شرح متن السلم المنورق (٨) - الشيخ حسام رمضان - فصل في المعرفات
﴿فصل
في المعرفات﴾
(فصل في المعرِّفات)
جمع المعرِّف، بمعنى القول الشارح والتعريف، فيسمى بـ"المعرِّف بكسر الراء اسم فاعل، و"تعريف" مصدر
بمعنى اسم الفاعل أيضا فهو بمعنى معرِّف، وقول شارح، معرف وتعريف لأنه يعرف من
يقرؤه أو من يسمعه حقيقة الشيء، وسمي قولا شارحا لأن القول عندهم بمعنى لفظ مركب
وهو يكون لفظا مركبا غالبا، وشارحا لأن الشرح بمعنى التفصيل، وهو يفصّل الماهية
فتكون الماهية مجملةً كإنسان فيفصلها كحيوان ناطق، يفصلها لأجزائها، قال:
|
40- مُعَـرِّفٌ عَلَى ثَلاَثَـةٍ قُسِـم |
|
حَـدُّ وَرَسـمِيُّ وَلَفـظِيُّ عُـلِم |
بين أقسام المعرف ولم
يتكلم على تعريف المعرف، فتعريفه أنه ما تستلزمه معرفته معرفة الشيء أو امتيازه
عما عداه، أو ما يستلزم تصوره تصور الشيء أو امتيازه عما عداه، عبر بالمعرفة أو
عبر بالتصور، هذا مذكور، وهذا مذكور، فالقول الشارح والتعريف بينا قبل ذلك أنه
القول الذي يفيدنا معنى أو يفيدنا تصور أمر مجهول، لذلك قلنا هو ما تستلزم معرفته،
أو ما يستلزم تصوره، لأننا إذا عرفناه أو تصورناه وحضر في بالنا هذا القول الشارح -قال
تستلزم معرفته معرفة الشيء- حصلت معرفة الشيء المجهول.
فقولهم في التعريف ما
يستلزم تصوره تصور الشيء أي المجهول الذي أردنا الوصول إليه، أو امتيازه عما عداه،
ذلك لأن المعرف إما معرف يكشف ويصور الماهية بكنهها بأجزائها ويفصلها بأن يذكر
جميع أجزائها لا يبقى جزء من الماهية إلا وقد بينه فيفيد تصورها حينئذ بالكنه أي
بالحقيقة، أو أنه لا يذكر أو لا يبين جميع أجزائها وإنما يذكر جزءا مع أمر عارض أو
يذكر أمرا عارضا، أو أمورا عارضة، المهم أنه لا يتمّم أجزاء الشيء، حينئذ نقول إنه
لم يفد تصور الشيء بكنهه وبذاتياته، إنما أفاد تمييزه عما عداه.
مثلا أنت تقول الإنسان
حيوان ناطق، ذُكر فيه جنس الإنسان وفصل الانسان، وعرفنا معنى الجنس والفصل قبل ذلك،
فهذا تعريف أفادت معرفته -أي أفاد حضوره في البال- معرفة وتصور الإنسان بالكنه
وبالحقيقة وبالذاتيات، لأنه ذكر الحيوان وهو الجنس وذكر الناطق وهو الفصل فلم يبق جزء
من الإنسان إلا وهو ذُكر، وميزه عما عداه؟ نعم، إذا ذكرت الحقيقة بذاتيتها تميزت
عما عداها قطعا، فالذي يبين الماهية يميز أيضا، أما إذا قلنا الإنسان هو ضاحك أو هو
حيوان ضاحك، فهنا لم تذكر جميع جميع أجزاء الماهية، لكنه ميزه عما عداه، فإنه إذا
سمع أنه حيوان ضاحك علم أنه ليس أسدا وليس فرسا وليس جملا، علم بذلك امتيازه عن
هذه الأشياء، فمعرفة حقيقة الشيء تستلزم تمييزه عما عدها، أما تمييزه عما عداه لا
يستلزم معرفة حقيقة الشيء.
فالقول الشراح يكون
مصورا ومفيدا لحقيقة الشيء بذاتياته كما سيأتي، ويكون مفيدا لتمييزه عما عداه،
يدخل في الأول قسم واحد من الأقسام التي ستأتي، ويدخل في التمييز عما عداه سائر
الأقسام، هذا هو تعريف التعريف أو معرف المعرف أو القول الشارح للقول الشارح،
تقسيمه قال (معرف على ثلاثة قسم حد ورسمي ولفظي علم) (حدٌّ ورسميٌّ) الياء هنا
للوزن فوسمه رسم وليس رسمي، (ولفظي) الياء ياء النسبة منسوب للفظ فلياء هنا ياء
النسبة وهو يسمى تعريفا لفظيا، أما الرسمي فلا يسمى بذلك يسمى "رسم"،
فأقسام المعرف حد ورسم وتعريف لفظي.
التعريف اللفظي بابه
لغة، ليس قسما مشهورا معروفا عند المناطقة، إنما المعروف والمشهور هو تعريف
الأشياء بالتعرّض لحقائقها فيكون حدا أو رسما، أما تعريف الأشياء بالتعرض لألفاظها
وما وضع للمعنى من ألفاظ فهذا شأن لغوي، لكنه يذكر في بعض كتب المنطق، فلا تتوهم
أن التعريف ينقسم عند المناطقة لهذه الأقسام الثلاثة، هو ينقسم للحد والرسم، ثم فصّل
هذه الأقسام فقال:
|
41- فَالحَـدٌّ بِالجِنسِ وَفَصـلٍ وَقَعَا |
|
وَالرَّسـمُ بِالجِـنسِ وَخَـاصَةٍ مَعَا |
أصل الكلام تتميم هذا
الشطر (فالحد) التام (بالجنس) القريب (وفصل وقعا) هذا تمام الكلام الذي يُؤخذ من
المصنف، فالحد التام بالجنس القريب وفصل وقع، أي حصل الحد التام بذلك، حذف التمام
الذي هو صفة الحد وحذف القريب الذي هو صة الجنس، عرفنا ذلك من قوله بعد ذلك (وناقص
الحد) عرفنا أنه حذف التمام من هنا بقرينة قوله بعد ذلك (وناقص الحد) أي والحد
الناقص، فيكون ما سبق هو الحد التام، وعرفنا أنه حذف صفة الجنس وهي القريب من ذكره
صفة الجنس بعد ذلك في الحد ناقص، قال (بفصل أو معا ** جنس بعيد) فوصفه بالبعيد قال
(لا قريب) فأفاد ذلك أن ما سبق كان قريبا، فنأخذ من ذلك أن تتميم الشطر من كلام
المصنف، فالحد التام بالجنس القريب وفصل وقع، أما تمامه من حيث المنطق "فالحد
التام بالجنس القريب والفصل القريب"، لكن تقسيم الفصل لم يتعرض له المصنف
رأسا فلن نتعرض له، فقد قسم قبل ذلك الجنس للقريب والبعيد، ولم يقسم الفصل ولا
غيره فنكتفي بما ذكره في الفصل.
نقول فالحد التام
بالجنس القريب وفصل وقع، الجنس بينا قبل ذلك أنه جزء الماهية الأعم منها الذي يصدق
عليها وعلى غيرها، والفصل بيننا قبل ذلك أنه جزء الماهية الصادق عليها فقط ولا
يصدق على غيرها، فهو مساو لها، بينا قبل ذلك نسبة التساوي، وهي الاتحاد في الماصدق
مع الاختلاف مفهومًا، فالفصل يكون مساويا للماهية، بمعنى أنه يصدق على نفس الأفراد
التي صدقت الماهية عليها لا يزيد عنها ولا ينقص، لكن المفهوم مختلف، فالناطق فصل للإنسان
يساوي الإنسان ولكن مفهومه يختلف عن مفهوم الإنسان كما بينا في نسبة التساوي.
فلما ذُكر الجزء الأعم
الشامل لهذه الماهية ولغيرها من الماهيات، وجاء بعده الجزء المساوي للماهية الذي
يخرج به ما عدا هذه الماهية من الجنس حصل تمام الماهية، فالماهية تتألف من أعم
ومساوٍ، الجنس أعم والفصل يساوي، فالتأمت الماهية حينئذ بجميع أجزائها، فلما قيل
الإنسان هو الحيوان، ما الحيوان؟ هو الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة، شمل
هذا الإنسان والفرس والأسد والجمل لأن كلها تشترك في هذه المعاني، ثم نأتي في
تعريفه بجزء له للإنسان خاص به لا يدخل معه غيره، لو أتينا بجزء آخر عام نضمه مع
العام السابق مجموع كل هذه الأمور العامة يكون جنسا، كما أننا قلنا جسم نام حساس
متحرك بالإرادة، ضمنا حساس مع نام، وحساس مع جسم، وجعلنا الجميع جنسا قريبا سميناه
الحيوان.
لكن لما جاء بعد هذه
المعاني "الناطق"، ولم يكن الناطق بمثابة هذه المعاني، فالناطق يختلف
عنها في أنه يصدق على الإنسان فقط، وهذه تصدق على الإنسان وغيره، جعلنا هذه مجموعة في لفظ حيوان وأطلقنا عليه الجنس
القريب، وجعلنا الناطق وحده لأنه مختص بالإنسان، فسمي فصلا لأنه فصَل الإنسان عما
شاركه في جنسه، فإننا إذا قلنا الحيوان على الإنسان فقد اشترك معه هنا في
الحيوانية الفرس والأسد والجمل، فإذا جاء بعده قولنا "الناطق"، فانفصل
الإنسان به عن الفرس والأسد والجمل وهذه الأشياء، لماذا؟ لأن الناطق يخص الإنسان
فقط، والناطق هنا ليس بمعنى المتكلم، ومن ينطق بألفاظ، وإنما المراد بالناطق هنا
المدرِك أو المفكر بالقوة.
ذلك أن كل الحيوانات
تشترك مع الإنسان في الجسمية وفي النموّ وفي الحسّ، والحواس تفيدها إدراكات، والإنسان
والحيوانات كلها أيضا تزيد عن إدراك الحواس بإدراك الوهم، وتزيد عن ذلك بقوة
الخيال، فهناك قوى أخرى غير الحواس تدرك الحيوانات بها هي القوة الوهمية والقوة
الخيالية، هذه كل الحيوانات تشترك فيها، الكلام على القوة الوهمية والقوة الخيالية
تكلمت عليه في شرح الشيخ الملوي، ولعلي تكلمت عليه في شرح المحقق الفناري على إيساغوجي،
وذلك فيه تفصيل طويل للقُوى التي يتصف بها الحيوان على ما ذكره الفلاسفة، فكل
الحيوانات تشترك في إدراك الحواس وفي إدراك القوة الوهمية، وفي إدراك القوة
الخيالية، لكن أن يُنتقل من هذه المدركات المعلومة لمجهولات هذا لم يكن إلا
للإنسان، فقد خلق الله سبحانه وتعالى ووضع فيه ما يسمى بالفكر، وهو أنه ينتقل مما
أدركه لما لم يدركه، هذا خصه الله سبحانه وتعالى بالإنسان.
فكل الحيوانات ترى
وتسمع وتحس أيضا بحاسة اللمس وبالذوق كما هو شأن الإنسان، وأيضا تتخيل بمعنى أن
هذه الصور تبقى في خيالها ويمكن أن تستحضرها بعد ذلك، بعد أن تذهب الأمور عن
الحواس، إذا غمض الحيوان عينه فإنه تبقى صورة ما رآه في خياله كما هو شأن الإنسان
أيضا، وأيضا يتوهم بمعنى أنه يدرك معاني جزئية في الأمور التي يراها ويحسها كما
أننا ندرك معان جزئية، كما أنك ترى شخصا فتدرك أنه عدو أو تدرك أنه صديق، كما أنك
تمسك الكتاب فتدرك أنه محبوب لديك أو غير محبوب، تقرأ هذا الكتاب فتدرك أنه
بالنسبة لك سهل أو صعب، هذه الإدراكات الجزئية يسمى المدرك لها في الإنسان وفي
غيره من الحيوانات بالقوة الوهمية.
الحيوان يدرك ذلك، فهو
يدرك أن صاحبه قاسٍ وشديدٌ عليه أو أنه غير ذلك، يدرك أنه يريد أن يضربه، أنه عدو
أو صديق، لذلك إذا أمسكت بخشبة للحمار أو للحيوان من الحيوانات يخاف منك ويجري،
هذا لا تقل إنه فاهم، لا، "فاهم" هذا من اختصاص الإنسان، لكنه توهم،
توهم هنا ليس بمعنى أخطأ أو فهم فهما خاطئا كما نستعمله في عرفنا، أن نقول فلان
توهم بمعنى أنه فهم الأمور فهما خاطئا، لا، التوهم أو الوهم عند الحكماء بمعنى
إدراك المعاني الجزئية في الأمور المحسوسة، ولا يكون المعنى الجزئي محسوسا، فإذا
أمسكت هذه الخشبة هذا الحيوان يجري منك، لماذا؟ لأنه رأى شخصا قبل ذلك أو أحس بشخص
قبل ذلك أمسك خشبة وضربه فآلمه، فاستقر في نفسه وهم أي معنى جزئي هو أن من يمسك -هذه
الصورة التي رآها- أن من يمسكها فهو عدو ومستقر في نفسه أن العدو يُفر منه، ففر
منك، فهو حينئذ لم يفهم، الدليل على ذلك أنه لو رآك تمسك بهذه الخشبة أول مرة، لم
ير قبل ذلك أحدا أمسك خشبة، أو رأى من يمسك هذه الخشبة، ولا يضربه بها، بل يمسك
هذه الخشبة ويقرب منه الطعام مثلا أو كذا فإنه لا يجري، بل إذا رأى أحدا آخر يمسك
مثل هذه الخشبة يقترب يظن أنه سيعطيه طعاما، لأنه استقر في نفسه معنى وهمي، هو أن
من يمسك هذه الخشبة سيعطيه طعام هكذا.
أما الإنسان فإنه يأتي
بكل هذه المدركات، بالبصر وبالسمع وبالشم وبالذوق وباللمس ويأتي بالمدرَك الوهمي
ويأتي بالمدرك الخيالي، بكل هذه المدركات، ويفكر بمعنى أنه ينتقل منها إلى أمر
مجهول، ذلك بقوة أطلقوا عليها العقل، لم تكن عند الحيوانات، فاختصاص العقل أو
فائدة العقل أن ينتقل من المعلومات التي استقرت عند الإنسان بواسطة الحواس أو
بالقوى الباطنية كالواهمة والمخيلة إلى مجهولات، هذا معنى قولهم الإنسان وهو
الحيوان الناطق، أي المفكر بالقوة، هذا عرفنا المفكر أي الذي ينتقل من معلومات
لمجهلات، أما "بالقوة" فلأن هناك إنسان مجنون وإنسان نائم وإنسان ناسٍ
وساهٍ، أو إنسان لا يفكر، يجلس هكذا ولا يعمل القوة العقلية، بل هو ربما جالس
يتخيل، يقلب صورا حصلت له قبل ذلك أو حصلت لغيره، فهو يتخيل، فهو في هذا الوقت ليس
إنسانا ناطقا، ليس حيوانا ناطقا في هذا الوقت، في وقت جنونه، في وقت نومه، في في
وقت ذهوله، في وقت تخيله، هو ليس حيوانا ناطقا بالفعل، لأنه ليس يفكر، فإذا فكّر بدءا
من استحضار أول جزء في الفكر وينتقل للجزء الثاني في
الفكر ثم ينتقل للمجهول، هو في هذا الوقت يطلق عليه حيوان ناطق، إذن، ماذا نصنع في
المجنون، وفي الذاهل، وفي النائم؟ النائم لا يطلق عليه حيوان ناطق، نائم لا يفكر،
فماذا نصنع؟ مع أن هؤلاء من ماهية ويندرجون تحت ماهية من يفكر.
قالوا خلاص هم يفكرون
بالقوة، بمعنى أن استعداد التفكير -القوة لها معان كثيرة عندهم يقصدون بها هنا الاستعداد-
بمعنى أنهم متى أراد أن يفكّر فكّر، بخلاف الأسد والفرس وهذه الأشياء، هذا تفصيل
حقيقة الإنسان تفصيلا بديعا، فقولهم الإنسان حيوان ناطق، أي جسم يتألف من جوهرين
ليَخرج المفرد وليخرج
القديم سبحانه وتعالى، ونامٍ لأنه يزيد حجمه ليخرج الجماد، وحساس لأن له حواس
متحرك بالإرادة ليخرج ما لا يتحرك بالإرادة كالنبات مع أنه نامٍ، وناطق يخرج ما
عدا الإنسان، فكان الناطق فصلا لأن غير الإنسان من سائر أصناف الحيوانات لا نطق له.
حينئذ لو رأينا شيئا كالحيوانات
نطق كما يقال في بعض الحيوانات، وكما حصل في بعض معجزات النبي عليه الصلاة والسلام
أن ينطق حيوان، أو أن يصنع شيئا لا يصنعه إلا العاقل، حينئذ لا يقال إنه فعل، أو
البغبغاء أيضا ينطق ويتكلم، حينئذ لا يقال إن ذلك وارد على ما ذكره الحكماء من تعريف الإنسان،
فهذا في الحقيقة لم يفهم، الذي يتكلم هذا الكلام لم يفهم، يقولون عنده قوة عاقلة
متى أراد أن يفكر بها وينتقل من المعلومات إلى المجهولات انتقل، ما شأن هذا وشأن
الحيوان الذي يُنطقه الله وهو لا يدري شيئا عما نطق، ليست عنده القوة العاقلة، وما صنع إلا كما يصنع الراديو أو
التلفاز أو التلفون الآن أو الكمبيوتر أنه يخرج صوتا، الحيوان الذي يتكلم ويشهد
للنبي أو تكلم في أي وقت من الأوقات، المهم أنه صدر منه شيء لا يصدر إلا من
العقلاء لا نقيسه على العاقل، لأن هذا في الحقيقة ما حصل عليه إلا أن جرت ألفاظ
على لسانه، هو لا يدرك شيئا عنها، ولا يعلم شيئا عنها، ولا يستطيع أن ينتقل منها
لمجهول يريد أن يعلمه، هذه الألفاظ التي ينطق بها في الحقيقة كالصوت الذي يخرج منه
كأي صوت كصوت الصفير أو كذا، أو كذا، الذي يخرج من العصفور مثلا.
هذا أمر مهم، فلا يقال
حينئذن إن بعض الحيوانات ينطق فذلك وارد على حد المناطقة، هذا كلام من لم يفهم،
أما من أورد الجن والملائكة على حد المناطقة، فيقول فالجن والملائكة أيضا ينطقون،
بمعنى أنهم يفكرون بالقوة، بمعنى أنهم إذا أراد أحد من الجن أو أحد من الملائكة أن
يفكر، أن ينتقل من معلومات لمجهولات فإنه يصنع ذلك، فهو مفكر أيضا وناطق، فيكون
هذا يدخل في ماهية الإنسان، هذا قول من لم يعلم شيئا عن الفلسفة، إنما قرأ
للمتكلمين، لماذا؟ لأن المتكلم يختلف عن الفيلسوف في ماهية الإنسان في أمور تذكر
في محلها، منها أن الملائكة والجن من قبيل الأجسام غير المجردة، فهذا يدخل عندهم
في الحيوانات مع النظر إلى أنها نامية أو أنها غير نامية ربما يصدق هذا على الجن، المهم
هي تندرج في الحيوانات، وتندرج في الناطق، فنعم، يرد على حد الإنسان، إنما من عرف
الإنسان بأنه حيوان ناطق هم الحكماء والفلاسفة وهم لا يرون أن الملائكة والجن من
قبيل الأجسام أصلا، هي مجردات عندهم عن المادة فهي ليست حالة في المادة، فالحيوان
يخرجها.
فالخلاصة أن الحيوان
يخرج النبات والجماد، ويبقى فيه سائر الحيوانات، وأن الحيوان أيضا لا يدخل فيه
الجن والملائكة، والناطق يبقى به الإنسان فقط ويخرج ما عداه، والناطق وحده تدخل
فيه الملائكة والجن عند الحكماء، إذن من يقول الحيوانات التي تنطق تدخل في حد ناطق
أو في حد الإنسان بينا الرد عليه، ومن يقول الملائكة والجن بينا أن الرد عليه هو
أن يرجع إلى أصل من عرفوا الإنسان، وهو أنهم ليسوا بحيوانات، لأن الحيوان عندهم
جسم نامٍ، وهم لا يقولون على المجرَّد إنه جسم، إنما يقولون على المجرد إنه جوهر
مجرد، فتقسيم الحكماء غير تقسيم المتكلمين فلا بد من مراعاة الاصطلاحات والخلط بين
الاصطلاحات يضر جدا.
هذا الذي جعل المناطقة
يقولون الحد يتألف من الجنس والفصل، أن الجنس جزء أعم كما بينا، والفصل جزء مساو،
وبينا ذلك على مثال جزئي هو تعريف الإنسان، فالحد بالجنس القريب لماذا كان القريب
ولم يكن البعيد؟ لأننا أردنا أن نذكر جميع الذاتيات، فلو ذكرنا البعيد لبقي جزء،
فلو قلنا مثلا الإنسان حساس ناطق، أو الإنسان نام ناطق، أو الإنسان جسم ناطق، لفاتت
بعض الأجزاء، فإذا قلنا هو جسم ناطق فات أنه نام، فات أنه حساس، فات أنه حيوان،
فاتت بعض الأجزاء، فلم يكن حدا تاما، فليكون حدا تاما لا بد أن يكون بالجنس القريب
الذي ليس بينه وبين الماهية واسطة، كما بينا في تقسيم الجنس قبل ذلك.
فالحد التام بالجنس
القريب، وفصل وقع، ثم نأتي للبيت الثالث، فيه الكلام على الحد الناقص، قال:
|
42- وَنَاقِـصُ الحَدِّ بِفَصلٍ أَو مَـعَا |
|
جِنـسٍ بَعيِــدٍ لاَ قَـرِيبٍ وَقَـعَا |
(وناقص الحد من إضافة الصفة لموصوف) أي والحد
الناقص (بفصل) أي فقط، فهو يقع ويكون بفصل فقط ويكفي ذلك في تمييزه، لكنه تمييز بالذاتيات، فإنك
إذا قلت ما الإنسان؟ فقيل لك إنه ناطق، أي مفكر بالقوة، علمت حينئذ أن الأسد ليس
بإنسان، أو أن الإنسان ليس بأسد، وأنه ليس بفرس، وأنه ليس بحجر، وأنه ليس بنبات، مُيز
الإنسان عن كل ما عداه، لكنه نقص من هذا التعريف ذاتيات كثيرة، نقص أنه جوهر، وأنه
جسم، وأنه نام، وأنه حساس، وأنه متحرك بالإرادة، نقصت كل هذه الذاتيات، فلا يكون
هذا حينئذ مفيدا لتصور الإنسان، إنما يكون مفيدا لتمييزه عما عداه، تمييزا بذاتي
من الذاتيات وهو الناطق، ليختلف التمييز هنا عن التمييز بالرسم الآتي.
قال (أو) له صورتان أي الحد
الناقص له صورتان، قال (أو مع) أي بفصل مع (جنس بعيد) الترتيب هنا معكوس بسبب
النظم، والأصل الجنس البعيد مع الفصل، فالحد الناقص يكون بالجنس البعيد مع الفصل، بأن
تقول مثلا الإنسان جسم ناطق هنا أتينا بتميز أيضا ولم نأت بتصوير الحقيقة والتمييز
هنا بالذاتيات، لكن الذاتييات هنا زادت عن الذاتيات إذا كانت بالفصل وحده، فتقول
هو جسم ناطق، زدنا الجسمية، فزاد هذا الحد الناقص فائدة عن الحد الناقص الذي كان
بالفصل، لكنه في الحقيقة ليس مبينا لجميع أجزاء الماهية، فيكون ناقصا، فالحاصل من
ذلك أن الحد ما يكون بذاتيات فإن اكتملت الذاتيات فيه كان تاما، وإن لم تكتمل سواء
ذكر الجزء المساوي فقط وهو الفصل، أو ذكر معه أجزاء أخرى فإنه ناقص ما دامت الأجزاء
لم تتم (وناقص الحد بفصل أو معا ** جنس بعيد لا قريب وقعا).
ولا بد من العكس بأن تقول
جنس بعيد مع فصل، وليس كما صنع المصنف، المصنف صنع ذلك لضيق النظم، لأن الترتيب
عندهم هو الهيئة التي ذكرناها في تعريف الفكر وهو ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى
أمر مجهول، فلا بد من الترتيب بأن يذكر الأعم ثم يليه المساوي للماهية، أو يقولون
الأخص أي الأخص من الأعم وليس الأخص من الماهية، فلا بد من أن تقول الإنسان حيوان
ناطق، فإن قلت الإنسان ناطق حيوان لم يكن حدا ولم يكن فكرا صحيحا عندهم إلا على
تأويل أن تقصد التقديم والتأخير، أما أن تأتي بالفصل أولا، ثم تتبعهم بالأعم، فذلك
ليس بترتيب صحيح عندهم، وقد اشترطوا في الفكر أن يكون فيه ترتيب، قالو ترتيب أمور
معلومة، الحيوان أمر معلوم، الناطق أمر معلوم، الحيوان جنس فهو أعم، الناطق فصل
فهو مساو للماهية وأخص من الجنس، الترتيب يكون هكذا، الأعم يلحقه الأخص، إن خالفت
ذلك لم يكن فكرا صحيحا عندهم.
القسم الثاني للتعريف هو الرسم قال (والرسم
بالجنس وخاصَة معا) الخاصة هنا بتخفيف الصاد لرعاية الوزن وهي في الأصل بتشديدها "وخاصّة"،
لكننا في البيت هنا نخففها (وخاصَة معا) قال والرسم (بالجنس) أي القريب، (والرسم)
التام (بالجنس) القريب وخاصة مع، هذا تمام الشطر، من أين أخذنا هذا التمام؟ الذي يدل عليه
من كلام المصنف قوله بعد ذلك:
|
43- وَنَاقِـصُ الرَّسمِ بِخَاصَةٍ فَقَـط |
|
أَو مَـعَ جِنـسٍ أَبعَـدٍ قَدِ ارتَبَط |
وناقص (الرسم) أي والرسم
الناقص، فيفيد أن ما سبق كان تاما، قال (بخاصة فقط) أو مع جنس أبعد، أي مع جنس
بعيد، فأفاد ذلك أن الجنس الذي ذُكر قبل ذلك قريب، فتتميم الشطرين، فالحد التام
بالجنس القريب وفصل وقع، والرسم التام بالجنس القريب وخاصة مع، قال (والرسم بالجنس
وخاصة معا) الرسم يختلف عن الحد في أن الرسم يكون بالعوارض، بالأمور العارضة
للماهية وليست الأجزاء والذاتيات، فإن كان بالجنس القريب وهو الجزء الأعم مع عارض
من العوارض المختصة بالماهية كان رسما تاما، فالرسم التام يقول بالجنس القريب مع
العارض الخاص الذي يسمى بالخاصة.
الجنس القريب أعم من الماهية،
الخاصة مختصة فهي مساوية للماهية، حصل التمييز عن كل ما عداها حينئذ كما تقول في
الإنسان إنه حيوان ضاحك، أتينا بحيوان، فعلمنا أنه جسم علمنا أنه نامٍ إلى آخره، ولكنه أعم من الإنسان
فيشمل الفرس والأسد، فنأتي ونقول ضاحك، ولا تضحك هذه الأشياء حتى وإن فتحت فمها
وبدت نواجذها؟ نعم، لأن الضاحك المقصود من هنا، أن يأتي هذا الصنيع بعد تعجب
والتعجب لا يكون إلا بعد إدراك الغرائب، فإن التعجب لا يكون إلا بالأمور الغريبة، يكون بسبب شيء حصل
ولم يعرف سببه، حتى يقولون في العامية إذا عُرف السبب بطل العجب، لماذا؟ لأن التعجب
يكون من الأمر المجهول السبب، فتضحك هذا فرع التعجب، التعجب أن تعلم أمرا وتجهل
السبب، هذا فرع التعقل، لأن العلم والجهل لا يكون إلا بالعقل، والتعقل لا يكون إلا
في الإنسان.
فعلم أن ما يصنع ذلك من
الحيوانات، وإن ضحك مثل ضحكنا بل وأفضل أو وأشد أو وأقوى لا يقال إنه ضاحك، تنبه
يا مولانا لهذه الأشياء، لأن الناس ينظرون إلى سطحيات الأشياء، يرونك تضحك أو
يقولون الإنسان ضاحك، وهذه خاصة، يرون حيوانا يضحك، هو لم يفهم، هو يظن أن الضاحك
هو أن تفتح الفم وتبدو الثنايا، هذا خطأ، خطأ، لا بد أن تفهم العلم فهما جيدا، وأن
تراعي الاصطلاحات، وأن تراعي ترتيب الأمور بعضها على بعض عند أهلها، قصدوا بالضاحك
أن يأتي هذا الصنع نتيجة تعجب، إن لم يكن كذلك لا يطلق عليه ضاحك، هو محاكاة الضحك ليس
ضحكا، الضحك لا يكون إلا بالتعجب، التعجب لا يكون إلا بإدراك، الإدراك لا يكون إلا
بتعقل، وذلك ليس إلا في الإنسان.
لذلك كان الضاحك خاصة
من خواص الإنسان، فيخرج الأسد والفرس إلى آخره، ما الذي يضحك من الحيوانات؟ القرد
أو نسناس؟ لكنك ترى في الكتب أنهم يقولون النسناس أيضا يدخل في الضاحك، يعني هذه
أمور سطحية، ما كان ينبغي أن يشغلوا بها الطالب، أنت عليك أن تنظر إلى دقيق هذا
العلم ودقيق العلوم، تنظر إلى ما يذكره أهلها، الحكماء لا يستشكلون هذه
الاستشكالات أبدا، إنما تأتي ممن ينظر للقواعد وللمسائل العلمية نظرا سطحيا فيأتون
ويذكرون في بعض الكتب أيضا النسناس يدخل في الضاحك ثم يجيبون بعد ذلك إنه يحاكي
وليس يضحك ضحكا حقيقيا، وأنت في الحقيقة تحفظ وتقول ويرد على الضاحك عند المناطقة النسناس
فإنه يضحك، والجواب أنه يحاكي وأنت لا تفهم ما معنى يحاكي وما يضحك، وتحفظ وخلاص
وتقول ما تحفظ، لكنني أفهمتك الآن أن الضحك عند الحكماء عندما يذكرون العوارض التي
تعرض للإنسان، فيذكرون ضحكا ناتجا -يذكرون هذا الفعل- الناتج عن التعجب، فما لم
ينتج عن التعجب ليس ضحكا، إنما هو حركة بالفم فقط، فرق كبير، فليس كل أمرين يتشاركان في الصورة فهما من
ماهية واحدة (فالحد بالجنس وفصل وقعا ** والرسم بالجنس وخاصة معا) هذا عرفناه.
نأتي لناقص الرسم، قال (وناقص
الرسم بخاصَة فقط) أيضا بتخفيف الصاد للوزن، أي والرسم الناقص، فهو من إضافة الصفة
للموصوف، (بخاصة فقط) كما قلنا في الحد الناقص فهو يكون بالفصل وحده، كذلك الرسم
الناقص يكون بالخاصة وحدها، أن يكون بالعارض فقط، بالأمر العارض المختص، لأنه يكفي
في تمييز الماهية، فإن الخاصة مساوية للماهية وما دامت مساوية للماهية فلا يدخل
فيها أفراد من غير ماهية، ولا يخرج عنها أفراد من أفراد الماهية، فهي مساوية فتكفي
في التمييز، فيمكن أن تقول الإنسان حيوان ضاحك هذا رسم تام، وممكن أن تقول ويكفي ذلك الإنسان
ضاحك وتكتفي.
فتكون قد ميزته بعارض
فقط وليس معه ذاتي، أما في الرسم التام فإننا أتينا ببعض الذاتيات الذي هو الجنس
القريب، وزدنا عليها عارض مختص بالماهية، أما في الرسم الناقص فنأتي بالعارض فقط،
أو نأتي بأقل من الجنس القريب مع عارض، المهم
أنه لا يذكر الجنس القريب في الرسم الناقص، سواء ذكرت العوارض فقط أو ذكرت ذاتيات
لم تكن بالجنس القريب، (وناقص الرسم) أو الرسم الناقص يكون بخاصة فقط (أو مع جنس
أبعد قد ارتبط) أي الجنس البعيد مع الخاصة، أيضا بعكس الترتيب الذي ذكره المصنف،
وقوله هنا (وناقص الرسم بخاصة فقط) "فقط" هنا
يفيدنا أن كلمة "فقط" مرادة للمصنف في البيت السابق في قوله (وناقص الحد
بفصل) أي فقط أيضا، لكن النظم لم يسعفه.
هذا ما يتعلق بالحد
والرسم فظهر أن المعرف إما أن يفيد تصور ماهية الشيء وذلك ليس إلا الحد التام فقط،
أو الذي يفيد تصور الشيء بكنهه، لأن الذاتيات موجودة فيه، أو يفيد تمييزه عما عداه
ذلك بالحد الناقص وبالرسم التام وبالرسم الناقص، فأقسام المعرف أربعة كما بينا،
سمي الحد بالحد لأن الحد في اللغة هو المنع، ولا شك أن ذكر ما يميز الماهية ولا شك
أن ذكر الجنس القريب
والفصل أو الفصل وحده يمنع غير أفراد الماهية من الدخول في أفراد الماهية، لا شك
في ذلك، فحينئذ يطلق عليه المنع، فأطلقوا الحد الذي هو بمعنى المنع، فحدود الله
سبحانه وتعالى هي الأمور التي يمنع الإنسان من الاقتراب منها، والحدود التي هي حد السرقة وحد الزنى سميت بالحدود
لأنها مانعة للناس من أن يقترفوا هذه الكبائر، والذي يصنع بين الأرض والأرض يسمى
حدا لأنه يمنع كل واحد من أصحاب هذه الأرض وهذه الأرض من أن يتعدى على غيره فيسمى
بالحد أيضا.
فالحد لغة بمعنى المنع
ولما كان هذا مانعا سمي بحد،
لكن المنع في الحقيقة حاصل بالأقسام الأربعة، حاصل بالحد والرسم، فبينا أن كل
الأقسام الأربعة تميز الماهية عما عداها، لكن التمييز والمنع لما كان في الحد
بالذاتيات كان أكمل من المنع في الرسم، فخصوا الحد أو خصوا التمييز والمنع
بالذاتيات باسم الحد، أما الرسم فسمي بالرسم لأن الرسم في اللغة هو الأثر، أثر الشيء،
يقولون هذا رسم الدار أي أثرها إذا انهدمت الدار وبقي لها أثر في الأرض، فيقولون
هذا رسمها أي أثرها، ولما كان التعريف بالعوارض تعريفا بآثار الشيء، أي بالأمور التي
تكون علامات على الشيء، ناسب ذلك أن يسمى بالرسم، هذا بيان سبب التسمية.
فالمعرف ينقسم لحد ورسم
فقط عند المناطقة، وأما التعريف اللفظي فهو من اختصاص اللغويين، لكن المصنف أتى به
هنا لزيادة الفائدة، فإنه يذكر في العلوم على أنه تعريف فقال:
|
44- وَمَـا بِلَفـظِيٍّ لَدَيهِم شُـهِرَا |
|
تَبـدِيـلُ لَفـظٍ بِرَدِيـفٍ أَشهَرَا |
فالتعريف اللفظي هو أن
تأتي بلفظ آخر وُضع لنفس المعنى لكنه أشهر عند السامع، ففيه قيدان مهمان في اللفظ
الذي تأتي به، أن يكون مرادفا للفظ المسئول عنه، وأن يكون أشهر من اللفظ المسئول
عنه، لو سقط واحد منهما لم يكن تعريفا لفظيا، لو لم يكن مرادفا، لم يكن تعريفا
لفظيا، ولو كان مرادفا ولم يكن أشهر عند السامع لم يكن تعريفا لفظيا، لم يكن
تعريفا لأنه لم يعرفه فيختلف الأمر حينئذ بحسب السامع، إذ قد يكون هذا للفظ مشهورا
عند السامع وقد لا يكون مشهورا، فيختلف الأمر بحسب السامع، هذا في التعريف اللفظي،
بخلاف التعريف الحقيقي الذي سبق، التعريف الحقيقي هو الذي ينقسم لحد ورسم.
فمثلا يسألك سائل عن
الغضنفر ما هو؟ فتقول هو الأسد، أنت ما تعرّضت للحقيقة هنا، الذي مضى في الحد والرسم
كنا نتعرض للحقيقة بأن ننظر لذاتياتها أو أن ننظر لعوارضها، أما هنا فلا نظر
للحقائق أصلا، بل إننا ننظر ونفتش في كتب اللغة ما المرادف له ونذكره، فليس بتعريف
أصلا، وما يذكر عنه ويقال إنه تعريف إنما هو من قبيل المجاز، يمكن أن نقول إنه تعريف
عند أهل اللغة، إنما أن يكون تعريفا عند المناطقة فلا، لأن المناطقة لا يعرفون إلا التعريف الحقيقي الذي يكون فيه
التعرّض للذاتيات أو لحقيقة الشيء، يسمى بالتعريف الحقيقي لأن التعرض فيه يكون
للحقيقة.
فتقول له هو الأسد، قد
يقول لك ما الغضنفر؟ فتقول له "الليث"، ولا يعلم معنى الليث، هو لا يعلم لفظ الليث ولا يعرف معناه، فلا يكون
تعريفا، آخر يعرف أن
الليث هو الأسد، فيقول لك ما الغضنفر؟ تقول له هو الليث، فيعرف أن معناه الحيوان
المفترس، حينئذ نقول إن هذا تعريف لفظي، فيرجع التعريف اللفظي للسامع، ولا يقال
حينئذ إن تعريفك الغضنفر بالأسد عرّفَ السّامعَ أنه حيوان مفترس، لا، ليس كذلك.
(وما بلفظ لديهم شهرا)
أي ما عرف عندهم بالتعريف اللفظي، فقوله (وما بلفظي) أي وتعريف شهر بتعريف لفظي (لديهم) أي عندهم،
قال هو تبديل لفظ بلفظ رديف أي مرادف أشهر منه، كما ذكر الشيخ ابن الحاجب رحمه
الله، هذا ما يتعلق بالتعريف وبأقسامها وهو أول مقصود للمنطقي هو الانتقال من
المعلومات للمجهولات بأن تنتقل من المعلومات التي هي الكليات إلى المجهولات
التصورية، قد بينا طريقة وكيفية ذلك، وعلمنا أن المنطق تعصم مراعته الذهن عن الخطأ
في الفكر فهو يعلمك ويعرفك الترتيب الصحيح للمعلومات وكيف تكتنس هذه المعلومات
التي تكون مناسبة للمجهول
كما بينا، فإنهم بينوا لك الكليات الخمس، وعرفوا لك الكليات الخمس، ويبينون لك كيف
تعرف الكليات الخمس في حقائق الأشياء، هذا كله في بيان المعلومات المناسبة للمجهول.
كيف تكون مناسبة؟ بأن
بين لك في هذا الباب أن تأخذ الجنس القريب إذن البعيد ليس معلوما مناسبا حينئذ، وتأخذ الفصل
إذن غير الفصل ليس معلوما مناسبا لتؤلف حدا، أو تأخذ الفصل وحده لتؤلف حدا ناقصا،
أو تأخذ الخاصة مع جنس قريب مثلا لتؤلف الرسم، غير ذلك من العرض العام ومن النوع
ليس من المعلومات المناسبة للمجهول، فعرفت بدراسة الكليات وعرفت بدراسة القول الشارح
الذي ذكرناه اليوم المعلوم المناسب وغير المناسب، فيناسب المجهول الجنس القريب في
الحد التام وفي الرسم التام، والفصل في الحد، والخاصة في الرسم، ويناسب الجنسُ
البعيدُ المجهولَ في الحد الناقص وفي الرسم الناقص، والخاصة تناسب في الرسم، فالجنس قريبا وبعيدا مناسب للمجهول،
والفصل يناسب المجهول، والخاصة تناسب المجهول.
والعرض العام لا مناسبة
بينه وبين المجهول فلا يعرف به، والنوع لا مناسبة بينه وبين المجهول، لا مناسبة
مطلوبة، إنما بينه وبين المجهول مناسبة بلا شك، لكنها ليست مطلوبة في الانتقال إلى
المجهول، هذا الذي ذكرته لك أول الكتاب، أن المنطق يعلمك المعلومات، يعرفك ما
المعلوم المناسب للمجهول وكيف ترتبه، وكيف تجعله طريقا للوصول للأمر المجهول، عرفت
المعلومات المناسبة في الكليات، وعرفت كيفية الوصول للأمر المجهول فيما ذكرناه آنفا
من تقسيم التعريف لحد ورسم.
وظهر بذلك أن التعريف
اللفظي لا يتمشّى مع طريقة المناطقة، لأن المناطقة يتكلمون في الانتقال من معلومات
إلى مجهولات، أما الانتقال من لفظ للفظ هذه طريقة اللغويين ليست طريقة المناطقة
لكن المصنف أراد زيادة لأنه يعلم أن متنه للمبتدئ فيريد أن يفيدك شيئا، فعرفت بذلك
كيفية أو ما ذكرناه من أن المنطق تعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكر، تكلمنا عن
الفكر التصوري، فحينئذ لا يخطئ فكرك في الوصول لمجهول تصوري.
ذكرنا أيضا هناك أنهم
يعرفونك بعض الأخطاء التي تطرأ على هذا الفكر، أكثر أو كثير من كتب المنطق تكتفي بهذا الحد أن تعرفك المعلومات
المناسبة، وأن تعرفك كيفية الوصول بها، معلومات مناسبة بالكليات هي مبادئ القول
الشارح، أن تعرفك كيفية الوصول بباب القول الشارح، ولا يذكرون العيوب أو كذا، لأنك
تعرفها، إذا عرفت الأمر الصحيح عرفت أن ما عداه خطأ، لكن المصنف رحمه الله هنا ذكر
شروطا لما ذكره سابقا لما هو مضمن في الكلام السابق تعلم بفقدان هذه الشروط بطلان
القول الشارح وتعلم فساد الفكر فهذا حسن من المصنف رحمه الله، وتبع في ذلك الشيخ
ابن الحاجب في مختصره الأصولي، قال:
|
45- وَشَـرطُ كُـلٍّ أَن يُرَى مُطَّرِدَا |
|
مُنعَكِـسًا وَظَـاهِـرًا لاَ أَبعَـدَا |
(وشرط كل) أي شرط كل تعريف من هذه التعاريف ليكون صحيحا، ليكون
فكرا صحيحا، بحيث إذا فُقد شرط من هذه الشروط لم يكن صحيحا، (وشرط كل) ظاهر الكلام
أن الشروط الآتية شروط للحد وللرسم وللتعريف اللفظي، لكن إذا نظرت إلى التعريف
اللفظي رأيت أن الشروط الآتية لا يمكن أن تتخلف عنه أصلا، فهو لا يتحقق لأنه لفظ
وضع لنفس المعنى الذي سئل عنه، فلا يمكن أن نتصور شرطا من الشروط الآتية تتخلف فيه،
فلعل مقصوده شرط كل من التعاريف التي هي حد ورسم، والله أعلم بذلك، لكن الظاهر في
كلامه أنه يشمل اللفظي أيضا مع أن اللفظي لا داعي للتنصيص على هذه الشروط في حقه فهي
لا تتخلف فيه أيضا.
قال (وشرط كل أن يرى
مطردا ** منعكسا) لما كان تابعا للشيخ ابن الحاجب رحمه الله في هذا الكلام أخذه من
مقدمة المختصر الأصولي، انسحب إليه مصطلح أصولي، فإن الاطراد والانعكاس يذكر في
باب العلة في أصول الفقه، وليس من اصطلاح المناطقة، هو من اصطلاح أهل الأصول،
وكذلك المنع والجمع ليس من اصطلاح الأصوليين، فالأصولي إذا عبر بالمنع والجمع فهو
تابع للمنطقي، والمنطقي إذا عبر بالاطراد والانعكاس فهو تابع للأصولي، فالطرْد هو
المنع والعكس هو الجمع، هذا هو الاصطلاح المنطقي، أما المناسبة بينهما بين أن
الطرد يكون هو المنع أو أن العكس يكون هو الجمع فليس محله هذا الكتاب، قد بينته
وتكلمت عليه في شرح الشيخ الملوي على هذا المتن، ولعلي تكلمت عليه في شرح الشيخ
الدمنهوري على هذا المتن أيضا.
(وشرط كل أن يرى مضطردا منعكسا) أي أن يرى مانعا
جامعا، بيان ذلك أننا قلنا لا بد في التعريف أن يكون مميزا للماهية عما عداه،
بمعنى أن يكون شاملا لأفراد الماهية وألا يشمل أفراد غير الماهية، هذا هو الذي
يفهم من قولنا إنه يجب أن يكون مميزا للماهية عن غيره، أن يشمل أفراد الماهية وألا
تدخل في هذه الأفراد أفراد غير الماهية، فإذا قلت أن يشمل أفراد الماهية هذا يسمى
في اصطلاح المنطقيين بالجمع، لأنه شمل وجمع أفراد الماهية.
فإذا لم يشملها بأن كان
أخص، لأننا قد عرفنا في النسب الأربع أن الأخص هو ما يصدق على الأفراد الأقل
كالإنسان بالنسبة للحيوان، فالإنسان أخص من الحيوان لأنه يصدق على الأفراد الأقل
من أفراد الحيوان، فإذا كان لم يجمع التعريف أفراد الماهية فهو أخص منها، وليس
بجامع، فنعرف بذلك أن التعريف لو لم يكن جامعا كان أخص، بمعنى أنه ينقص منه أفراد
من أفراد الماهية، ولا يدخل فيه فرد ليس من الماهية بل هم من ماهية أخرى، لا يدخل
فيه فرد، فإن دخل في التعريف فرد ليس من أفراد الماهية كان التعريف أعم من
الماهية، وبينا الكلام على العموم والخصوص، كان أعم من الماهية، بأن صدق على
أفرادها وزاد عليها بأفراد فيكون أعم، فلم يكن مانعا من دخول غير أفراد الماهية
فيها، فليكون مانعا لا بد ألّا يكون أعم، وإذا لم يكن مانعا كان أعم.
فقولهم هذا التعريف
مانع جامع، أي هذا التعريف ليس أخص من الماهية وليس أعم منها، وإذا لم يكن التعريف
أخص من الماهية ولم يكن أعم منها، بقيت نسبتان من النسب الأربعة: تباين، تساو،
عموم وخصوص وجهي، عموم وخصوص مطلق، فإذا فات العموم والخصوص الوجهي والمطلق، بقيت
نسبتان، لا يمكن أن يكون مباينا لأنه تعريف للشيء، والشيء لا يعرف بالمباين، فبقيت
نسبة واحدة هو أنه يجب أن يكون مساويا فقط، فبالمساواة يتحقق المنع والجمع، فحاصل
قوله (وشرط كل أن يرى مطردا ** منعكسا) أي شرط كل أن يرى مانعا جامعا، هو وشرط كل
تعريف أن يرى مساويا للمعرَّف، فتعبر عن المنع والجمع بالإطراد والانعكاس، وتعبر
عنهما أيضا بالمساواة، فتقول لجمع هذين القيدين أو الشرطين في كلام واحد، تقول
يشترط في التعريف أن يكون مساويا للمعرف بأن يكون صادقا على نفس الأفراد التي صدق
عليها المعرف ولا ينقص عنها فيكون أخص وغير جامع، وألا يزيد عنها فيكون أعم وغير
مانع.
هذا معنى قوله (وشرط كل
أن يرى مطردا ** منعكسا) فهذان شرطان يندرجان في شرط واحد هو التساوي، قال (وظاهرا) نمثل لما سبق، إن عرفت الإنسان بأنه
كاتب، إن عرفته بأنه حيوان ناطق عرفنا أن هذا تعريف له مساو له، لأنه ما من أحد
يصدق عليه أنه إنسان إلا ويصدق عليه أنه حيوان ناطق، وليس عندنا شيء يصدق عليه
حيوان ناطق ليس من الإنسان، فهو جامع مانع، وهو مساوٍ للإنسان لأنه يصدق على نفس
الأفراد التي صدق عليها الإنسان.
لكن إذا عرفت الإنسان
بأنه كاتب بالفعل، فكاتب يصدق على أفراد أقل من أفراد الإنسان، لأن هناك من
الإنسان ما ليس بكاتب بالفعل، نحن الآن جميعا أو أكثرنا ليس بكاتب مع أننا ندخل في
الإنسان، فحينئذ يخرج عن التعريف أفراد هي من المعرَّف، فهو أخص من المعرَّف، كاتب
أخص من الإنسان، فلا يصح التعريف به لكونه غير جامع وغير منعكس.
وإذا عرفت الإنسان بأنه
ماشٍ، والماشي يشمل جميع أفراد الإنسان، ويشمل الأسد والفرس أيضا، فهو تعريف أعم من الإنسان، فيكون تعريفا غير
مانع وغير مطرد، قال (وظاهرا لا أبعدا) (ولا مساويا) هذا كله شرط واحد أي ويشترط
أن يكون التعريف أظهر من المعرف غير خفي بألا يكون فيه خفاء في الألفاظ أو في
المعاني على السامع، فلا يكون أخفى، هذا قوله (لا أبعدا)، فـ(لا أبعدا) (ولا مساويا) تفسير
لظاهر، أن يكون ظاهرا غير خفي بأن يفهمه السامع، لأن الغرض من التعريف هو أن يفهم
السامع حقيقة ما سأل عنه، فإذا عرفت له بأمر خفي غير ظاهر لم يحصل المقصود.
لذلك قال (وظاهرا)
وفسره بقوله (لا أبعدا) أي لا يكون أخفى من المعرف، ولا مساويا له في الخفاء، فإذا
عرفت النار مثلا بأنها جسم كالنفس مثلا كما يذكرون، فإن النفس أخفى من النار،
النار نراها والنفس لا نراها، النار نحس بها والنفس ليس كذلك، إنما نرى آثارها،
فقد عرفت النار بما هو أخفى حينئذ من المعرف، وإذا عرفت الفرد بأنه ما ليس بزوج
مثلا، فإنه حينئذن يكون تعريفا بالمساوي في الخفاء، لكونهما نوعين تحت العدد
ويتساوى خفاؤها على السامع، إذا عرَف الزوج كان يعلمه بتعريف آخر أو بأي أمر فإنه
لا يكون تعريفا بالمساوي في الخفاء، كأن يعرف أن الزوج هو المنقسم بمتساويين فيقول
لك ما الفرد؟ تقول له ما ليس بزوج، إذن هذا تعريف صحيح ليس فيه خفاء.
من لم يعرِف الاسم والحرف
والفعل، ويسألك ما الحرف؟ فتقول له ما ليس باسم ولا بفعل، تعريف بالمساوي في
الخفاء، إنما إذا عرَف الاسم وعرف الفعل، وقلت له الحرف ما ليس باسم ولا بفعل لم
يكن تعريفا بالمساوي في الخفاء، بل يكون تعريفا بالظاهر والواضح، لذلك في الآجرومية
ذكر تعريف الاسم أو تكلم عن الاسم وتكلم عن فعل ثم قال والحرف ما ليس كذلك هذا
يفيد تعريفا للحرف حينئذ، ولا يكون تعريف بالمساوي في الخفاء، لماذا؟ لأنه سبق
تعريفه أو بيانه للاسم والفعل.
هذا معنى قول المصنف (وظاهرا لا أبعدا) (ولا
مساويا) فعلم بذلك أن المساواة هنا ليست المساواة التي اشترطناها في الشرط الأول،
فإن حاصل هذا البيت مع هذه الزيادة من البيت الثاني، هو وشرط كل تعريف أن يرى
مساويا وألا يكون مساويا، لا يلتبس عليك الأمر، المساواة الأولى هي التي ذكرناها في النسب، هي
المساواة في الأفراد، والشرط بعدم المساواة هنا في قوله (ولا مساويا) أي المساواة
في الخفاء والظهور، فتنبه.
|
46- وَلاَ مُسَـاوِيًـا وَلاَ تَجَـوٌّزَا |
|
بِـلاَ قَــرِينَةٍ بِـهَا تُحُــرِّزَا |
(ولا تجوزا) التجوز مصدر بفتح التاء والجيم وضم
الواو المشددة، ولا تجوز، التعريف لا يكون تجوزا، لا يكون نفس التجوز، وإنما يكون
لفظا مجازيا، الخطأ الواقع فيه أن يكون بلفظ مجازي بغير قرينة، فحينئذ يكون قوله (ولا
تجوزا) كما نص المصنف في شرحه أي ولا بلفظ تَجوُّز على حذف مضاف، ولا يكون التعريف
بلفظ تجوز بالإضافة، (ولا تجوزا) أي ولا يكون بلفظ تجوز مع عدم ذكر القرينة، لأن
عدم ذكر القرينة لا يوضح المراد حينئذن، فيكون تعريفا غير مفيد، فلذلك اشترطوا أنه
إذا ذكر لفظ مجازي في التعريف أن تأتي القرينة لئلا يخفى المراد.
المجاز لا يمكن أن
يتحقق بغير القرينة، لأن القرينة من ذاتياته، لذلك يذكرون المجاز يعرفون المجاز
ويدرجون القرينة المانعة في حقيقته، فيقولون هو لفظ مستعمل في غير ما وضع له مع
قرينة، فهذه من حقيقته أن تكون معه القرينة، فلو لم تكن معه القرينة لما كان
مجازا، فقول المصنف "ولا بلفظ تجوز"، لا يمكن أن يسمى اللفظ مجازيا إلا
إذا ذكرت القرينة، فكأن المصنف يقول ولا بلفظ معه قرينة إلا أن تذكر القرينة،
فالكلام غير مفيد كما نرى، فذلك يرد اعتراضا عليه بأنك كيف تقول ولا بلفظ مجازي
والمجازا لا تحقق له أصلا إلا بالقرينة، لو لم تذكر القرينة ولو لم تبين ولم تعين
القرينة لم يكن مجازا أصلا، ففي قولك ولا يكون التعريف بلفظ مجازي أي بلفظ مستعمل
في غير ما وضع له مع قرينة لم تذكر القرينة، فيفيد كلامه أن القرينة مذكورة وغير
مذكورة فكأنه تناقض.
نقول لا، بينت في شرح
رسالة البيان للشيخ الدردير رحمه الله، وفي شرح الرسالة السمرقندية في علم البيان
أيضا، أن القرينة قسمان، القرينة المانعة من إرادة المعني الحقيقي، هذه هي المدرجة
الموجودة في تعريف المجاز التي لا يتحقق المجاز بدونها، وهي القرينة التي تفيد
السامع أن المتكلم لم يقصد معناه الحقيقي، فمنعت من إرادة المعنى الحقيقي، هذه لو
لم تذكر ولو لم تأت هذه القرينة من المتكلم لم يكن ما صنعه مجازا، وهناك قرينة معيِّنة
للمراد، فائدتها أن تبين المراد بعينه هذه تسمى بالقرينة المعينة.
بيان ذلك بالمثال أنك
لو قلت رأيت بحرا يلاطف الناس مثلا، فإنك إذا قلت رأيت بحرا، البحر الحقيقي معروف،
لكن لما قلت يلاطف الناس، علم أنه ليس البحر الحقيقي، لأن البحر الحقيقي لا يصنع
ذلك، ذلك من شأن الإنسان، فعلم أنه إنسان، ولكن المراد بعينه لم نعلمه، لأن البحر
الذي يلاطف الناس، البحر هذا واسع وكبير، فيمكن أن يعبر به عن الإنسان واسع العلم
وعن الإنسان واسع العطاء تعبيرا مجازيا، فهل قصد الكريم، أم قصد العالم متسع
المعارف؟ يمكن هذا ويمكن ذاك، فلم نعرف المراد بعينه، فنقول في قوله رأيت بحرا
يلاطف الناس، "يلاطف الناس" قرينة مانعة من إرادة معنى البحر الحقيقي،
ولكنها ليست معينة، لأننا لم نعلم
المعنى الذى أراده.
فإذا قال رأيت بحرا
يلاطف الناس يحمل من العلوم والمعارف الكثيرة، فيحمل من العلوم والمعارف يدل على
أن البحر أراد به العالم، فمعنى الكلام أو المراد من الكلام رأيت عالما يلاطف
الناس متسع المعارف، ولو قال رأيت بحرا يلاطف الناس وهو يعطيهم مثلا لعلم أنه قصد
الكريم، قصد بالبحر الكريم، فيكون قوله "وهو يعطيهم" قرينة معينة للمراد،
كل قرينة معينة فهي مانعة ولا شك في ذلك، فإذا قال من أول الأمر رأيت بحرا يعطي
الناس لعلمنا أنه قصد الكريم فهي معينة والمعينة مانعة، لكنه تنفرد المانعة عن
المعينة، فالمصنف رحمه الله يقول لا يجوز أن يذكر في التعريف لفظ مجازي -معه قرينة
مانعة قطعا لأن المجاز لا يتحقق بدونها- لا يذكر في التعريف لفظ مجازي ومعه قرينة
مانعة إلا أن تذكر القرينة المعينة للمراد، لأنه لو ذكر اللفظ المجازي ومعه القرينة
المانعة من إرادة المعنى الحقيقي، ولم تذكر القرينة المعينة للمعنى المراد للمعرف
لم يعلم التعريف فلم يحصل المقصود، هذا معنى قوله (ولا تجوزا ** بلا قرينة بها تحرا).
مثلا، كأن يسأل شخص
ويقال له ما البليد؟ فيقول إنه حمار، السائل لا يعرف البليد هذا من قبيل الإنسان أو
غير الإنسان، لا يعرف عنه شيء فيسأل، فيجيبه بأنه حمار، هذا خطأ، لأن البليد ليس
حمارا ناهقا، ولا يمكن أن نجعله مجازا، لأنه لم يأت بالقرينه المانعة من
إرادة الحيوان الناهق، إنما إذا قال له هو حمار لا يركَب، معلوم أن كل حمار
يركب، قال هو حمار لا يركب مثلا، فعلم أنه لا يريد الحمار الحقيقي، لا يريد
الحيوان الناهق، وإنما يريد شيئا آخر، فهذه قرينة مانعة، لأن كل حمار يركب، فإذا
قال هو حمار لا يركب فليس قاصدا للحمار الحقيقي، إنما ماذا يقصد؟ حينئذ نقول
التعريف فيه خفاء، فلا يصح حينئذ لفقدان الشرط الذي ذكره المصنف، فلا بد من أن
يأتي بقرينة تعين، فيقول هو حمار لا يركب ويكتب مثلا، فـ"يكتب" يفيد أنه
إنسان بليد، يفيد أنه إنسان عبر عنه بالحمار لكونه بليدا.
هذا معنى قوله (ولا
تجاوزا ** بلا قرينة بها تحرزا) هذا الذي ذكره كثير من الشراح في شرح هذه العبارة،
وبينوا أن القرينة المقصودة بها المعينة تبعا في ذلك للعلامة السعد رحمه الله فقد
نص على ذلك ولا غبار على كلامه، لكن الغبار في كلام المصنف، فإنه قال (بها تحرزا)
فوصف القرينة بأن بها يُتحرّز، ومعلوم أن التحرز في الظاهر يكون بالمانعة
وليس بالمعينة، لكن الشيخ الباجوري رحمه الله ارتكب أمرا لطيفا هنا، وقال بها تحرز
عن فهم غير المعنى المعين، فغيّر ظاهر هذه العبارة من كونها للمانعة إلى كونها
للمعينة والأمر في ذلك سهل وهين وقد فهمته قال:
|
47- وَلاَ بِمَـا يُدرَى بِمَحدُودٍ وَلاَ |
|
مُشـتَرَكٍ مِـنَ القَــرِينَةِ خَـلاَ |
(ولا بما يدرى بمحدود) أي ويجب في التعريف
ألا يكون تعريفا بشيء -فـ"ما" واقعة على شيء أو على لفظ- ولا بلفظ يدرى
ويعلم هذا اللفظ بسبب -فالباء للسببية- قال (يدرى) ويعلم هذا اللفظ بسبب المحدود،
أي بسبب معرفة المحدود، يقصد بالمحدود هنا مطلق المعرَّف ليشمل الحد والرسم،
وبعضهم يجعله بمعنى الرسم، يجعل المراد من محدود الرسم، وليس مقصود المتكلم الاقتصار
على المحدود الذي هو المعرف بالحد فقط، فإن المعرف بالحد يسمى محدود، والمعرف
بالرسم يسمى مرسوم، هنا قصد بقوله (ولا بما يدرى بمحدود) قصد المحدود والمرسوم، أو
قصد المرسوم فقط، فعلى كل فيه مجاز في قوله محدود مجاز، أراد مطلق المعرف أو أراد
الصنف الآخر من المعرف، لماذا؟ لأن هذا الشرط يتحقق في المرسوم أيضا.
قال (ولا بما يدرى
بمحدود) أي ولا يجوز التعريف بلفظ يدرى ويعلم هذا اللفظ بسبب معرفة المعرَّف
فتتوقف معرفته -معرفة جزء من التعريف- على معرفة المعرَّف،
والمعرَّف يتوقف على تعريفه، لأننا لماذا نعرفه؟ لينكشف المعرف حينئذ، لن ينكشف
إلا إذا فهمنا تعريفه، وفهم تعريفه يتوقف على معرفة المعرَّف فتوقف كل منهما على
الآخر، فذلك يؤدي إلى عدم معرفة شيء منهما، فلا يتحقق حينئذ صحة التعريف، هذا
يسمونه بالدور، وهو توقف كل من الأمرين على الآخر، توقف الشيء على ما يتوقف عليه،
توقف الشيء كالمعرِّف بكسر الراء هنا، توقف الشيء على ما أي على معرَّف يتوقف عليه
أي يتوقف المعرَّف عليه أي على المعرِّف، نعم، المعرَّف يتوقف على المعرِّف لينكشف،
فإذا توقف المعرِّف أيضا على المعرَّف لزم الدور.
بيانه بالمثال تعرِّف
الشمس بأنها كوكب نهاري مضيئ، أو كوكب يضيئ نهارا، ثم يقال لك نَعرف الكوكب، ونعرف
الإضاءة، ولا نعرف النهار، شخص لا يعرف النهار ويريد أن يعرف أن يفهم هذا التعريف
ليعرف تعريف الشمس، أو ليعرف الشمس، فتقول له النهار هو الوقت الذي تطلع فيه الشمس،
فيقول لك وما الشمس؟ فتقول له كوكب نهاري مضيئ، وما النهار؟ تقول له وقت طلوع
الشمس، فحينئذ يتوقف معرفة المعرَّف الذي هو الشمس الذي سأل عنه هذا السائل على
تعريفه، لا غبار على ذلك، لأن المعرف يتوقف على معرفه لينكشف وليتضح، ثم لما عرفت له النهار -وهو جزء التعريف-
بتعريف احتجنا فيه الشمس، احتجنا فيه المعرَّف توقف التعريف -تعريف الشمس- على
معرفة الشمس، فحينئذ لن تنكشف حقيقة الشمس.
إلا أن تعرف له النهار
بتعريف آخر، كأن تريه إضاءة السماء وتقوله الوقت الذي نحن فيه، مثلا، خلاص عرف النهار بجزئي من جزئياته، فتقول
له كوكب نهاري مضيئ أي كوكب في هذا الوقت الذي نحن فيه يضيئ، فيتصور حقيقة الشمس،
إنما أن تعرف له النهار بأنه وقت طلوع الشمس يكون تعريفا دوريا، يكون قد عرفت الشيء
أو عرفت أو ذكرت في التعريف ما أي لفظ وهو النهار يُدرى أي يعرف بواسطة أو بسبب
المحدود الذي هو الشمس، فلذلك قال (ولا بما يدرى بمحدود) ولا يجوز ذكر لفظ في
التعريف تتوقف معرفته على المعرَّف.
(ولا ** مشترك من
القرينة خلا) المشترك بيناه في الكلام على النسب، نسبة الألفاظ للمعاني في الفصل
قبل السابق، وعرفنا أنه لفظ وضع لمعان متعددة وضعا حقيقيا، قال (ولا ** مشترك) أي
ولا بمشترك، فمشترك معطوف على "ما" السابقة، ولا بما يدرى ولا بمشترك،
لذلك جُرت، ولا مشتَركٍ أي ولا بمشترك (من القرينة خلا) أي لم تأت معه القرينة،
المشترك يدل على معانيه بغير قرينة بخلاف المجاز، فإنه لا يدل على معناه المجازي
بغير قرينة، أما المشترك فيدل على معانيه لأنها حقائق بغير قرينة، لكن لا يتعين
المراد منه إلا بقرينة، لأنه يدل على معنيين فأكثر، فإذا أطلق اللفظ المشترك فأي
معنى مراد؟ فلا بد من قرينة معينة.
فالمشترك لا يحتاج
لمانعة، إنما يحتاج لمعيِّنة، لأنه يحصل الالتباس، تعرِّف بلفظ مشترك، يسألك ما
الشمس؟ فتقول له عين، فالعين تطلق على الباصرة وتطلق على الجارية وتطلق على الشمس وتطلق
على الذهب، فإذا قلت له عين وسكتت يمكن أن يفهم منها الباصرة مثلا، فيفهم أن الباصرة
تسمى بالشمس، يمكن أن يفهم منها الذهب مثلا، العين موضوعة لكل معنى من هذه
المعاني، فيمكن أن يفهم أن الذهب اسمه شمس، فيذهب عند الرجل الذي يبيع الذهب ويقول
له أعطني عشر جرامات من الشمس، أو يذهب إلى ما عنده من الذهب الكثير يقول ماشاء
الله عندك شموس كثيرة، الرجل يقول إنه مجنون، تريد عشر جرامات من الشمس؟ اسعد بالسلم إلى
هذه الشمس وأت بما تشاء، وستحرق قبل أن تأتي بشيء منها.
فهذا شأن اللفظ
المشترك، فإنه يوقع في الوهم، فلا بد من أن يقول مثلا إنها عين في وسط السماء، إذا
قال في وسط السماء لم تكن الباصرة، لم تكن الجارية، الباصرة في الرأس، الجراية في
وسط الأرض أو في الأرض، والذهب عند من يبيع الذهب، فتخرج كل هذه المعاني وتبقى الشمس.
هذا معنى قول المصنف
رحمه الله (ولا مشترك من القرينة خلا) لأنه إذا خلا من القرينة التبست المعاني على
السامع فربما فهم معنى غير مقصود فلم يصح التعريف، ثم قال:
|
48- وَعِنـدَهُم مِن جُمـلَةِ المَردُودِ |
|
أَن تَدخُـلَ الأَحكـَامُ فِـي الحُدُودِ |
(وعندهم) أي وعند المناطقة، ويتبعهم على ذلك
غيرهم من أهل الفنون والعلوم لأنهم تابعون للمناطقة في علمهم وفي مسائلهم، (وعندهم
من جملة المردود) أي من جملة التعريف المردودة أي الفاسدة غير المقبولة (أن تَدُخل
الأحكام) أن تَدخُل أو أن تُدخَل أو أن تُدخِل، أن تُدخَل
-بالبناء للمجهول- الأحكامُ -برفعها نائب فاعل-، أن تدخُل -بالبناء للمعلوم-
الأحكام -برفعها على أنها فاعل-، أن تُدخِل -أنت- الأحكامَ، إذن تدخل بتاء الخطاب
والأحكام بالنصب لأنها مفعول به، أن تدخل الأحكام في الحدود.
هذا البيت مما لا فائدة فيه وليت المصنف حذفه ولم يأت به في
هذا النظم، فهو بيت في الحقيقة عار عن الفائدة، وسببه خَلْطا وخطأ في الفهم وقع من
المصنف ووقع من كثيرين أيضا، وذلك أنه مشهور قولهم "الحكم على الشيء فرع عن
تصوره"، هذا مشهور والمعلوم، من المعلوم من الكلام على التصور والتصديق الذي
ذكرناه أول الكتاب، فلا يمكن أن يحكم على شيء إلا بعد تصور المحكوم عليه والمحكوم
به والنسبة، فالحكم على الشيء -أن يكون الشيء محكوما عليه- فرع عن تصوره أي فرع عن
تصور المحكوم عليه، وأيضا فرع عن تصور المحكوم به، وأيضا فرع عن تصور النسبة، فلا
يحكم على شيء مجهول، هذا هو معنى ما يقولونه في
قولهم، الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
فالحكم هنا بمعنى
الإدراك، بمعنى التصديق الذي ذكرناه أول الكتاب، وهو الأمر الرابع هو الإدراك
الرابع، هو أن تدرك وقوع النسبة أو عدم وقوعها، لا يمكن أن تدرك وقوع نسبة أو عدم
وقوعها بغير أن تكون قد تصورت محكوما عليه، فإذا طلب منك حكم على أمر لم تعرفه
تقول ما يقولونه "الحكم على الشيء فرع عن تصوره".
أما المصنف رحمه الله
فإنه قد فهم هذا الكلام فهما غير صائب، كما سنبين وذكره في شرحه، فإنه فهم من
الحكم أنه المحكوم به ولا شك أن الحكم يطلق على المحكوم به مجازا، ومستعملٌ ذلك في
كلامهم بكثرة أنهم يطلقون الحكم على المحكوم به، فالمصنف فهما من قولهم الحكم على
الشيء أي المحكوم به على الشيء، ففهم من الحكم ليس الإدراك، إدراك الوقوع أو عدم
الوقوع، بل فهم المحكوم به، على الشيء أي المحكوم عليه، فرع، أي المحكوم به فرع عن
تصور المحكوم عليه، ففهم المصنف أن المحكوم به على شيء لا يمكن أن يتصور ولا أن
يعلم إلا بتصور المحكوم عليه، هذا الذي فهمه، لما فهم ذلك توقف عنده تصور الأحكام
بمعنى المحكوم بها، توقف عنده تصور المحكوم به على المحكوم عليه.
فلو أننا أتينا بمحكوم
به وجعلناه في تعريف محكوم
عليه لم يصح، فهذا هو معنى كلامه، من المردود ومن الممنوع أن تدخل الأحكام أي أن
تدخل المحكومات بها، لأن الحكم بالمعنى الحقيقي المعروف الذي هو الإدراك للوقوع أو
عدم الوقوع لا يتصور دخوله في التعريف أصلا، فمقصوده بالأحكام هنا المحكومات بها، عندهم من جملة المردود
أن تدخل أي أن تدرج المحكومات بها في تعريف المحكوم عليه، في الحدود أي في حدود
وتعريف المحكوم عليه.
هذا الذي فهمه المصنف،
مثاله على فهمه أنك لو قلت لشخص، كل فاعل مرفوع، وهو يجهل الفاعل، فسألك وما
الفاعل؟ إذن هنا الفاعل محكوم عليه في قولك كل فاعل مرفوع، ومرفوع محكوم به ولا شك
أن من صفات الفاعل الرفع، وجاء هنا حكما عليه، ليس كل صفة لشيء تسمى حكما، إنما
يسمى حكما أو محكوما به إن وقع محكوما به بالفعل كما هنا، كل فاعل مرفوع، الرفع
خاصة أو الرفع عرض من أعراض الفعل بلا شك عرض عام من أعراض الفاعل، كما أن الضاحك
من أعراض الإنسان عرض خاص، كما أن الماشي من أعراض الإنسان عرضا عاما هكذا، لكن لا
يقال على الماشي إنه حكم على الإنسان إلا إذا قيل كل إنسان ماشٍ، ولا يقال أن
الخاصة أن الضاحك حكم على الإنسان إلا إذا قيل كل إنسان ضاحك، أو بعض الإنسان ضاحك
فتنبه.
فلا بد أن تصيغ الصفة
في قضية هي تكون محكوما بها ليتحقق كلام المصنف، كل فاعل المرفوع والفاعل مجهول
عنده فيسألك ما الفاعل؟ فتعرفه بتعريف الآجرومي فتقول له الفاعل هو الاسم المرفوع
الذي يذكر قبله فعله،
حينئذن يتحقق ما قاله المصنف من أن الحكم قد أخذ في تعريف المحكوم عليه، لأن
المرفوع الذي أخذته في التعريف هو الاسم المرفوع، المرفوع هذا كان محكوما به على
الفاعل، فالمصنف يقول هذا باطل وهذا فاسد وهذا التعريف لا يصح، وكلام المصنف غير
صحيح، الدليل على ذلك أن تعريف الآجرومي صح عند كل الطلاب وصح عند العلماء ولا
يعترض عليه، وما يرى في الحواشي وفي كثير منها وفي الشروح من أن هذا من التعريف
بالحكم وهو عندهم من جملة المردود، من قبيل الحفظ ليس من قبيل الفهم، فهذا يذكر
كثيرا، وعندهم من جملة المردود أن تدخل
الأحكام في الحدود فيعترض بذلك على ابن آجروم، هذا كله من قبيل الحفظ يا مولانا،
فتنبه هذا مما شاع بين الناس وعلى ألسنة المشايخ من قبيل المحفوظ، لا من قبيل
المفهوم.
لأن المرفوع هنا عرض
عام مفهوم ومعروف ولا يتوقف على تصور ولا معرفة الفاعل، معروف أن المرفوع هو اللفظ
الذي تُضم الشفتان في آخره، بسبب عامل لأنه يمكن أن يضم بسبب بناء كحيث، لكنه يضم
بسبب عامله، هذا معلوم أنه مرفوع، هل يتوقف هذا على معرفة الفاعل؟ لا يتوقف أبدا،
لذلك لما قال هو الاسم المرفوع تصورنا أن الاسم مقيد بالمرفوع الذي سبقه أو الذي يذكر قبله فعله، تصورنا
حقيقة الفعل، ولم نر ما ذكره المصنف رحمه الله.
إذن لماذا قال المصنف
ذلك؟ قال ذلك بسبب في قوله كل فاعل المرفوع، قال إن المرفوع لا يتصور هنا بسبب -المصنف
لم يتكلم على خصوص هذا المثال، إنما نحن نطبق مثالا ولم يذكر مثالا أصلا في شرحه على هذا المتن، إنما نطبق
كلامه على هذا المثال كما صنع الشراح، وينطبق على ما عداه أو على أمثلة كثيره تندرج
في كلام المصنف مما يشابه ذلك- فالمصنف يقول المرفوع هنا حكم على الفاعل وقد ذكروا
أن الحكم على الشيء فرع تصور أي المحكوم به على الشيء لا يتصور إلا إذا تصور
المحكوم عليه، فتوهم المصنف أن المرفوع هنا لا يتصور إلا أن يتصور الفاعل، لأن الفاعل
محكوم عليه والمرفوع محكوم به، فلما لم يتصور المرفوع إلا بتصور الفاعل، فلما أخذت
المرفوع في تعريف الفاعل توقف تصور الفاعل على تصور المرفوع فكان دورا كحال تعريف الشمس،
لكن ذلك ليس بصحيح كما ذكرت أول الكلام، فليت المصنف ما ذكر ذلك ألبتة، كلام
العقلاء وكلام الحكماء والمناطقة على خلاف ذلك تماما، وذلك ظاهر وواضح بل بديهي،
لأنهم يذكرون كما ذكرنا في أول الفصل أن الشيء يعرف بخواصه ولا شك أن كل الخواص
يجوز أن تحكم بها على الشيء، فتكون محكوما بها عليه، ولم يذكر أحد منهم امتناع
التعريف بالخاصة إذا حكم بها على شيء أبدا.
فيجوز لك أن تقول كل
إنسان ضاحك، فإذا قيل لك وما الإنسان أنا لا أعرف؟ فتقول له هو الحيوان الضاحك، ما
قال أحد هنا إن الضاحك هنا لا يصح التعريف به لكونه حكما على الإنسان ولا تدخل الأحكام
في الحدود، لكن المصنف رحمه الله رأى مثل هذه العبارة دارجة في كلامهم، ويعلم
القاعدة المشهورة أو الكلام المشهور عندهم في قولهم الحكم على الشيء فرع عن تصوره
فتوهم ذلك، هذا ما يتعلق بقوله (وعندهم من جملة المردود أن تدخل الأحكام في الحدود)
فعليك أن تحذف هذا البيت
من هذا المتن في ذهنك وكأنه لم يذكر أصلا لأن حاصله أن الخواص التي تذكر أحكاما للأشياء
لا يجوز أن تعرف الأشياء بها بسبب أن هذه الخواص تتوقف معرفتها على معرفة هذه
الأشياء، والأشياء توقفت معرفتها على معرفة هذه الخواص لأنها مذكورة في معرفاتها،
فحصل الدور، فنقول ذلك من أصله باطل.
ومن يطلع على كلام
المصنف هو ذكر كلاما قليلا في شرحه على هذا المتن، يعلم أن الكلام فيه خلل كبير،
فإنه ذكر هناك أن التصور أصل التصديق كما بينا قبل ذلك، فحينئذ لا يمكن -هذا كلامه-
فحينئذ لا يمكن التصديق إلا بالتصور، فلا يذكر حينئذ
الحكم الذي يكون في التصديق لا يذكر في تعريف التصور لأنه لن يحصل إلا به، هذا هو
الكلام، فأنت كطالب علم لن تستفيد شيئا من هذا البيت، لكنني شرحته وفاءا بحق المتن،
قال:
|
49- وَلاَ يَجُوزُ فِي الحُـدُودِ ذِكرُ أَو |
|
وَجَـائِزٌ فِي الرَّسـمِ فَادرِ مَا رَوَوا |
(ولا يجوز في الحدود ذكر أو) الحدود في البيت السابق في قوله (وعندهم
من جملة مردود ** أن تدخل الأحكام في الحدود) الكلام فيها كالكلام في البيت الذي
قبله، فإننا ذكرنا أنه بمعنى المرسوم فقط أو بمعنى المعرف مطلقا، قولان للشراح،
هذا له وجه وهذا له وجه، وقوله هنا ولا يجوز في الحدود، الحدود هنا المذكور بها
الحدود، وليست الرسوم، في قول المصنف (ولا بما يدرى بمحدود) محدود هنا يقصد به
المرسوم فقط، أو المرسوم والمحدود معا، فيقصد به المعرف مطلقا، وقوله (عندهم من
جملة المردود ** أن تدخل الأحكام في الحدود) الحدود هنا يقصد بها الرسوم فقط أو
يقصد بها الرسوم والحدود، القولان مذكوران للشراح في البيتين، أما (ولا يجوز في
الحدود) الحدود هنا بمعنى الحدود بالمعنى الحقيقي الذي نعرفه لأنه قابلها في نفس
البيت بالرسوم.
قال (ولا يجوز في
الحدود ذكر أو ** وجائز في الرسم) فعلمنا أن الحدود في الشطر الأول هي الحدود
بمعناها الحقيقي، وهي ما تكون مشتملة
على الجنس والفصل، أو على الفصل وحده (وجائز في الرسم) الرسم عرفناه، فتنبه
للفروق، (ولا يجوز في الحدود ذكره أو) "أو" تكون للتقسيم، تكون للشك،
تكون للتشكيك، تكون للتخيير فـ"أو" التي تكون للشك يكون المتكلم شاكا
بين أمرين لم يعلم الذي جاء هل زيد أم عمرو،
فيقول جاء زيد أو عمرو، هو يشك، هو يعلم أن أحدهما جاء ولكنه يشك، والتي للتشكيك
كما ذكرنا في شرح المكودي على الأجرومية في شرح حرف أو في باب العطف والتي للتشكيك
هي أن يكون عالما لكنه لا يريد أن يُعلِم السامع، يريد أن يبهم عليه، يريد أن
يوقعه في الشك، فهو يعلم أن الذي جاء هو زيد، فيقول، يسأله سائل، فيقول له هل جاء
زيد أم عمرو؟ فيقول له هذا الذي أراد التشكيك يقول جاء زيد أو عمرو، السائل يقول
من جاء؟ فيقول له زيد أو عمرو، هو يعلم أن الذي جاء زيد، لكنه يريد أن يوقع السامع
يوقع السائل في الشك، هذا يسمى عندهم تشكيك، هذا هو الفرق بين الشك والتشكيك.
"أو" للمعنين
للشك أو للتشكيك لا يجوز وقوعها لا في حد ولا في رسم، لأن الشاك لا يعرف شيئا،
ولأن التعريف فائدته والغرض المقصود منه إفادة السامع فلا يجوز أن تستعمل فيه "أو"
التي للتشكيك، إذن "أو" التي للشك والتشكيك ليست مقصودة في كلام المصنف،
(ولا يجوز في الحدود ذكر أو) وأو التي للتخيير سيأتي الكلام عليها، أما أو التي
للتقسيم فهي المرادة في كلام المصنف هنا.
فقوله (ولا يجوز في
الحدود ذكر أو) أي أو التي للتقسيم، التي تقع بين أقسام الشيء، هذه لا تجوز في
الحدود، وتجوز في الرسوم، لماذا؟ لأن الحد يكون بذاتيات الماهية، وذاتيات الماهية
لا تتعدد فلا فائدة من ذكر أو فلو جاءت "أو" لأفادت "أو" أن
الماهية إما أنها بهذه الذاتيات أو أنها بهذه الذاتيات، ولا شك أنها إذا كانت
بالذاتيات التي قبل أو لم يكن ما بعد
أو ذاتيات، وإذا كانت بالذاتيات التي بعد أو لم يكن ما قبل أو ذاتيات، لأن ذاتيات
الشيء لا تتعدد، الشيء له ذات واحدة، وله ذاتيات معينة.
لا يمكن أن يكون غيرها
قائما مقامها أبدا، فحينئذن لا فائدة من الإتيان بـ"أو"، لأنها حينئذ
تفيد تعدد فصل الشيء ولو تعدد فصل الشيء لو كان للشيء فصلان مثلا، فصلان قريبا
مثلا، مثلا له ناطق وضاحك، ناطق فصل وضاحك فصل، فلنفرض ذلك ثم أنت عرفته بقولك
الإنسان حيوان ناطق أو حيوان ضاحك، لتقول إن هذا حد وهذا حد، هذا حد له وهذا حد له،
أو تقول إنه حيوان ناطق أو ضاحك، حينئذن نقول لك إن اقتصرنا -إن كان الضاحك فصلا-،
إن اقتصرنا على حيوان ناطق وكان الضاحك فصلا، فقد نقص فصل من الماهية، فلم يكن حدا
تاما، وإن لم يكن الضاحك فصلا بأن كان خاصة كما هو خاصة، فأو هنا لم تذكر في حد،
فعلى كل أو لا يمكن دخولها في الحدود لأن الماهية لا يجوز أن يكون لها فصلان.
أما الرسم فيجوز أن
يكون له خاصتان، فيجوز أن يكون للشيء خاصتان، فتأتي أو فتقول لسائل سألك ما الإنسان؟
تقول له هو حيوان ضاحك أو كاتب بالقوة، فتأتي أو في هذا الرسم لأن الضاحك والكاتب
بالقوة من خواص الإنسان، فتأتي أو حينئذ في هذا الرسم، ويجوز لجواز تعدد خواص
الماهية، أما في الحد فلا يجوز لعدم جواز تعدد فصول الماهية، هذا ما يتعلق بـ"أو"
التي للتقسيم، وأما أو التي للتخيير فقيل أنها لا تقع لأن التخيير لا يكون إلا بعد
طلب وذلك غير حاصل في التعريف، وقيل إنه يجوز أيضا بأن يكون في قولك حيوان ضاحك أو
كاتب بالقوة أنك تخيره، تقول له خذ هذا التعريف أو هذا التعريف، فيجوز دخولها
حينئذ، هذا ما يتعلق بقوله (ولا يجوز في الحدود ذكر أو ** وجائز في الرسم فادر ما
رووا).
وبذلك نكون قد تكلمنا
على أقسام المعرفات، وعلى الشروط التي ذكرها المصنف رحمه الله، لذلك نكون قد
انتهينا من الكلام على ما يتعلق بمفيد التصور المجهول، وبأجزاء المفيد للتصور
المجهول، مفيد التصور المجهول هو القول الشارع تكلمنا على أقسامه على هيئته
الصحيحة وطريقة تركيبه، تكلمنا على شروطه التي لو لم تتحقق لكان فاسدا، وتكلمنا
على أجزائه التي يتوقف تركيبه عليها، وهي الكليات الخمس، الجنس، والفصل، والنوع،
والخاصة، والعرض العام، وبينا أن المراد منها ثلاثة الجنس، الفصل، الخاصة، وأن
النوع والعرض العام ذكرهما العلماء تتميما للأقسام ولا حاجة لهما فالنوع لا يفيد
تعريفا، والعرض العام لا يفيد تعريفا، وقيل العرض العام يفيد تعريفا، فالمتفق على
أنه لا يفيد في الأقوال الشارحة هو النوع، والعرض العام مختلف فيه، على كل الكليات
الخمس ليس* كلها مبادئ القول الشارح، إنما بعضها أو أكثرها.
والكليات الخمس احتاجت
لمعرفة الذاتي والعرضي، فعرفنا الذاتي والعرضي، وهما قسمان من الكلي، فعرفنا
الكلي، والكلي يقابله الجزئي ولا نحتاج للجزئي في شيء فهو متروك، فذكره المناطقة
بيانا لنقيض وضد الكلي لأن الشيء يعلم بضده، والسِيُّء بالسِيِّء يذكر كما يقولون،
فذكروه، ولما كان الكلي والجزئي كل منهما من أقسام المفرد ذكروا المفرد، ولما
احتجنا للمركب في القضايا وفي بعض المعرفات ذكروا المركب، والمفرد المركب من أقسام
اللفظ تكلموا على مباحث الألفاظ، ولما لم يكن اللفظ المفرد ولا المركب دالا على
معناه إلا بواسطة الدلالة اضطروا لذكر الدلالة في المنطق، ولما كان كل ذلك من علم
المنطق أو يتعلق بالوصول للمجهولات فيحصل فيها الخطأ فلا بد من عاصم تكلمنا على
علم المنطق الذي يصنع ذلك، وبينا تعريفه تفصيلا أول هذا الكتاب.
Komentar
Posting Komentar