شرح متن السلم المنورق (٣) - الشيخ حسام رمضان - أنواع العلم الحادث
﴿أنواع العلم الحادث﴾
لمّا كان هذا المنطق
موضوعا لبيان الطريق الصحيح في الانتقال من المعلومات إلى المجهول ليعلم المجهول،
لم يدخل فيه علم الرب سبحانه وتعالى، فإن علم الله سبحانه وتعالى ليس فيه انتقال
من معلوم لمجهول وإلا للزم الجهل عليه سبحانه وتعالى، والجهل عليه سبحانه وتعالى
مستحيل، فحينئذ لا يدخل علمه سبحانه وتعالى فيما يُذكر هنا في المنطق من قواعد
لأنها تختص بالانتقال من معلوم لمجهول والله سبحانه وتعالى لا يتصف بالجهل أصلا، فحينئذ
يكون هذا العلم مختصا بالمعلوم للبشر فقط، لذلك قال "الحادث" وصف العلم
بالحدوث لأنه لا يدخل فيه العلم القديم وهو علمه سبحانه وتعالى، قال:
|
19- إِدرَاكُ مُفـرَدٍ تَصَـوٌّرًا عُـلِم |
|
وَدَركُ نِسـبَةٍ بِتَـصدِيقٍ وُسِـم |
بيّن قسمي العلم وهو
التصوّر والتصديق، العلم عند المناطقة بمعنى الإدراك، بمعنى مطلق الإدراك،
والإدراك هو وصول النفس إلى المعنى بتمامه فإذا حصل من الشيء صورةٌ في نفس الإنسان
وانطبعت هذه الصورة فإننا نقول حينئذ إنه أدرك هذا الشيء ووصلت إليه نفسه، فعندما
تنطبع صورةُ هذا الكتاب في نفسه بأن يأخذ الذهن صورة مصغّرة من هذا الكتاب كالصورة
التي تكون على الحائط كالصورة التي تكون على التليفون أو على الكمبيوتر مثل هذه
الصورة في الحسيات ينطبع في الذهن، لكنه انطباع عقلي وليس حسيا، حينئذ نقول إنه قد
علم الكتاب، إنه قد علم الشيء، أدركه أي صوِّر هذا الشيء في نفسه وانطبع، فكما أنك
تطبع أو كما أن هذا الخط وهذه الكتابة تطبع في هذه الصحيفة البيضاء كذلك العلم
ينطبع في الذهن بانطباع الأشياء الخارجية أو الأشياء الذهنية الأخرى، فالعلم يتعلق
بأمور خارجية عن الذهن ويتعلق بأمور ذهنية
أيضا، كلها إن انطبعت نقول هذا الشخص أو هذا الذهن مدرِك لهذا الشيء وعالم به
فيكون العلم حينئذ عند المناطقة بمعنى مطلق الإدراك وهو حصول صورة الشيء في العقل
أو في الذهن.
فما لم تحصل الصورة لم
يكن مدركا حينئذ وهو خلو الذهن عن صورة الشيء، حينئذن نقول يدخل فيه العلم اليقيني
فاليقين هو أن تكون الصورة موافِقةً للخارج وللشيء موافَقةً لا تحتمل النقيض يكون
علما يقينا يدخل في العلم عند المناطقة والإدراك، فـ"الله واحد" "الله
إله" علم يقيني انطبعت هذه المعلومة في الذهن وهي يقين فيدخل في الإدراك عند
المناطقة، فقد أدركنا نسبة الوحدانية لله، وأدركنا نسبة الألوهية لله، فهذا إدراك
وهذا علم، وكذلك الظن "زيد قائم" غلب على علمي أن زيدا قائم فأقول "زيد
قائم" هذا أيضا قد انطبعت فيه صورة هذه النسبة ووقوعها في الذهن، حينئذ أقول
أنا عالم أو مدرك لقيام زيد وهو مظنون؟ نعم، يدخل فيه الظن.
بخلاف العلم عند الأصوليين وكذلك المتكلمون، لا يدخل
في علمهم إلا المتيقن المقطوع به، أما عند المناطقة فيدخل اليقين ويدخل الظن بل
ويدخل الجهل المركب، الجهل المركب يدخل عندهم في العلم والإدراك، هذا لابد من أن
تتنبه له، لماذا؟ لأن الجهل المركب هو أن يدرك الشخصُ صورةً على خلاف حقيقة الشيء،
"زيد قائم"، زيد جالس لكنه قال "زيد قائم" اعتقد أن زيدا قائم،
فانطبعت صورة قيام زيد في ذهن هذا الشخص، ومتى انطبعت صورة في ذهن شخص فإنه إدراك
وعلم عند المنطقي لأنها صورة حصلت في ذهنه، أما أن هذه الصورة طابقت الخارج، طابقت
الحقيقة، فلا ينظر المنطقي لذلك، فيكون حينئذ
"زيد قائم" علم وإدراك في ذهن هذا الشخص، مع أنه غير موافق للحقيقة لأن
زيدا جالس مثلا.
فنقول العلم عند
المناطقة بمعنى مطلقِ الإدراك فيشمل اليقين ويشمل الظن ويشمل الجهل المركب أيضا
ولا ضرَرَ في ذلك فهذا من باب الاصطلاح فقط، هم لا يقولون إن الجهل علم لا، وإنما
الجهل المركب عندهم من باب العلم لأنه يمكن أن نرتب المعلومات المعلومة جهلا
مركبا، ونتوصل منها إلى العلم بأمر مجهول، يتوصل هذا الشخص إلى العلم بأمر مجهول
ويكون أيضا الوصول هذا جهلا مركبا عنده، المنطقي لا ينظر إلى أنه جهل مركب أو لا،
هو ينظر إلى أنها صورة حصلت في نفسه، فيمكن أن ننتقل من هذه الصورة أو من صورتين
حصلتا في نفس الشخص إلى صورة أخرى؟ يقول نعم، إذن كل صورة حاصلة في نفس الشخص تكون
علما وتكون مدركَةً عند المنطقي ،فالعلم عند المناطقة حينئذ بمعنى مطلق الإدراك.
ثم هذا الإدراك يكون
للأشياء الخارجية مثلا، والأشياء تنقسم من حيث هذا الإدراك تنقسم لقسمين، فإنه إما
أن يدرِك أن تنطبع في نفسه صورة لوقوع نسبة أو عدم وقوعها بأن يدرك وأن يتعلق ذهنه
بوقوع نسبة شيء لشيء أو عدم وقوع هذه النسبة، هذا هو القسم الأول من الأمور التي
تدرَك، فيقول "زيد قائم" في هذا المثال أدرك نسبة قائم لزيد، أدرك
وقوعها في الخارج، أي انطبع وانتقش في نفسه وقوعُ القيام من زيد، فنقول أدرك قيام
زيد وعلم قيام زيد، لكن الشيء المعلوم هنا والذي أدركه هو وقوع نسبة شيء لشيء،
وقوع نسبة القيام لزيد، يقول" زيد ليس بقائم"
هنا أيضا أدرك شيئا، ما هو هذا الشيء؟ هو عدم وقوع نسبة القيام لزيد، فحينئذ نقول انطبع
في نفسه وفي ذهنه عدم وقوع نسبة القيام لزيد، أي زيد ليس بقائم، عبّر عن ذلك بزيد
ليس بقائم، فحينئذ نقول أحد قسمي ما يتعلق به الإدراك هو أن تدرك وقوعَ نسبة أو
عدم وقوعها، هذا يسمى عند المناطقة بالتصديق، فيكون التصديق إدراك وقوع نسبة أو
لاوقوعها أي إدراك وقوع نسبة شيء لشيء أو عدم وقوع هذه النسبة.
أما القسم الثاني من
الأمور التي تدرك فهو ما عدا وقوع نسبة أو عدم وقوعها، ما عدا وقوع النسبة أو عدم
وقوعها إن أدركه الإنسان يسمى عند المناطقة تصورا، إذن الأمور التي تدرك شيئان:
إما وقوع نسبة أو عدم وقوعها هذا هو الشيء الأول، أو ما عدا ذلك من الأمور حتى وإن
كانت نسبةً لكنه لم يدرك قوعها أو عدم وقوعها، فتكون تصورا عند المناطقة.
مثلا أدرك زيدا، أدرك
ذات زيد، أين زيد؟ قال أنا هنا، فنظر إليه وعلمه وصورة زيد انتقشت وانطبعت في نفسه
بحيث إذا رآه مرة أخرى علمه أو إذا كان ممن يستطيع رسم الصور بدقة يمكن أن يطبَع
صورته على الورق مثلا، نعم، انطبعت صورة زيد في نفسه، نقول حينئذ أدرك شيئا الذي
هو زيد، هل زيد هذا وقوع نسبة أو عدم وقوعها؟ لا، هو ذات، جوهر، جسم، وليس وقوع
نسبة أو عدم وقوعها، فنقول حينئذ هذا الإدراك تصور لأنه إدراك لأمر ليس وقوع نسبة
أو عدم وقوعها، يسميه الشيخ الأخضري في المتن بإدراك المفرد، فالمفرد عنده هو ما
ليس بوقوع نسبة أو عدم وقوعها، ما لا يكون وقوع نسبة أو عدم وقوعها يسمى عنده
بالمفرد أي هو مفرَد عن وقوع النسبة أو عدم وقوعها.
مثلا أدرك معنى قائم،
أدرك معنى عالم، أي الذات التي حصل بها علم ما، أدرك هذا المعنى وفهمه، هذا العلم
تعلق بعالم بحقيقة عالم، هل عالم وقوع نسبة أو عدم وقوعها؟ لا، هو شيء أو مفهوم
ليس هو وقوع نسبة أو عدم وقوعها، فيكون إدراك معنى عالم تصورا، كذلك أدرك نسبة
قائم لزيد مثلا، أدرك نسبة قائم لزيد هنا إدراك نسبة، أدرك زيدا، علمنا أنه تصور،
أدرك قائم، علمنا أنه تصور، أدرك نسبة قائم لزيد دون أن يدرك أنها وقعت أو لم تقع،
أدرك النسبة نفسَها، كيف يدرك النسبة نفسها؟ بأن يركب معنى قائم على زيد، لأن زيد
الذي تصوره زيد الذي رآه هذا الشخص وانطبع في نفسه يمكن أن يصوره في نفسه بصورة
الجالس وبصورة النائم وبصورة القائم، ولما نسب إليه "قائم" حصلت صورة
زيد في نفسه وهو قائم فقط ومنتصب القدمين فقط، ولم تكن صورته في نفس الشخص بأنه
نائم أو جالس، مجرد حصول هذه الصورة فقط تصور، لماذا؟ لأنه يتصور زيدا وهو قائم
لكنه لم يحكم على زيد بأن هذه الصورة قد حصلت منه في الخارج، أو أنها لم تحصل، لم
يحكم بذلك.
كما أنك تتصور كتابا يقال
لك هناك كتاب في النحو، فتتصور طويل أو كبير، فتتصور كتابا، تتصور صورة أوراق
مجتمعة، هذه صورة الكتاب، ثم إنه كبير، الكتاب كبير، فتتصور صورة كتاب كبير فيه
صفحات فيه صحائف كثيرة، أنت هنا لم تحكم بأنه حصل في الخارج أو لم يحصل، أنت تصورت
كتابا هذا تصور أم تصديق؟ تصور، لأنه إدراك لأمر ليس هو وقوع نسبة أو لاوقوعها،
وتصورت أنه كبير، تصورت الكِبَر، ما معنى الكبر في ذهنك؟ هو كثرة الصحائف، وركبت
هذه الصورة على صورة الكتاب بأن يكون نفس الكتاب كبيرا وتتصور وتأتي وتستحضر هذه
الصورة في ذهنك، وهو أن يكون الكتاب فيه صحائف كثيرة، هذه ثلاثة أمور، تصورت
الكتاب هذا تصور، تصورت الكبر هذا تصور وهو كثرة الصحائف، تصورت صورة مجموعةً
منهما، وهي نسبة الكبر للكتاب، هذه صورة ثالثة هي تصور أيضا، مع أنه تصور نسبة؟
نعم، وهو تصور ليس بتصديق؟ نعم، لأن التصديق ليس تصور نسبة، وإنما تصور وقوع نسبة،
بعدما تتصور زيد وتتصور معنى قائم، وتتصور نسبة قائم لزيد تقول أو تحكم نفسُك بعد
ذلك بأنها وقعت في الخارج، بأن هذه الصورة المصورة في ذهني الآن وهي صورة زيد وهو
منتصب القدمين حصلت منه في الخارج، أو أنها لم تحصل، هنا يأتي التصديق، إن حكمت
على هذه الصورة بأنها حصلت في الخارج، أو أنها لم تحصل كان هذا هو التصديق.
أما ما سبقه من تصور
زيد ومن تصور القيام ومن تصور نسبة القيام لزيد من تصور صورة مجتمعة من القيام
وزيد، فإلى هذا الحد هذه الأمور الثلاثة تصور، تقول بعدها نعم، هذه الصورة التي
أتصورها لزيد حصلت منه في الخارج، هذا تصديق بالإيجاب، وتقول في التعبير عنه "زيد
قائم"، أو تقول لا، هذه الصورة التي في ذهني الآن لم تحصل من زيد، لم تقع في
الخارج فنقول هذا تصديق بالسلب والتعبير عنه "زيد ليس بقائم"، كذلك "الكتاب
كبير" تقول الكتاب تتصوره والكبر تتصوره ونسبة الكبر للكتاب تتصوره أيضا، ثم
تدخل الحجرة وتنظر في الكتاب فتراه كهذا، صغير ليس بكبير فتقول الصورة التي
تصورتها للكتاب الكبير لم تتحقق في الخارج فالكتاب ليس بكبير، فهذا تصديق بالنفي
أو رأيت الكتاب كبير، فتقول نعم، الصورة التي تصورتها للكتاب الكبير حصلت في
الخارج، فالكتاب إذن كبير، فهذا تصديق بالإيجاب.
إذن علمنا الفرق الآن
بين التصور والتصديق، التصديق يختص بإدراك وقوع نسبة شيء لشيء أو عدم وقوعها
بالإيجاب وبالسلب، أما التصور فهو إدراك ما عدا إدراك الوقوع أو عدم الوقوع، حتى وإن كان إدراك نسبة؟ نعم حتى
وإن كان إدراك نسبة، إلا أنه لم يدرك أنها وقعت أو لم تقع، هذان هما قسما العلم هو
التصور والتصديق.
فالعلم هو الإدراك، فإن
كان إدراكا لوقوع نسبة أو عدم وقوع نسبة فتصديق وإن كان إدراكًا لغير ذلك من
الأمور المفردة عن وقوع نسبته وعدم وقوعها فهو تصور، والتصور يكون لأمور كثيرة
جدا، كما بينا يكون للنسب الإضافية "غلام زيد"، تتصور الغلام وتتصور
زيدا، وتتصور نسبة الغلام لزيد، هذه نسبة إضافية تتصورها، تصورك لها ليس تصديقا،
والنسبة التقييدية الوصفية "الرجل العالم"، تتصور الرجل وتتصور العالم،
وتتصور نسبة العالم للرجل نسبة وصفية، ولم تحكم عليها بعد بأنها حصلت أو لم تحصل،
فإن كان الرجل عالما بالفعل في الخارج فتقول إذا أردت أن تحكم إذا أردت أن تأتي
بالتصديق تقول الرجل عالم، فحينئذ يكون تصديقا، أما الرجل العالم فكان رجلا وعالما والنسبة بينهما نسبة وصفية،
الثلاثة تصور وليس فيه إدراك وقوع أو لاوقوع، أما الرجل عالم، نعم، نظرت فوجدت
الرجل عالما، أو أنك رأيته غير عالم، فتقول الرجل غير عالم، الرجل ليس بعالم، فهنا
قد صدقت بالنفي أو بالإثبات، فيكون تصديقا بالإيجاب أو بالسلب.
هذا هو معنى قول المصنف
(إدراك مفرد تصورا علم) أي علم من اصطلاحات المناطقة أن إدراك الأمر المفرد أي
الذي أفرد عن وقوع نسبة أو عدم وقوعها يسمى تصورا، قال (ودرك نسبة) الدرك اسم مصدر
بمعنى إدراك أي إدراك نسبة (بتصديق وسم) لكنه عُلم من كلام أن إدراك النسبة نفسها
ليس تصديقا، والمصنف هنا يقول ودرك نسبة، مع أن إدراك النسبة كإدراكك لنسبة قائم
لزيد وإدراكك لنسبة العالم لزيد ليس تصديقا، التصديق هو إدراك وقوع النسبة أما
إدراك النسبة نفسها فتصور أيضا كإدراك زيد وإدراك قائم، فلابد من تقدير مضاف حينئذ
في كلام المصنف بأن تقول ودرك وقوع نسبة وسم أي علم بالتصديق في اصطلاح المناطقة،
فيكون حاصل البيت أن التصديق هو إدراك وقوع نسبة أو لاوقوعها, والتصور هو إدراك ما
عدا وقوع النسبة أو عدم وقوعها.
ثم قال في البيت الثالث
(والنظري...)، بعد أن قسّم العلم والإدراك إلى تصور وتصديق بحسب ما تعلق به
الإدراك وما أدركه الذهن شرع في تقسيم كل منهما أو في تقسيم الإدراك إلى قسمين
آخرين، هما النظري والضروري، نحن قد بينا أن الفكر انتقال من معلومات لمجهول، قد تُعلم
بعض الأشياء دون الانتقال إليها من معلومات، فلا يجب في العلم بشيء أن ننتقل إليه
من معلومات، فقد تخلق وعندنا علم بالأشياء بالفطرة ولم نرتب معلومات حتى نتوصل
إليها، كما أن الإنسان إذا ولد يشعر بالجو أنه بارد أو أنه حار، هذا علم حصل في
الشخص أن الجو بارد أو حار، وهذا ليس بترتيب معلومات وإنما هو بسبب الحس، كما إذا
شربت شيئا فوجدت أنه حلو أو مرّ فهذا ليس بترتيب معلومات، أنت حينئذ علمت أن هذا
الشراب مر أو حلو كما إذا نظرت إلى شيء فوجدته حسنا أو قبيحا، هذا لا نقول فيه إنّنا
رتبنا معلومات لنتوصل إلى قبحه أو حسنه، فهذه كلها معلومات توصلنا إليها بطريق غير
طريق الفكر، غير طريق النظر غير طريق ترتيب معلومات وإنما كان بطريق الحس، بالعين
أو بالسمع أو بالذوق أو بالشم إلى آخر ما هنالك من الأمور.
أو علمناها بالفطرة كما
أن الشخص إذا ولد يعلم ذاته، كل مولود يولد يعلم ذاته، يحصل عنده علم داخلي بذاته،
لا يمكن أن يُسلب ذلك أبدا، حتى وإن كان مولودا وهو مجنون، فهذا المولود عنده علم
فطري في نفسه بأنه شيء وعنده علم في ذاته بأنه موجود، لا يجب أن يكون عالما بهذه
الألفاظ، هو لا يعلمها قطعا ولا بمعانيها، لكن حاصل عنده العلم بأنه ذات بأنه
موجود، فحاصل عنده علم تصوري وتصديقي، هذا ليس بترتيب أمور معلومة، لأن الطفل
المولود ليس من شأنه ذلك.
فحينئذ نقول هناك
معلوماتٌ نحن نعلمها من غير أن نرتب أمورا لنتوصّل إليها، فعلمنا بها ليس عن طريق
ترتيب أمور أي ليس عن طريق النظر، هذه الأمور تسمى عندهم بالضروريات، والذي لا
يحتاج للفكر ولا للنظر في أن يكون معلوما عندنا يسمى بالضرورية، فالضروري هو ما
يعلم بغير طريق النظر، يعلم بأي طريق آخر تذكر هذه الطرق بمشيئة الله وهي ستة في
آخر هذا المتن عند الكلام على الضروريات الست، فهذه طرق للعلم بالأمر من غير أن
يكون هناك ترتيب أمور لنتوصل إلى العلم بالمجهول.
مثلا شيء ساخن حار
أردنا العلم بأنه ساخن، ماذا نصنع؟ هل نرتب أمرين؟ نلمس، إذا لمسناه حصل عندنا علم
بأنه ساخن، سخونته تنتقل إلينا فنعلم حينئذ أنه ساخن أنت تعلم أنك جائع، أو أنك
عطشان، أو أنك شبعان، هذا علم بشيء فيك هل عن طريق ترتيب أمور؟ أنت جلست وقلت إنني
كذا وكل كذا يكون كذا إذن أنا جائع؟ لا، إنما أنت تشعر بأنك جائع، هناك شعور إحساس
داخلي وجداني بأنك جائع، هذا الإحساس علم لأنه مطبوع في ذهنك، أو مطبوع في نفسك،
أنه حاصل وواقع، فنقول حينئذ علمك بأنك جائع أو بأنك عطشان ليس علما نظريا بل هو
علم ضروري، علم لا يحتاج لترتيب معلومات.
أما المعلوم الذي ما
علمناه إلا بأن نُرتّب معلومات فإنه يسمى عندهم بالنظري، نظري فيها كلمة نظر وياء
النسبة كمصري فيها مصر وياء النسبة، فالمصري شخص منسوب لمصر، كذلك نظري أمر منسب
للنظر، لماذا نسب للنظر؟ لأنه لا نعلمه إلا بأن ننظُر، ما معنى ننظر؟ أي بأن نرتب
معلومات، فالأمر الذي لا نعلمه إلا بأن نرتب معلومات وأن ننظر وأن نفكر يسمونه
نظريا.
لذلك انقسم العلم
والإدراك إلى نظري وضروري، لأنه إن أُدرك بغير ترتيب معلومات كان ضروريا وإن أدرك
بسبب ترتيب معلومات كان نظريا، ليس الضروري هو ما لا يجهل، أكثر الضروريات تجهل،
كثير ممن يقرؤون هذا التقسيم يظنون أن الضروري هو ما لا يجهله الإنسان، هذا خطأ،
فإن هذا الجسم سخونته أو برودته أو نعومته أو خشونته إلى آخر ما هنالك من الأمور
التي يتصف بها أنا أجهلها الآن فإذا لمسته وعلمت أنه بارد حصل عندي علم ضروري بأنه
بارد أو كذا، أو بأنه ناعم، هذا العلم ضروري، وأنا كنت منذ دقيقة أجهله.
فحينئذ نقول الأمور
الضرورية هي التي تعلم بغير النظر سواء سبق الجهل بها أو لم يسبق، فمثلا علمك
بذاتك لم يسبق أبدا لك الجهل به، علمك بذاتك معك منذ أن خُلقت، وكوُّن عقلك فأنت
لم تجهل أبدا ذاتك ولا أنك موجود، هذا علم معك لم يحصل الجهل به في يوم من الأيام،
فهذا علم ضروري والعلم الذي كان مجهولا وعلمته بغير النظر علم ضروري، فالضروريات تُجهل.
أيضا من الأمور الضرورية
أمور تجريبية، العلم بها إن كان عن طريق التجربة، يسمون هذه الأمور بالضروريات
جاءت عن طريق التجربة مع أنها قبل التجربة كانت مجهولة، فالضروريات ليست الأمور التي لم تجهل*، لا، الضروريات هي الأمور التي تعلم بغير طريق
النظر، سواء جهلت من قبل أو لم تجهل، فحينئذ يكون تقسيم الإدراك لنظري وضروري بحسب
طريقه الذي يؤدي إليه، ويقسيم الإدراك لتصور وتصديق بحسب ما تعلق به الإدراك،
فتنبه لهذه التقسيمات.
يحصل من ضرب اثنين في
اثنين من ضرب النظري والضروري في التصور وفي التصديق أقسام أربعة: تصور نظري،
وتصديق نظري، تصور ضروري، وتصديق ضروري، فالأقسام أربعة، التصور الضروري هو تصور
الحرارة، إذا لمست جسما ساخنا تشعر بالحرارة، حصل عندك في نفسك تصور لهذه الحرارة،
تصور لحرارة نفسها، لحرارة هذا الجسم، فحينئذ نقول تصورك لهذه الحرارة، تصور ضروري،
أما أنه تصور فلأنه معنًى ليس وقوع نسبة أو عدم وقوعها، وأما أنه ضروري فلأنني
توصلت إليه بغير النظر وبغير ترتيب المعلومات، أما التصديق الضروري -ننتهي من
الضروريات- التصديق الضروري فتصديقك بأن هذا الجسم حار أو ساخن، إدراكك لسخونته
فقط دون حكم على الجسم هذا تصور، إدراكك أن هذا الجسم ساخن أو حار تصديق، لماذا؟
لأنني في الأول أدركت السخونة فقط دون حكم، وفي الثاني أدركت أن الجسم محكوم عليه
بالسخونة والحرارة، وفرق بينهما، هذا ضروري، وهذا ضروري، لماذا كان ضروريا؟ الأول
كان تصورا علمنا لماذا، والثاني كان تصديقا علمنا لماذا، لأنه إدراك وقوع نسبة
السخونة للجسم أما أن كلا منهما ضروري فلأن التوصل إليهما لم يكن بترتيب أمور
معلومة.
مثال التصور النظري هو
كل أمر لا تعلم حقيقته، ورتبت أمرين لتتوصل إلى حقيقته كمعنى الكلمة في علم النحو،
ومعنى الفاعل، ومعنى المفعول، ومعنى الحال، ومعنى التمييز، ومعنى الإنسان، نجهل
معنى الإنسان ماذا نصنع لنعلمه؟ نرتب أمرين معلومين هما الحيوان والناطق، نجهل
معنى الكلمة ماذا نصنع؟ نرتب أمرين هو القول والإفراد، فنقول القول المفرد، أو
اللفظ المفرد، إذن يكون هو الكلمة فكل أمر مفرد أي ليس وقوع نسبة أو عدم وقوع نسبة
توصلنا إليه بترتيب أمرين فأكثر يكون حينئذ تصورا، لأنه أمر مفرد، ويكون نظريا
لأننا توصلنا إليه بواسطة النظر الذي هو ترتيب أمور معلومة.
التصديق النظري كذلك،
التصديق بأن يكون إدراك
وقوع نسبة أو لاوقوعها، كالعالم حادث فيه إدراك العالم، وإدراك حادث، وإدراك نسبة
الحدوث للعالم، ثم الجزم أو الإدراك والحكم على العالم بالحدوث، بأن هذه النسبة قد
وقعت في لخارج، لكننا هل توصلنا إلى هذه النسبة إلى وقوعها وأدركناها من غير نظر؟
لا، بل بترتيب أمرين معلومين، هما العالم متغير وكل متغير حادث، فيكون الوصول إلى
هذا التصديق بواسطة النظر فيكون تصديقا نظريا، أي توصلنا إليه بواسطة النظر.
هذه هي الأقسام الأربعة
للإدراك، التصور النظري، التصديق النظري، التصور الضروري، التصديق الضروري، لا شك
أنه لا يمكن التصديق إلا بأن يحصل تصورات فلا يتحقق تصديق إلا بتحقق تصورات ثلاثة،
أن نتصور المحكوم عليه كزيد في زيد قائم مثلا، وأن نتصور المحكوم به كقائم، وأن
نتصور نسبة المحكوم به للمحكوم عليه، ما لم تتحقق هذه الأمور الثلاثة، لم يتحقق التصديق، هذا معنى قوله:
|
21- وَالنَّظَـرِيْ مَا احتَاجَ لِلتَّـأَمٌّلِ |
|
وَعَكسُـهُ هُـوَ الضَّرُورِيُ الجَلِيْ |
(والنظري ما احتاج للتأمل) والتأمل هنا بمعنى
الفكر والنظر، فكلها بمعنى واحد وهو ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى أمر مجهول، (والنظري
ما) ما أي أمر، احتاج هذا الأمر في أي شيء؟ احتاج في تكوينه؟ وفي خلقه؟ لا، احتاج
في العلم به، أمر احتاج في العلم به للتأمل
وللفكر وللنظر (وعكسه) أي نقيضه ومخالفه، (هو الضروري الجلي)، أي الواضح، الذي لا
يخفى على أحد، لأننا لا نحتاج للتوصل إليه إلى ترتيب أمور معلومة، ثم إننا قد
علمنا أن النظري هو الأمر سواء كان تصورا أو تصديقا الذي يحتاج لترتيب أمرين
معلومين، فنرتبهما ونعبر عنهما بألفاظ، فالألفاظ التي نرتبها لنتوصل إلى تصور
يسمونها في المنطق بالقول الشارح، والألفظ التي نرتبها لتدل على المعاني التي
نتوصل بها للأمر التصديقي النظري يسمونها بالحجة وبالقياس، هذا الذي أراد أن يقوله
المصنف في البيتين الآتين :
|
22- وَمَـا بِهِ إِلَى تَصَـوٌّرٍ وُصِل |
|
يُدعَـى بِقَـولٍ شَـارِحٍ فَلتَبتَهِل |
(وما) أي لفظ (به) أي بسببه (إلى تصور وصل)
أي وصل إلى تصور، أي اللفظ الذي بسببه توصلنا إلى تصور كان مجهولا، أي توصلنا إلى
العلم بتصور كان مجهولا يسمى هذا اللفظ بالقول الشارح، قال (يدعى) أن يسمى بقول
شارح (فلتبتهل) أي فلتجتهد، هذا تكميل للبيت.
قال (يدعى بقول شارح) سمي بالقول لأنه ألفاظ مركبة،
والقول عند المنطقيين بمعنى اللفظ المركب، وشارح لأنه يفصل الماهية، فإن الإنسان
ماهية مجملة عبرنا عنها بلفظ الإنسان، لم نفصلها لم نبين أجزاءها، قلنا الإنسان لم
نذكر جزءا من أجزاءه، لما أردنا أن نتوصل إلى العلم بهذه الحقيقة، قلنا هو
الحيوان الناطق، الحيوان الناطق قول مركب من الحيوان والناطق فيسمى قولا، وفي هذا
القول تفصيل لأجزاء الإنسان الجزء الأول هو الحيوان والجزء الثاني هو الناطق،
فيكون شارحا لأن الشرح هو التفصيل، هو بيان الماهية بأجزائها، فيكون القول الذي
نتوصل بسببه إلى العلم بتصور
مجهول يكون قولا شارحا عندهم ويسمى أيضا معرِّفا وتعريفا، هذا مفاد هذا البيت.
|
23- وَمَـا لِتَصـدِيقٍ بِهِ تُوُصِّـلاَ |
|
بِحُـجَّةٍ يُعـرَفُ عِنـدَ العُقَـلاَ |
(وما) أي ولفظ (لتصديق به توصلا) أي توصلنا
به أي بسببه لتصديق أي تصديق نظري، يسمى هذا القول بالحجة، قال (بحجة يعرف عند أي
عند العقلا) أي عند علماء المعقول أي علماء المنطق، قال يعرف بالحجة أي يسمي بالحجة،
ويسمى بالقياس، وبعضهم يسميه دليلا، إذن ذكر في هذين البيتين اسم الطريق الذي
نتوصل به إلى التصور المجهول النظري والطريق الذي نتوصل به إلى التصديق المجهول
النظري، بقي من أبيات هذا الفصل قوله السابق هو البيت الثاني :
|
20- وَقـدّم الأَوَّلَ عِنـدَ الوَضـعِ |
|
لِأَنَّــهُ مُقَــدَّمٌ بِـالطَّبــعِ |
هذا البيت ليس له كبير
تعلق بقواعد المنطق، ولا بأمور أصلية في هذا العلم، إنما يتعلق بحسن الأسلوب
وبإفادتك فائدة في تعبيرك عن أمرين فأكثر وعن كيفية ترتيبها، فالمصنف رحمه الله
ذكره لك لتكون فائدة تستعملها في كلامك لذلك أخّرتُه.
هو أنه ذكر في البيت
الأول التصور والتصديق، ذكر أمرين وكل أمرين أردت أن تذكرهما فلابد أن تنظر في
الأمرين بحسب حقيقتهما بحسب الخارج، هل بينهما ترتيب في الخارج بأحد الوجوه التي
ذكرها الفلاسفة وهي الوجوه الخمسة؟ هل بينهما ترتيب؟ إن كان بينهما ترتيب فأحدهما يسبق
الآخر، فالأحسن في ذكرك للأمرين أن تذكر ما يكون أولا أولا، وأن تذكر ما يكون
ثانيا ثانيا، هذا شيء حسن أن يوافق كلامك حقيقة الأشياء، فهذا ما صنعه المصنف في
البيت الأول، فإنه ذكر أمرين، ذكر التصور وذكر التصديق، ولا شك أن التصور يأتي قبل
التصديق فإنه لا يحصل تصديق إلا بأن يحصل التصور لأن التصديق يتوقف على تصورات
ثلاث، هي تصور محكوم عليه، وتصور المحكوم به، وتصور النسبة بينهما، بعد ذلك ندرك
وقوع هذه النسبة أو عدم وقوعها فيأتي التصديق.
فحينئذن نقول: المصنف
نظر إلى أن التصور يسبق التصديق فقدمه في كلامه، والتصديق يتأخر عن التصور فأخره
في كلامه، فوافق أسلوبه وتعبيره وذكره للتصور والتصديق وافق حقيقة التصور
والتصديق، هذا من الأساليب البديعية الحسنة التي يستعمله الشخص.
فقال (وَقُدِّمَ الأول)
الذي هو تصور أي قدم في البيت السابق عند الوضع، المراد بالوضع الذكر أو الكتابة
أو التعلّم أو التعليم، هذه الأمور هي أوضاع لنا، نضع تأليفا كتابا، أو نذكر شيئا،
فهذا من وضعنا وجعلنا أيضا، أو عند تعليمنا لشيء أو عند تعلمنا لشيء، أردت أن
تتعلم أمرين فلتنظر هل تتعلم هذا أولا؟ أم تتعلم هذا أولا؟ تنظر أيهما يسبق في الخارج وفي الحقيقة فتتعلمه حينئذ
أولا.
حينئذ نقول (وقدم الأول
عند الوضع) أي تصور قدمه المصنفه في الوضع الذي هو الكتابة لماذا؟ قال لأنه مقدم
في الطبع، أي لأن طبعهما هكذا، هذا أحد أنواع خمسة للتقدم عند الفلاسفة يسمى
التقدم بالطبع والتقدم بالطبع هو أن يتوقف الثاني
على الأول، أي لا يوجد إلا أن يوجد الأول، فلو لم يوجد الأول لم يوجد الثاني من
غير أن يكون الأول علة في الثاني، مثاله الاثنان والواحد، الاثنان لا توجد إلا أن
يوجد الواحد، لأن الواحد جزؤها، فلا يمكن
أن يتحقق العدد اثنان إلا أن يتحقق الواحد فيتوقف وجود الاثنين على الواحد، أما
الواحد فليس علة في الاثنين فحينئذ يكون تقدم الواحد على الاثنين تقدما بالطبع.
فإذا أردت أن تذكر أو
أن تكتب أو أن تعلم أو أن تتعلم شيئا يتعلق بالواحد وبالاثنين، فعليك أن تقدم الواحد على الاثنين،
وهذا ما نتعامل به كثيرا، مثلا عندما تريد أن تذكر أشياء أو شروطا للشيء، أشياء
متعددة، فتقول الأول أو رقم واحد ثم تذكر شيئا، رقم اثنان وتذكر شيئا، يمكن أن تقول
رقم اثنان ثم رقم واحد يمكن هذا، لكنه معيب، أسلوب غير حسن لأنك تريد بيان أشياء
متعددة، فيمكن أن تذكر الثاني قبل الأول، يمكن هذا أم لا؟ يمكن، لكنه ليس بحسن،
لماذا؟ لأنك خالفت في أسلوبك وفي وضعك وذكرك خالفت طبيعة الشيء.
هذا الذي صنعه المصنف،
وهو أنه ذكر التصور أولا، وذكر التصديق ثانيا، لأن التصور يتقدم على التصديق
بالطبع، كيف؟ التصديق يحتاج للتصور، كما علمنا، فإن التصور شرط للتصديق، والمشروط
يتوقف على شرط، وهل التصور يحتاج للتصديق؟ أو هل التصور علة في التصديق؟ ليس كذلك،
فحينئذ يكون تقدم التصور على التصديق في حقيقة الأمر في طبعهما، يكون تقدم التصور
على التصديق تقدما بالطبع.
مثال التقدم لا بالطبع، بأن يكون الأول علة في
الثاني، تقدم حركة اليد على الخاتَم، فعندما تتحرك اليد يتحرك الخاتم، عندما تتحرك
اليد يتحرك معها الكتاب، ولا شك عند العقل أن حركة اليد متقدمة على حركة الكتاب
فهناك حركتان: حركة اليد وحركة الكتاب، وحركة الكتاب تتوقف على حركة اليد أم لا؟
تتوقف، لأنه لو لم تتحرك اليد الكتاب لا يتحرك، فحركة الكتاب تتوقف على حركة اليد،
وحركة اليد علة في حركة الكتاب أم لا؟ نعم، علة فيها، فتقدم حركة اليد على حركة
الكتاب تقدما بالعلة وليس بالطبع فلذلك قلنا في تعريف التقدم بالطبع إنه أن يتوقف
الثاني على الأول، أي في وجوده وحصوله، من غير أن يكون الأول علة فيه، ليكون تقدما
بالطبع، أما لو كان علة فيه يكون تقدما بالعلية أو بالعلة، لذلك قال المصنف رحمه
الله (وقدم الأول) الذي هو التصور أي على الثاني (عند الوضع) أي في الكتابة (لأنه)
أي لأن الأول الذي هو التصور (مقدم) أي على الثاني الذي هو التصديق (بالطبع) قد
بيناه وشرحناه، والحمد لله رب العالمين.
لذلك نكون قد انتهينا
من الكلام على الإدراك، وحقيقته عند المناطقة، وعلى تقسيمه للتصور وتصديق، وعلى
تقسيم كل منهما لضروري ونظري، وعلى بيان الطريق الموصل للتصور النظري والتصديق
النظري واسم كل منهما وعلى الضابط أو الفائدة التي أتى بها المصنف رحمه الله في
قوله (وقدم الأول إلى آخره).
ذكرنا قبل ذلك أن
المنطق علم يعرف به كيفية الانتقال الصحيح من المعلومات للمجهولات، والمعلومات والمجهولات
أمور ذهنية أي تعلم في الذهن وتجهل في الذهن، فمحلّ العلم والجهل هو الذهن، فحينئذ
يكون اشتغال المنطقي بأمور ذهنية فقط، ولا اشتغال له بما عدا ذلك من غير الأمور
الذهنية، كالأمور الخارجية، وكالأمور اللفظية كالأصوات والكلام، وإن تكلم عن شيء
من ذلك فإنما يتكلم عنه لفائدة يحتاجها في الأمور الذهنية، أما كلامه بالأصالة فلا
يكون إلا في معلوم أو مجهول، وفي طريق يؤدي إلى العلم بالمجهول فقط، ليس له كلام
فيما عدا ذلك.
وقد بينا أن الإدراك
الذهني ينقسم إلى تصور وتصديق، وأن التصور نتوصل إليه بفكر يسمى بالقول الشارح
وبالمعرِّف والتعريف، وأن التصديق يُتوصل إليه بما يسمى بالحجة والقياس، فانحصر
نظر المنطقي في الموصل إلى التصور وهو القول الشارح وفي الموصل للتصديق، وهو
القياس والحجة.
ولكنّ القول الشارح
مركب فله أجزاء، فوجب على المنطقي أن
يشتغل بهذه الأجزاء اشتغالا بالتبع، اشتغاله بالقصد الأصلي هو القول الشارح وكذلك
القياس، لكن كلا منهما له أجزاء فوجب عليه أن يشتغل بهذه الأجزاء وأن يتكلم عليها
تبعا لكلامه على المقصود الأساسي وهو القول الشارح والقياس، فيتكلم على أجزاء
القول الشارح وهي الكليات الخمس، ويتكلم على أجزاء القياس وهي القضايا، فيكون نظر
المنطقي محصورا في أربعة أمور: في الكليات الخمس، وفي القول الشارح، وفي القضايا،
وفي القياس، وما عدا ذلك فهو خارج عن المنطق.
لكن القضايا لها أحكام
يُحتاج إليها ويعلم الحاجة إليها في باب القياس في كتب المنطق المطولة فيذكرون هذه
الأحكام أيضا للحاجة إليها، فيذكرون بعد القضايا أحكام القضايا وهي العكس والتناقض،
كذلك القياس له أقسام خمسة هي البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة، هذه
الأقسام الخمسة يعقدون لها أبوابا أيضا، فتكون أبواب المنطق حينئذ إجمالا أربعة:
الكليات، القول الشارح، القضايا وأحكامها، والقياس إجمالا، وإن أردت أن تفصّل
القياس بعدّ أبوابه الخمسة، فإنها تصير حينئذ تسعة : الكليات، والقول الشارح،
والقضايا وأحكامها، والقياس، هذه أبواب أربعة ثم البرهان، الجدل، الخطابة، الشعر،
السفسطة، هذه تسعة حينئذن.
فالقياس يُعَدُّ أيضا،
ليس أنك تأتي بالأقسام الخمسة بَديل القياس، لا، القياس يعدّ أيضا، فتكون الأبواب
تسعة، إن لم تذكر القياس في هذه الأقسام تكون الأبواب ثمانية، لك هذا ولك ذاك، لكن
الأحسن أن تجعل القياس منفصلا عن أقسامه خمسة، لأنهم يتكلمون في باب القياس عن
ماهيته وعن أقسامه، ويتكلمون في الأبواب الخمسة عن كل قسم من حيث المواد، فيتكلمون
في باب القياس عن صورته، ويتكلمون في الأقسام الخمسة البرهان وما بعده عن مادته.
ففرق بين باب القياس
الذي يعقدونه وبين أقسامه التي تحته، الخلاصة من ذلك أن أبواب المنطق لا تزيد عن
تسعةٍ، ولك أن تجعلها أربعةً وهو ما ينظر إليه المنطقي أصالة، لكن هذه الأمور كما
بينا هي معانٍ ذهنية وأمور عقلية، ومع ذلك المنطقي يحتاج لأن يفهَم من الآخر وأن
يفهِّم الآخر، وذلك لا يصلح في الأمور المعنوية ولا الأمور العقلية إلا بالألفاظ.
والألفاظ من عمل اللغوي
وليست من وظيفة المنطقي، فيتكلم المنطقي عن الألفاظ اضطرارا، لأنه لا يمكن أن يفهّم
المعاني التي عملُه فيها أصلي إلا بالألفاظ، ولا يمكن أن يفهم هذه المعاني من غيره
إلا بالألفاظ، فتكلم عن مباحث الألفاظ وبينها، وبين المعتبر عنده من غير المعتبر،
هذه الألفاظ لا تُفهِم هذه المعاني الذهنية إلا بأن تدل عليها، فهناك لفظ ومعناه،
والمقصود الأصلي للمنطقي هو المعنى الذهني ودلالة بين اللفظ والمعنى، بغير هذه
الدلالة لا يفهِم هذا اللفظ ولا يفيد، فوجب على المنطقي أيضا أن يتكلم في باب
الدلالة، فلذلك يصدّرون كتب المنطق بالكلام على الدلالات وأنواعها وبالكلام على
الألفاظ وهي ليست من علم المنطق بل هي من علم اللغة.
فحينئذ يُدرَج باب
الدلالة وباب الألفاظ في كتب علم المنطق وهو ليس من علم المنطق، فرق بين أن يدرج في كتب المنطق وبين أن يُدرَج
في علم المنطق، هو ليس من علم المنطق، علم المنطق يبدأ من الكلام على الكليات
الخمس لأنها الأمور التي ينظر المنطقي فيها حينئذ بسبب احتياجه إليها في النظر في
القول الشارح والقياس، وباب الدلالة وباب مباحث الألفاظ مهمّان جدا في علم المنطق
كما بينا وفي علم البلاغة وفي علم أصول الفقه وفي علم آداب البحث والمناظرة، وفي
علم الوضع وفي علم التفسير وهو بالأصالة من علم اللغة، فانظر هو مهم في كل هذه العلوم،
وبغير فهمه وبغير التدقيق فيه يفوتك الكثير والكثير من قواعد العلوم في شتى
الأبواب، فتنبه لذلك.
لذلك قال المصنف رحمه
الله :
Komentar
Posting Komentar