شرح متن السلم المنورق (٧) - الشيخ حسام رمضان - فصل في بيان الكل والكلية الجزء والجزئية
﴿فصل
في بيان الكل و الكلية و الجزء و الجزئية﴾
لما ذكر المصنف رحمه
الله قبل ذلك الكلي والجزئي، وكان الكلي يشترك معه في بعض الحروف لفظان، لفظ الكل
والكلية، وكذلك الجزئي يشترك معه في بعض الحروف الجزء والجزئية أراد المصنف رحمه
الله دفع الالتباس بين هذه الألفاظ، فعقد هذا الفصل تبرّعا منه وزيادة الفائدة،
ليذكر الفرق بين الألفاظ التي اشتركت في حروف كثيرة، ويمكن توهم ترادفها، فهذا
الفصل ليس من أبواب المنطق، وليس من فصول المنطق، ولا تعلق له بمسائل المنطق ولا
بأحكام المنطق ولم يذكر في كل كتاب من كتب المنطق، إنما هو فائدة أتى بها الشيخ
ليدفع عنك توهم ترادف هذه الألفاظ، الكل والكلي والكلية والجزء والجزئي والجزئية.
فقال (فصل في بيان الكل
والكلية) لتعرف الفرق بينهما وبين الكلي، و(الجزء والجزئية) لتعرف الفرق بينهما وبين
الجزئي، قال :
|
37- الكُـلٌّ حُكمُنَا عَلَى المَجمُوعِ |
|
كَـكُلُّ ذَاكَ لَيــسَ ذَا وُقُـوعِ |
|
38- وَحَيثُمَا لِكُـلِّ فَـردٍ حُكِمَا |
|
فَـإِنَّـهُ كُلِّـيَّةٌ قَــد عُلِـمَا |
|
39- وَالحُكـمُ لِلبَعضِ هُوَ الجُزئِيَّه |
|
وَالجُــزءُ مَعـرِفَـتُهُ جَـلِـيَّه |
(كَكُلُّ) بالرفع على الحكاية كما سنبين، قال
(الكل حكمنا على
المجموع) إذا حكمت على أفراد متعددة فإنه يُتصور صورتان، الصورة الأولى أن يصدق
هذا الحكم على هذه الأفراد حالة اجتماعها، بألا يستقلّ واحد منها بالحكم، بأن تكون
الأفراد مشتركة في هذا الحكم، لا يمكن أن يُنسب الحكم لواحد واحد منها، كما تقول
مثلا "هؤلاء العشرة رفعوا هذه الصخرة"، لا يمكن أن تقول الأول رفع الصخرة
،الثاني رفع الصخرة، الثالث رفع، لا يمكن ذلك، لا ينسب حمل هذه الصخرة ورفعها لواحد
واحد، وإنما ينسب للعشرة، كما في قوله تعالي«ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية»
لا يمكن نسبة حمل العرش لملَك ملك ملك من الثمانية، بل ينسب حمل العرش للثمانية
مجتمعة، هذه صورة فيما إذا حكمنا على أفراد متعددة.
هناك صورة أخرى هي أن
يستقل كل واحد بالحكم بأن يكون كل واحد يمكن أن يحكم عليه بهذا الحكم على استقلال
على انفراد، كما تقول مثلا الطلاب كتبوا الدرس، الطلاب هذا جمع وأفراد كثيرة،
كتبوا الدرس، لا يمكن أن نتصور أن الكتابة حصلت منهم حالة الاجتماع، لأنه لا يمكن
أن يتصور أن الجميع يمسكون بقلم واحد ويكتبون الدرس، فيصح أن تقول الطالب الأول
كتب الدرس، الطالب الثاني كتب الدرس، تجعل الحكم لكل واحد على استقلال، بخلافه "ويحمل
عرش ربك" فلا يمكن أن تقول الملَك الأول حمل العرش إلا على التجوّز أي شارك
في حمله، نعم تقول عليه حمل العرش بمعنى
شارك، إنما هنا تقول الطالب الأول كتب الدرس ليس على التجوز على الحقيقة أنه كتب
الدرس، ليس على أنه شارك في كتابة الدرس.
فهنا حكمنا على جميع
هذه الأفراد واستقلت الأفراد، وفي القسم الأول أو في الصورة الأولى لم تستقل
الأفراد، في حالة عدم الاستقلال يقولون هذا حكم على المجموع، وفي حالة الاستقلال يقولون
هذا حكم على الجميع، هذا مشهور بينهم وقد حكمنا على كل الأفراد، فيقولون الحكم في
الأول في الصورة الأولى على الكل المجموعي، وفي الصورة الثانية الحكم على الكل
الجميعي، الصورة الأولى يطلقون عليها لفظ الكل، فتقول الكل المجموعي محكوم عليه،
والحكم عليه يسمونه بالكل، فيقولون هذا الحكم من باب الكل.
هذا اصطلاحهم، أنه حكم
من باب الكل، إذا كان المحكوم عليه كلا مجموعيا، الصورة الثانية يسمونها بالكلية،
هي إذا حكمنا على كل الأفراد مع استقلال كل فرد، يسمونها بالكلية، هذه كلها ألفاظ
اصطلاحية شاعت وجرت بينهم، أراد المصنف أن يفيدك إياه، وإن كانت من جهة اللغة لا
تقتضي ذلك، لكن المشهور والجاري على ألسنتهم هو هذا، هناك حكم على أفراد مع قصد
بعضها، نذكر الأفراد ونقصد بعضها، لسنا نقصد الكل كما كنا نذكر، بل نذكر الأفراد
ولا نقول بعض، لا نذكر الأفراد بتمامها، ونقصد في الحكم بعضها، فحينئذن نقول ما
قلناه في الصورتين السابقتين، نقصد بعض الأفراد حالة الاستقلال أو حالة عدم
الاستقلال، صورتان.
فنقول بنو تميم يحملون
الصخرة العظيمة، هنا لا يمكن أن يكون كل فرد من أفراد بني تميم قد حمل الصخرة
العظيمة، لأن منهم المريض، ومنهم المسافر، ومنهم من لا يقدر على حملها منهم النساء
والأطفال، فيعلم بالقرينة أن المقصود في قوله "بنوا تميم يحملون الصخرة
العظيمة" يعلم حينئذ أنه قصد بعض بني تميم مع أنه لم يذكر، نعم، ثم بعد أن
بينا أن الأفراد قصد بعضها، ننظر هل مع الاستقلال أم مع عدم الاستقلال؟ رأينا أن
الأفراد لم تستقل، فإنه لا يمكن أن يقال الأول من الذين حملوا من بني تميم، الأول
حمل الصخرة العظيمة، الثاني حمل الصخرة العظيمة، لا يمكن ذلك، بل نقول بعض بني
تميم حملوا الصخرة بدون استقلال كل فرد منهم.
شأن ذلك شأن "ويحمل
عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية" إلا أن الفرق هو في أن الثمانية قد حكم عليهم
جميعا بالحمل، أما هنا بني تميم لم يحكم عليهم جميعا، هذا يسمونه بالبعض المجموعي،
المحكوم عليه هنا يسمونه بالبعض، لأنه البعض والمجموعي لعدم الاستقلال، يطلق
عليه أيضا "كل"، شاع ذلك في التأليف في الكتب وفي الشروح وفي الحواشي،
فتأتي في "بنو تميم يحملون الصخرة العظيمة" الحكم هنا من باب الكل، لا
تفهم من ذلك أن الحكم على جميع بني تميم، من باب الكل لأن الحكم على البعض مع عدم
الاستقلال، فالحاصل أن الكل يعبر به عن الحكم على أفراد مع عدم استقلال الأفراد،
المقابل لذلك هو الحكم على البعض مع استقلال كل فرد يسمونه بالجزئية، حينئذ يسمون
الحكم ويسمون القضية التي وقعت في هذا الحكم الجزئية ويسمونه الحكم أيضا كذلك.
فالفرق
بين الكل الذي قصد به البعض المجموعي والجزئية هي الاستقلال وعدمه والفرق بين الكل
الذي قصد به كل الأفراد والكلية هو الاستقلال وعدم الاستقلال، والفرق بين الكل
بمعنييه هو كون المحكوم عليه الكل أو البعض، هذان معنيان للكل، المعنى الأول
يقابله الكلية، المعنى الثاني يقابله الجزئية، ذكر المصنف رحمه الله في قوله (الكل
حكمنا على المجموع) أي الكل حكمنا على أفراد حالة الاجتماع مع عدم الاستقلال، إما
على كل الأفراد أو على بعضها، فإن كان على كل الأفراد فتقابله الكلية التي الحكم
فيها على كل الأفراد مع الاستقلال، لذلك ذكر المقابل في قوله (وحيثما لكل فرد حكم)
أي باستقلال كل فرد (فإنه كلية قد علم) فهذا مقابل للمعنى الأول المندرج تحت الكل.
ثم أتى بالمعنى الثاني
المقابل للصورة الثانية التي اندرجت تحت كل، فقال (والحكم للبعض) أي مع الاستقلال،
هو الجزئية، فهذان معنيان مقابلان لصورتين
ومعنيين مندرجين تحت الكل، بقي معنى ثالث للكل، معروف ومشهور بل هو أشهر من المعنيين
الأولين هو ما تركب من جزئين فأكثر، كما يذكرونه في الماهيات المركبة وفي الأمور
المركبة، فيقولون على هذا الكتاب إنه كل، لأنه تركب من ورقتين فأكثر، هذا معنى
للكلِّ، فيكون الكلُّ دالا على معانٍ ثلاثة بالاشتراك اللفظي، يكون موضوعا لما
يتركب من جزئين فأكثر، موضوعا للحكم على كل الأفراد مع عدم الاستقلال، موضوعا
للحكم على بعض الأفراد مع عدم الاستقلال، المعنيان الأخيران بينا ما يقابلهما
الكلية والجزئية.
بقي المعنى الثالث، فهو
ما يتركب من جزئين فأكثر، أراد أن يبين مقابله فقال (و الجزء معرفته جلية) لا حاجة
لتعريفه لأنه معروف، وهو أنه ما تركب منه ومن غيره كل*، تعريفان دوريان لكن هذا
الدور مدفوع بشهرة الكل بمعناه وبشهرة الجزء بمعناه، ولا حاجة لتفصيل معنى الكل والجزء
هنا، لكن تفصيله على الحقيقة يكون في الفلسفة وفي علم الكلام وبين المتكلمين
والفلاسفة خلاف في ذلك، لكن ما ذكرناه يكفي، فتبين بذلك أن المصنف رحمه الله ذكر
الكل في البيت الأول، وقصد معانيه الثلاثة وخص بالذكر المعنى الخفي غير المشهور ثم
أتى بما يقابل كل معنى من المعاني وهي ثلاثة، فلم يبق من هذا الفصل إلا الكلام على
مثال "الكل المجموعي" الذي ذكره المصنف هو (ككل ذاك ليس ذا وقوع).
يشير بهذا إلى حديث
النبي صلى الله عليه وسلم هو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلوة رباعية الظهر
أو العصر، وسلم من
ركعتين، ثم جلس على باب المسجد ولحقه أو سأله ذو اليدين "أقُصِرَتْ الصلوة يا
رسول الله؟ أم نسيت؟" لأنه صلى الرباعية ركعتين، فالنبي عليه الصلاة والسلام
قال "كل ذلك لم يكن"، فقول المصنف (كل ذاك ليس ذا وقوع) هو من باب
الحكاية بالمعنى، لذلك يرفع لفظ "كل"، تقول (كَكُلُّ ذاك) على حكاية لفظ
النبي عليه الصلاة والسلام، "كلُّ ذلك لم يكن" وليس "ككلِّ ذاك"،
قال "كل ذلك لم يكن" الآن ننظر في كلامه صلى الله عليه وسلم، وفي السؤال
الذي سئله، رأينا أنه سئل عن أمرين، فهو سئل عن متعدد، ثم حكم صلى الله عليه وسلم
على الأمرين، فهل حكمه على الأمرين حكم يتنولهما حالة اجتماعهما؟ أم حكم يتناولهما
حالة انفراد كل واحد؟ هل الحكم مع الاستقلال أم مع عدم الاستقلال؟ فلننظر.
قال "أقصرت الصلاة
أم نسيت؟" إذن السؤال أوَقَعَ منك قصر أو نسيان؟، السؤال عن القصر والنسيان،
الجواب "كل ذلك لم يكن"، فهل
هذا الحكم معناه أنه لم يكن مني قصر ونسيان؟، لم يكن مني قصر ولم يكن مني نسيان؟،
نأتي بالحكم في كل منهما، لم يكن مني قصر على حدة واستقلال، ولم يكن مني نسيان،
فلم يقع مني شيء من الأمرين، هذه صورة، لأن الحكم على متعدد يحتمل ذلك، أم أنه قصد
أنه لم يكن مني
القصر مع النسيان والنسيان مع القصر، لم يكن مني الأمران معا.
نقول الظاهر من كلامه
صلى الله عليه وسلم ومن سؤال ذي اليدين هو أنه قصد أنه لم يكن منه قصر ولم يكن منه
نسيان، لم يقع منه شيء منهما، كأنه قال لم أقصر ولم أنْسَ، نفى الأمرين ليس حال الاجتماع، يدل على ذلك أن ذا اليدين
سأله بـ"أَمْ" التي يطلب بها تعيين أحد الأمرين، تقول هذا أم ذاك؟
والجواب يكون بالأول أو بالثاني أو بنفيهما فالأجوبة ثلاثة، فهو يقول "أقصرت
الصلاة أم نسيت؟" هذا يسأله السائل، "أم" يسأل بها السائل إذا كان
يعتقد أحد الأمرين يعتقد وقوع أحد الأمرين ولم يعلم عينه، أجاء زيد أم عمرو هو علم
أن واحدا منهما قد تحقق مجيئه، لكنه لم يعلم عينه، لم يعلم هل هو زيد أو عمرو؟
فيسأل عنه فيجاب بزيد، أو بعمرو، أو بتخطئته في أعتقاده أن واحدا منهما قد جاء،
فيقال له لم يأت واحد منهم.
هذه الأجوبة التي يجاب
بها، ولا يجاب بـ"نعم" ولا بـ"لا"، ولا يجاب أيضا بأنه لم يأت
الاثنان معا، لا يجاب بهذا، لا يقال له "لم يأت زيد مع عمرو" لأنه لم
يسأل عن ذلك، لم يقل هل جاء زيد مع عمرو، لو سأل بذلك لأجيب بـ"نعم" أو "لا"،
بأنه جاء زيد مع عمرو أو لم يأت زيد مع عمرو، إنما أن تقول هل جاء زيد أم عمرو؟
فتقول له لم يأت زيد مع عمرو ولم يأت عمرو مع زيد، يقول لك "أنا لم أسأل عن
هذا"، لم أسأل عن مجيئهما معا، كذلك نقول هنا لم يُجب النبي عليه الصلاة
والسلام بنفي الأمرين معا، فيكون من باب المجموع أومن باب الكل لأنه قصد الحكم على
مجموعهما، لم يقصد ذلك، يدل على ذلك "أم التعيينية" التي تفيد التعيين.
هذا هو الصحيح الذي لا
ينبغي أن يقال غيره، أما المصنف رحمه الله فجنح إلى أنه من باب الكل، من باب الحكم
على المجموع، وذلك ليس بمستقيم ولا يؤيده دليل، فإنه مثل به بالكل المجموعي، أي
قصد النبي عليه الصلاة والسلام أن ينفي الأمرين معا، لم يكن مني القصر مع النسيان
والنسيان مع القصر.
ما الذي دعا المصنف لأن
يقول ذلك؟ هو أنه لو قصد النبي عليه الصلاة والسلام نفي الأمرين على حدة فكأنه
يقول لم أقصر ولم أنس، فيكون في قوله "لم أقصر" هو صادق، وفي قوله "لم
أنس" فيكون كاذبا، لأنه نسي، فالمصنف أراد أن يرفع الكذب عن النبي عليه
الصلاة والسلام، فقال هو قصد أنه لم يفعل الأمرين معا، ولا شك أن هذا صدق، لأن عدم
فعل الأمرين معا لا ينافي فعل أحدهما، فإنه قد يصدر واحد، أنت كتبت الدرس ولم تشرب
الماء، فأنا أسألك أقول لك هل كتبت الدرس مع شرب الماء؟ تقول لا، مع أنه وقع منك
كتابة للدرس، لكنني سألتك عن اجتماعهما ومجموعهما لم يصدر منك، أما لو قلت لم أكتب
الدرس ولم أشرب فقط كذبت لأنه وقع واحد منهما.
فالمصنف أراد أن يدفع
توهم الكذب في كلامه صلى الله عليه وسلم فجنح إلى جعل الحديث من قبيل الحكم على
المجموع، أي لم أقصر مع النسيان ولم أنس مع القصر لئلا يكون فيه مخالفة للواقع فيتوهم
وقوع الكذب في كلامه صلى الله عليه وسلم، وذلك ليس بصحيح، فإن النبي عليه الصلاة
والسلام أجاب على ما علمه وعلى
ما ظنه، فهو ظن أنه لم ينس ولم يقصر، وذلك ليس فيه عيب، ولا قدح في النبوة ولا في
العصمة ولا في شيء أبدا، ولا يعيب الأنبياء أن يخبروا بما ظنوه ولم يكن واقعا ولم
يكن حقيقيا.
فما صنعه المصنف ليس
بحسن، فتمثيله بقولك كل ذاك ليس ذا وقوع للكل المجموعي لا يؤيده عليه ذلك، بل كل الأدلة
ضده كدليل "أم التعينية" التي يطلب بها تعيين أحد الأمرين، فإذا أجابه
النبي عليه الصلاة والسلام بنفيهما معا ففي الحقيقة هذا فيه عيب أكبر إن فر المصنف
مما فر منه، لكن فيه عيب أكبر، هو الجهالة بمقصود المتكلم، بمقصود السائل، هو يقصد
عن تعيين أحد الأمرين وأنت تجيب عن نفي الأمرين مجتمعين، فيه جهالة، ففيه نسبة أمر
سيئ للنبي عليه الصلاة والسلام هو أن السائل يسأل عن شيء وأنت تجيب عن شيء آخر.
وربما يقال فيه التلاعب،
لأنك تتلاعب والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم جيدا مقصود السائل، فيكون جوابه هذا
من باب التلاعب إن حملناه على المجموع، وذلك لا يليق، كان ينبغي على المصنف أن
يصنع ذلك، فنقول "أم" تدل على أنه قصد نفي كل منهما، أيضا هناك دليل آخر
هو أن ذا اليدين بعد ما قال له النبي عليه الصلاة والسلام "كل ذلك لم يكن"
قال له "بل بعض ذلك قد كان".
فنستدل بكلام ذي
اليدين، هو أنه قال بل بعض ذلك قد كان، "بل إضرابية"، وتدل على أن كلام
النبي يناقض ما قاله ذو اليدين، والعكس كذلك، كلامه ذو اليدين يناقضه، فتدل على أن
"كل ذلك لم يكن" يناقض "بعض ذلك قد كان"، فلو قصد النبي عليه
الصلاة والسلام رفع الأمرين مجتمعين، لم يصح أن يناقضه ذو اليدين بقوله بعض ذلك قد
كان، لأني إذا قلت لك هل أنت كتبت الدرس أم شربت الماء، وأنت قد كتبت الدرس فقط،
فقلت لي لم أكتب الدرس ولم أشرب معا، فأنا اعترضت عليك وأقول بل وقع منك واحد
منهما، هل هذا يكون "نقيضا لكلامك؟" لا، لأنك نفيت اجتماعهما وذلك لا
ينافي أن يقع واحد، فقول ذو اليدين، بل بعض ذلك قد كان يدل على أنه فهم من كلام
النبي نفي كل واحد من الأمرين فأثبت البعض فدل ذلك على أن كلام النبي فيه نفي لكل
واحد من الأمرين على حدة مع استقلال، فيكون من باب الكلية وليس من باب الكل
المجموعي.
فنظر النبي عليه الصلاة
والسلام لسيدنا أبي بكر وسيدنا عمر، وقال أحق ما يقول ذو اليدين؟ قالوا نعم، فقام
النبي عليه الصلاة والسلام وأكمل الصلوة، فكلام النبي وفعل سيدنا بكر وسيدنا عمر
يدل على تأييد أن هذا من باب الحكم على
كل فرد على حدة، وليس من قبيل الكل المجموعي، فما صنعه المصنف ليس بحسن، فيكون
قوله (ككل ذاك ليس ذا وقوع) مناسبا لقوله (وحيثما لكل فرد حكم فإنه كلية) وليس
مناسبا لقوله (الكل حكم على المجموع) وإنما يناسبه نحو قوله تعالى «ويحمل عرش
ربك فوقهم يومئذ ثمانية» ويناسبه نحو "بنو تميم يحملون الصخرة العظيمة"،
هذا ما يتعلق بهذه الاصطلحات الأربعة، وتضم للكلي والجزئي، فتكون الاصطلاحات ستة.
انتهينا من الكلام على مبادئ التصورات وهي الكليات الخمس، وسميت بمبادئ لأنها أجزاء القول الشارح، فمنها أو من أكثرها يتألف القول الشارح، لذلك سميت بالمبادئ، أي التي يُبتدَأ منها القول الشارح، فإننا قد بينا قبل ذلك أن مقصود المنطقي هو الوصول إلى المجهول من المعلوم، والمجهول إما مجهول تصوري أو مجهول تصديقي، فالوصول إلى المجهول التصوري عرفنا قبل ذلك أن طريقه أو أن اللفظ الذي نصل به إلى المجهول التصوري يسمى بالقول الشارح، فهذا الباب أول مقصود للمنطقي، والقول الذي نتوصل به للمجهول التصديقي يسمى بالحُجّة والقياس هذا المقصود الثاني للمنطقي، وكل منهما له مبادئ له أجزاء يتركب منها فلا بد أن يسبق كلا منهما الكلام على مبادئه.
وقد سبق الكلام على
مبادئ القول الشارح فلذلك شرع في الكلام على القول الشرح نفسه، على بيان أقسامه
وشروط صحته فقال:
Komentar
Posting Komentar