شرح متن السلم المنورق (٥) - الشيخ حسام رمضان - فصل في مباحث الألفاظ
﴿فصل في مباحث الألفاظ﴾
ومباحث جمع مبحث،
والمبحث بمعنى المسألة، فقوله (فصل في مباحث الألفاظ)، أي فصل في المسائل المتعلقة
بالألفاظ، والألفاظ جمع لفظ وهو الصوت المعتمِد على مقطع أو على مخرج من مخارج
الحروف، قال:
|
26- مُستَعمَلُ الأَلفَاظِ حَيثُ يُوجَدُ |
|
إِمَّـا مُـرَكَّـبٌ وَإِمَّـا مُفـرَدُ |
(مستعمل الألفاظ) من إضافة الصفة للموصوف أي
الألفاظ المستعملة للاحتراز عن الألفاظ المهملة، فإن اللفظ يكون مستعملا ومهملا،
بينا أن الاستعمال يكون من متكلم، فاللفظ يضعه الواضع لمعنى ويأتي المتكلم
ويستعمله في معنى، فيسمى هذا اللفظ مستعملا، المقصود هنا في كلام المصنف ليست
الألفاظ المستعملة وإنما الألفاظ الموضوعة، لكنه يعبرون بالاستعمال عن الوضع،
فقوله (مستعمل الألفاظ) لا يقصد الألفاظ التي استعملت فتخرج الألفاظ التي لم
تستعمل حتى وإن كانت موضوعة، لا، ليس مقصوده ذلك، مقصوده الألفاظ الموضوعة التي
وضعت لمعنى سواء استعملت أو لم تستعمل، فقد يضع الواضع لفظا لمعنى ولا يستعمله
أحد، ولا يأتي به أحد في التركيب، فهذا لفظ غير مستعمل، ومع ذلك يدخل في كلام
المصنف، يدخل أنه ينقسم لمفرد ومركب كما سيأتي.
فحينئذ نقول (مستعمل
الألفاظ) أي الألفاظ المستعملة بمعنى الألفاظ الموضوعة، (مستعمل الألفاظ حيث يوجد)
فيحترز عن اللفظ المهمل وهو اللفظ الذي لم يوضع لمعنى، وليس اللفظ الذي لم يستعمله
أحد ولم ينطق به متكلم، لا، قد يكون لفظا غير مهمل بمعنى أن الواضع وضعه ولا يتكلم
به أحد، قال (حيث يوجد) أي حيث ينطق به ناطق (إما مركب وإما مفرد)، (مستعمل
الألفاظ حيث يوجد إما مركب وإما مفرد) قسم اللفظ للمفرد والمركب، بيان ذلك أن
اللفظ إن دل جزءٌ منه على جزءِ معناه دلالة مقصودة فهو مركب وإلا فهو مفرد.
فتنظر في تعريف المركب
لاجتماع هذه الأوصاف، أن يدل جزءٌ من اللفظ على جزء معناه وأن تكون الدلالة مقصودة،
إن اجتمعت هذه الأشياء كان اللفظ مركبا، وإن فقد شيء منها، كأن فقد جزء اللفظ، لا
جزء له، أو وجد جزء اللفظ وليس له دلالة، أو وجد جزء اللفظ وله دلالة على جزء
معناه لكنها ليست مقصودة للمتكلم فإنه حينئذ لا يكون مركبا بل يكون مفردا، وإن
اجتمعت الأمور هذه كان مركبا.
مثلا، لفظ زيد قائم،
هذا لفظ ننظر فيه هل له جزء؟ نعم، زيد وقائم، هل جزؤه يدل على جزء معناه؟، ما معناه؟
ما معنى زيد قائم؟ معناه الحكم على زيد بالقيام، الحكم أخذناه من الإعراب زيدٌ
قائمٌ، فالرفع هنا يفيدنا أن هناك حكما، أخذناه من الإعراب، أخذنا الحكم من
الإعراب، الحكم على زيد، أخذنا "على" من أن زيد جاء أولا فهو مبتدأ
ومحكوم عليه، فنقول الحكم على زيد، ثم نقول بالقيام لأنه الجزء الثاني المحكوم به،
فالقيام جزء المعنى، وزيد جزء المعنى والحكم جزء المعنى، فحينئذ نقول اللفظ له جزء
هو زيد وقائم، زيد فقط وقائم فقط، وهل زيد فقط؟ أو قائم فقط؟ جزء المعنى أيضا؟
نعم، لأن معناه الحكم على الشخص نفسه ليس على لفظ زيد، على الشخص نفسه بالقيام
نفسه، بمعنى القيام نفسه، وليس بلفظ قيام، فالشخص نفسه جزء من المعنى بتمامه،
والقيام نفسه جزء من المعنى بتمامه، فزيد جزء من اللفظ دل على الشخص نفسه الذي هو جزء
من المعنى.
وهل قصد المتكلم هذه
الدلالة؟ هل قصد أن زيدا يدل على الشخص وأن قائما يدل على القيام؟ نعم، قصد ذلك،
إذن تحقق في زيد قائم أنه لفظ دل جزؤه الذي هو زيد أو قائم على جزء معناه الذي هو
الشخص أو القيام، ودلالة مقصودة؟، نعم قصدها المتكلم، فيكون لفظا مركبا، فإن فُقد
الجزء أي ليس للفظ جزء أصلا كان مفردا، لأننا بينا أن المركب لا بد من تحقق
الأمور الأربعة هذه فيه، فإن فقد جزء اللفظ لم يكن له جزء كواو العطف، وكفاء تعقيب
وكهمزة الاستفهام، جاء زيد وعمرو، "و" هذه لفظ، هل له جزء؟ ليس له جزء، إذن
لفظ "و" فقط مفرد.
هو كلمة؟ نعم، لماذا؟
لأنها واو العطف، فكلمة تدل على العطف، كلمة مفردة أم مركبة؟ ننظر هل دل جزؤها؟
ليس لها جزء، إذن مفردة، فاء التعقيب: جاء زيد فعمرو، ففاء التعقيب لفظ مفرد، همزة
الاستفهام: أزيد قائم، أزيد، ليس لها جزء فهمزة الاستفهام كذلك مفردة، لأنه تَخلّف
أول أمر، وهو جزء اللفظ.
وقد يكون للفظ جزء،
لكنه لا يدل، فاختلف عن واو العطف وفاء التعقيب في أن له جزءا كزيد، زيد لفظ له
جزء بخلاف واو العطف، زيد جزؤه الزاي والياء والدال لكن الجزء لا يدل، فإذا قلت زيد
ننظر فيه هل زيد فقط لفظ دل جزؤه قبل أن نكمل تعريف المركب؟ نقول لا، نعم له جزء
لكنه لا يدل، فلا يقال فيه "دل جزؤه"، يقال فيه له جزء لكن جزأه لا يدل،
فهو مفرد لكون الجزء
-وإن وجد- غير دال.
قد يوجد للّفظ جزء وجزؤه
يدل، لكنه يدل على معنى ليس جزءا لمعنى اللفظ، يدل على معنى آخر، ليس جزءا لمعنى
اللفظ الذي دل عليه، فهو نعم، له جزء وجزؤه يدل لكنه يدل على معنى ليس جزءا لمعنى
هذا اللفظ، كيف ذلك؟ نبينه بالمثال، مثلا عبد الله علما، علما على شخص، فهو اسمه
عبد الله، فهذا لفظ ما معناه؟ هذا الشخص، معنى عبد الله بتمامه هو هذا الشخص، كل
هذه الحروف التي ركب منها عبد الله علم على هذا الشخص، فإذا نظرنا هل هذا اللفظ له
جزء؟ نعم، فيه عبد وفيه لفظ الجلالة، وفيه العين، والباء، والدال، والألف، واللام
والهاء، وهل جزؤه يدل على معنى؟ نعم فاختلف عن زيد، زيد جزؤه ما كان له معنى، أما عبد
الله فجزؤه له معنى لأن "عبد" له معنى هو من تحققت فيه العبودية، والله
لفظ الجلالة معناه الذات العالية سبحانه وتعالى.
فجزؤه له معنى فاختلف
عن واو العطف، وفاء التعقيب في أن له جزءا، وعن زيد في أن جزأه له معنى، ومع ذلك هو
مفرد، لماذا؟ لأن هذا اللفظ وإن كان له جزء وجزؤه دال على معنى كما بينا، لكنه لا
يدل على جزء المعنى الذي وضع له هذا اللفظ، أو الذي قصد من هذا اللفظ وهو الشخص،
فهو وإن كان عبد له معنى هو ذات انتصفت بالعبودية لكنه ليس جزءا من هذا الشخص، جزء
الشخص هذا الحيوان الناطق.
فالذات المتصفة بالعبودية الذي هو معنى عبد ليس
جزءا لهذا الشخص، وظاهر جدا في لفظ الجلالة، معناه هو الذات العالية تعالى الله عن
ذلك، ليست جزء من هذا الشخص، فجزء اللفظ ليس جزءا من معناه الذي هو الشخص المسمى
بعبد الله، فتبين أنه لفظ له جزء وجزؤه له معنى لكن معناه ليس جزءا من المعنى الذي
دل عليه هذا اللفظ إن كان علما.
إن جعلناه وصفا انقلب
الأمر، فإذا وصفنا زيدا بأنه عبد الله فلننظر، هل يكون مفردا أم مركبا؟ نقول
مالمعنى من الوصف بعبد الله؟ معناه أن زيدا هذا الذي وصفناه هو ذات متصفة بالعبودية
للذات العالية، هذا هو المعنى من عبد الله، فلننظر هل عبد الله الوصف وليس العلم
له جزء؟ نعم، له عبد ولفظ الجلالة، وهل جزؤه له معنى؟ نعم، وهل معنى جزئه جزء من
المعنى الذي أطلق اللفظ عليه؟ نعم، فإن عبد الله وصفا جزء اللفظ عبد وهو دال على
الذات المتصفة بالعبودية، وهذا جزء المعنى الذي قصدنا وصف زيد به، والله جزء اللفظ
وله معنى هو الذات العالية، والذات العالية جزء المعنى الذي وصفنا زيدا به، فإن
المعنى الذي وصفنا زيدا به أنه ذات متصفة بالعبودية للذات العالية، فالذات العالية
جزء المعنى الذي قصدنا وصف زيد به حينئذ فيكون مركبا لأنه لفظ دل جزؤه على جزء
معناه دلالة مقصودة، ففرق بين عبد الله علما وعبد الله وصفا.
فعبد الله علما ليس
مركبا، بل هو مفرد، مع كونه له جزء؟ نعم، ومع كون جزئه يدل؟ نعم، لكن جزأه يدل على
معنى ليس جزءا من المعنى الذي قصد باللفظ، ثم قد يكون اللفظ له جزء، وجزؤه له
معنى، ومعنى جزئه جزء من المعنى الذي قصد من اللفظ ولكن الدلالة ليست مقصودة
للمتكلم، كيف ذلك؟ إذا سمينا شخصا بالحيوان الناطق، علم، تسمية علمية كما نسميه
لزيد وعمرو، وليس أننا نصفه، ليس أننا نصفه بأنه حيوان ناطق، أي تحققت فيه
الحيوانية الناطقية، لا، ليس كذلك، وإنما سميناه بالحيوان الناطق، كما نسمي حجرا
بالحيوان الناطق، ونسمي كتابا بالحيوان الناطق، ونسمي أي شيء من الأشياء بالحيان
والناطق سمينا هذا الشخص بالحيوان الناطق.
فالكلام في هذا المثال
في تسمية الشخص بالحيوان الناطق ليس في تسمية أي شيء آخر، وإنما في تسمية الشخص،
فننظر هل هذا اللفظ له جزء؟ نعم، الحيوان والناطق، هل جزؤه له معنى؟ نعم، الحيوان
له معنى، هو الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة، الناطق له معنى؟ نعم، هو
المدرك بالقوة، إذن، كل جزء منهما له معنى، وهل هذا المعنى لكل جزء منهما جزء من
المعنى الذي أراده المتكلم؟ نعم، فإن الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة جزء من
الشخص الذي سميناه بالحيوان الناطق، والناطق هو المدرك المفكر، هل هذا المعنى جزء
من المعنى الذي قصده أو أراده المتكلم؟ نعم، جزء لأن هذا الشخص جزؤه الإدراك بالقوة
والتفكر بالقوة، جزء هذا الشخص.
إذن تحقق في هذا اللفظ
أن له جزءا وأن جزأه له معنى، وأن معنى جزئه جزء من المعنى الذي قصده المتكلم،
نعم، فمعنى جزء اللفظ جزء من المعنى الذي أراده المتكلم، لكن لم يقصد المتكلم ذلك،
لم يقصد المتكلم في
الشخص ذلك بأن يقول إن جزأه الجسم النامي الحساس المتحرك، وله جزء الإدراك بالقوة،
بل قصد وضع اللفظ بتمامه هو الحيوان الناطق للشخص بتمامه دون نظر إلى أجزائه، دون
نظر إلى تحقق هذه الأجزاء ومعانيها في هذا الشخص بل جعله علما، شأنه شأن زيد في
جعله علما للشخص.
فكأن الحيوان في
الحيوان الناطق بمثابة الزاي من زيد، ألغى المتكلم دلالتها على جزء الشخص، إذن لم
يقصد مادام قد ألغى دلالاتها، فنقول هذا اللفظ مفرد لأنه وإن كان لفظا دل جزؤه على
جزء معناه، لكنها ليست دلالة مقصودة بل هي دلالة بحسب معنى آخر، أو بحسب إرادة أخرى، وهي أن
يريد وصفه بذلك، فإن جاء أحد ووصف زيد بأنه حيوان ناطق كان الحيوان الناطق مركبا
وليس مفردا، لماذا؟ لأنه قصد أن جزأه الحيوانية وأن جزأه الناطقية، ففرق بين
الحيوان الناطق علما على شخص والحيوان الناطق وصفا لشخص.
وقيدتُ في الحيوان
الناطق بكونه علما لشخص وليس علما لأي شيء لأنه لو كان علما لشيء آخر لكان من
القسم السابق، من القسم الثالث، هو أنه يكون كعبد الله لأن له جزءا وجزؤه له معنى
لكن معنى جزئه ليس جزءا من المعنى الذى وضع اللفظ له، فإن وضعت لهذا الكتاب اسم أو
علم هو الحيوان الناطق كان كوضعك عبد الله للشخص، فلابد في مثال الحيوان الناطق من
أن تقيد بأنه علم لشخص، في عبد الله تقول هو علم وخلاص، على شخص، على شيء آخر، لا
مشكلة، أما في هذا المثال خاصة، فتقيد بأنه علم على شخص، لأنه لو كان علما على غير
شخص لكان من القسم الثالث.
هذه هي الأقسام الأربعة
التي تندرج في المفرد: أن يكون لفظ لا جزء له، أن يكون لفظ له جزء غير دال، أن
يكون لفظ له جزء دال ولكنه دال على معنى ليس جزءا من المعنى الذي قصده المتكلم،
القسم الرابع أن يكون لفظ جزؤه دال على معنى ومعناه جزء المعنى الذى قصده المتكلم
لكنه لم يقصد هذه الدلالة، كما في الحيوان الناطق، هذه أقسام أربعة لا يتحقق فيها
تعريف المركب الذي هو لفظ دل جزؤه على جزء معناه دلالة مقصودة، فينقسم اللفظ حينئذ لمفرد ومركب بحسب دلالة
جزئه على معنى هو جزء معنى لفظه ويكون ذلك بقصد متكلم، هذا معنى قول المصنف رحمه
الله (مستعمل الألفاظ) أي الألفاظ المستعملة، حيث يوجد (إما مركب وإما مفرد).
انتهينا من الكلام على
الدلالات وأقسامها وتكلمنا أيضا على البيت الأول في مباحث الألفاظ، وهو قول المصنف
رحمه الله )مستعمل الألفاظ
حيث يوجد ** إما مركب وإما
مفرد( وبينا معنى المركب ومعنى المفرد وقد ذكر
المصنف رحمه الله معنى كل منهما في قوله :
|
27- فَـأَوَّلٌ مَـا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَـى |
|
جُـزُءِ مَعنَـاهُ بِعَـكسِ مَـا تَلاَ |
(جُزءِ) بضم الزاي (جزُءِ) وذلك للوزن، وقوله
(بعكس) بالتنوين وبعدمه (بِعَكْسِ ما تلى) و(بِعَكْسٍ ما تلى) يجوز الوجهان، قال (فأوّل)
أي فأول واحد منهما، فأول واحد من الأمرين المذكورين سابقا، وهو المركب والمفرد،
قال (فأول) يقصد أول الأمرين الماضيين هما المركب والمفرد، أي فالمركب (ما دل جزؤه)
أي لفظ فـ"ما" واقعة على لفظ، لأن المركب والمفرد قسمان للّفظ، فأول أي فالمركب
لفظ دل هذا اللفظ -لأن كلامنا في الألفاظ المستعملة الموضوعة وليست في المهملة- فيكون
اللفظ المستعمل الموضوع له دلالة حينئذ.
قال (فأول) أي المركب، (ما)
أي لفظ (دل) أي أفهم (جزؤه) دل جزئه، أي جزء هذا اللفظ، فلابد وأن يكون له جزء،
لأنه قال "جزؤه"، فلا بد وأن يكون له جزء، نسب له الجزء وقال (دل جزئه)
فلابد وأن يكون جزؤه دالا لأنه أسند إليه
الدلالة، وقال (دل جزؤه) فهنا أمران (ما دل) أي لفظ دل جزؤه، نفهم منه أنه لابد وأن
يكون للّفظ المركب جزء وأن يكون لجزء اللفظ المركب دلالة، هذان أمران نأخذهما من
قوله (فأول ما دل جزؤه) ثم قال (على جزء معناه) الضمير في "معناه" يرجع
إلى "ما" وليس إلى "جزؤه" أي ما دل جزء اللفظ على جزء معنى
اللفظ، فلابد وأن يكون لمعنى اللفظ حينئذ جزء وأن يكون جزء اللفظ دالا على جزء معناه.
ثم إن المصنف لم يتعرّض
للقيد الذي ذكرناه في تعريف المركب، وهو دلالةً مقصودة، وكان عليه أن يزيدهُ، فهذا
من نواقص المتن، وقد زاد هذا القيد الشيخ السنوسي رحمه الله وغيره، وذلك لإخراج
مثل الحيوان الناطق إن قصد به أو إن وضع علما على شخص، كما بينا في المرة الماضية،
قال (فأول ما دل جزؤه على جزء معناه) هذا فيه ثلاثة أمور، فيه أن اللفظ لابد وأن
يكون له جزء وأن يكون جزؤه دالا وأن يكون دالا على جزء معناه، هذه ثلاثة، وإن زدنا
دلالة مقصودة، فهذا أمر رابع.
فإن فقد شيء من الأربعة
كان مفردا كما بينا في المرة الفائتة، فإن فقد جزء اللفظ كواو العطف وفاء التعقيب،
وهمزة الاستفهام فإنه يكون مفردا، لأنه لا ينطبق عليه قوله (ما دل جزؤه)، لأننا
نقول: ليس له جزء فهو مفرد، وإن وجد الجزء ولم توجد له دلالة فنفقد أيضا قوله (ما
دل جزؤه) فله جزء غير دال كزيد فإن جزأه الزاي والياء والدال لا دلالة لكل واحد من
هذه الأجزاء، هذا هو الثاني.
الثالث نحو عبد الله،
وحجة الإسلام، وعبد شمس والمضافات التي يقصد بها العلمية، فهذه الألفاظ إن وضعت
أعلاما فإنه حينئذ يكون لها جزء ولجزئها دلالة على جزء معناها بحسب المعنى الأصلي
وهو الوصفي، وجزؤها دال على جزء معناها ولكن المتكلم لم يقصد هذه الدلالة لأنه لم
يقصد الدلالة بعبد على معنى في الشخص المسمى بعبد الله، ولم يقصد الدلالة بلفظ
الجلالة على معنى في الشخص، تعالى الله عن ذلك، بل قصد الدلالة بكل اللفظ بـ"عبد
الله" بتمامه بجميع حروفه على شخص معيّن، فلا دلالة عنده حينئذ لعبد ولفظ
الجلالة على شيء في هذا الشخص.
أما لو كان وصفا فإنه
يكون مركبا، لأنه قصد الدلالة
بعبد فقط على معنى هو جزء معنى اللفظ، وقصد الدلالة بلفظ الجلالة على معنى هو جزء
معنى اللفظ، لأنه قصد بعبد الله أنه ذات اتصفت بالعبودية للذات العالية، هذا إذا انعدم
الأمر الثالث، وهذا هو الذي اشتمل عليه تعريف المصنف.
بقي الأمر الرابع، وهو
ما إذا كانت الدلالة غير مقصودة، كما في الحيوان الناطق علما على شخصا، وقد بيناه،
لما كان الأمر كذلك وهو أن المفرد يتحقق بانعدام قيد في تعريف المركب، قال المصنف
رحمه الله (بعكسِ ما تلى) أي بعكس الذي تلاه، فـ"تلى" فيه ضميران، ضمير
الفاعل وهو مستتر وضمير المفعول وهو محذوف، في ضمير الفاعل نقول مستتر ولا نقول
محذوف، وفي ضمير المفعول نقول محذوف ولا نقول مستتر يعلم ذلك من النحو.
قال (بعكس ما تلا) فيه
ضميران، تلا "هو" هذا ضمير الفاعل يرجع لـ"ما" و"تلاه"
هذا ضمير المفعول يرجع للمركب أو لأوّل في أول البيت، فأول هو المركب، والمركب هو الأول،
أي المركب ملتبس -فالباء للملابسة- بعكس أو بنقيض وبخلاف ما أي المفرد الذي تلاه
أي تلا المركب، تلاه في البيت الأول، فإن المفرد في البيت الأول جاء بعد المركب
فتلاه بمعنى تبعه أي جاء بعده.
هذا إذا قرأناها بغير
تنوين (بعكسِ ما تلا) أي المركب هو ما دل جزؤه على جزء معناه دلالة مقصودة -إن
زدناها- حالة كون المركب ملتبسا بعكس المفرد الذي تلاه وجاء بعده، فيكون في قوله "حالة
كون المركب ملتبسا بعكس المفرد" يكون قد بيّن تعريف المفرد، لأنه بين أن
المركب عكس المفرد، فنعلم أن المفرد عكسه، فإذا كان عكسه، إذا كان المفرد عكس
المركب نقول: فالمفرد ما لا يدل جزؤها على جزء معناه دلالة المقصود.
"ما لا" هنا
أفيدك بأمر مهم تطبّقه في شتّى الفنون وفي كل الكتب وفي أي عبارة تقرأها، تكون
مشتملة على مثل هذا من النفي، وهو أن النفي إذا دخل -هذا اصطلاح العلوم تنبه لذلك،
نحن في العرف لا نتعامل بذلك، وهذا من الأمور التي تجعل كثيرا من الطلاب لا يفهمون
ما يقرؤون في الكتب، في العرف لا نتعامل بهذا المفهوم الذي سأذكره، أما في عرف
الكتب والاصطلاحات فإن جميع المؤلفين يتعاملون بذلك، حتى وإن كان ينكر ذلك لغة ككثير
أو كبعض اللغويين، فإنه ينكر هذا المفهوم الذي سنذكره كالشيخ عبد القاهر رحمه
الله، ينكر هذا المفهوم الذي سنذكره وينكر أنه من اللغة أو أنه متعارَف عند أهل
اللغة، مع ذلك يتعاملون به في الكتب. ويتعارفون عليه- وهو أنك إذا رأيت نفيا في
بداية كلام فإياك أن تفهم أن النفي
هذا له صورة واحدة وهي إجمال ما سيأتي بعد النفي.
لا، هذا خطأ، هذا الذي
نتعامل به في العرف، وهو أننا إذا قابلنا شخصا مثلا، فقال "لم أر رجلا عالما"،
مثلا، قابلك شخص، وقال لك ذلك "لم أر رجلا عالما" فأنت حينئذن تقول: إذن
رأى رجلا غير عالم، هذا الذي نفهمه، وهذا الشائع في اللغة أيضا، لكن ذلك ليس
معتبرا أبدا في الكتب وفي العلوم، تنبه هذا أمر مهم جدا في الفنون وفي التآليف
كلها في أي فن، يوقعون النفي على أمرين هنا ليس على أمر واحد، في العرف نوقع النفي
على أمر واحد، هو مجموع
ما يأتي بعد النفي، فـ"لم أر رجلا عالما" في العرف في تعاملنا نوقع
النفي على آخر قيد وهو أنه لم ير رجلا عالما، أي رأى رجلا جاهلا فقط، له صورة
واحدة، هذا الذي نفهمه جميعا، والطلاب ينظرون في الكتب فيفهمون مثل هذا، وهذا خطأ، ويرون العلماء والأئمة في
شروحهم يأتون بصُوَر أخرى، وهو يظن أنه اجتهاد من العالم، والأمر ليس كذلك.
فإذا جاءت مثل هذه
العبارة في كتاب، فعليك أن تفهمها هكذا: أن تسلط النفي مرة على القيد الثاني، هذه
أول صورة، "لم أر رجلا عالما" تقول أي رأى رجلا غير عالم، أوقعنا النفي على الجزء الثاني، وهو أنه غير عالم
أوقعنا النفي وأتينا بغير، الصورة الثانية أنه لم ير رجلا أصلا، فتوقع النفي على
رجل لأنه جاء بعد النفي في قوله "لم أر رجلا عالما"، الأمر الثالث أنه
لم ير أصلا، فيجوز أن يكون أعمى ويقول لم أر رجلا عالما، إنما في العرف لو قال
الأعمى "لم أر رجلا عالما" تضحك، لأنك تقول ما فائدة أن يذكر "رجل
عالم" بل يكون "لم أر أصلا".
لكنه في عرف المؤلفين
يصح ذلك، هل هذا المعنى لغوي أو هو عرفٌ للمؤلفين؟ هذا خلاف، الأكثر على أنه لغوي
وموجود في لغة العرب، الشيخ عبد القاهر الجرجاني رحمه الله لا يرى أن هذا من عرف
اللغة وإنما هو من عرف المؤلفين، المهم أن الكل يسير على ذلك، في التعاريف وفي
التقاسيم، وفي كل شيء.
تقول "لم أجد كتاب نحو"، ماذا تفهم
عندما تسمع هذا الكلام؟، تفهم أنه وجد كتابا في غير النحو؟ هذا فهم قاصر، إن تعاملت
بهذا الفهم في عرف الناس فهو صحيح إلا أن يكون عالما خاصة ممن يقرؤون التآليف
والكتب كثيرا فعليك أن تتنبه ماذا قصد؟ لأن عقله درج على ما يقرؤه، أما غيره من
الناس فتفهم منه هذا، لم أجد كتابا نحو تفهم أنه وجد كتابا في غير النحو، أما إن
وجدت مثل هذه العبارة في الكتب وفي
التآليف فعليك أن تفهمها هكذا: أن تفهم هذا الفهم أيضا فهم العامي العرفي، وأن
تزيد عليه أنه لم ير كتابا أصلا، فتوقع النفي على كتاب، مرة أوقعنا النفي على نحو،
فجعلناه رأى كتابا في غير النحو، مرة أخرى أو في الصورة الثانية توقع النفي على
كتاب، فتقول لم يجد كتابا أصلا، مع أن هذا لو تعاملت به في العرف لخطّأك الناس.
بأن تأتي وتكون قد وجدت
قلما مثلا، فتقول له لم أجد كتاب نحو، فيضحك، لماذا تقول لم أجد كتاب نحو؟ قُلْ لم
أجد كتابا واسكت لأنك وجدت قلما، أما في عرف المؤلفين فيجوز أن يكون ما وجد قلم
وتقول لم أجد كتاب نحو، ويصدق على القلم، فرق شاسع، هذا من الأسرار لمن أراد أن
يقرأ الكتب أو أن يفهمها وقد بُحْتُ به لكم، الأمر الثالث أنه لم يجد أو لم يبحث
أصلا حتى يجد، توقع النفي على الوجود أصلا، المهم أننا في مثل هذا التعريف (فأوّل
ما دل جزؤه إلى آخره) نقول المركب ما يدل جزؤه على جزء معناه دلالة مقصودة، يقول:
المفرد بعكسه، بخلافه أي تضع لا النافية في أول التعريف، فتقول المفرد ما لا يدل
جزؤه، ماذا تصنع في مثل هذا؟ تُدخل هذا النفي على كل قيد في التعريف، فتتعدّد لك
الصور، هذا الذي يُصنع دائما في التعاريف وفي التقاسيم وفي أي عبارة علمية كانت في
علوم المعقولة أو اللغة أو الشرع أو غير ذلك.
تقول ما لا يدل جزؤه
على جزء معناه دلالة مقصودة، فتوقع "لا" تأتي دائما بآخر قيد، فتوقع
"لا" على القيد الأخير، وهو دلالة مقصودة، فتقول ما دل جزؤه مع أننا
نتكلم عن تعريف المفرد، فتقول ما دل جزؤه على جزء معناه دلالة غير مقصودة، حوّلنا "لا"
لـ"غير"، ووضعناها في آخر قيد، ثم نقول هذه صورة من الصور، وهذه الصورة
الرابعة التي هي الحيوان الناطق علما على شخص.
ثم تقول هناك صورة ثانية،
خلاص، أنت فهمت السرّ، من أين هذه الصورة الثانية؟ فتقول أوقع النفي على القيد قبل
الأخير فتقول ما دل جزؤه على غير جزء معناه أتينا بـ"لا"، وجعلناها "غير"
وأدخلناها على القيد قبل الأخير وهو أنه دل على جزء معناه جعلناه ما دل جزؤه على
غير جزء معناه، كـ"عبد الله"، تأتيك الصورة الثالثة، تدخل النفي على
القيد الذي قبله، فتقول ما دل، تنبه الفعل في اللغة يسبق الفاعل لكنه عقلا متأخر
عنه، فالقيد الذي قبل القيد السابق هو في الحقيقة دل مع أنه القيد الأول هنا في
التعريف، لكنه فعل، دائما الفعل في التصور العقلي أخره عن الفاعل، هذا في التصور
العقلي ليس في التلفظ، فقام زيد تؤخره في التعقل لـ"زيد قام" طيب إذن
هنا ما جزؤه دال، هكذا كان الأصل، ما جزؤه دال، فنوقع النفي على ذلك فتقول ما له
جزء غير دال، أوقعنا النفي على دال، بقي قيد واحد، هو الجزء فتدخل عليه نفي، ما لا
جزء له، أتت لك الصور الأربع، فقوله هنا( بعكس ما تلا) تصنع فيه ما ذكرته من إدخال
النفي الذي أخذناه من قوله "عكس".
وقد بينت أحد وجوه إعراب
هذا اللفظ وهو "بعكسِ" بغير تنوين، فتكون الباء للملابسة أي المركب معرَّف
بكذا كذا حالة كونه ملتبسا بعكس أي بخلاف المفرد فنأخذ من ذلك تعريف المفرد، لكن
الظاهر من هذا أنه لم يعرف المفرد بل ذكر أن المركب الذي عرفه هو خلاف المفرد، ولك
أن تجعل بعكس خبرا عن أول أي فأول الذي هو المركب هو ما دل جزؤه على جزء معناه وهو
بعكس ما تلاه، فيكون خبرا ثانيا، لك هذا ولك ذاك، أما إن نوّنت وقلت بعكسٍ ما تلى،
في الوجهين السابقين كان بعكس مضاف، وما
واقعة على المفرد، مضاف إليه.
إن نوّنت وقلت بعكسٍ ما تلى، فإنه يكون "بعكس"
خبرا، "بعكس" الجار والمجرور يكون خبرا مقدما و"ما تلى" الذي
هو المفرد، "ما" واقعة على المفرد يكون مبتدأ مؤخرا، هكذا، المركب هو
كذا كذا والمفرد الذي تلاه بعكسه، بعكسٍ فيكون التنوين عوضًا عن المضاف إليه
بعكسه، أي بعكس المركب، ويكون هنا الكلام بالأصالة على المفرد، وهذا الوجه أحسن من
هذه الجهة، بعكسٍ أي والمركب الذي تلاه، أي تلا المركب بعكسه أي بعكس المركب، أي
بخلافه ونقيضه، بأن تدخل على تعريف المركب السلب والنفي، هذا ما يتعلق بهذا البيت،
وقد تكلمنا في الدرس السابق عن تعريف المركب والمفرد تفصيلا، ثم قال :
|
28- وَهْوَ عَلَى قِسمَينِ أَعنِي المفرَدَا |
|
كُلِّـيٌ أو جُـزئِيٌّ حَيثُ وُجِـدَا |
(وهو) الضمير راجع للمفرد لأنه آخر مذكور،
لأنه قال بعكس المفرد الذي تلاه فآخر ما ذكر هو المفرد، فيتبادر في الضمير أن يكون
راجعا لآخر مذكور، لكنه لما خشي أن يُتوهم رجوعه للمركب لأنه مذكور سابقا أيضا بيّن
قصده بقوله (أعني المفردا) أي أعني بقولي (وهو)، قال (وهو على قسمين) أي المفرد
على قسمين، إذن لم يتكلم المصنف عن المركب، فالمركب عرّفه ثم ينقطع الكلام عنه إلى
باب المعرفات،
فالكلام إلى أن نصل إلى باب المعرفات في المفردات، ويبدأ الكلام على المركب في
القول الشارح وفي القضايا إلى آخر المنطق، أما هنا فالكلام على المفرد، لذلك قال (وهو)
أي المفرد، ويترك الكلام على المركب.
قال (وهو على قسمين
أعني المفرد ** كلي أو جزئي حيث وجد) بتنوين كلي وبنقل حركة همز "او"
إلى النون الساكنة التي هي التنوين في كلي مع حذف الهمزة، وجزئي بغير تنوين ذلك
للوزن، ولك أن تترك التنوين فيهما، وتأتي حينئذن بالهمزه كليُّ أو جزئيُّ حيث وجد،
وهذا هو الأحسن، الثابت عندكم في النسخة هو الأحسن، كليٌّ او، كليٌّ آخره نون هي نون
التنوين، و"أو" همزه مفتوحة فتنقل حركة هذه الهمزة التي هي الفتحة،
تنقلها لنون تنوين "كلي"، فتقول كُلّيّنَ فتحنا النون، ثم تأتي لهمزة "أو"
وتحذفها، فيكون بعد نون التنوين التي فتحناها في كلي، يكون بعدها واو كليٌّ و، ثم
تقول جزئيُّ حيث وجدا هذا لضرورة
الوزن.
فبين أن المفرد هنا
ينقسم إلى كلي وجزئي، وهذا من حيث المعنى، فينقسم اللفظ إلى كلي وجزئي من حيث
معناه، انقسم إلى مفرد ومركب من حيث ذاته، من حيث نفسه فالمنقسم للمفرد والمركب هو
نفس اللفظ، أما هنا فينقسم اللفظ لكلي وجزئي من حيث معناه، لأن الذي ينقسم لكي وجزئي في
الحقيقة هو المعنى وليس اللفظ، لكن التقسيم هنا أجراه المصنف رحمه الله على اللفظ
لأنه قال وهو أعني المفرد على قسمين، فقسم اللفظ المفرد، فنقول إذن ينقسم المفرد
من حيث معناه، وليس أنه ينقسم من حيث ذاته، فكما يقولون، الانقسام للمفرد والمركب
حقيقة في الألفاظ والانقسام لكلي وجزئي حقيقة في المعاني، وما عدا ذلك فهو مجاز،
والشيخ هنا قد جرى على المجاز.
بيان ذلك أن المفرد من
حيث معناه إما أن يمكن صدق معناه على فردين فأكثر بأن يمكن تحقق معناه في فردين
فأكثر أو لا يقبل ولا يمكن بأن يكون معناه غير قابل للتحقق إلا في فرد واحد فقط،
فهنا لفظ ومعنى وأفراد ثلاثة أمور لابد أن تنظر فيه، ليس من الصحيح أن تنظر إلى أن
اللفظ يتناول الأفراد مباشرة، لا، هناك معنى ذهني، الألفاظ ننتقل منها إلى المعاني
الذهنية دائما، حتى وإن أطلقناها على أمور خارجية فإننا ننتقل إلى المعاني الذهنية
أولا، وهذا هو الفرق بين من يدقق في الكلام وبين العلماء وبين غيرهم، فأنا إذا قلت
لك كتاب فإياك أن تفهم أن اللفظ هذا أطلق على هذا الجسم مباشرة، لا، لابد أن تنتقل
منه إلى معنى ذهني هو معنى الكتاب، ثم ينطبق المعنى الذهني على هذا الفرد منه،
وتخصيصه يكون بسبب الإشارة يكون بسبب المقام يكون بسبب أي أمر آخر، لكن لا تفهم أن
الكتاب قصد به هذا الجرم مباشرة، لا.
فهناك ثلاثة أمور دائما
تعتبرها في فهمك لأي كلام، خاصة الألفاظ المفردة،
هي أن تنظر للفظ، أن تنظر لمعناه، لأن كلامنا في الألفاظ الموضوعة لمعانٍ، وما
بينهما تكلمنا عليه تفصيلا، بينا أن ما بينهما يسمي بالدلالة، هذا تكلمنا عليه
وفصلناه، وبينا أن اللفظ ينقسم في هذه الدلالة إلى مفرد ومركب، إذن ما بين اللفظ
والمعنى انتهينا منه، ثم ننتقل للأمر الثالث، وهو ما تحت المعنى، وهو ما يسمى
بالأفراد والجزئيات، فحينئذ نقول بالنسبة للأمر الثاني والثالث، الأمر الثاني الذي
هو المعنى ينطبق على فرد واحد ولا يقبل أن يوجد في فرد أخر، هذا جائز، يسمي عندهم
بالجزئي. لا بل يقبل التحقق
في فردين فأكثر، هذا يسمى عندهم بالكلي، إذن الجزئي هو المعنى الذي لم يقبل التحقق
إلا في فرد واحد فقط، ولا يمكن أن يوجد في الخارج في شيئين في آنٍ واحد، لا يمكن
هذا، هذا يسمى عندهم بالجزئي، أما إن وجد في فردين فأكثر، المعنى إن وجد في فردين
فأكثر فهذا يسمونه بالكلي.
مثال الجزئي زيد مثلا،
فإن "زيد" لفظ أطلق على شخص بعينه معلوم بمشخِّصات بشكله، صورته، بطوله،
بعرضه، بوزنه، بلونه، بكيفية صوته، بأمور كثيرة جدا، الآن يميز الشخص بما معه من
بيان الهوية كالبطاقة مثلا، فيبين فيها صفته من اسم، الاسم أيضا من مشخصاته، ورقم له يكون موضوعا في
صحيفة تختص ببلده هذا أيضا من مشخصاته، هذه كلها أمور تشخص الفرد تجعله لا يقبل أن
يكون غيره ولا أن يكون غيره هو، هذه المشخصات تدخل تحت لفظ زيد أو محمد أو علي أو
فاطمة إلى آخر ما هنالك من الأعلام، فحينئذ نقول هذا اللفظ الذي هو زيد، أو بكر، أو عمرو، لا يمكن
أن يتحقق في الخارج في فردين، بل هو صادق على فرد واحد فقط هذا يسمونه بالجزئي،
فيكون الجزئي حينئذ هو اللفظ أو المعنى -لك أن تجريه على اللفظ أو المعنى- الذي لا
يمكن تحققه إلا في فرد واحد.
أما الكلي فنحو إنسان
مثلا، فإنسان لفظ وزيد لفظ كل
منهما لفظ ولكل منهما معنى ويدل عليه بنوع من أنواع الدلالات التي ذكرناها،
والمعتبر عندنا الدلالة اللفظية الوضعية، وكل منهما لفظ مفرد، لأن الكلام في الكلي
والجزئي في الألفاظ المفردة، ومع ذلك زيد يتحقق في شخص واحد فقط، وإنسان يتحقق في شخص وشخصين وثلاثة وأربعمائة وألف ومليون
هو بنفس معناه يتحقق في هذه الأفراد، فنرى أن الإنسان بمعنى الحيوان الناطق يتحقق
في الخارج الحيوان الناطق في زيد، وفي بكر، وفي عمرو، وفي عائشه، وفي فاطمة، في
الكبير، وفي الصغير، فكلها تشتمل على معنى الحيوانية الناطقية في آن واحد.
فحينئذ نقول هذا المعنى
قبِل التحقق في الخارج في أكثر من فرد، فيكون حينئذ كليا، ويعرَّف الكلي بأنه
المعنى الذي يقبل التحقق في فردين فأكثر، هذا هو المقصود بقوله (وهو أي المفرد على
قسمين كلي أو جزئي) أي المفرد على قسمين لأنه إما أن يقبل بحسب معناه التحقق في
فردين فأكثر أو لا يقبل، إن قبل فهو كلي، وإن لم يقبل فهو جزئي، الأعلام كلها
جزئيات، الأعلام الشخصية والجنسية، فكل الأعلام من قبيل الجزئيات، لأن العَلم قصد
به تمييز شيء بعينه، نقول "بعينه"، ما دمنا قلنا "بعينه" أي
فيه التعين والتشخص فهو لا يقبل أن يكون في غيره حينئذ.
أما الأوصاف فكلها من
قبيل الكليات، أيّ وصف، كأن تصف شيئا بأنه حسن، بأنه قبيح، بأنه طويل، بأنه عميق،
بأنه كبير، بأنه أبيض، بأنه أسود، كل هذه الأوصاف فهي من قبيل الكليات، لذلك
نستعملها في التراكيب ونصف بها أشخاصا
كثيرة أو أمورا كثيرة لأنها كلية تصح صدقها على هذه، فلفظ أبيض مثلا، أبيض نطلقه
على شخص، نقول شخص أبيض، ونطلقه على كتاب ونقول كتاب أبيض، ونطلقه على الثلج ، نقول
الثلج أبيض، ونطلقه على المصباح، نقول المصباح أبيض، نطلقه على أمور كثيرة جدا
تتصف بها، والثوب الأبيض، فهو حينئذ كلي وليس بجزئي، لماذا؟ لأنه قبل التحقق في
فردين فأكثر.
أما إن نظرت إلى هذا
الكتاب مثلا وقلت متن السلم المنورق، أنك إذا نظرت إلى هذا، رأيت أن متن السلم
المنورق لا يمكن أن ينطبق ولا أن يتحقق على كتاب آخر، لا يمكن أن نطلق على متن الآجرومية
متن السلم، ولا أن نعكس، ولا يمكن أن نطلق على متن إيساغوجي متن السلم، ولا أن
نطلق على متن ألفة ابن مالك متن السلم، ولا أن نطلق لفظ ألفية ابن مالك على كتاب سيبويه،
ولا أن نطلقه على كتاب في الفقه فهذه أسماء أعلام لهذه الكتب، فحينئذن يكون هذا الاسمو هو متن السلم المنورق علما على
الألفاظ التي ألفها الشيخ الأخضرى، فيكون جزئيا لا يصدق على غيره، ولا نظر إلى
تعدد المحلّ التي وجد فيها كأن وجد في هذا الكتاب، وفي هذا الكتاب، وفي هذا
الكتاب، وفي هذا الكتاب، وفي هذا الكتاب لا عبرة بذلك، إنما هذه صور منه، أما
النظم الذي ألّفه الشيخ فهو أمر واحد معين، وهو ما بدأ بالحمد لله الذي قد أخرجا
إلى آخر بيت فيه، هذا يوجد مطبوعا في هذا الكتاب، أو مطبوعا في هذا الكتاب، أو
مطبوعا في هذا الكتاب، أو مطبوعا في هذا الكتاب، هذا لا يجعله أفراده متعددة، لا،
بل هو شيء واحد، على خلاف في ذلك لكن ما ذكرته هو القول الأحسن.
هذا هو تقسيم المفرد
لكلي وجزئي، لذلك قال المصنف رحمه الله :
|
29- فَمُفـهِمُ اشـتِرَاكٍ الـكُلِّيُّ |
|
كَـأَسَـدٍ وَعَكـسُهُ الجُــزئِيُّ |
(فمفهمُ)
بغير تنوين، (فمفهم اشتراك) على الإضافة، فمفهم مضاف واشتراك مضاف إليه، قال (كأسد)
ثم قال (وعكسه الجزئي) أي وعكس الكلي الجزئي، فبين في هذا البيت تعريف الكلي
والجزئي بعبارة مختصرة جدا جدا، لا يوجد أخصر من هذه، قال (فمفهم اشتراك الكلي) أي
الكلي هو الذي تَفهم منه اشتراك فردين في معنى، لأننا بينا أن المفرد الكلي هو
الذي يقبل ويمكن أن يتحقق في فردين، فإذا سمعته فهمت فردين فأكثر، فهو يُفهم اشتراك،
فلك أن تنظر للكلي من حيث تحققُه في الخارج، فتقول إنه الذي يقبل التحقق في فرضين
فأكثر.
ولك أن تنظر إلى الكلي
من حيث إن سامعا سمعه، فتقول إن سمعه سامع يُفهمه فردين فأكثر، لماذا أفهمه فردين
فأكثر؟، لأنه يقبل التحقق فيهما، فلما كان لفظ إنسان يقبل التحقق في فردين فأكثر
فهذا يستلزم أنني إذا سمعت هذا اللفظ أفهم فردين فأكثر، فإذا قال لي شخص رأيت
إنسانا، أو رأيت الإنسان مثلا، لأن إنسانا فيه تنوين ربما يدل على الوحدة، رأيته الإنسان،
أو جلست مع الإنسان، أو في الحجرة إنسان، فإنني أفهم أن في الحجرة يمكن أن يكون
فردا، هو زيد مثلا، أو أن يكون هناك فردان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أو مائة أو
ألف، أليس كذلك؟ إذن هذا اللفظ قد أفهمني الشركة أي أفهمني شيئا اشترك مع شيء في
نفسه في معناه، هذا معنى قوله (فمفهم اشتراك) أي فاللفظ الذي أفهمك أو فهمت منه
شيئين اشترك كل منهما مع الآخر أو أشياء، اشترك كل منها مع الآخر فهو يسمى كليا.
بخلاف في لفظ زيد، لو
قلت لك في الحجرة زيد هل يمكن أن تفهم شخصين فأكثر؟ لا يمكن، لن تفهم إلا شخصا
واحدا. لماذا؟ لأنه لا يقبل أن يتحقق إلا في فرد واحد لذلك قال (وعكسه) أي نقيضه
وخلافه هو الجزئي، فتقول فيه هو ما لا يُفهم الشركة، فإنه يفهم الانفراد والوحدة،
يفهم شيئا واحدا، هذا ما قصده المصنف رحمه الله، ومثّل للكلي بأسد، وأسد كإنسان،
وكأبيض، وكأحمر، وككرسي، وككل هذه الأشياء التي تفهمنا أمورا متعددة، وأما الجزئي،
فككل الأعلام.
يدخل في الكلي الإله
ويدخل في الجزئي الله، فالإله كلي والله لفظ الجلالة جزئي، هذا من الأمور المهمة
التي تتنبه لها، لا خلاف بين العلماء في ذلك بين العلماء المختصين بهذا الفن، وليس
بينهم وبين من يعبث، بين المختصين بهذا الفن بين المحققين فكلهم على أن الإله كلي،
ولا خلاف في ذلك، وأما الله فجزئي، خلافا للقاضي البيضاوي رحمه الله، فإنه يرى أن
لفظ الجلالة كلي، لكن بمعنى آخر يرى أنه بمعنى الإله وليس بمعنى الذات العالية
المعيّنة، المهم أن الإله كلي والله جزئي.
فالإله كلي، لأنه بمعنى
المعبود بحق، والمعبود بحق يمكن أن يتصور في فرد أو في فرد أو في فرد آخر، أو في
فرد ثالث، أو في فرد عاشر، فإن هذا المعنى بالنظر إلى ذاته يقبل أن يتحقق في فردين
فأكثر، حتى وإن قلنا على سبيل البدلية، ليس أن تجتمع هذه الأفراد وأن توجد في وقت
واحد، ولو أن نقول على سبيل البدلية، بأن يكون منها فرد، فإن انعدم وجد منها فرد، فإن انعدم وجد منها
فرد، المهم أن هذا المفهوم يندرج -وهو المعبود بحق- يندرج تحته أفراد فيتصف
بالمعبود بحق أفراد كثيرة، المفهوم يقبل ذلك فلذلك كان كليا حينئذن، أما كونه لم
يصدق إلا على الله سبحانه وتعالى، وأنه لم يعبد بحق إلا الله سبحانه وتعالى فهذا
ليس من نفس المفهوم، ليس من مفهوم المعبود بحق، وإنما من أمر خارج عن المفهوم، وهو
دليل الوحدانية، دليل التمانع والتوارد الذي يذكرونه في علم الكلام، فهذا الدليل
لا شك أنه غير مفهوم المعبود بحق، فمفهوم المعبود بحق شيء، ودليل التمانع والتوارد
شيء آخر، فالمنع من تعدد المعبود
بحق من أمر غير مفهوم المعبود بحق، وهذا المنع لا يعتبره المنطقي، المنطقي ينظر في
كون المفهوم كليا أو جزئيا إلى المنع، إلى منع نفس المفهوم وعدم منعه، أما أن يمنع
من التعدد أمر آخر فلا ينظر المنطقي لذلك.
لذلك في التعريف
المشهور للجزئي هو ما يمنع نفس تصور
معناه من وقوع الشركة فيه، يقولون "ما يمنع نفس تصور" لماذا؟ لأنه قد
يمنع آخر ليس نفس التصور، قد يمنع شيئ آخر كدليل الوحداني دليل التوارد والتمانع
من التعدد ودليل عدم تعدد الواجب عند الحكماء، فهذه أمور مانعة من تعدد مفهوم
الواجب، ومن تعدد مفهوم الإله الذي هو المعبود بحق، ومع ذلك لا يعتبرونه يقولون
إنه كلي، لماذا؟ قالوا لأننا لا نعتبر المفهوم جزئيا بأن يمتنع تعدده في الخارج
مطلقا بل لا بد بأن يمتنع تعدده في الخارج بسبب مفهومه، فإن امتنع تعدده بأسباب
أخرى لا ننظر لذلك، ويكون كليا أيضا.
هذا أمر مهم لابد أن
تفهم، فلا تنظر إلى أي أمر امتنع تعدده فتقول إنه جزئي، هذا خطأ، لا تنظر إلى أي
أمر وجب كونه واحدا في الخارج بأي سبب من الأسباب، وتقول إنه جزئي، هذا خطأ، بل
تنظر إلى الأمر الذي
وجب كونه واحدا في الخارج ثم تقول بعده هل وجب كونه واحدا بسبب نفس مفهومه؟ هذا هو
الجزئي، أم وجب كونه واحدا بشيء آخر؟ هذا لا يكون جزئيا، هذا يكون كليا كشأن
الإله.
أما الله. لفظ الجلالة،
فهو موضوع للذات الواجب الوجود الذي نعرف أنه خلقنا، وأنه متصف بكل الصفات، إلى آخر
ما نعرفه عن ذات الله سبحانه وتعالى ولا يمكن أن يشتبه بهذه الذات ذاتٌ أخرى، ولا
أن يتحقق ما نعرفه عن هذه الذات، مع أننا في الحقيقة لا نعرف عن هذه الذات إلا
الكليات، لا نعرف عنها مشخصات لا نعرف عنها أمورا تعينها، نعرف عنها كليات، فربما
يكون فهمك لكون الله جزئيا فيه صعوبة، هذا الذي ألجأ العلامة هو القاضي البيضاوي
رحمه الله إلى أن يقول إنه كلي، لكنه في الحقيقة جزئي بحسب الخارج، لأنه فرد وجزئي
واحد لا يمكن أن يتحقق ما فيه في غيره.
أما كلامنا وتعريفنا
وكل لفظ نذكره فإنه يقبل أن يتحقق في غيره، فحينئذ نقول العبارة ضاقت لا يمكن أن
نعبر بألفاظ تدل على أن الله جزئي، وعلى أنه شخص، والتعبير عنه بالجزئي والشخص ليس
فيه عيب، وليس فيه شيء موهم ولا شيء يضر بالذات الإلهي، والنبي عليه الصلاة
والسلام قال «لا شخص أغير من الله» فيؤخذ من ذلك أنه يطلق الشخص على الله
بمعنى المعين، الشخص بمعنى المعين، وليس الإنسان أو الفرد من الإنسان.
المهم أن الله جزئي
مشخص معين لا يمكن أن يكون ذاتا أخرى بخلاف الإله، فإن الله ليس معناه المعبود بحق
وإنما هو فرد واحد من المعبودات بحق لم يوجد غيره وامتنع وجود غيره بسبب الدليل
العقلي، يدلك على ذلك أنه لو لم يكن الإله كليا لما صحت كلمة التوحيد لكانت فاسدة،
لو لم يكن الإله كليا، لماذا؟ لأن الإله لو كان جزئيا بمعنى أن معناه لا يكون إلا
لواحد فقط فإن معنى كلمة التوحيد يكون هكذا، لا الله إلا الله، فأنت حينئذ تستثني
شيئا من نفسه، كأنك قلت لا زيد إلا زيد، لا الله إلا الله، ومعلوم أن المستثني منه
يجب أن يكون متعددا، يجب أن يكون صادقا على كثيرين، فيجب أن يكون المستثنى منه
كليا، ليمكن استثناء شيء منه، فإن الاستثناء إخراج بعد إدخال، إخراج بإلا أو بإحدى
أخواتها، فالإله لو فرضنا أنه جزئي، وهو فرد واحد ما الذي نخرجه؟ نخرج نفس الفرد
يكون تناقضا، لا الله إلا الله، حينئذن يجب أن يكون الإله كليا، لا إله أي لا فرد
من الأفراد التي صدق عليها المعبود بحق، إذن صار كليا، لأنك قلت من الأفراد التي
صدق عليها المعبود بحق، إذن المعبود بحق يصدق على أفراد، ثم تقول إلا الله، أي إلا
هذا الواحد المعين المشخص المسمى عندنا بـ"الله".
ولو كان الله كليا لما
أفادت كلمة التوحيد توحيدا، تفيد معنى لكنها لا تفيد توحيدا تفيد معنى استثناء
أشياء من أشياء، كما تقول جاء القوم إلا جماعة فلان مثلا، فاستثنينا جماعة من القوم،
والقوم جماعة أكبر منهم في العدد، فتقول جاء القوم إلا جماعة فلان، فهذا استثناء
مفيد، استثنينا جماعة من جماعة، فإذا جعلنا الله كليا ولم نجعله جزئيا فكأنك قلت
لا إله أو لا آلهة إلا آلهة، لا إله، وليكن مثلا تحت الإله مائة إله من الأفراد
تحت مفهومه، واستثنيت منها آلههة، لا إله إلا الإله، يعني لم يوجد من المائة إلا خمسون
مثلا، فحينئذ تفيدك هذه الكلمة تفيدك، كلمة لا إله إلا الله تفيد استثناء لغويا،
استثناء جماعة من جماعة، إذا استثنت جماعة من جماعة لم تفد توحيدا لأن الغرض بهذه
الكلمة أن نستثني شيئا واحدا هو الله من أشياء، فإذا كان الله كليا أي يمكن صدقه
على كثيرين فقد استثنينا جماعة أو كثرة من كثرة، فلم تفد توحيدا.
فهكذا تقول لو كان
الإله جزئيا لما صحت كلمة التوحيد أصلا، لوجوب كون المستثمى منه صادقا على متعدد،
هذه قاعدة لغويه تبين في علم النحو وتشرح تفصيلا في علم أصول الفقه، ولو كان الله
كليا لما أفادت كلمة التوحيد توحيدا، إنما تفيد شركا حينئذ لأنها تفيد استثتاء جماعة
وتفيد وجود آلهة، فتفيد النقيض، تفيد الشرك.
هناك تقسيم للكلي* يذكرونه بحسب الوجود الخارجي، تقسيم
للكلي فقط بحسب الوجود الخارجي وهو أنهم يقسمونه إلى ستة أقسام بحسب الوجود
الخارجي، وهذا يفيدنا في نحو الإله والله، وهو أن الكلي عرفنا أن مفهومه أنه ما
يقبل بحسب مفهومه أن يتحقق في فردين فأكثر، لكن لا يجب أن يتحقق بالفعل في الخارج
في أفراد، بل ولا
يجب أن يتحقق بالفعل في فرد واحد، هو يقبل أن يتحقق في أفراد، لكن هل يتحقق بالفعل
في أفراد؟ يمكن هذا، أو يتحقق في فرد واحد في الخارج؟، يمكن هذا، أو لا يتحقق في
أفراد أصلا؟ بأن يكون هذا الكلي معدوم الأفراد؟ نعم، نحن تكلمنا على الكلي لم نقل
ما وجد منه أفراد، لا، قلنا ما يمكن أن يتحقق في أفراد.
فحينئذ نقسم الكلي إلى
ثلاثة أقسام إجمالا بأن نقول كلي يقبل التحقق في أفراد ووجدت الأفراد بالفعل
الأفراد الكثيرة، وكلي يقبل التحقق في أفراد لكن لم يوجد منه إلا فرد، وكلي يقبل
التحقق في أفراد لكنه لم يوجد منه فرد، هذه ثلاثة أقسام، كلي وجدت منه أفراد، كلي
وجد منه فرد واحد، كل لم يوجد منه فرد مع كونه كليا مع كون الثلاثة قابلة لأن
تتحقق في أفراد.
ثم نقسم كل قسم لقسمين،
فكلي يقبل التحقق في أفراد ووجد بالفعل في أفراد نقسمه لقسمين، لأفراد تناهت أي وجدت لها نهاية وجد لها حد تعد
بعدد، وإلى أفراد لم تتناهَ، أي ليست محصورة، لا تأتي عند حد وتقف، لا تأتي عند
عدد وتقف، فهي غير متناهية حينئذ، هذه هي أقسام القسم الأول، فينقسم الكلي الذي
وجدت منه أفراد إلى كلي وجدت منه أفراد متناهية، وإلى كلي وجدت منه أفراد غير
متناهية، كلي وجدت منه أفراد متناهية، كالإنسان والبشر والكواكب وكل الأمور،
والبحار، والنجوم والكتب، كل هذه كليات، فالكتاب كلي وصدق على أفراد تناهت يمكن أن
نحصر كل الكتب التي وجدت وتحققت في الخارج في عدد، كما أننا نحصر البشر والإنسان
نعد الإنسان بعدد، فهو محصور، فالإنسان كلي لفظ له معنى هو الحيوان الناطق صدق على
أفراد متعددة بل ووجدت وتناهت.
القسم الثاني، وهو
الكلي الذي وجدت منه أفراد ولم تتناهَ، بمعنى أنها لا تقف عند حد، يمثلون له بنعيم
الجنة، كان الحكماء والفلاسفة يمثلون به على مذهبهم وهو أنهم يمثلون له بالنفس
الناطقه، فإنها غير متناهية عندهم لقدم العالم وقدم الإنسان عندهم، وذلك كفر عند
المسلمين، ولا يليق هذا المثال بالنسبة للدين الإسلامي، أو بالنسبة لكافة الأديان
التي تقول بحدوث العالم، وكانوا يمثلون له أيضا بحركة الأفلاك العلوية، فإنها ليست
متناهية عندهم، فحركة الفلك كلي بلا شك، ووجدت منه أفراد ولا تتناهى، لماذا؟ لأن
العالم عندهم قديم وهو في المستقبل باقٍ لا يمكن أن تنقطع حركة الفلك، فحينئذن لا
يمكن أن نحصر حركة الفلك بعدد، فحينئذن نقول هذان المثلان غير لائقين بالإسلام ولا
يستقيمان على قواعد الشريعه، بل هما عند أهل الشريعه من المتكلمين خاصة كفر للقول
بأن العالم ليس بقديم.
استبدل العلماء أمثلة
الفلاسفة بنعيم الجنة، فإن نعيم الجنة كلي يشمل هذا النعيم، وهذا النعيم، وهذا النعيم، وهذا النعيم، وهذا النعيم،
ووجدت منه أفراد، ولا تتناهى، فإن أهل الجنة خالدون بلا موت، فنعيمهم لا ينقطع،
فوجدت منه أفراد غير متناهية، وبعضهم يمثل له بكمالات الله سبحانه وتعالى، فيقول
نعيم أهل الجنه وإن كان غير منقطع إلا أن الموجود منه بالفعل الآن متناهٍ، فنريد
مثالا للموجود للكلي الذي وجدت منه أفراد بالفعل الآن وهي غير متناهية، فلا يجد في
ذلك إلا ما يتعلق بالإله، لأن ما وجد مما سوى الله سبحانه وتعالى فإنه متناهٍ قطعا،
كل ما دخل الوجود فهو منحصر متناهٍ، هذا في الحوادث، فلا يجد له مثالا في الحوادث فيمثل له بأمر يتعلق بالله سبحانه
وتعالى وهو أن يقول كمالات الله تعالى غير متناهية، بمعنى أننا نجد أن الله سبحانه
وتعالى كمالاته لا تتنهى ولا تقف عند حد، ولا يمكن عدها ولا حصرها، وفي ذلك كلام
طويل، والمشهور التمثيل بنعيم الجنة.
هذا هو مثال القسم
الثاني، وهو الكلي الذي وجدت منه أفراد غير متناهية، القسم الثاني إجمالا والثالث
تفصيلا، هو ما وجد منه فرد واحد ثم نقول مع أمكان وجود الثاني أو مع استحالة وجود
الثاني، قسمان، كيف هذا؟ مع إمكان وجود الثاني؟ نعم، هذا عرفناه من كونه كليا،
فالكلي يقبل التعدد، فإذا وجد منه فرد واحد نعلم أنه يمكن وجود الثاني قطعا،
لماذا؟ كان كليا، أنما تأتي وتقول مع استحالة وجود الثاني أنت تناقض نفسك لأنه كيف
هو كلي أي يقبل التعدد ووجد منه فرد واحد ثم تقول لا يمكن وجود الثانى، نقول لا، قلنا
هو كلي بحسب نفس مفهومه ووجد منه فرد واحد، واستحال الثاني ليس بسبب نفس مفهومه بل
بسبب آخر، لو قلنا استحال الثاني بسبب نفس مفهومه لكان تناقضا، كأننا قلنا كلي
جزئي، كلي وجد منه فرد واحد مع إمكان وجود الثاني كالشمس، الشمس كلي، لأن مفهومه
كوكب نهاري مضيع، يقبل التحقق في شمسنا
التي نراها، وفي مائة شمس أخرى لكنه لم يخلق إلا شمس واحدة مع إمكان وجود ثانية
وثالثة ورابعة، السبب فيه إرادة الله سبحانه وتعالى أو أمور أخرى تتعلق بالكون،
المهم أنه وجد منه واحد ويقبل التعدد.
القسم الثاني، هو وجد
منه فرد واحد واستحال وجود الثاني، استحال بسبب غير مفهومه هو الإله وليس الله،
لأننا نمثل للكلي، الإله، فالإله كلي وجد منه فرد واحد هو الله سبحانه وتعالى،
ويستحيل وجود ثانٍ، يستحيل من نفس مفهوم الإله؟، لا، لو كان من نفس مفهوم الإله لكان جزئيا وكلامنا في
الكلي، إنما يستحيل من أمر آخر، هو دليل الوحدانية دليل التمانع والتوارد، القسم
الثالث إجمالا والخامس تفصيلا، هو ما لم يوجد منه فرد، واستحال وجود فرد منه أيضا استحال
بدليل آخر غير مفهومه، كلي لم يوجد منه فرد، مع إمكان وجود فرد منه، فقسمناه قسمين،
الكلي الذي لم يوجد منه فرد ينقسم لكلي لم يوجد منه فرد مع إمكان الوجود، أو مع
استحالة الوجود.
كلي لم يوجد منه فرد مع
إمكان وجود أفراد منه كبحر من زئبق، هذا مفهوم كلي، يمكن أن يكون البحر الذي هو من
زئبق، البحر الأحمر، البحر الأبيض المتوسط، بحر كذا بحر كذا، بحر كذا، يقبل أن
يكون في أفراد متعددة، بحر هنا بحر هناك، لكنه لم يحصل ذلك، لم يوجد بحر من زئبق،
هذا كلي لم يوجد من أفراده فرد مع إمكان الوجود، كلي لم يوجد من أفراده فرد مع
استحالة الوجود شريك الباري، فالشريك كلي لأن شريك الباري يمكن أن يكون هذه الذات
أو هذه الذات، أو هذه الذات، أو هذه الذات أو هذه الذات، يمكن أن يكون أمورا
متعددة يطلق عليها شريك الباري، لكنه استحال وجود فرد منها، استحال أن يوجد لله
شريك ليس من نفس المفهوم ليس من نفس مفهوم شريك الباري، لو كان من نفس مفهوم شريك
الباري لكان جزئيا لكان شريك الباري جزئيا، إنما من دليل آخر هو دليل الوحدانية،
وما يذكره الحكماء من استحالة التعدد.
هذا ما يتعلق بالأقسام
الستة، فيكون الكلي بحسب الوجود الخارجي منقسما لأقسام ستة لكلي لم يوجد منه فرد،
كلي وجد منه فرد، كلي وجد منه أفراد، ونقسم الثلاثة ونقسم كل قسم لقسمين، كلي لم
يوجد منه فرد مع إمكان الوجود أو مع استحالته، كلي وجد منه فرد مع إمكان وجود
الثاني أو مع استحالته، كلي وجدت منه أفراد مع التناهي أو عدم التناهي، هذا ما
يتعلق بقول المصنف رحمه الله، (وهو على قسمين أعني المفردا ** كليا أو جزئي حيث
وجدا) (فمفهم اشتراك الكلي ** كأسد وعكسه الجزئي).
الجزئي متروك ولا كلام على
الجزئي، ولا يتعلق بالجزئي أمور علمية، فهو غير نافع وغير مفيد، ولا يشتغل أحد في
فن من الفنون بالجزئي، فكما يقول الشيخ الرئيس رحمه الله ابن سينا في الشفاء، إن معاشر المناطقة لا نشتغل
بالجزئي لقلة فائدته ولتغيره وعدم ثبوت أحواله، فالجزئي هو الأمر الواحد، لا شك
أنه يتغير وأحواله ليست ثابتة، وأهل العلوم يشتغلون بأمور ثابتة تثبت وتدون في كتب
وتدرس قرنا بعد قرن فتكون ثابتة، فلا يشتغلون إلا بكليات، ولا يشتغلون بجزئيات، ولا يتوهم أن الذي
لا يشتغل بالجزئي هو المنطقي أو هو صاحب علم المعقول فقط، لا، بل كل أهل العلوم،
لذلك العلوم تدون ويقال إنها قواعد وضوابط ومسائل، فلا يوجد علم يشتغل في مسألة من
مسائله بجزئي إلا على سبيل الاضطرار، كما حصل ووقع في علم الكلام، فإن علم الكلام
يشتغل بجزئي هو الله سبحانه وتعالى، فيكون علم الكلام هو العلم الوحيد الذي يتكلم
على جزئي ويبحث في أمر جزئي هو الله، هذا على قول من قال إن علم الكلام موضوعه
الله سبحانه وتعالى، أما المحققون فعلى أن علم الكلام موضوعه واجب الوجود، فيكون
موضوعه كليا، وذكروا ذلك، قالوا لِما أن العلم لا يشتغل بأمر جزئي، فعلى كل علم
الكلام المحققون على أن موضوعه واجب الوجود فيكون موضوعه كليا، فلا يوجد علم إذن
من العلوم يشتغل بجزئي، وبعضهم يقول وغير المحققين إن موضوعه هو الله سبحانه
وتعالى كما نقرأ في كتب العقيدة في أوائلها، يقولون وموضوعه الله سبحانه وتعالى،
هذا عند غير المحقين، فيكون العلم الوحيد الذي يشتغل بجزئي هو علم الكلام.
فإلى هذا الحد، يتوقف
الكلام على جزئي ولا حاجة له ولا فائدة فيه، والكلام على الكلي بعد ذلك، إلى نهاية
المنطق وإلى نهاية العلوم كلها، لذلك شرع في تقسيمه، قدّمنا تقسيما له وهو الأقسام
الستة التي ذكرناها، ثم قسمه المصنف رحمه الله إلى ذاتي وعرضي، فقال :
|
30- وَأَوَّلاً لِلذَّاتِ إِن فِيهَا اندَرَج |
|
فَانسِـبهُ أَو لِعَـارِضٍ إذَا خَـرَج |
(وأوّلا) أو وأولٌ بالرفع والنصب، بالرفع على
أنه مبتدأ، وبالنصب على الاشتغال على أنه معمول لعامل مقدر قبله يفسره ما بعده، أي
انسِب أولا للذات إن فيها اندرج فانسبه، (وأولا للذات إن فيها اندرج فانسبه) أي
وأول الأمرين وهو الكلي انسبه للذات إن اندرج فيها، هذا الترتيب الأصلي للكلام،
وأولا أي والكلي انسبه للذات إن اندرج فيها أي
في الذات، وانسبه لعارض فقل عرضي إذا خرج عنها، عن الذات، فقوله أو لعارض إذا خرج
أي عنها.
هذا تقسيم للكلي بحسب
دخوله وخروجه في حقيقة أفراده، بيانه أننا بينا أن هناك أمورا ثلاثة، اللفظ
والمعنى -وليس لنا كلام إلا على المعنى الكلي، والمعنى
الجزئي تركناه- اللفظ والمعنى وتحت المعنى أفراد، قلنا تتعدد لأن كلامنا في المعنى
الكلي، بعد ذلك ننظر هل هذا المعنى دخل في هذه الأفراد؟ هو يصدق عليها ويخبر به
عنها، وينطبق عليها، ويتحقق فيها، نعم، لكن هل هو يدخل فيها؟ يدخل في حقيقتها؟ هو جزء منها؟ أو أنه خارج عنها؟ أو
أنه هو هي؟ بيان ذلك أنك لو نظرت إلى لفظ حيوان مثلا، رأيت أن معناه الجسم النامي
الحساس المتحرك بالإرادة.
جسم لأنه تركب من
جوهرين فأكثر، والنامي لأن حجمه يزداد بمرور الزمان بخلاف الحجر، فالنامي كالنبات
والحيوان ينمو ويزداد حجمه بمرور الزمان، حساس لأن له حواس، الحواس الخمس، فيخرج
النبات، النبات ليس بحساس، نعم يكون جسما ناميا نعم لكنه ليس بحساس، ليس له حواس،
لا يرى ولا يسمع ولا يتذوق، وليس عنده لمس ولا شم، فليس بحساس، متحرك بالإرادة، أي
يتحرك باختياره وبمشيئته، وليس يتحرك قسرا وقهرا كهذا الكتاب، هذا الكتاب أنا حرّكته
يتحرك قهرا عنه بدفعي له، والحجر إذا سقط من أعلى فإن حركته قسرية قهرية، لا يملك
أن يوقفها، كذلك الإنسان إذا سقط من أعلى، أما إذا تحرك لأي جهة أخرى فإنه يتحرك
بإرادة، فالإنسان له حركة إرادية، وحركة غير إرادية، الحيوان عموما له حركة إرادية وحركة غير إرادية،
أما ما عدا الحيوان فحركته لا تكون إلا قسرية اضطرارية، فلذلك يعرّفون الحيوان
بأنه متحرك بالإرادة، أي ليس متحركا بالقسر فقط، بالاضطرار والقهر فقط، فيخرج
حينئذ الجماد والنبات، فهذا هو الحيوان جسم نامٍ حساس متحرك بالإرادة، نرى تحت هذا
المفهوم أفرادا جزئيات لابد، فإنه كلي يتحقق في كثيرين، ما هي؟ لابد أن ننظر وأن
نأتي بها، فنرى أن منه زيد وبكر وعمرو كلها حيوانات، وفاطمة، وعائشة، وهذا الأسد،
وهذا الأسد، وهذا الأسد، وهذا الفرس، وهذا الفرس، وهذا الفرس، وهذه السمكة، وهذه
السمكة، وهذه السمكة، وهذا العصفور، وهذا العصفور، كل هذه تندرج تحت الحيوان،
لأنها أجسام نامية حساسة متحركة بالإرادة.
بعد ذلك ننظر، إذن تصنع
أمورا منها أنك تنظر إلى اللفظ، وتأتي بمعناه، ثم تنظر لأفراده، ثم تأتي بحقيقة
الأفراد بحقيقة
الجزئيات، هذا هو الأمر الرابع الذي تصنعه ليسهل عليك هذا الأمر لما أن هذا المقام
فيه غموض وصعوبة كبيرة على الطلاب، فتبسيطه هكذا، تأتي بالأمر الأول وأن تنظر هو
اللفظ كلفظ حيوان، وبالأمر الثاني هو حقيقته وماهيته ومعناه هو جسم حساس إلى آخره،
وتأتي بالأمر الثالث هو جزئياته التي يتحقق فيها في الخارج، جزئيات، لا تأتي
بكليات لا تقل تحت الحيوان إنسان فرس أسد، لا، هذا خطأ، بل تأتي بجزئيات، تقول هذا
الشخص هو زيد، هذا الشخص هو عمرو، هذا الشخص هو بكر، تقول هذا الفرس، هذا الفرس،
فرس واقف أمامك فرس بعينه، وليس ماهية الفرس، هذا الفرس، وهذا الفرس، وهذا الفرس،
وهذا الأسد، وهذا الأسد، وهذا الأسد، ثم تأتي لحقيقة كل فرد من هذه الأفراد، فتأتي
لحقيقة زيد، فتراه حيوانا ناطقا، تأتي لحقيقة عمرو، فتراه حيوانا ناطقا، تأتي
لحقيقة الفرس هذا الفرس بعينه، فتراه حيوانا صاهلا، وتأتي لماهية هذا الأسد بعينه
فتراه حيوانا مفترسا، إذن الأمر الرابع الذي تصنعه هو أن تأتي بحقيقة كل فرد من
الأفراد، الأمر الخامس هو أن تنظر الحقيقه التي أتيت بها للحيوان، هي هي نفس كل
حقيقة لهذه الجزئيات؟ أو هذه الحقيقة داخلة في هذه الحقائق؟ أو خارجة عنها؟ هذا
ترتيب بديع، بسطت لك به المقام، وأن تنظر في هذه الحقيقة هل دخلت في هذه الحقائق؟
هل هي هي نفس هذه الحقائق؟ هل خرجت عنها؟ هذا التقسيم الذي يذكره المصنف هو بهذا
الإعتبار.
فنرى هنا أن كل فرد من
هذه الأفراد دخل فيه الحيوان، فإننا إذا نظرنا إلى زيد وجدناه حيوانا
ناطقا، فالحيوان جزؤه، وإذا نظرنا إلى الفرس وجدناه حيوانا صاهلا، فالحيوان
جزؤه وإذا نظرنا إلى الأسد وجدناه حيوانا مفترسا، فالحيوان جزؤه، إذن الجسم
النامي الحساس المتحرك بالإرادة الذي هو الحيوان صدق على الأسد وعلى الفرس وعلى
الإنسان ودخل في ماهياتها، هذا معنى قول المصنف، انسبه للذات أي قل الحيوان
ذاتي إن اندرج في الذات أي اندرج في حقيقة ما تحته من الأفراد، أي إن دخل فيها
وكان جزءا منها، فتصنع أمورا خمسة، لتبين لك كونه داخلا أو خارجا، أو هو تمام.
أما إن كان خارجا عنها
وهو صادق -الطلاب يصعب عليهم هذا المقام، أنهم لا يتصورون كيف أنه صادق عليها وأنه
خارج عنها هذا لابد من أن تفهم كيف تفصل بين هاتين الجهتين- هو صادق عليها، كل
الكليات صادق على أفرادها حتى وإن كانت خارجة عنها، ليس معنى أنه خارج عنها، أنه
ليس صادقا عليها، ليس معنى أنه خارج عنها، أي أنه مباين لها، هذا خطأ، تنبه
للاصطلاحات وللألفاظ التي يعبرون بها، هو صادق عليها لأنه كلي وهذه أفراده جزئياته،
تأتي باللفظ الكلي تأتي بمعناه الكلي، تأتي بجزئياته التي تحقق فيها، تنظر في
حقائق الجزئيات، ثم تراه خارجا عنها، مثلا الضاحك هذا لفظ ومعناه أنه بادي الأسنان
بسبب سرور وفرح، هذا معنى كلي يصدق على هذا الشخص، وهذا الشخص، وهذا الشخص، ما
أفراده؟ هذا الشخص وهذا الشخص، وهذا الشخص إذن أتينا بالأمر الثالث أتينا بأفراده،
نأتي بالأمر الرابع ما هو؟ أن ننظر في حقيقة كل
جزئي من جزئياته، ما حقيقته ما ماهيته؟، نذهب ونفتش عند علماء الحقائق، ما حقيقة
هذه الشخصيات عندكم؟ يقولون زيد الذي ضحك حقيقته حيوان ناطق، بكر الذي يضحك حقيقته
حيوان ناطق، عمرو الذي يضحك حقيقته حيوان ناطق، فاطمة التي تضحك، عائشة التي تضحك ماهيات
كل هذه الأفراد حيوان ناطق، فاتحدت ماهيتها، قد تختلف كما كان في الحيوان، وقد
تتحد.
ننظر في ماهية كل فرد
من هذه الأفراد نرى أن الضاحك الذي صدق عليها ليس هو تمام ماهيتها، وليس داخلا
فيها، بل هو خارج عنها، لأن ماهية كل فرد، ماهية زيد حيوان ناطق، أين ضاحك؟ ليس
بموجود، فهو خارج، ماهية بكر حيوان ناطق، أين ضاحك؟ ليس بموجود، فعلمنا بذلك أن
ضاحك كلي صدق على زيد وبكر وعمرو وفاطمة وعائشة وهو خارج عن حقيقتها، وعرفنا كيف
نفهم أنه خارج أو غير خارج هذا قال عنه المصنف انسبه للعارض، فقل إنه عرضي لأنه
خارج عنها، قال انسبه للعارض إذا خرج، أي إذا
خرج عنها، أي إذا خرج عن حقائقها أو عن حقيقتها، بمعنى أنه لم يكن نفس حقيقتها ولم
يكن جزأها، بل كان أمرا آخر.
وإياك أن تخلط بين كونه صادقا عليها وبين كونه
خارجا عنه، فتتوهم أنه كل ما كان خارجا عنها فلابد ألا يكون صادقا، لا، الكلي
الصادق على أفراد يكون داخلا كما
بينا في الحيوان، ويكون خارجا كما بينا في الضاحك.
هناك قسم ثالث لم يتعرض
له المصنف في المتن، وهو ألا يكون دخلا، وألا يكون خارجا وهو صادق عليها، نعم،
لأنه تمامها لأنه هي هي، فمثاله الإنسان، الإنسان لفظ، وحقيقته ومفهومه الحيوان الناطق،
هذا الأمر الثاني الذي نصنعه، أولا ننظر للفظ هو الإنسان، الثاني ماهيته ومفهومه
الحيوان الناطق، الثالث أن نأتي بجزئياته التي صدق عليها، فننظر ما الذي صدق عليه
الإنسان؟ ما الذي صدق عليه الحيوان الناطق؟ نرى أنه زيد وبكر وعمرو وعائشة وفاطمة،
هذه أفراد صدق عليها الحيوان الناطق، الأمر الرابع أن نأتي بحقيقة كل فرد فيها،
انظر لما ذكرناه في الحيوان الناطق، قلنا نأتي بالجزئيات التي صدق عليها، لم نقل
نأتي بالجزئيات التي هو حقيقتها، لا، نقول صدق، ثم بعد أن نأتي بهذه الجزئيات،
نأتي بحقائقها، لا نأتي بما صدق عليها، نأتي بحقائقها، فننظر في حقيقة زيد، فنراه
حيوانا ناطقا في حقيقة عمرو نراه حيوانا ناطقا، الأمر الخامس أن ننظر بين حقيقة
اللفظ وحقيقة أو حقائق الجزئيات، نراها متحدة، رأينا أن الحيوان الناطق الذي صدق
على زيد، وبكر وعمرو، هو نفس حقيقة كل فرد منها، فزيد حيوان ناطق، فمتحدان، عمرو
حيوان ناطق، اتحدت الحقيقة التي صدقت على زيد وهي الحيوان الناطق مع حقيقته التي
هي هو.
فتبين بذلك أن الإنسان
كلي هو نفس حقيقة ما تحته من الأفراد، وأن الحيوان كلي هو جزء حقيقة ما تحته من
الأفراد، وأن الضاحك كلي هو خارج عارض لحقيقة ما تحته من الأفراد، وكلها كليات؟
نعم، وكلها صوادق على هذه الجزئيات؟ نعم، حينئذ نقول هذا الكلي الذي هو ليس بداخل،
وليس بخارج، لأنه التمام لم يذكره المصنف، لأنه قال انسب للذات، انسب الكلي لذاته،
للذات أي للأفراد، لحقيقة الأفراد إذا اندرج فيها وكان جزءا منها بأن تقول ذاتي، وانسبه
لعارض إذا خرج، أين حكمه إذا لم يدخل؟ أو لم يخرج؟ لم يتكلم عليه، فيكون واسطة
حينئذ على مذهب الشيخ، أو على ما ذكره المصنف، إذن فهم هذا المقام، نبين ما في
البيت.
قال (وأولا) أي الكلي انسبه
للذات، الذات بمعنى الأفراد الخارجية الذات بمعنى
أفراد الحقيقة، فالذات تطلق عندهم على معنيين، تطلق على الحقيقه وتطلق على أفراد
الحقيقة، فيقال على ماهية الإنسان وهي الحيوان الناطق يقال ذاته ذات الإنسان ويقال
على أفراد الإنسان زيد وبكر وعمرو يقال ذات الإنسان، وعليك أن تتبين المراد إن
قرأت كلمة الذات، فكثيرا
ما يعبرون في كلامهم بالذات، يقولون "ذات الشيء، فإن كانت ذات الشيء، فإن
رأيت ذات الشيء، فإن دخل في ذات الشئ، فإن صدقت ذات الشيء"، يتكرر كلمة "ذات"
كثيرا جدا، إياك أن تتوهم أنها بمعنى واحد، مرة تكون بمعنى الحقيقة مرة تكون بمعنى
الأفراد، وعليك أن تجتهد وأن تنظر
في السياق، وأن تعلم هل هي بمعنى الحقيقة أو الأفراد، لأنه قد يكون استعمال أحدهما
في هذا، استعمال أحد المعنيين في هذا المقام باطلا أو خاطئا، هنا هو يقول انسبه
للذات أي انسبه للأفراد إن اندرج فيها أي في حقيقتها، أو انسبه للمفهوم للحقيقة
فيكون الذات هنا بمعنى الحقيقة، إن اندرج فيها، فلك أن تعتبر الذات هنا بمعنى
الأفراد، ولك أن تعتبر الذات هنا بمعنى الحقيقة، فيصح إرادة المعنيين من الذات.
يقول انسبه للذات، أي
قل "ذاتي" بياء النسبة، فيكون الحيوان ذاتيا لما تحته من الجزئيات، بأن
تقول إن سُئلتَ ما الحيوان بالنسبة لزيد وبكر وعمرو وهذا الفرس، وهذا الفرس، وهذا
الفرس، وهذا الأسد، وهذا الأسد، وهذا الأسد؟ تقول ذاتي، ويقول (أو لعارض) أي انسبه
لعارض، فقل عرَضي، وليس عارضي، بل عرَضي، فكان على الشيخ هنا أن يقول أو لعرَض، أو
كان عليهم في الاصطلاح أن يقول في اصطلاح المناطقة أن يقولوا عارضي في الحقيقة
لأنه منسوب للعارض، لكن الاصطلاح على العرضي منسوب للعرض، والعرض هنا غير العرض
عند المتكلمين، أو انسبه لعارض إذا خرج عن الذات، فقل عرضي، والواسطة واسطة، ليست
ذاتية ولا عرضية.
فتبين بذلك أن الكلي
ينقسم إلى ثلاثة أقسام إلى ذاتي إن دخل في الذات، وإلى عرضي، إن خرج عن الذات،
وإلى واسطة بينهما، الذاتي كالحيوان وكالناطق، العرضي كالضاحك كالماشي، الواسطة
كالإنسان، بعد ذلك شرع يتكلم على تقسيم الذاتي والعرضي، فبين أن الكلي ينقسم لذاتي
وعرضي، وهناك واسطة بينهما، هذه الثلاثة تنقسم إلى خمسة أقسام، ينقسم الذاتي
لقسمين، والعرضي لقسمين، والواسطة تكون خامسة، فحينئذن ينقسم الكلي باعتبار آخر،
قسمناه باعتبار أول إلى أقسام ستة بحسب الوجود الخارجي، قسمناه باعتبار اندراجه في
الذات وعدم اندراجه إلى أقسام ثلاثة إلى ذاتي وعرضي، قسمناه أو سنقسمه باعتبار
سيأتي لأقسام خمسة تسمى عندهم بالكليات الخمس، وهي مبادئ التصورات التي تذكر في
القول الشارح، وهي المرادة من كل هذا الكلام، لينعقد منها الأقوال الشارحة.
|
31- وَالكُلِّيَاتُ خَمسَةٌ دُونَ انتِقَاص |
|
جِنسٌ وَفَـصلٌ عَرَضٌ نَوعٌ وَخَاص |
قال )والكليات خمسة( والكلّيات بتشديد اللام وتخفيف الياء، والكلِّيَات،
أما في غير النظم تقول والكلّيّات لأنها جمع مؤنث سالم لكلّيّ بتشديد الياء، أما
هنا فتخفف الياء للوزن (والكليات خمسة دون انتقاص) أي دون زيادة، فهذا من باب
الاكتفاء.
(جنس وفصل عرض نوع وخاص)
كلها على العطف لكنه حذف العطف في بعضها للوزن، جنس وفصل وعرض ونوع وخاص، لكنه لم
يعطف في عرض ونوع فالعطف مقدر، جنس، وفصل، وعرض، ونوع، وخاصة بتاء، فكلها بالتذكير
إلا الخاصة، فإنها بالتأنيث، لكنه حذف التاء للوزن، فالكليات الخمس هي الجنس،
والفصل، والنوع، والخاصة، والعرض العام.
الواسطة التي ذكرناها،
وهي التي لا تدخل ولا تخرج، بل هي نفس حقيقة ما تحتها من الجزئيات يسمونها بالنوع، فيكون
النوع حينئذ هو تمام حقيقة جزئياته، فما كان تماما يسمى عندهم بالنوع كالإنسان،
فالإنسان إذا سئلت ما الإنسان بالنسبة لزيد وبكر وعمرو تقول نوعه، بحسب التقسيم
السابق تقول ليس داخلا فيه وليس خارجا عنه، وبحسب التقسيم الذي سيأتي تقول له هو نوعه، فلذلك نقول
الإنسان نوع من الحيوان، زيد وبكر وعمرو أفراد لنوع الإنسان.
وأما الذاتي فينقسم
لقسمين، إذن عرفنا أول كلي وهو النوع، وهذا أمره سهل هو الذي يكون تمام حقيقة ما
تحته من الأفراد من الجزئيات، نأتي للذاتي الذي عرفنا أنه يدخل ويندرج في حقيقه ما تحته من الأفراد، ننظر
ونسأل هل مع كونه داخلا في حقيقة ما تحته من الأفراد يصدق على حقيقة واحدة؟ ويدخل
في حقيقة واحدة؟ أم في حقيقتين فأكثر؟ فنرى أن الحيوان الذي مثلنا به للذاتي تحته
حقائق تحته حقيقة الإنسان، وحقيقة الفرس، وحقيقة الأسد، وحقيقة الحمار، وحقيقة القرد، وحقيقة
الطيور، إلى آخر ما هنالك من حقائق الحيوان، حقائق مختلفة، فإن الإنسان حقيقته
تختلف عن حقيقة الفرس، هذا حقيقته حيوان ناطق، وهذا حقيقته حيوان صاهل، وتختلف عن
حقيقة الأسد، هذا حقيقته حيوان مفترس، إلى آخر ما هنالك من الحقائق المختلفة.
إذان نقول "الحيوان" صنعنا أمورا خمسة
سابقة، لفظه الحيوان ومفهومه جسم كذا كذا، وجزئياته الإنسان، هذا الإنسان، وهذا
الإنسان، وهذا الإنسان، وهذا الفرس، وهذا الفرس، إلى آخره، وحقائقها قلنا حقيقة
هذا كذا وكذا وكذا، وهو داخل فيها نزيد شيئا، وهي حقائق مختلفة، فيكون الحيوان
جنسا حينئذن، فنعرف حينئذن أن الجنس هو الكلي الداخل في حقيقة ما تحته وصادقا على
حقائق مختلفة، الكلي الداخل -داخل فيكون ذاتيا- في حقيقة ما تحته من الجزئيات وهو
صادق على حقائق مختلفة، على حقيقتين فأكثر، كان جنسا لكونه اجتمعت في هذه الأمور،
كان ذاتيا لكونه داخلا، سواء كان صادقا على حقيقة واحدة، أو على حقائق، إنما لا
يكون جنسا إلا إذا كان ذاتيا وصادقا على حقيقتين فأكثر.
ننظر إلى ذاتي آخر،
الناطق مثلا، الناطق كلي لأنه يصدق على هذا الناطق، وهذا الناطق، وهذا الناطق،
وهذا الناطق، فالناطق بمعنى المدرِك أو المفكر بالقوة، فيصدق على كثيرين فهو كلي،
وهل هو ذاتي أو عرضي، أو واسطة؟ نصنع الأمور الخمسة التي ذكرناها، ننظر إلى لفظ
الناطق ونأتي بحقيقته، حقيقته المدرك بالقوة أو المفكر بالقوة، هذه الحقيقة، ما
الذي اندرج تحتها من الأفراد من الجزئيات؟ نرى أن زيد ناطق، عمرو ناطق، بكر ناطق،
عائشة ناطق، وهكذا، ثم ننظر إلى هذه الجزئيات ونأتي بحقيقتها، نرى أن زيد حيوان
ناطق، بكر حيوان ناطق، عمرو حيوان ناطق، عائشه حيوان ناطق، ثم ننظر إلى الأمر
الخامس الذي ذكرناه هو أن ننظر إلى حقيقة الناطق ومفهومه، هل اندرج في هذه الحقائق
أم خرج عنها، أم هو هي؟ رأيناه أنه اندرج، لأن كل جزئي منها حيوان ناطق، فالناطق
جزء منها، فهو حينئذ ذاتي كالحيوان في كونه ذاتيا، ثم ننظر في الأمر السادس، هل
صدق على حقيقة واحدة؟ أم على حقيقتين فأكثر؟ رأيناه صدق على حقيقة واحدة، أي لا
يقال إلا على الحيوان الناطق فقط، بخلاف الحيوان كان يقال على حقائق مختلفة، حينئذ
نقول إذن هو فصل، لماذا؟ لأن الفصل هو الكلي الذاتي الصادق على حقيقة واحدة، الكلي
الذاتي، عرفنا الكلي والذاتي عرفناه، والصادق على حقيقة واحدة تبين من المثال،
فيكون الحيوان والناطق
كل منهما ذاتيا، ويختلف الحيوان عن الناطق في كون الحيوان صادقا على حقيقتين فيكون
جنسا، والناطق صادقا على حقيقة واحدة فيكون فصلا.
انتهينا من كليات ثلاثة
من الجنس والفصل والنوع، بقي العرضي، فالعرضي ينقسم أيضا لقسمين، فإذا نظرنا في الضاحك الذي مثّلنا به،
رأينا أنه عرضي لما عرفنا، ورأينا أنه يصدق على حقيقة واحدة أيضا، ليس على حقائق،
فإن الجزئيات التي تحت ضاحك هي زيد الضحك، بكر الضاحك، عمرو الضاحك، عائشة الضاحكة،
إذا أتينا بحقائقها رأيناها حيوان ناطق، حيوان ناطق، حيوان ناطق، حيوان ناطق، فكل
فرد منها حيوان ناطق، وحقيقتها واحدة، فالضاحك لا يصدق إلا على حقيقة واحدة، هذا
يسمى عندهم بالخاصة، بالعرض الخاص، ويحذفون "عرضا" فيكون خاصة، لماذا؟
لأن الخاصة هي الكلي العرضي الصادق على حقيقة واحدة.
نأتي لكلي آخر لعرضي
كالماشي ومتحرك، ننظر لفظه الماشي ما حقيقته ومفهومه؟، هو من يتحرك على قدميه من مكان
لآخر، هذه الحقيقة، هذا المعنى، هذا المفهوم، ما جزئياته التي تحقق فيها؟ نرى زيد
وبكر وعمرو، ونرى الأسد، هذا الأسد وهذا الأسد، وهذا الأسد، وهذا الفرس، وهذا
الفرس وهذا الفرس، ثم نأتي للأمر الرابع وهو حقائقها، ما حقيقة هذا؟ ما حقيقته زيد؟
ما حقيقة عمرو؟، كلها حيوان ناطق، ما حقيقة هذا الفرس وهذا الفرس؟ حيوان صاهل، ما
حقيقة هذا الأسد، وهذا الأسد؟ حيوان مفترس، الحقائق مختلفة التي صدق عليها الماشي،
حينئذن يكون الماشي عرضا أي عرضي، عرض هنا بمعنى عرضي، لأننا نقسم العرضي، يكون
عرضا عاما، كان عرضا لأنه عرضي لأنه خارج عن حقيقة ما تحته من الأفراد لأن الماشي
ليس مندرجا في أي حقيقة من هذه الحقائق، وعاما لأنه تناول أو صدق على حقيقتين
فأكثر، فعمّ هذه الحقائق، فينقسم العرضي لعرض خاص يسمونه بالخاصة، وعرض عام.
فتبين
بذلك مفهوم وتعريف الكليات الخمس، يشترك الجنس مع العرض العام في كونهما صادقين
على حقائق مختلفة. ويختلف الجنس عن العرض العام في أن الجنس ذاتي والعرض العام
عرضي، يتفق الفصل مع الخاصة في أنهما يصدقان على حقيقة واحدة، ويختلف الفصل في أنه
ذاتي والخاصة في أنها عرضي،
النوع يختلف عن الجنس في صدقه على حقيقة واحدة، وفي كون الجنس داخلا، والنوع ليس
داخلا، ويختلف النوع عن الفصل في أن الفصل داخل والنوع ليس بداخل، ويشتركان في أن
كلا منهما يصدق على حقيقة واحدة، والخاصة مع النوع، الخاصة خارجة، النوع ليس
بخارج، وكل منهما يصدق على حقيقة واحدة، العرض العام يختلف عن النوع في صدقه على
حقائق مختلفة والنوع يصدق على حقيقة واحدة، العرض العام خارج والنوع ليس بخارج،
هذه وجوه الاتحاد والافتراق بين الكليات الخمس.
هذا هو الذي اختصره
المصنف رحمه الله في قوله (والكليات
خمسة دون انتقاص ** جنس وفصل) هما قسمان للذاتي، (عرض وخاص) قسمان لعرضي و(نوع)
وهو ليس داخلا في الذاتي ولا في العرضي على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالي.
كل كلي من الكليات
الخمس يذكرون له في كتب المنطق أقساما، المصنف اقتصر من هذه الأقسام على تقسيم الجنس فقط، فلم يقسّم
الفصل ولا النوع ولا الخاصة ولا العرض العام، فقال :
|
32- وَأَوَّلٌ ثَلَاثَـةٌ بِـلاَ شَطَـط |
|
جِنـسٌ قَرِيبٌ أَو بَعِيـدٌ أَو وَسَط |
(وأول) أي الجنس (ثلاثة بلا شطط ** جنس قريب
أو بعيد أو وسط) المشهور تقسيم الجنس للقريب والبعيد، المشهور تقسيم الجنس للعالي
والسافل، المصنف قسمه لقريب وبعيد وسط لا غبار على
ذلك، كله صحيح، ونبينه، ذكرنا أن الجنس هو ما يصدق على حقائق مختلفة فيشملها
وتندرج في هذه الحقائق، ويكون داخلا فيها، حينئذ قسم الحكماء الموجودات الحادثة
لأجناس مختلفة يندرج بعضها في بعض ليسهل عليهم ضبط الموجودات والكلام على حقائقها
وبيان ما يتعلق بها،
فيخصصون لكل جنس وكل قسم علما من العلوم ليحصل بذلك استقصاء الكون واستقصاء الوجود
بالعلوم وبالمعارف وقد صنعوا ذلك وأكثروا من الكلام على الكون وعلى موجوداته وعلى
تفاصيله، فأصل علومهم هو ما نتكلم فيه الآن من الكلام على الكلي والجزئي والكليات
الخمسة وأقسامها، وهذه ألف باء فلسفة، هذه ألف باء علم كلام، هذه ألف باء معقول،
ما نذكره هنا وما نفصله مع صعوبته وعسره على العقول في هذه العصور هو ما هو
بالنسبة للفلسفة والمنطق وعلم الكلام إلا ألف باء، كما أن ألف باء بالنسبة لعلم
اللغة تعلمون ذلك، كذلك ما نقوله هنا.
فبغير هذه الأسس وهذه القواعد وهذه الأمور الأساسية،
وهذه التفريقات بين الاصطلاحات الدقيقة جدا لا يمكن أن تقرأ كتابا في الفلسفة، ولا
أن تقرأ كتابا في علم الكلام، ولا أن تقرأ كتابا في المنطق، وإن توهمت وتوهمت
وتوهمت وأوهموك أنك تفهم أو تقرأ أو تعلم، هذا غير صحيح، هذه القواعد هي الأسس، هي
الأساس، هي القواعد التي تنبني عليها كل هذه العلوم، إذا لم تكن تستطيع أن تفرق
بين جنس قريب وبعيد، إذا لم تكن تستطيع أن تفرق بين نوع وجنس بين فصل وخاصة، فكيف
تستطيع أن تقرأ كتب المعقول؟ فلا بد أن تدرك هذه المعاني إدراكا جيدا، هم ما صنعوا ذلك إلا ليسهل عليهم تقسيم الأشياء
والكلام على ما يتعلق بها من معارف وحقائق، فأنت تدخل على هذه المعارف والحقائق في
كتبهم وتقرؤها دون أن تعلم الأساس الذي بنوا عليه هم كلامهم؟ هذا من الخطأ الذي
يرتكب في هذا العصر، وما قبله من العصور، وسيظل يرتكب.
فنقول الجنس انقسم لهذه
الثلاثة بسبب أنهم قسموا أصناف الموجودات، فبينوا أن جميع الموجودات الحادثة ترجع
إلى جنس واحد هو الجوهرـ فإذا راجعت في كل موجود حادث إلى أوله الذي نشأ عنه تراه
جوهرا، فحينئذ يقولون الجوهر هو جنس الأجناس، أي الجنس الصادق على كل هذه الأجناس
والحقائق، وكلها تندرج فيه، وهو جزء منها، لأنا بينا بأن الجزء ذاتي داخل، فإذا
قلنا هذا جنس الأجناس، أي هذا هو الجزء لكل هذه الماهيات ولكل هذه الحقائق هذا هو
الجوهر، ثم نزلوا ووجدوه يُركب يَتركب مع جوهر آخر، فسموه بالجسم، فكان الجسم
جوهرا مركبا، وبقي الجوهر الفرد، لا وجود له في الخارج، لكنه فرض عقلي، فحينئذ
يكون تحت الجوهر الذي هو جنس الأجناس يكون جسم، وهو الجوهر المركب.
وجدوا أن الجسم المركب
يتعدد لأجناس، فوجدوا أن منه النامي ومنه غير النامي، فقسموا الجسم إلى نام وغير
نام، غير النامي سموه بالجماد، وأدرجوا تحته حقائق كثيرة، وجعلوا لها علوما،
فأدرجوا تحته النبات، وجعلوا علما يسمى بعلم النبات، وأدرجوا تحته الأحجار والأخشاب
وجعلوا لها علوما، وجاؤوا للنامي وجعلوا تحته أجناسا منه الحيوان والنبات، قلنا
غير النامي تحته الجماد من الخشب والحجر والورق، وجعلوا لها علوما، والنامي تحته
الحيوان والنبات، وجعلوا للنبات علما سمي بعلم النبات، ولكل نوع في هذا الجنس في
جنس النبات لكل نوع من أنواعه علم يختص به أو ما استطاعوا أن يتوصلوا إليه بحسب
طاقتهم البشرية.
والحيوان قسموه أيضا
إلى أنواع، وجعلوا لأنواعه علوما، تُدرس فيها هذه الأنواع، فتحت النامي الحيوان
والنبات، وتحت الحيوان الأنواع: الإنسان، والفرس، والأسد وكل ما نعرفه من أنواع
الحيوانات من طيور وغير ذلك، حينئذن نكون قد ابتدأنا في سلسلة الموجودات من
الجوهر، وانتهينا بالجنس الذي هو الحيوان بالنسبة لطريق من الطرق، والنبات أو ما
تحته من الأجناس وغير النامي فنأخذ الترتيب أو طريق الحيوان فقط، فابتدأنا
بالجوهر، وانتهينا بجنس هو الحيوان، يلي الحيوان -لأنه آخر جنس، الجنس السافل-
يليه النوع، فإن النوع يأتي بعد آخر جنس، يليه النوع الذي تتحد حقيقته الذي بينا
أنه واسطة لا داخل ولا خارج كالإنسان والفرس والأسد، يأتي بعد النوع الجزئيات التي
لا يقبل وحد منها أن يكون آخر، أما النوع فيتعدد، أما الجزئيات فلا تتعدد، فلا
تتعدد بمعنى أن الواحد منها لا يصير اثنين، هذا هو الترتيب، فتنظر من الأعلى في
الجوهر، ثم الجسم، ثم النامي، ثم الحيوان، ثم تأتي للأنواع، فتنظر في الإنسان
والفرس، والأسد إلى آخره، ثم الجزئيات.
المصنف قسّم الجنس
لقريب وبعيد ووسط بحسب هذه السلسلة، فتنظر في النوع تبدأ من أسفل، فتنظر في النوع،
أول جنس يليه يسمونه بالقريب لأنه صدق على النوع بلا واسطة جنس آخر، فالحيوان صدق على الإنسان ولا يتوسط بينهما جنس،
وتنظر إلى أعلى جنس وسماه المصنف بالجنس البعيد، لأنه أبعد جنس عن النوع فكونه
بعيدا، أو قريبا أو وسطا بحسب قربه وبعده من النوع، وتنظر لما بينهما بين الجوهر
والحيوان فيسمى جنسا وسطا أو متوسطا.
هذا هو تقسيم الجنس الذي ذكره المصنف رحمه الله
قال (وأولا ثلاثة بلا شطط) أي الجنس ينقسم إلى ثلاثة أقسام، جنس قريب كالحيوان،
ليس بينه وبين النوع واسطة، أو بعيد، وهو جنس الأجناس كالجوهر، أو وسط وهو ما
بينهما، فبين الجوهر والحيوان جنسان الجسم المطلق والنامي هذا في هذا الترتيب، هذا ما يتعلق
بالكلام على المفرد والمركب، والكلي، والجزئي، وأقسام الكلي إلى ستة أقسام بحسب
الوجود الخارجي، وإلى ذاتي وعرضي بحسب الدخول والخروج عن حقيقة ما تحته من
الجزئيات، وعن تقسيمه للكليات الخمس بحسب ما ذكرناه، وعن تقسيم الجنس، وترك تقسيم
الكليات الأربعة الأخرى، وتكلمنا على القريب والبعيد والوسط والمشهور، في تقسيمها
العالي والسافل، فالجوهر جنس عال وهو جنس الأجناس، والحيوان جنس سافل.
والمشهور أيضا أنه
ينقسم إلى بعيد وقريب فقط، فالقريب كالحيوان والبعيد كالنامي، يقولون إنه بعيد
بمرتبة، والجسم المطلق يقولون إنه بعيد بمرتبتين والجوهر يقولون إنه بعيد بثلاث
مراتب.
انتهينا بحمد الله
تعالى من الكلام على مباحث الألفاظ، وتكلمنا على تقسيم اللفظ لمفرد ومركب، وعرفنا
كلا منهما، وبينا أن المفرد ينقسم لكلي وجزئي، وعرفنا كلا منهما، ثم بينا عدة
تقسيمات للكلي، فقسمناه باعتبار الوجود الخارجي لستة أقسام وقسمناه لذاتي وعرضي
وواسطة، ثم قسمناه لخمسة أقسام وتسمى بالكليات الخمس، الجنس، والفصل، والنوع،
والخاصة، والعرض العام، ثم تكلمنا عن تقسيم الجنس، بعد ذلك ذكر المصنف رحمه الله
فصلا في بيان نسبة الألفاظ للمعاني.
Komentar
Posting Komentar