شرح متن السلم المنورق (٦) - الشيخ حسام رمضان - فصل في بيان نسبة الألفاظ للمعاني

﴿فصل في بيان نسبة الألفاظ للمعاني

وهذا أيضا فيه رجوع لتقسيم الكلي، فسيذكر في هذا الفصل نوعا آخر أو تقسيما آخر للكلي فإنه بين أنه ينقسم لخمسة أقسام في هذا الفصل قال:

33- وَنِسبَةُ الأَلفَـاظِ لِلمَعَـانِي

 

خَمـسَةُ أَقسَـامٍ بِـلاَ نُقصَـانِ

ذكر في هذا الفصل نسبة الألفاظ للمعاني، ونسبة المعنى للمعنى، ونسبة المعنى للأفراد، ونسبة اللفظ للفظ، هذا ما اشتمل عليه هذا الفصل فقوله في الترجمة (فصل في بيان نسبة الألفاظ للمعاني) أي ونسبة الألفاظ للألفاظ أو اللفظ للفظ ونسبة المعنى للمعنى ونسبة المعنى للأفراد، ففي اقتصاره على ذلك اكتفاء.

قال (ونسبة الألفاظ للمعاني خمسة أقسام بلا نقصان).

34- تَوَاطُـؤٌ تَشَـاكُكٌ تَخَالُفُ

 

وَالِاشـتِرَاكُ عَكـسُهُ التَّـرَادُفُ

هذه هي الخمسة التي ذكرها وهي ترجع لأربعة أقسام، فإن اللفظ الكلي الذي ذكرناه قبل ذلك إما أن يكون واحدا أو متعددا، ومعناه إما أن يكون واحدا أو متعددا، فتكون الأقسام أربعة: لفظ واحد أي ننظر للّفظ الواحد ومعنى واحد، وضع لمعنى واحد، ولفظا متعدد ومعانٍ المتعددة، وضعت هذه الألفاظ المتعددة لمعان متعددة هذا هو القسم الثاني، ولفظ واحد وضع لمعنى متعدد وضع لعدة معان، وألفاظ متعددة وضعت لمعنى واحد، هذه أربعة أقسام ترجع إليها هذه الخمسة التي ذكرها المصنف في قوله (تواطؤ، تشاكك، تخالف، والاشتراك عكسه الترادف).

وذلك أن اللفظ الواحد الذي له معنى واحد بيّنّا قبل ذلك أنه إما أن يكون كليا أو جزئيا، إن قبل معناه التحقق في أكثر من فرد فكلي وإلا فجزئي، فننظر في الكلي حينئذن هو المعنى الذى يمكن أن يتحقق في فردين أو أكثر، فنقول هل تحقق في هذه الأفراد على استواء؟ هل تساوت هذا المعنى أو استوى هذا المعنى في هذه الأفراد التي تحقق فيها؟ هل هو في كل فرد منها كحاله في الفرد الثاني؟ أم اختلف؟ فيكون عندنا قسمان حينئذن لكن لابد من تحديد أنواع الاختلاف والتفاوت، ليس أي اختلاف نعتبره هنا، وإنما نعتبر أمورا ثلاثة فقط هي الأشدية والأوّلية والأولوية.

الأشدية أن يكون كثير الآثار ويقابله الضعف، الأوّلية هي أن يكون سابقا، الأولوية هي أن يكون الشيء أولى به، بسبب أو بآخر، المهم أن يكون الشيء أولى به، هذه الأمور الثلاثة إن تميز المعنى الكلي في أفراده بها بأن كان في فرد من أفراده يتصف بأولية عن أفراد أخرى أو بأشدية عن أفراد أخرى أو بأولوية عن أفراد أخرى فنسميه حينئذن بالمشكِّك، فيكون المشكك حينئذ هو الكلي الذي تفاوتت فيه أفراده بأشدية أو أولية أو أولوية، فإن لم يتفاوت أو لم تتفاوت أفراده فيه بأن استوى في هذه الأفراد وكان بنفس القوة بنفس الشدة وكان فيها بمرتبة واحدة ليس أولا بالنسبة لفرد وثانيا بالنسبة لفرد آخر، وكذلك لم يكن بعض الأفراد به أولى من بعض، إن كان الأمر كذلك فنقول حينئذ إنه متواطئ، من التواطؤ والتواطؤ هو الاتفاق، تواطأ القوم على كذا، أي اتفقوا عليه، فنقول إن الكلي متواطئ، لأن أفراده اتفقت فيه، أو لأنه اتفق في أفراده واتحد، وكان واحدا ولم يختلف بهذه الأمور الثلاثة.

إذن عرفنا أن الكلي ينقسم لكلي متواطئ، إن كان المعنى الكلي يوجد في كل الأفراد بدرجة من الشدة واحدة، وبأولية أو بدرجة واحدة في التقدم والتأخر، وبدرجة واحدة في الأولوية وعدمها فمتواطئ، وإن تفاوت في الأفراد بشيء من هذه الثلاثة أو بها بجميعها أو باثنين منها فالكلي مشكك.

بيان ذلك بالمثال "الإنسان" لفظ له معنى كلي هو الحيوان الناطق يتحقق في فردين في أكثر، إن نظرنا إلى فرد من أفراده هو زيد مثلا، فننظر إلى الحيوانية الناطقية فيه، ثم ننظر لفرد ثانٍ هو بكر ننظر إلى الحيوانية والناطقية فيه ونقارن، هل الإنسانية أو الحيوانية الناطقية في زيد تختلف عن الحيوانية الناطقية في عمرو؟ هل سبقتها؟ فكانت في زيد سابقة عن عمرو؟ لا، السبق هنا ليس سبق الزمان، هذه أمور لا أريد أن أطيل بها، تذكر في المطولات، المهم السبق هنا ليس سبق الزمان، السبق في زيد وعمرو ربما يكون سبق زمان، نعم، زيد يولد قبل عمرو بسنين وبقرون، السبق هنا ليس كذلك، السبق هنا بمعنى القدم والحدوث، فنقول زيد وعمرو وجودهما حادث في مرتبة واحدة من الأولية والتأخّر، هل حيوانية زيد وناطقيته تزيد في الشدة عن عمرو؟ هي واحدة، هل زيد أولى بالحيوانية الناطقية عن عمرو؟ هل عمرو أولى عن زيد؟ ليس كذلك، إذن، المعنى الكلي هنا في هذه الأفراد متساوٍ بمرتبة وبدرجة واحدة في الشده والضعف والأولية والأولوية، حينئذ نقول إنه كلي متواطئ لاتفاق زيد وعمرو وبكر وعائشة وفاطمة وخديجة والكبير والصغير والجاهل والعالم والنائم والقائم، لاتفاقهم في معنى الحيوانية الناطقية، ولم نر فردا منها زاد ولا اختلف بأمر من الأمور الثلاثة، فهذا كلي متواطئ.

إذا نظرنا إلى الأبيض مثلا، فإننا نرى أن الأبيض حقيقة، هو الجسم المفرِّق للبصر لأن لون الأبيض يفرّق البصر بمعنى أنه يضعفه لأنه يعكس شُعاع الضوء على العين أكثر من غيره، وشعاع الضوء يتسبب في إضعاف العين، فالأبيض لون مفرق للبصر، هذا معنى موجود في عدة أمور كالورق والمصباح والثلج والجير، والقمر أمور كثيرة، والثوب، فكلها يطلق عليها أبيض، هل اختلف الأبيض أو البياض في أفراده بشدة أوالضعف أو أولية أو أولوية؟، إذا نظرنا للشدة رأينا أنه في بعض الأفراد اتصف بشدة عن غيرها، فمثلا هو في هذا الورق ليس كالبياض في هذا المصباح، هذا أشد بكثير، مع أن هذا يطلق عليه بياض، وهذا يطلق عليه بياض، ويختلف هذا البياض عما في الثلج والجير، كلها يطلق على لونها البياض وتختلف درجته شدة وضعفا، لا تختلف أفراد البياض في الأولية فهي في مرتبة واحدة في ذلك، ولا تختلف بالأولوية، فكل هذه الأجسام تتصف بالبياض بدرجة واحدة في الأولوية، ليس بعضها أولى بالبياض من بعض.

حينئذ نقول إنه كلي مشكِّك، لماذا؟ لاختلاف أفراده فيه شدة وضعفا، نأتي للوجود مثلا، الوجود كلي؟ نعم، لأنه يطلق على أفراد كثيرة، فهناك وجود زيد ووجود عمرو، ووجود بكر، ووجود العالم، ووجود الله تعالى، فكل هذه أفراد للوجود، حينئذ نقول هل استوت هذه الأفراد أو استوى هذا المعنى في هذه الأفراد؟ بمعنى أنه ليس في بعضها أشد من بعض ولا أضعف؟ أنه ليس في بعضها أولى منه في البعض الآخر؟ ليس في بعضها أقدم من البعض الآخر؟ فلننظر، هل وجود الله سبحانه وتعالى أشد من وجودنا أي أكثر آثارا؟ نعم، أكثر آثارا من وجودنا، هذا مما لا شك فيه، أقلها أن من آثاره إيجاد العالم، وليس من آثار الإنسان ولا من وجود الإنسان أنه يوجد شيئا، فوجود الله سبحانه وتعالى أشد من وجودنا، أي أكثر آثارا، ووجوده أقدم، فهو أول بالنسبة لوجودنا، فتفاوت وجوده تعالى بالنسبة لوجودنا بالأولية، فهو أول يسبقها سبقا ذاتيا، وهو أولي، وهو أولي -وجود الله تعالي- من وجودنا، لأن وجوده له ذاتي من ذاته، ليس من غيره، ووجودنا منه سبحانه وتعالى، من غيرنا، ليس من ذاتنا، فالوجود أولى بالله منا، ووجوده تعالي لا يقبل الانعدام، ووجودنا يقبل الانعدام، وما كان وجوده قابلا للانعدام فهو ليس أولى مما لا يقبل وجوده الانعدام.

فدلّ ذلك على أن معنى الوجود في حقه تعالى ليس مستويا مع معنى الوجود في حقنا، هو نفس معنى الوجود على القول بأن الاشتراك بين وجودنا ووجود الله سبحانه وتعالى معنوي، فوجود الله سبحانه وتعالى هو وجودنا، لكنه ليس متساويا مع وجودنا في هذه الأمور الثلاثة، هذا على قول جمهور المتكلمين من أن الوجود مشترك معنوي، حينئذ نقول الوجود كلي مشكك وليس متواطئا، هذا معنى تقسيم الكلي لمتواطئ ومشكك، المتواطئ من التواطؤ هو الاتفاق وعرفناه، والمشكك بكسر الكاف من التشكيك، وذلك لأن المعنى الذي ذكرناه الذي حصل فيه التفاوت بأحد الأمور الثلاثة أو بجميعها إذا نظر الناظر فيه شكّكه بين أنه متواطئ لأنه حقيقة واحدة، حقيقة البياض في المصباح، وفي الثلج، وفي الجير وفي الورق حقيقة واحدة، فيمكن أن يقول إنه متواطئ معنى واحد، فهو متواطئ، لكنه إذا نظر إلى تفاوت البياض في المصباح وتفاوت البياض في الورق، ربما ظن أن هذا البياض في المصباح حقيقة، ماهية، وأن هذا البياض في الورق حقيقة وماهية أخرى ليست أنها نفس الحقيقة.

حتى إن ذلك قيل في حق الوجود، فوقع الاختلاف في الوجود، في وجود الله تعالى مع وجودنا، فقيل إنه ليس نفس الحقيقة، هذا مذهب الشيخ الأشعري وجماعة هو أن وجود الله سبحانه وتعالى ليس كوجودنا، وأن وجودنا ليس كوجود الله، فحقيقته في الله تختلف عن حقيقته فينا، فالوجود في حق الله ليس فيه شيء مما في وجودنا، والعكس كذلك، فحينئذن لا يكون معنى واحدا كليا، لكن الجمهور على أن وجود الله تعالي هو وجودنا، لا اختلاف هو بعينه وجودنا، فالوجود بمعنى واحد فهو معنى كلي، لكنه يختلف بالأمور الثلاثة التي ذكرناها في حقه تعالى عنا، عن الوجود في حقنا، فيصير معنى كليا تفاوت بهذه الأشياء.

فشكك الناظر بين أن يكون متواطئا أو مشترَكا لفظيا، كما قال الشيخ الأشعري في الوجود إنه مشترَك لفظي، لأن المشترك اللفظي هو اللفظ الذي وضع لحقائق مختلفة، فهل لفظ البياض وضع لهذا البياض وضع لهذا البياض وضع لهذا البياض وضعا واحدا؟ والتفاوت بين هذه ليس تفاوت حقائق؟ بل تفاوت بالشده فقط؟ فيكون حينئذ فيتشكك الناظر بين أنه حقيقة واحدة، وآخر يقول لا، هذه حقائق مختلفة، فيكون لفظ البياض لها بالاشتراك اللفظي، هذا تشكيك، لما كان يوقع الناظر فيه في هذا الشك سموه بالمشكك لأنه يشكك الناظر فيه بين كونه حقيقة واحدة فيكون متواطئا، أو حقائق فيكون مشتركا لفظيا.

حتى إن هذا الشك بالفعل قد وقع في الوجود، ووقع الاختلاف بين العلماء بين الحكماء والمتكلمين فيه فيكون هذا الكلي غير متواطئ وغير مشترك لفظي ماذا يكون؟ نجعله حقيقة واحدة ونقول بعضها زاد عن الآخر بأمور هي هذه الثلاثة، فلا يكون متواطئا، ولا يكون مشتركا لفظيا، لذلك قال المصنف رحمه الله (تواطؤ تشاكك) قال تواطؤ، ولم يقل متواطئ، لأنه يتكلم عن النسبة، فالنسبة هي التواطؤ، النسبة هي التشاكك، أما المنسوبان أو أما المنسوب لهذه النسبة فهو المتواطئ أو المشكك من تقوم به صفة التواطؤ وهو أن يكون المعنى واحدا ومستويا في أفراده يسمى بالمتواطئ ومن يكون المعنى وما يكون مشككا للناظر بأن يختلف في أفراده في هذه الأمور الثلاثة يسمى مشككا، إذن ظهر أن التواطؤ والتشاكك نسبتان لقسم واحد هو القسم الأول الذي فيه اللفظ واحد والمعنى واحد، ولا يقصد به إلا الكلي فقط، لأن الكلام في تواطؤ وتشاكك، لأن الكلام في استواء المعنى في الأفراد، وعدم استوائه فلا بد من أفراد، ولا تتحقق إلا في الكلي.

انتهينا من قسمين نأتي للمقابل وهو أن يتعدد اللفظ ويتعدد المعنى وكل لفظ موضوع لمعنى من هذه المعاني المتعددة، هذا يسمونه عندهم بالألفاظ المتباينة وعبّر عنها المصنف هنا بالتخالف، وذلك ليس ببعيد أيضا، فالمتباين متخالف، فيسمونها بالألفاظي المتباينة، والألفاظ المتخالفة، لماذا؟ لأنها تخالفت في معانيها، الألفاظ نفسها اختلفت والمعاني اختلفت أيضا، فهي ألفاظ متخالفة، لم يدل لفظ منها على نفس المعنى الذي دل عليه الآخر، هذه هي الألفاظ المتخالفة كإنسان وكتاب وقلم وباب، كل هذه الألفاظ تدل على معانٍ مختلفة، فتكون حينئذ ألفاظا متخالفة، هذا القسم له تقسيمات متعددة سأتكلم عليها آخر الأقسام.

قال (والاشتراك) هذا هو القسم الثالث وهو أن يكون اللفظ واحدا، والمعنى متعددا، بأن يوضع لفظ واحد لمعان متعددة وضعا واحدا، ليس أن يكون مستعملا في معنى على الحقيقة، ومستعملا في معنى آخر على المجاز مع أنه موضوع للحقيقه والمجاز، نعم، لكنه موضوع لهذا بوضع وموضوع لهذا بوضع، موضوع لهذا بوضع شخصي وموضوع لهذا بوضع نوعي، ففيه اختلاف، أيضا ليس أن يكون منقولا، بأن يكون موضوعا لمعنى ثم يُنقل لمعنى آخر وينسى استعماله في المعنى الأول، فيكون حقيقة في الأول، وحقيقة في الثاني، ليس مجازا، نعم، لكنه ليس بوضع واحد، غاية ما في الأمر في المنقول، جعلنا الثاني حقيقة، لأنه نسي في الأول.

كالدابة، وضع لمعنى كل ما دب على الأرض يدخل فيه الإنسان ويدخل فيه البهائم، ثم نقل لذوات الأربع، ما معنى نقل؟ بمعنى أنه استعمل في ذوات الأربع استعمالا كثيرا حتى نسي استعماله في الإنسان، حتى إذا قيل الآن على الإنسان دابة كان ذلك فظيعا، فهذا من قبيل المنقول، فلا نقول أن الدابة مستعملة في معنيين حينئذن فهو من قبيل المشترك، لا، هو من قبيل المنقول، فالفرق بين المنقول والمشترك أن المعاني التي صدق عليها اللفظ المنقول أو التي وضع لها اللفظ المنقول لم يوضع لها وضعا واحدا، والمعاني التي دل عليها ووضع لها المشترك وضع لها وضعا واحدا، ففرق بين دلالة اللفظ على معانٍ متعددة اشتراكا ونقلا وحقيقة ومجازا، في الحقيقة والمجاز الأمر بين، الأمر ربما يلتبس في النقل والإشتراك، لكني بينته بأن النقل بأن يوضع لمعنى ويستعمل فيه فيما ثم ينقل لمعنى آخر وينسى استعماله في الأول، أما الاشتراك فإنه يستعمل في الأول، وفي الثاني، وفي الثالث، وفي الرابع، ولا ينسى واحد منها كلفظ "عين"، فإن العين وضعت للعين الباصرة، وللعين الجارية لعين الماء وللذهب وضعا واحدا، تستعمل في كل معنى من هذه المعاني ولم ينس معنى منها فحينئذ يكون مشتركا لأنه وضع لمعان مختلفة أو متعددة وضعا واحد.

بخلاف نحو الدابة، الدابة تستعمل لذوات الأربع وتستعمل لغير ذوات الأربع ليس كما تستعمل العين في هذه المعاني، فإننا إذا استعملنا العين في الجارية، كان استعمالا مقبولا وشائعا ومشهورا ويستعمل كثيرا واستعملناها في العين الباصرة أيضا يستعمل كثيرا، وإذا استعملناه في الذهب يستعمل كثيرا، لم ينس استعمال العين في معنى من هذه المعاني، أما إذا استعملنا الدابة في معنى الإنسان، فإن ذلك قد نسي مع أنه أصل الوضع، أن يستعمل في الإنسان وفي البهائم، فهذا فرق مهمّ بين المشترك والمنقول والحقيقة والمجاز مع أن كلها يدل أو يتناول أو وضع لمعانٍ مختلفة أو لمعانٍ متعددة.

ففي قولهم المشترك ما وضع لعدة معانٍ أي وضعا واحدا ليخرج المنقول والحقيقة والمجاز، ويذكرون من معاني العين الجاسوس، هذا ليس بصحيح، لأن الجاسوس استعمال العين فيه من قبيل الحقيقة والمجاز، فالعين موضوعة حقيقة للجارية، للباصرة، للذهب، لكنها تستعمل في الجاسوس مجازا، فلا يذكر هذا المعنى مع هذه المعاني، فليس هذا اللفظ من قبيل مشترك في حق الجاسوس.

هذا هو الاشتراك، هذه نسبة الاشتراك، فيسمى اللفظ حينئذ مشترَكا بفتح الراء وليس مشترِكا، مُشترَك اسم مفعول لأنه مِن "اشترك فيه"، فيكون حينئذ الجار محذوفا والأصل مشترَك فيه، تقول لفظ "العين" مشتَرك أي فيه، حذفوا "في" وأوصلوا الضمير لاسم المفعول فاستتر، كان مشترك وفي والضمير الذي في "فيه"، حذفوا الجار الذي هو "في" اختصارا وتقليلا للألفاظ فاتصل ضمير "فيه" بمشترك فاستتر فيه لأنه نائب فاعل فإن اسم المفعول يحتاج لنائب فاعل، مشترَك هو والأصل مشترك فيه، لأن اللفظ كـ"عين" اشتركت فيه معانٍ متعددة، فمعنى الذهب وُضع له لفظ عين، وجاء معنى الباصرة واشترك مع الذهب في لفظ عين، وجاء معنى الجارية واشترك مع المعنيين في لفظ "عين" فيكون لفظ عين مشترَكا فيه، اشتركت فيه المعاني الثلاثة وليس مشترِكا، المشترِك بكسر الراء هو المعنى، فالذهب مشترِك في العين، والجارية مشترك، العين الجارية هذا المعنى مشترِك.

هذا معنى قوله (والاشتراك) وهذا هو القسم الرابع في كلام المصنف الثالث في الأقسام الأصلية الأولية، بقي قسم واحد من الأقسام الأربعة، وهو عكس الاشتراك هو أن يكون اللفظ متعددا والمعنى واحدا بأن توضع ألفاظ متعددة لمعنى واحد، ليس يجب هنا أن يكون الوضع واحدا ولا شيء مما قلناه في الاشتراك، المهم أن توضع ألفاظ لمعنى في وقت واحد في أوقات مختلفة من قبيلة واحدة من قبائل مختلفة، المهم أن نأتي في النهاية ونرى أن المعنى الواحد قد تعددت الألفاظ الدالة عليه، هذا يسمونه بالترادف.

كلفظ إنسان وبشر، ولفظ أسد والسبُع، فلفظ إنسان وبشر موضوع للحيوان الناطق، ولفظ الأسد والسبُع موضوع للحيوان المفترس، فالمعنى واحد والألفاظ متعددة، هنا نقول هذا ترادف، النسبة ترادف، وكل لفظ مترادف مع الآخر، الترادف بمعنى التبَعية، هذا جاء رديفا لهذا أي تابعا له، لأن هذا المعنى لما وضع لها هذا اللفظ تبعه هذا اللفظ، كما أن إنسانا يركب فرسا ويركب خلفه آخر فنقول هذا رديفه لأنه ركب معه، فلما وضع لفظ لمعنى كأنه ركب المعنى، جاء آخر ووضع لنفس المعنى فكأنه ركب هذا المعنى معه، فسموه بالمترادف أو بالرديف، هذا هو الترادف كما في إنسان وبشر وأسد وسبع.

هذا ما يتعلق بهذه النسب الخمسة التي ذكرها المصنف رحمه الله، نرجع لقسم التباين والتخالف، وبينا أن معناه اختلاف الألفاظ أو تعدد الألفاظ وتعدد المعاني، فالألفاظ المتباينة المتخالفة هي التي تعددت وتعددت معانيها أيضا، تنبه لأننا سنذكر التباين بمعنى آخر، التباين إلى هذا الحد، التباين المذكور في هذه الخمس هو أن تتعدد الألفاظ وتتعدد المعاني، هذا ينقسم لأربعة أقسام تسمى عندهم بالنسب المنطقية وهي مهمة جدا في كل فن وفهمها يفيدك في قراءة كل كتاب في المقارنة بين كل معنيين ووجود النسبة بينهما، بل هذه النسب أهم من كل ما ذكرناه، هذه النسب هي التباين، التباين الذي سنذكره غير التباين الذي سبق، والتساوي، والعموم والخصوص المطلق، والعموم والخصوص الوجهي، نحن بينا أن هذا القسم هو أن تتعدد الألفاظ، وتتعدد المعاني، لم نتطرق للأفراد، تكلمنا عن تعدد الألفاظ وتعدد المعاني، أما الأفراد فلم نتكلم عليها، وبينا أن كلامنا في الكلي، فلا شك أن كل لفظ من هذه الألفاظ المتعددة معناه له أفراد، لأن كلامنا في حق الكلي، حينئذ نتَطَرَّق للكلام على الأفراد، فتأتي النسب الأربعة.

إذن ما ذكرناه من التخالف والتباين كان بين الألفاظ والمعاني، وما سنذكره من النسب الأربعة الآتية يكون فيما بعد المعنى، فننظر فيما بعد المعنى وهي الأفراد، فنقول إما أن تكون أفراد المعنيين المختلفين الكليّين متباينة أيضا، مختلفة أيضا، أي ليس هناك أفراد من المعنى الأول مندرجة تحت المعنى الثاني والعكس، هذا هو التباين الكلي، هذا التباين غير التباين الذي ذكرناه آنفا، التباين الذي ذكرناه آنفا وذكره مصنف وسماه بالتخالف هو تعدد الألفاظ وتعدد المعاني، أما هذا التباين الذي نذكره في النسب الأربعة المنطقية فهو أن تختلف الأفراد أيضا، فمجموع تباينين يكون تعدد الألفاظ، تعدد المعاني، اختلاف الأفراد، أي ليس هناك أفراد من المعنى الأول اندرجت المعنى الثاني والعكس.

كإنسان وكتاب، إنسان كلي، وكتاب كلي، لفظان مختلفان، معناهما كذلك، إنسان حيوان ناطق، وكتاب له مفهوم آخر، الإنسان له أفراد، والكتاب له أفراد، هذا الكتاب وهذا الكتاب وهذا الكتاب لا نرى شخصا من الإنسان يدخل تحت مفهوم الكتاب ولا نرى كتابا من الكتب يندرج تحت مفهوم الحيوان الناطق، كذلك الإنسان، أو كذلك الأسد والفرس لفظان معناهما كلي، لا نرى فردا من أفراد الإنسان يندرج تحت معنى الحيوان المفترس، ولا فردا يندرج تحت الحيوان المفترس يدخل تحت الحيوان الناطق، لفظان مختلفان الإنسان والأسد، معنيان مختلفان الحيوان الناطق والحيوان المفترس، أفراد مختلفة أيضا، هذا يسمى بالتبايُن الكلي، والذي ذكره المصنف يسمى بالتباين ويسمى بالتخالف، فرق بين الأمرين تنبه لذلك.

أو أن تتفق الأفراد تماما، تكون جميع أفراد المعنى الأول هي أفراد المعنى الثاني، والعكس، أي المعنيان أفرادهما واحدة لم تختلف، النسبة الأولى وهي التباين كانت الأفراد لا يندرج واحد منها في المعنى الآخر، هنا كل الأفراد للمعنى الأول تدخل في المعنى الثاني، وكل الأفراد للمعنى الثاني تدخل في المعنى الأول، هذا يسمونه بالتساوي كإنسان وناطق، أو ضاحك وناطق، إنسان وضاحك وناطق كلها ألفاظ أو كليات متساوية، بمعنى أن أفرادها اتحدت، فالضاحك له مفهوم، والناطق له مفهوم، الضاحك مفهومه يختلف عن مفهوم الناطق.

إذن عندنا لفظان مختلفان ومعنيان ومفهومان مختلفان، فهذا هو التباين الذي ذكره المصنف وسماه بالتخالف، بعد ذلك، ننظر في الأفراد، فنرى أن أفراد الضاحك هي هي أفراد الناطق، كل ما دخل تحت الناطق يدخل تحت الضاحك، وكل ما دخل تحت الضاحك يدخل تحت الناطق، زيد وبكر وعمرو وعائشة وخديجة والكبير والصغير من الإنسان يدخل تحت الضاحك كذلك تدخل تحت الناطق، أفرادهما واحدة، فليس يجب أنه إذا اختلفت المعاني، اختلفت الأفراد، لا، تختلف المعاني وتتحد الأفراد كما في نسبة التساوي، ضاحك وناطق، هذه تسمى بالتساوي، ولا يلتبس عليك التساوي بالترادف، فالترادف يتحد فيه المعنى فليس هناك معنيان، والتساوي يختلف فيه المعنى، فيكون هناك معنيان، الذي يتحد في التساوي هو الأفراد، في الترادف إذا كان هناك معنى واحد فلا يمكن أن نقول الأفراد واحدة وليست بواحدة، هي أفراد معنى واحد، ولا يقال بالتساوي، بعضهم أدخل نسبة التساوي في الترادف على تأويل في الترادف، ليس ذلك بحسن، نسبة التساوي هنا تدخل في التباين الذي ذكره المصنف، كيف يكون التساوي واقعا تحت التباين؟ قلنا التباين هنا له معنى لا يتعرض مع التساوي، التباين في كلام المصنف والتخالف هو بمعنى اختلاف الألفاظ واختلاف المعاني، لم نزد عليه اختلاف الأفراد أيضا، فيدخل التساوي كذلك.

إذن الخلاصة من ذلك، أن التباين والتخالف الذي ذكره المصنف، هو اختلاف الألفاظ واختلاف المعاني، بعده ننظر في الأفراد، فإن كانت متباينة أيضا متخالفة أيضا فهو التباين المعروف في المنطق، التباين الذي ذكره المصنف هنا معروف في أصول الفقه ومعروف في اللغة أكثر من معرفته في المنطق، إنما التباين المنطقي المشهور في المنطق وفي الفلسفة وفي علم الكلام وغير ذلك من العلوم، هو الذي ذكرناه، هو أن تختلف أفراد المعنيين الكليين، النسبة الثانية التساوي وهي أن تتحد.

لم تختلف اختلافا كليا، ولم تتحد اتحادا كليا، وإنما اتفقت في البعض، اتفق المعنيان في بعض الأفراد، بأن دخلت أفراد معنى بكاملها في معنى آخر وزاد المعنى الثاني بأفراد، هذا يسمونه بالعموم والخصوص المطلق، كإنسان وحيوان، فالإنسان حيوان ناطق له أفراد، ولْتكنْ أَلف فرد، والحيوان مفهومه جسم حساس نامٍ متحرك بالإرادة له أفراد ولتكن مائة ألف، فألف فرد التي هي الإنسان اندرجت في مائة ألف التي هي أفراد الحيوان، وزاد الحيوان بالأفراد الباقية بسائر الحيوانات والبهائم وغير ذلك، زاد على أفراد الإنسان، فاندرجت أفراد الإنسان كلها في أفراد الحيوان وزاد الحيوان بأفراد كالفرس والأسد والجمل وغير ذلك، هذه نسميها بالعموم والخصوص المطلق، العام هو الذي زاد، والخاص هو الذي اندرج في الآخر، فالإنسان أخص، والحيوان أعم، هذه النسب لا يقال فيها خاص وعام هذا يقال هناك في أصول الفقه في اللفظ الخاص والعام، أما في هذه النسب لا يقال خاص ولا عام، إنما يقال أخص وأعم، أيضا تعدد اللفظ هنا، وتعددت المعاني، تعدد اللفظ : إنسان وحيوان لفظان مختلفان، والمفاهيم اختلفت، مفهوم الإنسان يختلف عن مفهوم الحيوان، الحيوان جزؤه؟ نعم، الجزء يختلف عن الكل، مفهوم الجزء يختلف عن مفهوم الكل، المهم أن المفهومين مختلفان، الأفراد لم تتباين تماما، ولم تتفق تماما، إنما اندرجت أفراد واحد في الثاني وزاد الثانى، فيسمى عموما وخصوصا مطلقا.

النسبة الرابعة، هي أن يندرج بعض أفراد الأول في الثاني وبعض أفراد الثاني في الأول، أن تكون بينهما أفراد مشترَكة، وزاد كل واحد منهما بأفراد كالإنسان والأبيض مثلا، أو الإنسان والمتحرك، فالإنسان يصدق على زيد وبكر وعمرو، يصدق على المتحرك والساكن، والمتحرك يصدق على الانسان وغير الانسان من الأشياء المتحركة، فهناك أفراد دخلت في الإنسان وفي المتحرك، هما لفظان مفهومان مختلفان، وأفرادهما نقول هناك أفراد مشتركة، المتحرك من الإنسان يصدق عليه المفهومان، والساكن من الإنسان زاد به الإنسان عن المتحرك، والمتحرك من غير الإنسان زاد به لفظ المتحرك أو معنى المتحرك عن مفهوم الإنسان، فهناك أفراد اشترك فيها المفهومان، وزاد الإنسان بالأفراد الساكنة، وزاد المتحرك بالمتحركات التي ليست من الإنسان.

هذا عموم وخصوص وجهي، كل منهما أخص وأعم، بخلاف المطلق كان واحدا أخص وواحدا أعم، هنا كل منهما أخص وأعم، الإنسان أعم من جهة المتحرك وأخص من جهة الساكن، المتحرك أعم من جهة الإنسان، والمتحرك أخص من جهة غير الإنسان، من جهة المتحرك غير الإنسان، يسمى عموما وخصوصا وجهيا منسوبا للوجه، لكون كل منهما أعم من جهة، وأخص من جهة، هذا هو العموم والخصوص الوجهي، وظهر الاختلاف بينه وبين المطلق.

هذه هي النسب الأربعة التي يجب أن تكون بين كل معنيين كليّين، وتدخل تحت اختلاف الألفاظ وتعدد المعاني المسمى بالتباين والتخالف في كلام المصنف رحمه الله، لذلك نكون قد انتهينا من الكلام على هذه القسمة التي ذكرها المصنف رحمه الله في قوله (ونسبة الألفاظ للمعاني ** خمسة أقسام بلا نقصان) (تواطؤ تشاكك تخالف **  والاشتراك عكسه الترادف) وفصلت نسبة التخالف وأكثر الشروح لا تعتني بذلك.

بعد أن انتهى من الكلام على تقسيم يتعلق بالمفرد، شرع يتكلم على تقسيم يتعلق بالمركب في قوله (واللفظ إما طلب أو خبر إلى آخره ما ذكره) هذا تقسيم يتعلق باللفظ المركب إلى طلبي وخبري، كان المناسب بمصنف أن يذكر هذين البيتين أول الكلام على القضايا، فإن المناسب هناك أن يذكر المركب بأنه طلبي وخبري، ثم يبين أن خبري هو القضية ثم يتكلم عن تعريفها وعن مباحثها، فتقديم المصنف هنا له غير مناسب، فنُرجع البيتين لأول باب القضايا، بعد ذلك قال:

﴿فصل في بيان الكل و الكلية و الجزء و الجزئية

Komentar