها وعلم أهميتها وذكر ذلك في كتبه.
بخلاف الإمام السيوطي,
فالإمام السيوطي رحمه الله لم يبلغ عُشْرَ مِعشار ابن تيمية في فهم المنطق ولا في
دراسة قواعد الفلسفة ولا شيء من ذلك، فكلام ابن تيمية له وجه يمكن أن نتكلم فيه
وأن نبين علّة ما ذكره، أما السيوطي فلا وجه لما ذكره فهو يحكم على المنطق كلية
بالحرمة وعلى كتب الفلسفة ويحكم بعدم قبول رواية من اشتغل بها أيضا ويبالغ في ذلك
مبالغة شديدة.
حتى ذكر في شرحه على
عقود الجمان وهو نظم التلخيص في علوم البلاغة والعجيب أن البلاغة هذه والتلخيص
للقزويني والمفتاح للسكاكي هذه الكتب من وضع علماء المعقول، من وضع الفلاسفة
والمناطقة فالسكاكي من هو في علوم البلاغة وفي علوم المعقول وكذلك القزويني، وشراح
هذه الكتب من أهل المعقول كالسعد التفتازاني والسيد رحم الله الجميع وهو يشرح هذا
الكتاب ولا يخرج عن قواعدهم ولا عن كلامهم في شيء ثم بعد ذلك يقف في وجههم ويشنّع
عليهم.
حتى يذكر في شرح العقود
في مسألة من مسائل
المسند إليه استدل عليها العلامة الخطيب القزويني في شرحه على التلخيص، استدل
عليها بدليل منطقي، هي قاعدة لغوية في البلاغة في باب العموم، استدل عليها بقاعدة
منطقية فالسيوطي عندما أراد أن يستدل لم يزد إلا على أن يقول في الاستدلال عليها "هذا
يؤيده ذوق اللغة"
فذوق اللغة يؤيد هذا الحكم ولم يأت بدليل ولا بحجة عقلية ولا شيء، ثم قال "ولم
أذكر ما ذكره المصنف في شرحه من الدليل لأنه من المنطق".
ثم قال "وإن معاشر
أهل السنة لا ننجّس تصانيفنا بقذر المنطق الذي اتفق أكثر المعتبرين خصوصا المحدثين"
انظر "خصوصا المحدثين والفقهاء" أين أهل المعقول؟ أتأتي بأناس لم يقرؤوا
هذه العلوم ولم يتعبوا فيها مدة في عمرهم ولا جلسوا لشيوخهم لشيوخ هذه العلوم
وتنقل عنهم؟، قال "الذي اتفق أكثر المعتبرين خصوصا المحدثين والفقهاء من كل
المذاهب" هذا كلام من السيوطي كبير في الحقيقة إذا طلب بأدلة وبنقل عن كل
هؤلاء لا يجد ذلك في الحقيقة، ولذلك لم يوافقه ولم يؤيده أحد ممن بعده، قال "الذي
اتفق أكثر المعتبَرين خصوصا المحدثين والفقهاء" هو نفسه لم يقبل كلام
المحدثين في الاعتقاد، كلام كثير من المحدثين في باب الاعتقاد، قال "الذي
اتفق أكثر المعتبرين خصوصا المحدثين والفقهاء من كل المذاهب خصوصا الشافعية وأهل
المغرب" نعم أهل المغرب كانوا كثير منهم معلوم بوقوفه في وجه هؤلاء وكان من
يشتغل بهذا تحرق كتبه ومكتبته ويُطرَد من بلده، قال "اتفقوا على تحريمه
والتغليظ على المشتغلين به وعقوبتهم -إلى آخر كلامه-".
ولما وصل هذا الكلام
للشيخ العلامة محمد بن عبد الكريم المغيلي وهو من المعاصرين للسيوطي رحمه الله
وكانت بينهما مناظرات ومصادمات كثيرة، والشيخ المغيلي من أصحاب الشيخ السنوسي
وكانت بينهما مراسلات كثيرة، لما وصل هذا الكلام من السيوطي للشيخ المغيلي قال "سمعت
بأمر ما سمعت بمثله"
انظر! هذا كلام إمام وعالم كبير له مؤلفات كثيرة ورسائل، قال "سمعت بأمر ما
سمعت بمثله" انظر لقول السيوطي "أكثر الفقهاء وأكثر المحدثين وخصوصا الشافعية
وأهل المغرب"، والمغيلي من أهل المغرب يقول كلهم أو أكثرهم على تحريم المنطق
والشيخ المغيلي يقول "سمعت بأمر ما سمعت بمثله
وكل حديث حكمه حكم أصله" فلتأت بأصل حديثك فلتأت بدليل على كلامك فلتأت بنقل
عنهم.
قال "أيمكن أن
المرأ في العلم حجة؟" يقصد السيوطي، "أيمكن أن المرأ في العلم حجة؟ وينهى
عن الفرقان في بعض قوله؟" سمّى المنطق بالفرقان لأنه يفرق بين الفكر الصحيح
والفكر الغير الصحيح، قال "أيمكن أن المرأ في العلم حجة؟" يتعجب أيضا
كما أن الإمام الغزالي رحمه الله يقول "حكمة المنطق شيء عجب ** واختلاف الناس
فيه أعجب"، هو أيضا يتعجب من السيوطي، يقول "أيمكن أن المرأ في العلم
حجة وينهى عن الفرقان في بعض قوله؟".
ثم قال "معانيه في
كل الكلام"
معاني المنطق في كل الكلام "فهل ترى دليلا صحيحا لا يرد لشكله؟"، هل ترى
دليلا صحيحا في أي علم من العلوم لا يرجع هذا الدليل الصحيح لشكله أي لشكل المنطق
للأشكال الأربعة، الشكل الأول والثاني والثالث والرابع؟ لا يمكن أن نرى دليلا ولا
قياسا في أي علم من العلوم حتى
في كلام العامة لا يرجع لشكل من الأشكال الأربعة أو للقياس الاستثنائي في المنطق.
يقول "معانيه في
كل الكلام فهل ترى دليلا صحيحا لا يرد لشكله؟" ثم بعد أبيات قال "هل
المنطق المعني" أي المقصود بكلامنا، "هل المنطق المعني إلا عبارة عن
الحق أو تحقيقه حين جهله؟" المنطق ليس إلا هذا، هو أنه يبين الحق أي في الانتقال
من المعلومات إلى المجهولات أو أنه يحقق الشيء حين جهل هذا الشيء، ما معنى يحققه؟
أنه يبين دليله فالتحقيق يطلق على بيان دليل الشيء، فالمنطق شأنه هو هذا، هو أنه
يبين الحق أو أنه يحقق الأمر المجهول، قال "هل المنطق المعني إلا عبارة عن
الحق أو تحقيقه حين جهله؟ أبن" أي أظهر، "أبن لي هداك الله منه قضية
واحدة" فالتنكير للوحدة، يقول له "أبن لي هداك الله منه قضية واحدة"
من المنطق "على غير هدى" أي على غير الحق "ننفها عن محله" نقول
حينئذ أن هذه القضية ليست منه.
انظر إلى جزمه وإلى
تيقنه حقيةَ المنطق وعظمة المنطق يقول له "أبن لي هداك الله قضية واحدة"
باطلة ليست على الحق تذكر في المنطق حينئذ أقول لك هي ليست منه، قال "ننفها
عن محله" قال "خذ العلم" هنا في هذا البيت يشير إلى ما لاحظه في
كلام الفقهاء والمحدثين أو من حرم المنطق هو أنهم يقولون إنه علم من تأليف الكفار من
تأليف الزنادقة فيكون مثل عقيدتهم، قال "خذ العلم حتى من كفور ولا تقم دليلا
على شخص بمذهب مثله" لا تنظر لشخص مسلم كالإمام الغزالي أو السعد أو السيد أو
العضد أو الفخر الرازي إلى آخر الكبار الذين انتهجوا نهج المنطق، لا تُقم دليلا
عليهم أو على طلاب العلم الذين يدرسون هذه العلوم بمذهب غيرهم وهم إرسط أو أفلاطون
أو غير ذلك من أهل اليونان, أو ممن جاؤوا بعد الإسلام وليسوا على عقيدته، لا تقم
دليلا علي في دراستي لهذا المنطق بسبب هؤلاء، يقول "خذ العلم حتى من كفور" كما في قوله النبي عليه
الصلاة والسلام «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها»، "خد
العلم حتى من كفور ولا تقم دليلا على شخص بمذهب مثله".
ثم قال "لئن صح عنهم" لئن صح عن الفقهاء
والمحدثين الذين نقلت عنهم، "لئن صح" في ذلك إشارة إلى أن ما ذكره السيوطي
لا يصح لأنه يقول "لئن صح" و"إن" تفيد الشك، "لئن صح
عنهم ما ذكرت فكم هم؟" إن صح عن الفقهاء والمحدثين والشافعية وأهل المغرب
الذين ذكرت عنهم أنهم حرموا المنطق فكم هم؟ "وكم عالما بالشرع باح بفضله؟"
أي انظر لعددهم وانظر لعدد من باح بفضل المنطق وعظمته وشرفه، هذا ما ذكره الإمام
السيوطي ورد عليه العلامة المغيلي رحمه الله، ثم قال صاحب السلم:
|
17- وَالقَـولَةُ المشهُـورَةُ الصَّحِيحَه |
|
جَـوَازُهُ لِـكَامِـلِ القَـرِيحَـه |
أي القول المشهور
الصحيح المؤيد بالدليل جوازه لكامل القريحة، القريحة بمعنى العقل أو المراد منه
العقل، المراد من القريحة العقل، أي جوازه لمن كمل عقله في الشرع، هذا القول أخذه الشيخ الأخضري
رحمه الله من العلامة تقي الدين السبكي، وتقي الدين السبكي هو من المحدثين ومن
الفقهاء ومن الأصوليين معلوم من أئمة الشرع الكبار وهو والد تاج الدين السبكي
وبهاء الدين السبكي رحم الله الجميع، قال تقي الدين السبكي رحمه الله "ينبغي
أن يقَدَّم على الاشتغال بالمنطق الاشتغال بالكتاب والسنة والفقه، فإذا رسخ في
الذهن تعظيم الشريعة ولقي شيخا حسن العقيدة فهو من أحسن العلوم، فهو أي المنطق من
أحسن العلوم وأنفعها".
انظر لكلام تقي الدين
وكلام الغزالي وغيرهما وانظر لكلام الشيخ السيوطي في قوله "أكثر الشافعية وأكثر الفقهاء
المعتبرين يقولون بتحريمه" تعلم حينئذ قول العلامة المغيلي "لئن صح عنهم
ما ذكرت فكم هم؟ وكم عالم بالشرع باح بفضله" باح بفضله الكبار من كل قُطر وفي
كل فن، قال تقي الدين رحمه الله "ينبغي أن يقدم على الاشتغال بالمنطق
الاشتغال بالكتاب والسنة والفقه
فإذا رسخ في الذهن تعظيم الشريعة ولقي شيخا حَسَن العقيدة فهو من أحسن العلوم
وأنفعها في كل بحث" أي في كل مسألة فالبحث بمعنى المسألة.
هذا الكلام الذي ذكره
العلامة السبكي السبب فيه أنهم كانوا يرون على المشتغلين بعلوم المعقول تفريطا في
الشريعة واستهانة بها
وذلك له أسباب كثيرة وله صور كثيرة أذكرها إن شاء الله عند التعرض لشرح الفلسفة
وبيان مناهجهم وبيان الفروق بينه وبين أهل الشريعة، فكثير ممن يدرس الفلسفة ويبرَع
فيها ربما يستهين ببعض الأحكام الشرعية، ربما لا يظهر عليه تعظيم الشرع مع أن
أكثرهم من أهل تعظيم
الشرائع كلها وليس أن كل من يدرس الفلسفه أو يبرع فيها يكون كذلك فالسبب في قول
العلامة السبكي وفي تحريم كثير ممن حرم هو أنهم كانوا يرون على أهل هذه العلوم عدم
تعظيم الشرائع، لكن هذا كان في عصور المتقدمين، المتأخرون كلهم درسوه وبرعوا فيه وكان منهم الأولياء والفقهاء
والمحدثون واللغويون وحُماة العقيدة، فهذا الكلام في الحقيقة في العصور المتقدمة،
أما الآن من يدرس فلسفة أو يدرس المنطق ويدرس معها علم الكلام والتفسير وكذا وكذا
فإنه لا يكون عنده تفريط ولا استهانة بالشرع.
هذا الذي ذكره السبكي،
قال إن حسنت عقيدته وعظّم الشرع وجلس على شيخ يعظم الشريعة وهو حسن الاعتقاد لا
بأس أن يقرأ هذه الكتب التي اختلطت بعقائد الفلاسفة، بل قال فهو من أحسن العلوم
وأنفعها في كل بحث، أنا أريد منكم أن تلتفتوا للشيء الذي يتكرر على ألسنة هؤلاء
العلماء وهو التعميم في قولهم "في كل بحث".
والإمام السنوسي رحمه
الله يقول في كلامه الذي نقلناه عن المختصر يقول "وبجملة فالعلوم كلها"
أيضا يعمّم، وغيرهما فكل من يتكلم عن المنطق يعمّم ويبين أن المنطق نافع في كل فن،
لن ترى ذلك في أي علم من العلوم لأنه
لا يوجد علم من العلوم عام لسائر العلوم سوى المنطق فقط، حتى اللغة ليس عاما
فالشيخ الرئيس ابن سينا رحمه الله عقد مقارنة طويلة بين النحو والمنطق في الشفاء
وبيّن أن المنطق يتساوق مع النحو فكل منهما متساوقان، هذا للألفاظ وهذا للمعاني،
فلا غنًى لإنسان يدرس العلوم عنهما إلا أنه بعد أن عقد هذه المقارنة بين أن المنطق
يفضل، فقال إلا أن المنطق يفضل النحو في أنه لا يختص بقوم من الأقوام فهو عام في
علوم كل الأقوام أما النحو فيختص بالعرب.
هذا ما ذكره الشيخ
الأخضري في قوله (والقولة المشهورة الصحيحه ** جوازه لكامل القريحه) ليأمَن من
الوقوع في الضلالات التي يقرأها في الكتب التي اختلطت بعقائد الفلاسفة فحينئذ
نستفيد من هذا الكلام أن الكتب التي لم تختلط بعقائد الفلاسفة تكون غير محرمة بل
تكون مستحبة من باب أولى، وممن نص على أن هذه الأقوال أو أن التحريم ليس فيما يتعلق بالكتب التي نقّحها المسلمون
العلامة المختار ابن بونة وهو من علماء الشناقطة فقد ألف ألفية في المنطق ذكر فيها
قوله "وإن تقل حرمه النواوي" هو الإمام النووي رحمه الله، "وإن تقل
حرمه النواوي وابن الصلاح والسيوطي الراوي، قلت نرى الأقوال ذي المخالفة" أي
نرى هذه الأقوال صاحبة المخالفة، نرى الأقوال ذي المخالِفة أو المخالَفة، "محلها
ما صنّف الفلاسفة" نص على ذلك ليس كما صنع الشيخ الأخضري وأطلق وكلامه وفصله
الذي عقده يوقع الطالب في الإيهام، أما العلامة المختار ابن بونة فإنه قد نصّ وصرّح
بذلك، قال "الأقوال ذي المخالفة **
محلها ما صنف الفلاسفة، أما الذي صنفه من أسلما ** لابد أن يعلم عند العلما"
هذا ما ذكره وصرح به المختار ابن بونة رحمه الله في ألفيته ويبيّن أن هذا الفصل
ليس من الفصول التي عقدت لبيان حكم اشتغال الطالب بالكتب التي نقّحها المسلمون.
بيّن الشيخ الأخضري (كامل القريحه) بقوله (ممارسِ السنة
والكتاب) أي الذي يمارس السنة والكتاب كما ذكر الشيخ تقي الدين السبكي، قال (ليهتدي
به إلى الصواب) أي ليهتدي بممارسته للسنة والكتاب إلى الصواب، فحينئذ لا يقع في
الخطأ الذي يراه في الكتب المختلطة بعقائد الفلسفة، أو ليهتدي به أي بالمنطق الذي
يدرسه إلى الصواب كما بيّنّا أن المنطق يهدي إلى الفكر الصواب، هذا ما يتعلق بفصل
في جواز الاشتغال به، بعد ذلك انتقل المصنّف رحمه الله إلى فصل أنواع العلم الحادث
لأننا قد بينا أن المنطق علم نافع في الانتقال من المعلومات إلى المجهولات وهو
المسمى بالفكر فلابد حينئذن من بيان العلم الذي تتصف به الأمور التي ننتقل منها إلى
المجهول ليُعلم فلذلك عقد فصلا في بيان العلم وفي بيان معناه وفي تقسيمه، بيّن أنواع
أربعة، قال:
Komentar
Posting Komentar