شرح متن السلم المنورق (٩) - الشيخ حسام رمضان - باب في القضايا وأحكامها من التناقض والعكس المستوي

انتهينا من الكلام على القول الشارح، وبالانتهاء منه نكون قد انتهينا من الكلام على ما يفيد التصور المجهول وهو اللفظ المركب الذي يتركب من ذاتيات الشيء أو من بعض ذاتياته أو من عرضياته أو من بعض الذاتيات مع العرضيات، فينقسم هذا القول لحد ورسم كما بيناه وفصّلناه، وذكر المصنف رحمه الله شروطا لا بد من توفرها في القول الشارح ليصح، وقبله تكلم على أجزائه وهي الكليات الخمس، والكليات الخمس تحتاج لمعرفة الذاتي والعرضي، والذاتي والعرضي قسمان من الكلي، فتكلم على الكلي وعلى الجزئي، وهما تحت المفرد فتكلم على المفرد والمركب، وإن شاء الله سنتكلم عن المركب تفصيلا، وسبق ذلك مباحث الدلالة والكلام على تعريف علم المنطق.

وغرض المنطقي بالأصالة هو تركيب قياس وحجة على الدعوى أو القضية ليثبتها، فهذا هو الذي يبغيه ويقصده المنطقي أصالة، وإنما تكلم على التصور وما يفيده لأن التصديق لا بد له من تصورات، فلا يمكن أن يتحقق التصديق ولا أن تتحقق القضية بغير تحقق تصور وبغير تحقق المفرد، فلا بد حينئذ من الكلام على التصورات، فالكلام على التصورات ليس مقصودا بالذات، وإنما هو مقصود بالتبع، مقصود بالتبعية لقصد أصلي هو القياس.

وقد تركنا قبل ذلك بيتين وهما قول الناظم:

35- وَاللَّفـظُ إِمَّـا طَلَبٌ أَو خَبَرُ

 

وَأَوَّلٌ ثَـلَاثَــةٌ سَتُـذكَــرُ

36- أَمـرٌ مَعَ استِعلاَ وَعَكسُهُ دُعَا

 

وَفِي التَّسَـاوِي فَالتِمَـاسٌ وَقَـعَا

واللفظ إما طلب أو خبر إلى آخره، وذلك لمناسبة ذكرهما وشرحهما عند الكلام على القضية وتعريفها، قال (واللفظ) أي المركب، فالكلام الذي سبق في البيتين السابقين كان عن المفرد، أما قوله (واللفظ) أي المركب، ظاهره هنا الإطلاق، ظاهره أن المنقسم للطلب وللخبر هو اللفظ مفردا كان أو مركبا، لأنه قال (واللفظ) ولم يقيد بكونه مركبا، لكن التقسيم الآتي لا يجري إلا في المركب، لذلك نقول هنا صفة محذوفة (واللفظ) أي المركب (إما طلب أو خبر)، (وأول ثلاثة ستذكر) قسم اللفظ المركب لقسمين وترك قسما وهو الإنشاء، فالقسمة ثلاثية على ما ذهب إليه بعض الشارحين، فكان حق التقسيم أن يقول واللفظ إما طلب أو خبر أو إنشاء، فقد حذف معطوفا مع عاطفه، حذف المعطوف الذي هو إنشاء مع عاطفه هو الواو.

واللفظ إما طلب أو خبر أو إنشاء، ذلك أن اللفظ إما ألا يتوقف مدلوله ومعناه عليه أي على النطق به وعلى التلفظ به، بأن يكون مدلوله وواقعه حاصلا أو يحصل سواء نُطق بهذا اللفظ أو لم ينطق، فواقعه ومعناه لا يحتاج لهذا التلفظ، هذا يسمونه بالخبر، كما في "زيد قائم" و"عمرو نائم"، فإن مدلول هذا المركب ليس يتوقف على التلفظ، فإن زيدا يقوم وعمرا ينام ولم ينطق بهذه القضية، وهي زيد قائم أو عمرو نائم، فيتحقق مدلول هذا اللفظ ويتحقق معناه دون التوقف على هذا التلفظ، هذا يسمونه بالخبر لما أنه إخبار عن واقع، لما أنه حكاية لواقع وحكاية الواقع تسمى بالإخبار وبالخبر.

أما إن توقف المعنى والمدلول على التلفظ بأن لا يمكن حصول المدلول ولا المعنى إلا بأن يحصل التلفظ، وأن ينطق بلفظه، فإنه لا يكون خبرا حينئذ، كما إذا قلت "اضرب" فطلب الضرب هنا -"اضرب" مدلوله ومعناه "طلب الضرب"- ليس هذا المدلول وهذا المعنى حاصلا قبل قولك "اضرب"، إنما هو يحصل به، يحصل بقولك "اضرب"، فلا نتصور طلب ضرب سابق على "اضرب"، ثم جاء "اضرب" ليحكي هذا الطلب، لا، بل إن طلب الضرب يتحقق بقولك اضرب، فهو متوقف على التلفظ، بخلاف قيام زيد، فهو ليس متوقفا على أن تقول زيد قائم، أو قام زيد، ليس أنك تقول قام زيد، فيحصل قيام زيد، لا، بل يحصل قيام زيد وقد تتلفظ بقولك زيد قائم أو لا، أما هنا فلا يمكن أن نقول إنك قد طلبت الضرب من غير أن تتلفظ بـ"اضرب".

كذلك النداء "يا زيد"، هنا قد حصل طلب الإقبال بقولك "يا زيد"، وليس هناك طلب للإقبال حاصل قبل قولك يا زيد، فيكون هناك فرق بين معنى يا زيد، وزيد قائم من حيث حصول المدلول قبل اللفظ أو عقيبه، "هل زيد قائم؟" تستفهم، "هل جاء زيد؟" تستفهم، هذا الاستفهام أيضا لا يحصل مدلوله إلا بأن تنطق بقولك هل زيد قائم؟ فنفس الاستفهام يحصل بنطقك للفظه، بخلاف زيد قائم، إذن ذكرنا الأمر وذكرنا النداء، وذكرنا الاستفهام، وهناك النهي، وهو كالأمر والتمني، والترجي، والتحضيض، والعرض، كل هذه الأقسام التي يذكرونها تفصيلا في علم المعاني من علوم البلاغة.

هذه الأقسام مثلا التمني أنت تقول "ليت لي مالا"، أنت هنا قد صدر منك التمني بنطقك لقولك ليت لي مالا، لم يكن هناك التمني حاصل وأنت تخبر عنه، لو كان الأمر كذلك لكان خبرا، كأن تقول تمنيتُ مالا، تمنيتُ، تخبر عن أنه قد وقع منك التمني قبل ذلك، فيكون خبرا لأنه حكاية واقع، أما إذا قلت تمنيت مالا وتقصد بذلك التمني ليس حكاية التمني، وإنما تجعل "تمنيت مالا" كقولك ليت لي مالا، فيكون "تمنيت مالا" حينئذ ليس من قبيل الإخبار، كذلك الترجي.

إذن ظهر الفرق بين الخبر وغيره من المركبات في كون المعنى والمدلول يحصل مع التوقف على اللفظ أو مع عدم التوقف على اللفظ، المدلول الذي يتوقف على النطق بلفظه ينقسم لطلب وإنشاء، لأن المدول الذي يتوقف على التلفظ به إن كان طلب فعل أو طلب ترك فأمر ونهي وهما من قبيل الطلب، فالمدلول الذي يتوقف على التلفظ إن كان هذا المدلول طلب فعل كـ"اضرب" فهو من قبيل الطلب، وهذا القسم يسمى بالأمر، وإن كان طلب كفّ فهو نهي كقولك "لا تضرب"، وإن كان طلب علم بشيء فهو استفهام، فهذه كلها تدخل تحت الطلب، طلب الفعل طلب الكف أو طلب الترك وطلب العلم بالماهية أو بالنسبة، ما زيد؟ تطلب العلم بماهية زيد، هل زيد قائم؟ تطلب العلم بهذه النسبة، هل جاء زيد؟ تطلب العلم بهذه النسبة، هذه من قبيل الطلب.

وإلا فهو إنشاء، إذن المدلول الذي يتوقف على التلفظ به يكون طلبا إن كان أمرا أو نهيا أو استفهاما، ويكون إنشاءً إن كان غير ذلك، فالتمني والترجي والعرض والتحضيض والنداء، كلها من قبيل الإنشاء، سمي بالإنشاء لما أنك تنشئ معناه بهذا اللفظ، تنشئه توجده، فتنشئ المدلول الذي هو طلب إقبال زيد تنشئه بقولك يا زيد، تنشئ التمني بقولك ليت لي مالا، لذلك سمي بالإنشاء.

وبعضهم يجعل الجميع تحت الإنشاء لما أن المدلول في الكل، في الطلب وفي الإنشاء حاصل بالنطق، فإنشاء الجميع حاصل بالنطق، فالكل من قبيل الإنشاء، هذا عند بعضهم، فهذا التقسيم فيه أقوال أربعة أو له طرق أربعة ذكر المصنف منها هنا طريقا، فمنهم من يقسمه لخبر وإنشاء، الخبر عرفناه وما عداه إنشاء، لأن مدلوله يتوقف على التلفظ به، لا يُنشأ ولا يوجد إلا بأن تتلفظ به، ثم يقسّم الإنشاء للطلب إن كان طلب فعل أو ترك أو علم وتنبيه، غير الطلب نسميه بالتنبيه لأنه تنبيه للسامع وللمخاطب على ما تنشئه وما تريده من طلب إقباله أو من التمني أو من الترجي، أو من العرض، أو التحضيض، إلى آخر ما يذكر من أقسام الإنشاء.

هذا معنى قول المصنف (واللفظ إما طلب أو خبر) ثم قال (وأول ثلاثة ستذكر) وأول أي الطلب، الطلب محلّه ليس المنطق، فإن المنطق لا يتكلم على المركبات الطلبية أبدا سواء كانت من قبيل الأمر أو النهي، أو الاستفهام، أو من قبيل التمني أو الترجي، فالطلب أو الإنشاء لا كلام عليه في المنطق، إنما يتكلم المنطق عن المركبات الخبرية فقط، محل الكلام على الطلب أصول الفقه، فأصول الفقه يعقدون هناك أبوابا للكلام على الطلب وعلى تقسيمه وعلى فائدته وما يدل عليه.

فالمصنف هنا أتى بفائدة ليست من هذا العلم، أيضا تقسيمه إلى أمر ودعاء والتماس هذا ليس مصطلح المناطقة، لكنه ذكر في بعض الكتب المنطقية فتبع ذلك المصنف، (واللفظ إما طلب أو خبر ** وأول) أي الطلب بينا أنه ينقسم لطلب فعل وطلب ترك وطلب علم، (وأول ثلاثة ستذكر) وأول أي طلب، ظاهر كلامه أن الذي ينقسم للثلاثة الآتية هو الطلب المطلق، لأنه قال (وأول) أي الطلب مطلقا (ثلاثة ستذكر).

لكنه قسمه لأمر ودعاء والتماس، وأقسام الطلب المطلق لا تنقسم لهذه الثلاثة، فالنهي لا ينقسم لأمر ودعاء والتماس، نعم، ينقسم لنهي ودعاء والتماس لكن الأمر ليس قسما منه، طلب الكف مع الاستعلاء لا يسمي أمرا، فقول المصنف هنا (وأول) أي والقسم الأول من الطلب، (وأول) أي الطلب، (وأول) يقصد به الطلب، لأنه أول ما ذكر في كلامه، لكنه يجب أن نأول الطلب هنا بمعنى آخر، فيكون في كلامه استخدام، أطلق الطلب فيما مضى بمعنى وأرجع عليه اللفظ بمعنى آخر، (وأول) أي الطلب بمعنى قسم منه، وهو طلب الفعل.

قال (أمرا مع استعلا وعكسه دعا ** وفي التساوي فالتماس وقعا) هذا الكلام فيه خلاف، ففيه أربعة مذاهب، أصحها عند الأصوليين أنه لا يشترط استعلاء ولا علو، لا يشترط في كونه أمرا الاستعلاء ولا العلو، الفرق بين الاستعلاء والعلو أن العلو هو كون الطالب والآمر أعلى من المطلوب منه حقيقةً في نفس الأمر، مرتبته أعلى، وأما الاستعلاء فهو أن يظهر العلو، سواء كان عاليا أو لا، فالعلو لا يكون إلا في نفس الأمر، أما الاستعلاء يكون في زعم الآمر هو يعتقد أنه أعلى من المخاطب، ويظهِر ذلك مع أن المخاطب قد يكون أعلى منه، فهل يُكتفى بالاستعلاء في كون الأمر أمرا؟ أم لا بد من العلو في نفس الأمر؟ حتى يكون الأمر أمرا بحيث إذا صدر طلب الفعل من المستعلي وليس هو عاليا في نفس الأمر فلا يكون أمرا؟ هذا عند من يشترط العلو، أما من يشترط الاستعلاء يقول يكفي هذا، إذا كان مظهرا للاستعلاء وطلب الفعل فإنه حينئذ يكون أمرا، حتى لو لم يكن عاليا؟ نعم، ولو لم يكن عاليا.

الجمهور -جمهور الأصوليين- على أنه لا يشترط علو ولا استعلاء، فطلب الفعل أمر صدر من العالي أو من المستعلي أو من الأدنى، أما المصنف هنا فتبع قول من يشترط الاستعلاء دون العلو، وتفصيل ذلك في الأصول، قال (أمر مع استعلاء) أي إن كان طلب الفعل مع استعلاء أي مع إظهار الآمر أو الطالب العلو فيسمى أمرا، (وعكسه دعا) أي إذا كان مع خضوع وتذلل فإنه يسمى بالدعاء، إذا كان الطالب خاضعا متذللا للمطلوب منه فإنه يسمى بالدعاء، يجري فيه الأقوال التي سبقت، من لم يشترط الاستلاء ولا العلو لا يشترط هنا أيضا الخضوع ولا التذلل، قال (وفي التساوي) أي في تساوي الطالب والمطلوب منه في الرتبة، بأن لا يظهر الطالب علوا ولا استعلاء، (وفي التساوي فالتماس وقعا) فإذا طلب منك صديقك وأنتما في مرتبة واحدة، ولا يظهر علوا عليك، طلب منك شيئا فهو التماس.

وإذا طلبت أنت من الله سبحانه وتعالى شيئا فهو دعاء لأن الله أعلى منا ويظهر استعلاؤُه في القرآن وفي السنة، وإذا كان العكس بأن طلب منك الأمير أو مدرسك أو مديرك طلب منك شيئا فهو أمر، هذا عند من يشترط الاستعلاء أو العلو، أما على القول المشهور، وهو قول الجمهور، فلا يشترط ذلك، فمطلق طلب الفعل يسمى أمرا.

هذا ما يتعلق بتقسيم الطلب وترك الكلام على الخبر لأن الكلام عليه سيأتي تفصيلا في أول القضايا، إذن قد بينا أن الخبر يختلف عن الطلب في كون الخبر مدلوله يحصل ولا يتوقف حصوله على النطق بلفظه، فيكون لمدلول الخبر حينئذ واقعا سابقا للتلفظ بلفظه، فحينئذ يكون المتكلم حاكيا بهذا اللفظ لهذا الواقع، فقد تطابق حكايته هذا الواقع وقد تخالفه، هذا شأن الخبر لأنه لما كان واقعه حاصلا قبل التلفظ به والمتكلم يريد أن يحكي هذا، فحكايته قد تطابق هذا الواقع وقد تخالفه، مطابقته يسمونها بالصدق، هو صادق في كلامه، وكلامه صدق، بمعنى أن حكايته لهذا الواقع تطابقه، وعدم المطابقة يسمونها بالكذِب، فهو كاذب أو كلامه كذِب إن لم تطابق حكايته للواقع هذا الواقع.

ذلك لا يمكن أن يتحقق ولا أن يكون في الطلب ولا في الإنشاء لأنه لا واقع لمدلوله، مدلوله يحصل به، أين واقعه؟ حتى يحكي المتكلم هذا الواقع، ثم نقول إنه طابقه أولم يطابقه، إذن لا يتصور الصدق ولا الكذب إلا في الخبر ولا يمكن أن يتصور في الطلب ولا في الإنشاء، "يا زيد" تقول هناك واقع أنت طابقته أو خالفته؟، عندما طابقت هذا الواقع، كنت صادقا، وعندما خالفته كنت كاذبا؟ أين هذا الواقع؟ أنا أنشئ النداء بلفظي، "زيد قائم"، له واقع، أنت أردت أن تحكي بزيد قائم حالة زيد فإما أن توافق حكايتك هذه الواقع بأن يكون زيد قائما بالفعل، تحقق منه القيام، فكلامك صدق، وإما أن تختلف وأن تخالف حكايتك الواقع بأن يكون زيد نائما أو لم يقم، فيكون كلامك كذبا لما كان الأمر كذلك عرّفوا الخبر بأنه اللفظ المحتمل للصدق والكذب، اللفظ الذي يحتمل معناه أو الذي يحتمل -هو الصدق- أن يحتمل أن يطابق معناه الواقع، والكذب هذا اللفظ يحتمل بحسب المعنى ألا يطابق الواقع، ولا يمكن أن يقال ذلك في الطلب ولا في الإنشاء لذلك عرّف المصنف رحمه الله القضية بقوله (ما احتمل الصدق لذاته جرى ** بينهم قضية وخبرا).

فعرف الخبر هنا الذي ذكر أنه مقابل للطلب فيما سبق عرفه بأنه (ما) أي لفظ مركب (احتمل الصدق) أي  والكذب، فحذف المعطوف مع عاطفه، قرينة ذلك قوله احتمل، لأن الاحتمال لا يكون إلا بين شيئين، فالشيء لا يحتمل أمرا واحدا، فقوله ما احتمل الصدق معطوف عليه والكذب، وسكت عنه لقرينة "احتمل" أو لشهرة تعريف الخبر أو تأدبا مع كلام الله سبحانه وتعالى، لأن كلامه صدق فقط وهو من الأخبار ومن القضايا فلا يحسن أن يأتي بلفظة "الكذب"، هذا ما يقولون.

قال (ما احتمل الصدق لذاته جرى) أي اللفظ المركب المحتمل للصدق والكذب قد عرفنا تفصيل ذلك، أي اللفظ المركب الذي يحتمل أن يطابق الواقع أو أن يخالفه، لماذا؟ لأن له واقعا يسبقه بخلاف الطلب والإنشاء (لذاته) سنتكلم عليه، قال (جرى ** بينهم) فهي عرف بينهم واصطلح على تسميته بالقضية والخبر،

يسمى خبرا من حيث احتماله للصدق والكذب، لأن ما شأنه هذا فهو من الخبر أو من الإخبار لأنه حكاية واقع وحكاية الواقع إخبار، ويسمى قضية لاشتمال هذا الخبر على الحكم الذي هو الجزء الثاني هو المحكوم به، فيسمى بالقضية لأن القضية فعيلة من القضاء، والقضاء بمعنى الحكم، وهذا الخبر مشتمل على الحكم فيكون فيه قضاء فيسمى قضية على وزن فعيلة، ويسمى مقدمة ويسمى دعوى ويسمى نتيجة، له تسميات كثيرة، الذات واحدة، والااعتبار مختلف، فالخبر هو هو القضية، وهو هو المقدمة، وهو هو النتيجة، وهو هو الدعوى، إلا أننا ننظر إلى اعتبارات مختلفة، إن نظرنا إلى كونه محتملا للصدق والكذب فنسميه بالخبر، وإن نظرنا إلى اشتماله على الحكم نسميه بالقضية هو هو نفسه، وإن نظرنا إلى أنه يقع جزء قياس يسمى مقدمة، وإذا نظرنا إلى أنه يَنتُج عن قياس يسمى نتيجة، إذا نظرنا إلى كون المتكلم يتلفظ به دون إقامة دليل عليه فيسمى بالدعوى وهكذا.

قال (لذاته) هذا قيد للإدخال وليس للإخراج، فإنه قصد أن يُدخل في الخبر ما يخرج منه بسبب عدم احتماله للصدق أو للكذب، بأن يكون شيئا واحدا صادقا كاذبا فقط بسبب أمر خارج عنه، هو في ذاته يحتمل الصدق والكذب لكنه بسبب أمر خارج عن ذات الخبر لا يحتمل الصدق والكذب، إنما يكون صدقا فقط أو كذبا فقط، أراد إدخال هذا في الخبر لأنه من الأخبار مع أنه ليس إلا صادق أو ليس إلا كاذب؟ نعم، لا يحتمل الصدق والكذب ومع ذلك نُدخله في الخبر؟ نعم، لماذا؟ لأنه يحتمل بحسب ذاته وإن لم يكن محتملا للصدق والكذب بحسب أمر آخر.

ذات الخبر هي الموضوع والمحمول، الجزء الأول هو الذي المحكوم عليه، والجزء الثاني الذي هو المحكوم به، ونسبة الثاني للأول، هذه هي الذات، قوله لذاته أي ذاته التي تتألف من أجزائه، ما عدا ذلك مما نراه خارجا عن أجزائه، وعن حقيقته وماهيته وبسببه يتخلف الاحتمال بأن يكون صادقا فقط أو كاذبا فقط لا رعاية له، ما دام خارجا عن ذاته، ما دام خارجا عن موضوعه ومحموله ونسبته، فقائل القول قائل القضية المتلفظ بها خارج عن القضية، لأنه ليس موضوعها ليس محمولها ليس نسبتها، العقل خارج عن القضية كذلك، فالعقل شيء والقضية شيء، نعم، القضية متعقلة لكنها ليست العقل، فإذا كان القائل أو المتكلم بالقضية لا يمكن أن يكذب فكلامه صدق فقط، فعدم احتمال كلامه للكذب ليس من ذات كلامه، ليس من ذات القضية التي نطق بها، وإنما بسبب المتكلم.

فكلام الله سبحانه وتعالى إذا نظرنا إلى أي كلام جاء في القرآن وتركب من محكوم عليه، ومحكوم به، رأيناه من حيث ذاته، أي من حيث كونه محكوما عليه مع محكوم به مع نسبة يحتمل الصدق والكذب، أما إذا نظرنا إلى أنه صدر عن الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون كلامه كذبا فإننا نقول إنه ليس إلا صادق لا يحتمل الكذب، فنفينا لاحتمال كلام الله تعالي للصدق والكذب بسبب كونه كلاما لله وليس بسبب ذات الخبر، إذا نظرت في أي مركب خبري في القرآن فإنه بهذه المثابة ولا داعي للتمثيل لأن الأمر سهل.

كذلك في كلام الأنبياء فإذا نظرت إلى أي خبر ينتقون به، فإنه من حيث ذات الخبر من حيث إنه تركب من محكوم عليه ومحكوم به ونسبة يحتمل الصدق والكذب، الدليل على ذلك أنه إذا صدر من غيرهما من غير الله تعالى ومن غير رسله عليهم الصلاة والسلام فإنه يحتمل الصدق والكذب، ولو كان عدم احتماله للصدق والكذب في كلام الله وكلام رسله عليهم الصلاة والسلام من ذاته لما تغير هذا الحكم إن نطق به غير الله تعالى وغير رسله عليهم الصلاة والسلام، لأنهم يقولون ما بالذات لا يتغير، ما بالذات لا يتخلف، ما يكون بسبب ذات الشيء لا يتخلف عن الشيء لأنه تابع لذات الشيء، فكيف يتخلف؟ فإن تخلف فلم يكن من ذاته.

فإذا قال الله تعالى هذا صراط ربك مستقيما هذه محكوم عليه ومحكوم به، ذات هذا الكلام يحتمل الصدق والكذب، الدليل على ذلك أنه لو صدر من غيره، قال أحد من الناس هذا صراط ربك مستقيما، فإن كلامه يحتمل الصدق والكذب قد يعبر عن الشرك بأنه صراط الله تعالى المستقيم فيكون كلامه كذبا، قد يعبر عن الإسلام بأنه صراط الله تعالى المستقيم، فيكون صدقا، فذات الخبر هو "هذا صراط ربك مستقيما" صدق فقط لأنه صدر من الله سبحانه وتعالى ونسب إليه، فيكون حينئذ امتناع تكذيبه من أمر خارج عن ذاته وهو المتكلم.

العقل، يحكم العقل بصدق أمور بصدق قضايا وعدم جواز تخلفها، فهذه القضايا لا تكون إلا صادقة، أو يحكم بكذب قضايا، ولا يمكن صدقها، فهذه القضايا كاذبة فقط لا تحتمل الصدق، هذا ليس من ذات القضية، وإنما هو من العقل، العقل يقول الواحد نصف الاثنين، الكل أعظم من الجزء، هذه قضايا تكذب جوازا بحسب ذاتها، لأنها من محكوم عليه ومحكوم به ونسبة، هذه ذات الخبر، كل ما كان شأنه كذلك فهو يكذب أو يصدق، لكن العقل حكم بأن الكل لا يمكن أن يكون الجزء أعظم منه فكان الكل أعظم من الجزء صادقا فقط بسبب العقل، ليس بسبب الموضوع ولا المحمول ولا النسبة، الواحد نصف الاثنين، الحكم على الواحد بنصفيته للاثنين فيه محكوم عليه ومحكوم به ونسبة يحتمل الصدق والكذب، خلاص، نظرنا إلي ذات الخبر فقلنا يحتمل الصدق والكذب.

لكن العقل حكم بأن الواحد نصف الاثنين، ولا يمكن أن يكون غير ذلك لا يمكن العكس، لا يمكن أن يكذب هذا الحكم، فعدم احتماله للكذب بسبب العقل، الواحد نصف الأربعة كذب، حكم بذلك العقل، نعم، فعدم احتماله للصدق بسبب العقل ليس بسبب ذات القضية، إذن هذه الأخبار لم تحتمل الصدق، وكذلك قول مسيلِمة وادعاء النبوة في قوله أنا نبي كذب ولا يمكن أن يكون صادقا، هذا ليس بسبب نفس الكلام، ليس بسبب قوله أنا نبي، لأن نفس التركيب قاله سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وقاله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وكان منهم صدقا، نفس التركيب، وهو قال نفس التركيب، فكيف يكون التركيب منه كاذبا؟ ومنهم عليهم الصلاة والسلام صادقا؟ وما بالذات لا يتخلف، إذن كونه صادقا فقط من الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو كاذبا فقط من مسيلمة ليس من ذات الخبر، إنما هو من أمر خارج.

تعين صدقه في الرسل عليهم الصلاة والسلام بسبب معجزتهم التي دلت على صدقهم والمعجزة خارجة عن الخبر، وفي هذا الكذاب بسبب ختم النبوة بسبب أن النبي عليه الصلاة والسلام قد صرح وختم النبوة وانغلق باب النبوة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، لولا ذلك لكان يمكن أن يكون قول مسيلمة صدقا، لولا أن النبوة ختمت كان يمكن أن يكون صدقا لو أيد بالمعجزة، وكان يمكن أن يكون كذبا لو لم يؤيد، لكنه بعد الختم كان كذبا فقط، وأي إنسان يقول أنا نبي يكون كاذبا فقط، ليس لذات الخبر، ليس للمتكلم والقائل، لأن مسلمة ليس جميع كلامه كذبا، يصدر منه كلام كثير صدق، فليس هناك أحد نجزم بكذب جميع كلامه، لكن هناك من نجزم بصدق جميع كلامه، وهم الأنبياء والرسل لتأييدهم بالمعجة.

إذن عرفنا أنه قد يكون هناك أمر خارج عن ذات الخبر والقضية يتسبب في عدم احتماله للصدق والكذب، ومع ذلك يكون خبرا ولا ينفي ذلك عنه كونه خبرا، منها المتكلم منها العقل منها المعجزة كما في حق الأنبياء منها ختم النبوة كما كان ذلك في كلام مسيلمة إلى آخره ما هنالك من الأمور التي تدل على صدق الخبر فقط أو كذبه، منها المشاهدة مثلا، أنت تشاهد زيدا واقف قائم ويقول لك آخر زيد قائم، فتقطع بصدقه، وكلامه لا يحتمل عندك الكذب، لماذا؟ لأنك ترى زيدا قائما، لا يمكن أن تكذب هذا القائل في قوله زين قائم، فعدم احتمال هذا الخبر للصدق والكذب بسبب المشاهدة، وهكذا.

فقوله (ما احتمل الصدق) أي والكذب قد فهمناه، ولا يدخل في ظاهره ما لا يحتمل إلا الصدق فقط أو الكذب فقط بسبب أمر خارج فأدخله في الخبر بقوله (لذاته) أي بسبب، فاللام هنا للتعليل وللسببية أي بسبب، فهي بمعنى الباء أي بسبب ذاته، ما احتمل الصدق والكذب بذاته أي بسبب ذاته.

هذا أول الكلام على مبادئ القياس، فإن القياس قول يتألف من قضايا، ومفرد القضايا قضية، فلا بد من الكلام على القضية حتى إذا علمت الأجزاء علم الكل فيبدؤون الكلام على مباحث التصديقات بالكلام على القضية وعلى أحكامها، يتكلمون على القضية على تعريفها وعلى تقسيمها وعلى الأحكام، والأحكام أربعة: التناقض، والعكس المستوي، وعكس النقيض، وتلازم الشرطيات، ولا يُذكر في أكثر المتون إلا التناقض والعكس المستوي كما صنع المصنف رحمه الله تعالي في هذا المتن.

وإنما احتيج لهذه الأحكام لأن بيان إنتاج الأقيسة في الأشكال الأربعة يتوقف على هذه الأحكام، فلا يمكن أن تعلم إنتاج الشكل الثاني ولا الثالث ولا الرابع إلا بواسطة استعمال هذه الأحكام التي هي التناقض والعكس.

فلذلك احتاجوا لذكرها، لذلك قال:

﴿باب في القضايا وأحكامها﴾

50- مَا احتَمَلَ الصِّـدقَ لِذَاتِهِ جَرَى






بَينَهُــمُ قَضِــيَّةً وَخَــبَرَا

بعد أن عرّف القضية شرع في بيان تقسيمها فإن الأقسام والكلام على الأفراد يتبع الكلام على الحقيقة، قال:

51- ثم القَضَـايَا عِندَهُـم قِسمَانِ


 

شَـرطِـيَّةٌ حَمـلِيَّةٌ وَالثَّـانِـيْ

فقسّم القضية لشرطية وحملية، ذلك أن القضية التي تحتمل الصدق والكذب إن كان مضمونها الحكم على شيء بأنه شيء آخر أو أنه ليس الشيء الآخر فحملية، فالحكم إذا كان فيها بإثبات شيء لشيء، وإثبات شيء لشيء يسمى حملا عندهم فيسمونها حملية، فقولك زيد قائم قضية مضمونها كون شيء هو شيئا آخرا، كون زيد قائما، زيد ليس بقائم مضمونها أن شيئا ليس شيئا آخر، والحمل هو إثبات شيء لشيء فقط، ليس الإثبات مع النفي، خلافا لما وقع في بعض الشروح والحواشي، فإن الحمل عندهم هو الإثبات فقط، لا يستعمل الحمل إلا في الإثبات، تقول حملت شيئا على شيء هذا إذا أثبتت شيئا لشيء، أما النفي فليس بحمل، فتسمى القضية حينئذن التي أُثبت فيها شيء لشيء وهي قضية موجبة تسمى حملية لما أنها اشتملت على الإثبات الذي هو الحمل فتسمى بالحملية نسبةً للحمل.

حملية، الياء ياء النسبة والتاء للنقل من الوصفية للعلمية، الحملي صفة أن هذا الشيء حملي يعني منسوب للحمل، فإذا أردت أن تجعله علما أن تسمي شيئا به فتأتي بالتاء التي تخلّصه من الوصفية للعلمية فتسمى "حملية"، حينئذ نقول السالبة التي ليس فيها الإثبات تسميتها حملية مجاز بحسب الأصل، لأنه ليس فيها حمل، لكنهم حملوها على الموجبة، فزيد قائم حملية بحسب الأصل وبحسب الاصطلاح، وزيد ليس بقائم ليست حملية بحسب الأصل وهي حملية بحسب الاصطلاح.

أما إذا كان الحكم فيها ليس بإثبات شيء لشيء، ليس أن شيئا هو شيء آخر، وإنما كان الحكم فيها بكون شيء لا يحصل إلا بحصول شيء آخر وهو المسمى عندهم بالتعليق، فإذا كان الحكم فيها بالتعليق ليس بأننا نثبت حقيقة لحقيقة وإنما بأن نعلق شيئا على شيء، نعلق قضية على قضية بأن لا تحصل الثانية إلا إذا حصلت الأولى، فهذه تسمى عندهم شرطية متصلة، وإن حكَمتْ بأن شيئا لا يحصل لشيء آخر فإنها تسمى عندهم شرطية منفصلة، فالمتصلة والمنفصلة كل منهما يدخل تحت الشرطية.

فالخلاصة من ذلك أن القضية إن كان فيها إثبات شيء لشيء، إن كانت بيانا لكون حقيقة هي حقيقة أخرى فحملية، وإن كانت لتعليق شيء على شيء فهي شرطية متصلة، وإن كانت لبيان عناد وانفصال بين قضيتين فهي منفصلة، فالأقسام ثلاثة: حملية، وشرطية متصلة، وشرطية منفصلة، لذلك قال المصنف (ثم القضايا عندهم قسمان شرطية) وتشمل قسمين، (حملية) ثم قال (والثاني) يقصد بالثاني الحملية، لكننا نأتي على تعريف الشرطية بعد أبيات في قوله (وإن على التعليق فيها قد حكم).

لم يعرف الحملية لما أن حقيقتها بينة وظاهرة ومشهورة، لكنه عرف الشرطي فقال (وإن على التعليق فيها قد حكم) أي وإن على التعليق في القضية قد حكم، أصل الكلام وإن حكم فيها بالتعليق، فإن الحكم يتعلق بالباء وليس بـ"على"، فقوله "على" هنا بمعنى الباء، وإن حكم فيها بالتعليق أي بتعليق مضمون قضية على أخرى فإنها شرطية، قال (فإنها شرطية) لم يقل متصلة مع أن هذا التعريف حقيقة للمتصلة، لأنها التي يحكم فيها بالتعليق، بتعليق قضية على قضية أخرى، أي لا تحصل قضية إلا إذا حصلت قضية أخرى، مثال ذلك "إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود"، هذه القضية حكم فيها ليس بإثبات شيء لشيء كزيد قائم، وإنما حكم فيها بأن شيئا وهو "النهار موجود" قضية لا تثبت إلا أن تثبت قضية أخرى، فالحكم هنا ليس بـ"النهار" فقط، ليس هو محكوما به، وليس "موجود" فقط، وإنما الحكم بمضمون الحكم بأن مضمون "النهار موجود" -مضمونه هو وجود النهار- هذا المضمون لا يتحقق إلا بتحقق أمر آخر ليس هو "الشمس" وليس هو "الطلوع" إنما بمضمون "الشمس طالعة"، ما مضمون "الشمس طالعة؟" هو حصول الطلوع للشمس في الخارج، هذا هو مضمون الشمس طالعة.

فيحكم فيها بالتعليق، تقول بتعليق قضية على قضية، أو تقول بتعليق مضمون قضية على مضمون قضية أخرى، فالحكم فيها يكون المحكوم عليه -فالقضية الشرطية- تكون المحكوم عليه فيها قضية والمحكوم به قضية، بخلاف الحملية، المحكوم عليه مفرد والمحكوم به مفرد، ظاهر هذا أنه لا يتناول المنفصلة، لأنه لا تعليق فيها والأمر كذلك، لكن المصنف هنا عبر عن الشرطية متصلة كانت أو منفصلة بقوله (وإن على التعليق فيها قد حكم) فحينئذ نرتكب التأويل بأن نقول التعليق هنا يشمل حصول مضمون قضية عند حصول قضية أخرى ويشمل العناد، فالتعليق يشمل الشرط ويشمل العناد، لا بد أن نصنع ذلك لأنه عرف الشرطية بتمامها بذلك مع أن الأصل أن التعليق الذي هو الشرط ليس إلا في المتصلة.

فلنبين المنفصلة وما فيها من عناد، إذا قلت "العدد إما زوج وإما فرد" أصلها "إما أن يكون العدد زوجا وإما أن يكون العدد فردا" هذا أصل التركيب لكنهم يتساهلون ويختصرون بقولهم "العدد إما زوج وإما فرد"، إما أن يكون العدد زوجا وإما أن يكون العدد فردا، هنا قضيتان، العدد زوج، والعدد فرد، وحكمت القضية بالعناد بينهما والانفصال والتنافر بأن قضية لا تثبت إن ثبتت الأخرى، أن قضية منهما لا تثبت أن ثبتت الأخرى، هذه القضية تحكم بذلك، لم تعلق قضية على قضية أخرى، فشأن هذه ليس شأن "إذا طلعت الشمس فالنهار موجود"، ومع ذلك أدرجها المصنف هنا في التعريف الذي هو (وإن على التعليق فيها قد حكم).

فالحاصل من ذلك أنك تعلم أن القضية الشرطية، قضية إما أن يحكم فيها بتعليق مضمون قضية على قضية أخرى وتسمى عندهم متصلة، أو بعناد وتنافر قضية لقضية أخرى وهذه تسمى عندهم بالمنفصلة، والتعليق لا يشمل إلا الأولى لغة والمصنف هنا جعله شاملا لهما تجوزا، هذا ما يتعلق بقوله (وإن على التعليق فيها قد حكم ** فإنها شرطية إلى آخر كلامه).

نكون قد انتهينا من الكلام على الشرطية والحملية، شرع في تقسيم الحملية، وبعد ذلك قسم الشرطية أيضا، قال (والثاني) في قوله (ثم القضاء عندهم قسمان ** شرطية حملية والثاني) أي الحملية، قال:

52- كُلِّــيَّةٌ شَخــصِيَّةٌ وَالأَوَّلُ

 

إِمَّــا مُسَـوَّرٌ وَإِمَّـا مُهـمَلُ

 القضية الحملية عرفنا أنها تتألف من محكوم عليه ومحكوم به، المحكوم عليه عندهم يسمونه موضوعا والمحكوم به يسمونه محمولا لما أن هذا الأمر وهو الحكم على شيء بشيء يشبه في الأمور المحسوسة حملَ شيء على شيء، حملت الكتاب على اليد، فيشبه أنك تضع صورة في الذهن في العقل كما تضع هذه اليد، وتضع فوق هذه الصورة صورة أخرى التي هي صورة المحكوم به كما أنك تضع هذا الكتاب فوق هذه اليد، فسموا هذا الصنيع بالحمل تشبيها له بالحمل الركوب في المحسوسات، فسموا الأول الموضوع، لأنه يشبه الشيء الذي تضعه، وسموا الثاني بالمحمول، لأنه يشبه الشيء الذي يحمله ما وُضع أولا، فكان المحكوم عليه موضوعا وكان المحكوم به محمولا، والحاصل بينهما حملا، لذلك لم يكن الحمل يطلق عندهم إلا على الإثبات فقط، لأنه لو كان بالنفي لم يكن هذا محمولا على ذاك فليس هناك حمل.

ثم الموضوع الذي هو المحكوم عليه مفرد قد عرفنا قبل ذلك في تقسيم المفرد أنه ينقسم لكلي وجزئي وهذا شأنه كذلك لأنه مفرد فينقسم لكلي وجزئي، فإن نظرت في القضية ووجدت الموضوع جزئيا، فتسمى عندهم شخصية، تسمى القضية شخصية ومخصوصة، تسمى شخصية لما أن الجزئية شخص، الشخص والمراد به ليس الإنسان، الشخص المراد به المتشخص الذي له مشخصات تعيّنه، فهذا الكتاب بعينه شخص، الحجر بعينه شخص هذا الكرسي بعينه شخص، أما الكرسي بإطلاق ليس شخصا بل هو كلي، الله تعالى شخص بمعنى أنه شيء متعين، هذا من حيث معنى كلمة شخص، أما من الجهة الشرعية فقد أطلق النبي عليه الصلاة والسلام على الله تعالي "شخص"، «قال لا شخص أغير من الله»، إن تحاشيت ذلك فتطلق على القضية التي موضوعها "الله" مخصوصة لأنها تعلقت بأمر مخصوص معلوم معيَّن.

قولك "زيد قائم" قضية من محكوم عليه هو زيد ومحكوم به هو قائم، الموضوع هنا الذي هو زيد شخص معين جزئي لأنه يمتنع أن يكون معناه متحققا في فردين فأكثر، فالقضية شخصية، هذا أول قسم للحملية، قد يكون الموضوع كليا حينئذن يكون له أفراد لأن هذا هو شأن الكلي، فهل ذكر في القضية ما يبين الأفراد المقصودة؟ أن المقصود كل هذه الأفراد أو بعضها؟ هل ذكر في القضية ذلك أم لم يذكر؟ فـ"الإنسان حيوان" لم يذكر في هذه القضية عدد الأفراد التي حكم أو كمية الأفراد التي حكم عليها بالحيوان.

كيف هذا؟ الحيوان صادق على كل أفراد الإنسان، يتناول جميع الأفراد، نقول لا، أنت أخطأت، نحن لم نقل إن تناول المحمول جميع الأفراد، لا، نحن قلنا هل ذكر فيها ما يدل على شمول المحمول لجميع الأفراد أو لبعضها أم لم يذكر؟ هنا لم يذكر، نعم، المحمول شامل لجميع أفراد الإنسان، هذا بحسب الواقع، بحسب ما تعلمه أنت من الواقع، ليس هناك لفظ في القضية يدل على ذلك، فإن القضية قائلة "الإنسان حيوان"، هل كله؟ هل بعضه؟ القضية غير قائلة بذلك، إنما أنت تعلم أن كل إنسان حيوان من غير هذه القضية، فتكون مهملة، فالقضية المهملة هي التي لم يذكر فيها لفظ يدل على شمول المحمول لكل أفراد الموضوع أو لبعضه، حتى وإن كان شاملا لجميع الأفراد يقينا؟ نعم، حتى وإن كان شاملا لبعض الأفراد فقط يقينا كالإنسان كاتب، شامل لبعض الأفراد يقينا؟ نقول نعم أيضا هي مهملة.

أما إن جاء تصريح في القضية بشمول المحمول لجميع الأفراد فإنها كلية، "كل إنسان حيوان"، وإن جاء تصريح في القضية بشمول المحمول لبعض الأفراد فقط فهي جزئية كـ"بعض الإنسان كاتب"، فالقضية حينئذ تنقسم بحسب موضوعها لقضية موضوعها جزئي، وقضية موضوعها كلية، التي موضوعها جزئي شخصية، والتي موضوعها كلي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، إن جاء فيها فيها لفظ يبيّن كميّة الأفراد تسمى مسوره لأن هذا اللفظ "سور"، وتسمى القضية مسورة، وتنقسم لكلية وجزئية، وإن لم يُذكر فيها لفظا يبين كمية الأفراد فتسمى مهملة، حينئذ تنقسم القضية لثلاثة أقسام إجمالا، شخصية* ومسورة ومهملة، والمسورة تنقسم قسمين لأن المسوَّرة معناها التي فيها سور، والسور هو اللفظ الذي يدل على كميّة الأفراد، فإن دل على كمية الأفراد على كلها كانت كلية، وإن دل على بعضها كانت جزئية.

سمي سورا تشبيها له بسور البلد الذي يحيط بجميعها أو ببعضها لأن اللفظ هذا يحيط ببعض الأفراد أو بجميعها، فـ"كل إنسان حيوان" قضية فيها موضوع هو "إنسان" ومحمول هو "حيوان" وسور هو "كل"، "بعض الإنسان كاتب" قضية فيها موضوع محكوم عليه هو "إنسان"، ومحمول محكوم به هو "كاتب"، وسور هو "بعض"، فالمحكوم عليه هنا هو "إنسان" فقط، ليس مجموع "كل إنسان" أو "بعض إنسان"، فتعربه شيء وتعتبره اعتبارا منطقيا شيء آخر، تعرب "كل" مبتدأ، إنما هنا "كل" ليست من القضية، إنما هي سور، والبعض إنما هي سور، القضية هي "الإنسان كاتب"، "الإنسان حيوان"، والمناطقة اعتبروا هذا اللفظ الدال على كمية الأفراد دالا على كمية الأفراد فقط ليس محكوما عليه، إنما أنت في النحو تعربه مبتدأ، والمبتدأ محكوم عليه، لا، هذه اعتبارات مختلفة بين النحاة وبين المناطقة.

فحينئذن نقول، هذه ثلاثة أجزاء أو جزءان، الموضوع والمحمول، والسور يبين كمية الأفراد، المهملة ليس فيها إلا الموضوع  والمحمول، الشخصية فيها الموضوع والمحمول لكن الموضوع جزئي، زيد قائم قضية شخصية، كل إنسان حيوان قضية كلية، بعض الإنسان حيوان قضية جزئية، والإنسان حيوان قضية مهملة، هذا هو التقسيم عند المناطقة للقضية الحملية، فلننظر ماذا قال المصنف قال (والثاني) يقصد القضية الحملية، والتذكير باعتبار المذكور أي والمذكور الثاني، لأن القضية مؤنثة تأنيثا مجازيا، وهو هنا ذكّر فنرجعه إلى الحملية باعتبار أنها مذكور، والمذكور الثاني وهو القضية الحملية كلية شخصية، هنا لم يقصد بـ"كلية" المصطلح عليه عند المناطقة بأنه "كلية"، إنما قابلها بالشخصية، فقصد بالكلية هنا القضية التي موضوعها كلي، ذلك خلاف الاصطلاح.

فالكلية في الاصطلاح كما بينت هي القضية التي موضوعها كلي وسورت بسور يشمل جميع الأفراد، فقوله هنا كلية شخصية، الشخصية هي بمعناها الذي ذكرناه، وهو ما كان موضوعه جزئيا كزيد قائم، والكلية هي التي موضعها كلي، فتشمل المهملة والكلية والجزئية، الكلية والجزئية تسميان مسوّرة، فحينئذ الكلية هنا تشمل المسورة والمهملة، لذلك قال (والأول) أي المذكور الأول الذي هو الكلية، (إما مسور) أي جاء معه سور يبيّن البعض أو الكل، (وإما مهمل) أي لم يأت معه سور يبين كل الأفراد أو بعض الأفراد.

(إما مسور) المسور تحته الكلية -بالمعنى الذي اصطلحوا عليه- وتحته الجزئية، فحينئذن يكون المصنف قد ارتكب شيئا خلاف الاصطلاح يوقع الطالب في الوهم، فتنبه، فإنه ما ذكر أحد أن ما قابل الشخصية يسمى كلية، وتنبه أيضا لأن هذا ليس اصطلاح فالمصنف لم يصطلح على تسميتها، نسمع ذلك خطأ من الطلاب، أنه في اصطلاح المصنف الكلية بمعنى ما كان موضوعها كلي، هذا خطأ، المصنف لم يصطلح هنا هو ضيق النظم الذي أداه لذلك، نظر إلى كون الموضوع كليا فسماها كلية، لتذكر هذه المعاني أو هذه الألفاظ في بيت واحد، لكنه لم يصطلح فلا تقل اصطلاح المناطقة في الكلية هي كذا كذا، واصطلاح الشيخ الأخضري في متن السلم للكلية كذا كذا، هذا خطأ يا مولانا.

وصنيع المصنف هذا ليس بحسَن لأن كتابه أو متنه للمبتدئين والمبتدئ ليست عنده الملكة والقدرة على تفصيل هذه الاصطلاحات، فأن يأتي بثلاثة أقسام ويطلق عليها اسم قسم من هذه الأقسام الثلاثة ويطلب من المبتدئ أن يفصل ذلك أو أن يفصل الشيخ له ذلك هذا في الحقيقة مما يسبب العناء والتعب للمبتدئ ومما يوقعه في اللبس، خاصة أنه لم يذكر قسمي المسورة، فلم يذكر الكلية بالمعنى المصطلح عليه، ولم يذكر الجزئية، وهذا من الخلل أيضا في هذا المحل، قال:

53- وَالسٌّـورُ كُلِّيًّا وَجُـزئِيًّا يُرَى

 

وَأَربَـعٌ أَقسَـامُـهُ حَيثُ جَـرَى

بعد أن ذكر (إما مسور) فدل ذلك على أن بعض القضايا يكون له سور وهو اللفظ الدال على كمية الأفراد، هذا تعريف السور، السور هو اللفظ الدل أو هو ما -ليشمل اللفظ وغير اللفظ- ما يدل على كمية الأفراد كلا أو بعضا، أراد أن يقسمه، فقال (والسور كليا وجزييا) أي وافهم أنت أن التي فيها السور الكلي كلية، والتي فيها السور الجزئي جزئية، ولو صرح لكان أفضل لأن المبتدئ لا يصلح لمثل هذا الإجمال.

(والسور كليا وجزئيا) أي والسور الشامل لكل الأفراد أطلق عليه المصنف "كلي"، والشامل لبعض الأفراد أطلق عليه المصنف "جزئي" ذلك خلاف الاصطلاح أيضا، فإن الكلي والجزئي قد سبق معناهما، أما السور فلا يسمي بكلي وجزئي، السور دائما كلي، ليس فيه كلي ولاجزئي، إنما باعتبار شموله لجميع الأفراد أطلق عليه كلي، وباعتبار شموله لبعض الأفراد أطلق عليه جزئي، وهو خلاف الاصطلاح، فتنبه يا مولانا، هذه الإطلاقات كلها دعا الشيخ لها ضِيقُ النظم.

(والسور كليا وجزئيا يرى ** وأربع أقسامه حيث جرى) هذان قسمان الكلي والجزئي، فتنقسم القضية المسورة باعتبارهما قسمين كلية وجزئية، أين الأربعة في قوله وأربع أقسامه؟، نقول باعتبار السلب والإيجاب، لأنك إذا نظرت إلى السور الكلي مع الإيجاب والسور الكلي مع السلب صار قسمين، والسور الجزئي مع الإيجاب والسور الجزئي مع السلب صار قسمين آخرين، فصارت الأقسام أربعة، فقوله (وأربع أقسامه) أي بضم الإيجاب والسلب للكلي والجزئي، قال (وأربع أقسامه حيث جرى) أي حيث وجد، فلا تتخلف عنه هذه الأقسام، ثم مثّل للسور الكلي وللسور الجزئي بقوله:

54- إِمَّـا بِكُل أَو بِبَعـض أَو بِلاَ

 

شَـيء وَلَيـسَ بَعض أَو شِبهٍ جَلاَ

(إما بكلُّ) على الحكاية، أو (ببعضُ أو بلا ** شيءَ وليس بعضُ أو شبهٍ جلا)، (إما بكل) لك أن تقول إما بكلُّ أو بكلٍّ، على الحكاية في قولك إما بكلُّ، لأنها تأتي في الكلام مرفوعة تأتي في أول الكلام على أنها مبتدأ، فتقول كل إنسان حيوان، تدخل على الموضوع وتكون مبتدأ، وتقول بعض الإنسان كاتب، فإذا أردت أن تحكي ذلك وذلك هو الأفضل تقول إما بكلُّ أو ببعضُ، وإذا أردت أن تذكرها على حسب محلها وموقعها الإعرابي في البيت فتقول إما بكلٍّ أو ببعضٍ، أو (بلا شيءَ) بالبناء على الفتح لأنه اسم لا النافيه للجنس، فتقول "لا شيء من الإنسان بحجر" كما سنبين في الأمثلة، وليس بعضُ بدون التنوين لأنه على الحكاية، لأنك تقول هناك في القضية "ليس بعضُ الإنسان بحجر".

(وليس بعض أو شبهٍ) معطوف على كل، إما بكلٍّ أو بشبهٍ أو بشبه ذلك (جلا) أي هو واضح لا داعي للتفصيل أو الذكر أكثر من ذلك، فشبه ذلك واضح وجلي، قال (إما بكل) هذا سور الموجبة الكلية، كلية لأن اللفظ يشمل جميع الأفراد، وموجبة لأنه ليس فيه سلب فتقول كل إنسان حيوان قضية كلية لوجود السور الكلي الشامل لجميع الأفراد وموجبة لكون المحمول مثبتا للموضوع، (أو ببعض) تقول بعض الإنسان كاتب قضية جزئة، لماذا؟ لكون الموضوع فيها كليا وسوِّر بسور يشمل بعض الأفراد هو "بعض" فهذه القضية الجزئية، القضية التي فيها بعض جزئية موجبة، وذلك واضح.

(أو بلا شيء) هذا سور للسلب الكلي، سالبة لوجود "لا" هذا ظاهر، لا شيء من الإنسان بحجر، وكلية مع أنه لم يذكر في "لاشيء" لفظ يشمل جميع الأفراد يعمه بالسلب، نقول " لا شيء" نكرة وجاءت في سياق النفي وهي لا، ولا نافية للجنس، فتنفي جنس الشيء، ذلك يشمل جميع أفراد الشيء، لا شيء من الإنسان، أي لا فرد من أفراد الإنسان بحجر، فـ"لا شيء" حينئذ يكون سلبا كليا، السلب ظاهر من "لا"، والكلي لكون النكرة واقعة في سياق النفي.

(وليس بعض) هذا سلب جزئي، الجزئية مأخوذة من البعض، والسلب مأخوذ من ليس، ليس بعض الإنسان بحجر، ليس بعض الإنسان بكاتب، قضية سالبة جزئية، أسوارها مشهورة: ليس بعض، وبعض ليس، وليس كل، أسوار السالبة الجزئية: ليس بعض -كما ذكر المصنف- وبعض ليس -بالعكس-، بعض الإنسان ليس بحجر، و"ليس كل" أيضا، "ليس كل" سور للسالبة الجزئية، ليس كل الإنسان بكاتب بمعنى بعض أفراد الإنسان ليست كاتبة، "فليس كل" سور للجزئية، بخلاف "كل ليس"، كل إنسان ليس بحجر سالبة كلية، بمعنى لا شيء من الإنسان بحجر، والفرق بين هذه الألفاظ الثلاثة ليس كل، وليس بعض، وبعض ليس، تفصيلا مذكور في المطولات.

هذه هي أسوار القضايا الأربعة: الكلية الموجبة، والكلية السالبة، والجزئية الموجبة، والجزئية السالبة، وقد تبينت بالأمثلة، هذا كله معنى قوله (والثاني) (كلية شخصية والأول ** إما مسور وإما مهمل) (والسور كليا وجزئيا يرى ** وأربع أقسامه حيث جرى) (إما بكل أو ببعض أو بلا ** شيء وليس بعض أو شبه جلى)، ثم قال:

55- وَكُلُّـهَا مُوجَـبَةٌ وَسَـالِبَهْ

 

فَهـيَ إِذَن إِلَـى الثَّـمَانِ آيِـبَهْ

(وكلها موجبة وسالبة) هذا معلوم من قوله قبل ذلك (وأربع أقسامه حيث جرى) ولو قدم هذا البيت لكان أحسن لاحتياج البيت السابق هو قوله (وأربع أقسمه)، لاحتياجه لمعرفة السلب والإيجاب، قال (وكلها موجبة وسالبه ** فهي إذن) أي الأقسام السابقة الأربعة (إلى الثمان آيبه)، فإنه ذكر قبل ذلك الشخصية والكلية والجزئية والمهملة، هذه أربعة إذا انقسمت لموجبة وسالبة صارت الأقسام ثمانية، لذلك قال (فهي إذن إلى الثمان آيبه)، ثم قال:

56- وَالأَوَّلُ المَوضُـوعُ فِي الحَملِيَّهْ

 

وَالآخِـرُ المحـمُولُ بِـالسَّـوِيَّهْ

(والأول) أي الجزء الأول الذي هو محكوم عليه، الأول هنا بحسب الرتبة وليس بحسب الذكر، إن جعلته بحسب الذكر فتقول "غالبا"، بيان ذلك أن المحكوم عليه هو جزء أول دائما بحسب الرتبة، فإن المحكوم عليه عقلا يسبق المحكوم به، تتصور شيئا لتحكم عليه بشيء آخر، فالمحكوم عليه إذن سابق دائما ذهنا، أما في التلفظ فقد يتأخر، قد يسبق وقد يتأخر، فتقول زيد قائم، زيد محكوم وعليه، وهو سابق ذهنا لأنه محكوم عليه، وهنا أيضا سابق لفظا، فهو سابق في التلفظ لأنك قلت زيد قائم، وقائم متأخر ذهنا ومتأخر تلفظا، لكنك إذا قلت قام زيد فهنا قد تقدم المحكوم به وتأخر المحكوم عليه في التلفظ، مع أنه في الأصل وفي الذهن متقدم.

في قولك قام زيد، زيد المتقدم في الذهن، متقدم في الرتبة، لأن رتبة المحكوم عليه متقدمة دائما، فحينئذ يكون قول المصنف (والأول) أي والأول رتبة دائما هو الموضوع في القضية الحملية، إن قلت والأول ذكرا أي والأول في الذكر تقول "غالبا"، والأول في الذكر أي غالبا، لماذا؟ لأنه من غير الغالب يأتي متأخرا كما في قولك قام زيد، فإن الكلام أو الجملة عند النحاة ينقسم لجملة اسمية وجملة فعلية، الجملة الاسمية الموضوع المحكوم عليه يتقدم والمحكوم به يتأخر، فالمبتدأ محكوم عليه، والخبر محكوم به، وفي الجملة الفعلية العكس، المحكوم به يتقدم والمحكوم عليه يتأخر، هذا هو الشأن في الجملة الاسمية والجملة الفعلية.

والمحكوم عليه متقدم فيهما رتبةً ولا نزاع ذلك، لأنه لا يمكن أن تُقدم في ذهنك حكما وتُؤخر عنه المحكوم عليه، والأول رتبةً يسمى الموضوع لما بيناه، قال (في الحمليه) أي في القضية الحملية، أي حالة كونه جزءا من الحملية، والآخِر بكسر الخاء وليس الآخَر، فالآخَر بمعنى المغاير، وذلك ليس مرادا هنا، إنما المراد الأخير لأنه ذكر الأول فيقابله الأخير، لم يذكر "الموافق" لو ذكر الموافق لكان يناسبه الآخر، الموافق والمغاير، إنما هنا ذكر الأول فيناسبه الأخير فتكون الخاء بالكسر (والآخِر المحمول بالسويه) أي هما مستويان في القضية، كل منهما جزء في القضية الحملية متساويان.

انتهى الآن من الكلام على القضية الحملية فقسمها بحسب موضوعها لما كان موضوعها جزئيا وهي الشخصية ولما كان كليا، وتنقسم ثلاثة أقسام سماها في النظم كلية وليست تسمى كلية في الاصطلاح، والثلاثة التي تكون الموضوع فيها كليا إن لم يأت معها سور فمهملة، وإن جاء معها سور يبين لكل الأفراد أو بعض الأفراد فمسورة، المسورة بالسور الكلي كلية، المسورة بالسور الجزئي جزئية، السور هو اللفظ الدال على كمية الأفراد، سمي بذلك تشبيها له بسور البَلد، تنقسم كل منها لموجبة وسالبة فالأقسام ثمانية، كلها تجري في الشرطية أيضا، كل ما سبق أجراه المصنف في الحملية ذكره في تقسيم الحملية لأنه قال (والثاني) أي حملية، لكنها تجري -الأقسام الثمانية- أيضا تجري في الشرطية، فتنقسم الشرطية فيما سيأتي لشخصية وكلية وجزئية ومهملة وموجبة وسالبة، فتنقسم أقساما ثمانية لكن باعتبار يختلف عن الاعتبار في تقسيم الحملية، فالكلام في الشرطية الكلية والجزئية فيها ليس بحسب كمية الأفراد كلا أو بعضا، لا، ليس الأمر كذلك إنما الكلام فيها باعتبار صعب شيئا ما فلذلك لم يثقل المصنف رحمه الله على المبتدئ، فلم يذكر هذه الأقسام في الشرطية، لم يعمم ذلك، لكنها تنقسم لذلك أيضا، يذكر ذلك في محله من المطولات، لكنه قسّم الشرطية هنا أقساما تختص بها، واقتصر على هذا التقسيم وهو تقسيمها لحقيقية ومانعة جمع ومانعة خلو فقال:

57- وَإِن عَلَى التَّعلِيقِ فِيهَا قَد حُكِمْ

 

فَـإِنَّـهَا شَـرطِـيَّةٌ وَتَنقَـسِمْ

58- أَيـضًا إِلَـى شَرطِـيَّةٍ مُتَّصِلَه

 

وَمِثـلِهَا شَـرطِـيَّة مُنفَـصِلَـه

(وإن على التقسيم فيها قد حكم ** فإنها شرطية وتنقسم) هذا كله تكلمنا عليه، ثم قال (وتنقسم أيضا) أيضا مفعول مطلق من آض - يئيض بمعنى رجع فهو هنا يقول وينقسم أيضا، أي انقسمت الشرطية قسمين فرجعنا إلى التقسيم لقسمين كما قسّمنا الحملية، هذا أصله في اللغة -أصل أيضا-، لكنه اشتهر استعماله في الكتب وفي التأليف بمعنى التشبيه، وتنقسم أيضا أي كما انقسمت الحملية، وإن كان أصل وضعه في اللغة ليس للتشبيه، لكنه جرى على ألسنتهم بهذا المعنى، وتنقسم أيضا أي تنقسم كما انقسمت الحملية إلى شرطية متصلة ومثلها شرطية منفصلة.

ليس أن الحملية تنقسم إلى شرطية متصلة وشرطية منفصلة، وذلك واضح، إنما التشبيه في قوله وتنقسم كما انقسمت الحملية تشبيه في الانقسام لقسمين مطلقا، قال (إلى شرطية متصلة ** ومثلِها) بالجر وليس ومثلُها لأن مثلِها بالعطف على شرطية، إلى شرطية متصلة ومثلِها، لأنه يريد في الكلام قسمين، الشرطية المتصلة ومثل المتصلة وهي المنفصلة، إنما أن تقول وتنقسم إلى شرطية متصلة ثم تجعل الواو للاستئناف ومثلُها فيكون كلاما جديدا، وتكون مبتدأ، "مثل" مبتدأ، ومثلُها شرطية بالرفع منفصلة، فحينئذ يكون الانقسام كان لقسم واحد، وتنقسم وإلى شرطية متصلة، أين القسم الثاني؟ ليس مذكورا، الكلام انتهى، وقولك ومثلُها شرطية منفصلة مثل أي شيء؟ مثل الشرطية المتصلة* في أي شيء؟ فالكلام خطأ.

فرأينا هذا المتن مضبوطا بالرفع ويذكر على ألسنة بعض الطلاب بالرفع، هذا خطأ، (ومثلِها) بالجر (شرطيةٍ) بدل من مثل أو عطف بيان، شرطية (منفصلة) ومنفصلة أيضا بالجر صفة شرطية، تنبه لهذا الضبط، قسمها لشرطية متصلة ومنفصلة مع أنه ذكر في تعريف الشرطية مطلقا أنه يحكم فيه على التعليم والشرطية المنفصلة لا يحكم فيها على التعليق، ذلك كله قد بيناه، مثال الشرطية المتصلة، كلما طلعت الشمس فالنهار موجود، مَفادها تعليق مضمون الثانية على الأولى إن كانت موجبة، وسميت متصلة لأنها تفيد اتصال وجود الثانية بالأولى، كلما طلعت الشمس فالنهار موجود، بينت أن النهار موجود قضية تتحقق مع تحقق طلوع الشمس دائما، لأنها قائلة "كلما" وهذا للعموم في الأزمان والأحوال، فهنا اتصال بين النهار وموجود وبين الشمس طالعة، بين القضيتين، الكلام هنا ليس على مفردات وإنما على القضايا، فتقول حكمت باتصال النهار موجود، أي باتصال القضية، وليس باتصال وجود النهار، لا، حكمت باتصال تحقق "النهار موجود" بتحقق "الشمس طالعة".

الكلام في الشرطية على قضيتين بخلاف الحملية، فإذا رأيت في أي مثال أن الشرطية يُذكر فيها مفرادان أو ما في قوة المفردين فذلك على التسامح والتساهل كما يقولون العدد إما زوج أو فرد، فيذكرون زوج قبل إما وفرد بعد إما فهذا على التسامح، لأن هذه في الحقيقة ليست شرطية، الشرطية لا بد وأن تشتمل على قضيتين.

وإذا رأيت أيضا يقولون هذه القضية كلما طلعت الشمس فالنهار موجود، حاكمة بلزوم وجود النهار لطلوع الشمس ذلك على التسامح أيضا، لأنها لم تحكم بذلك، لأن وجود النهار مفرد وطلوع الشمس مفرد، إنما هي حاكمة باتصال "النهار موجود" باتصال هذه القضية بتمامها بـ"الشمس طالعة"، فالتأويل على التسامح وعلى التساهل وليس على الحقيقة، ذلك تعلمه من المطولات، تعلم الفرق بين طلوع الشمس والشمس طالعة بدقة في محل ذلك من المطولات.

فحينئذ نقول الموجبة يحكم فيها باتصال القضية الثانية بالقضية الأولى، الجزء الأول يسمى مقدما، الجزء الأول رتبةً أيضا وليس ذكرا، والجزء الثاني يسمى تاليا أي رتبةً أيضا، كما قلنا في الحملية، الجزء الأول هو ما يسبق الثاني، ما يتوقف عليه الثاني، الجزء الأول الذي هو الملزوم لا بد وأن يكون سابقا دائما، فالشمس طالعة في قولك كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، الشمس طالعة هنا مقدم، لماذا؟ لأننا حكمنا باتصال النهار وموجود به فيكون مقدما، والنهار موجود تاليا، إذا أردت علامة سهلة فما يكون عقيب أداة الشرط هو المقدم وغيره هو التالي، هذه علامة ظاهرية تسهّل عليك الأمر.

فهنا نقول وإن تأخر المقدم فهو مقدم، حتى وإن تأخر في الذكر، هو مقدم في الرتبة والعكس، إن تقدم التالي فهو أيضا تالٍ، متأخر فيه الرتبة حتى وإن تقدم في الذكر، مثلا تقول النهار موجود إن طلعت الشمس، فـ"النهار موجود" أيضا تالٍ مع أنه تقدم في الذكر لكنه متأخر رتبة لأنه لازم ورتبة اللازم تتأخر عن رتبة الملزوم، هذا ما يتعلق بالشرطية المتصلة الموجبة.

الشرطية المتصلة السالبة، ولا بد من أن تدقق في مفهومها، فمفهومها تخطئ فيه أكثر العقول، مفهوم الشرطية المتصلة السالبة، الموجبة مفهومها ليس فيه غموض، أما السالبة ففيه غموض، الشرطية المتصلة السالبة هي التي حكم فيها بسلب الاتصال لأن الموجبة حكم فيها بالاتصال، باتصال مضمون قضية بقضية أخرى، الشرطية السالبة المتصلة يحكم فيها بسلب هذا الاتصال، ما حكم في الموجبة بوقوعه يحكم في السالبة بسلبه، فحُكم فيها بسلب الاتصال، فإذا قلت "ليس إذا طلعت الشمس فالليل موجود"، يقدمون أداة السلب على القضية الشرطية بتمامها، ليس إذا طلعت الشمس فالليل موجود، هذه القضية حكم فيها بسلب اتصال الليل موجود بالشمس طالعة، تنبه لمفهوم هذه القضية، لأن الكتب الفلسفية والكتب الكلامية وكذلك الكتب الأصولية التي كتبها من مارس المعقول وزادت عنده هذه الملكة كشراح مختصر بن حاجب، العضد خاصة، والقطب الشيرازي، وكذلك السيد والسعد في حاشيتهما عليه، وكذلك القاضي البيضاوي، ومن اشتهر بملكة المعقول يكثرون من أمثال هذه القضايا، وأنت لا تفهم مفهومها، لا تفهم مفهوم السالبة خاصة.

 ليس إذا طلعت الشمس فالليل موجود تفهم هذه كيف؟ تأتي بالموجبة؟ تأتي بهذه القضية موجبة وتفهمها، ثم ما فهمته في الموجبة فلتسلُبْه في السالبة، هذه طريقة سهلة، فتقول إن جردناها من أداة السلب وقلنا إذا طلعت الشمس فالليل موجود، ما الذي حكمنا به هنا؟ حكمنا بوجود الليل عند طلوع الشمس، حكمنا باتصال وجود الليل عند طلوع الشمس، فإذا دخلت "ليس" فقد حكمنا بعدم اتصال وجود الليل أو الليل موجود بطلعة الشمس، بعدم الاتصال، بمعنى أن الشمس تطلع ولا يتصل به وجود الليل.

وإياك أن تدخل السلب على المقدم، ليس إذا طلعت الشمس فالليل موجود، نسألك عن مفهومها، تقول مفهومها أن الليل موجود عند عدم طلوع الشمس، هذا معنى صحيح، لكنه ليس معنى هذه القضية، وفرق كبير بين المعنين، بين أن تقول الثانية لا تثبت عند ثبوت الأولى وبين أن تقول الثانية تثبت عند عدم ثبوت الأولى، فرق كبير، مفهوم هذه القضية كما هو مشهور ومعلوم عند أصحاب هذا الفن سلب الثانية عند تحقق الأولى، فحينئذن تكون القضية الأولى أو المقدم في القضية الشرطية المتصلة دئما يحكم بتقدير تحققه، لا يدخل عليه السلب، مع أنهم قدموا أداة السلب؟ نعم، مع أنهم قدموا قدموا أداة السلب، وهناك طريق آخر سهل كالطريق الأول، الطريق الأول أن تأتي بها موجبة ثم تنفي المعنى الإيجابي تظهر لك.

الطريق الثاني أن تؤخر وتُزَحْزِح أداة السلب بأن تقول إذا طلعت الشمس ليس الليل موجودا، أي لم يتصل وجود الليل بطلوع الشمس، هذا مفهومها، لأنك إذا نظرت في الكتب الفلسفية والكلامية في القضايا السالبة ربما تفهمها خطأ فينقلب الأمر تماما، فحينئذ نقول تحكم السالبة المتصلة بسلب ونفي الاتصال وليس باتصال النفي، فرق كبير بينهما.

قال (ومثلِها شرطيتة منفصله) الشرطية منفصلة ليس شأنها كالمتصلة، وإنما يحكم فيها بالعناد والتنافر بين القضيتين، الأولى قلنا نحكم بالاتصال، قضية تتصل بها قضية أخرى، في المنفصلة نحكم بغير ذلك، نحكم بأن قضية لا تتصل بها أُخرى، تنافرها، لا تجتمع معها، لذلك سميت بالمنفصل لوجود الانفصال والتنافر والتعاند، والأولى سميت متصلة لوجود الاتصال، هذه القضية المنفصلة يُحكم فيها بتنافر قضيتين أو بعدم اجتماع قضيتين إما في الوجود والتحقق أو في عدم التحقق أوفيهما، فهي على كل حاكمة بعدم الاجتماع، الكلام على موجبتها، الكلام على موجبة الشرطية المنفصل، تحكم بعدم اجتماع قضيتين.

بعدم اجتماعهما في الوجود، هذا القسم، بعدم اجتماعهما في عدم الوجود، هذا قسم ثان، بعدم اجتماعهما في الوجود وعدمه، هذا قسم ثالث، فتنقسم المنفصلة لثلاثة أقسام، نذكر ما ذكره المصنف قبل تقسيم المنفصلة، قال:

59- جُـزآهُمَا مُقَـدَّمٌ وَتَـالِـيْ

 

أَمَّــا بَيَــانُ ذَاتِ الِاتِّصَـالِ

(جزآهما مقدما وتلي) هذا عرفناه، جزآهما أي جُزْآ الشرطية المنفصلة والمتصلة، في المتصلة بينا المقدم والتالي، ثم قال (أما بيان ذات الاتصال) بيان حقيقة متصلة، ذات الاتصال، أي المتصلة.

60- مَـا أَوجَبَت تَـلاَزُمَ الجُزأَينِ

 

وَذَاتُ الِانفِصَــالِ دُونَ مَيــنِ

(ما أوجبت تلازم الجزئين) أي ما حكمت بكون الجزئين متلازمين، وعرفنا أن الجزئين قضيتان وليسا مفردين، (وذات الانفصال دون مين) أي دون كذب.

61- مَـا أَوجَبَت تَنَافُـرًا بَينَهُمَا

 

أَقسَـامُـهَا ثَـلاَثَـةٌ فَلتُـعلَـمَا

 (ما أوجبت تنافرا بينهما) أي ما حكمت بالتنافر والتعاند وعدم الاجتماع بين قضيتين، (بينهما) يرجع للجزئين السابقين، بمعنى القضيتين، فالشرطية لا تتألف إلا من قضيتين، ثم قال (أقسامها) أي أقسام الشرطية المنفصلة، لم يذكر أقسام الشرطية المتصلة، ولها أقسام تذكر فيه محلها، (ما أوجبت تنافرا بينهما) أي أوجبت عدم الاجتماع فالتنافر نقيض وضد الاتصال، (أقسامها ثلاثة فلتعلما) أي أقسام الشرطية المنفصلة.

62- مَـانِعُ جَمعٍ أَو خُلُوٍّ أَو هُمَا

 

وَهـوَ الحَقِيـقِيُّ الأَخَـصُّ فَاعلَمَا

فلتدقِّق معي في معرفة وفي فهم هذه الثلاثة، الشرطية المنفصلة حاكمة هي مركبة من قضيتين يفصل بين القضيتين "إما" لأن "إما" للعناد، تُكرَّر أو لا تكرر، المهم أن تأتي إما، إما كذا وإما كذا، فالشرطية المنفصلة تُحكم بأن القضيتين لا تجتمعان، لا تجتمعان في أي شيء؟ لا تجتمعان في التحقق، في الصدق، بمعنى أنه لا يمكن أن تصدق القضيتان معا في وقت واحد، هذا معنى كون القضية حاكمة بعدم الاجتماع في التحقق، بمعنى أنك لا تقول على الأولى إنها متحققة ولا تقول على الثانية إنها متحققة، لم تحكم بالتحقق عليهما معا، هذا معنى كونها حاكمةً بعدم الاجتماع في التحقق.

مثلا تقول إما أن يكون الجسم أبيض وإما أن يكون أسود، هذه القضية الشرطية المنفصلة حاكة بأن القضية الأولى التي هي "الجسم أبيض" لا تجتمع مع القضية الثانية التي هي "الجسم أسود" في التحقق، لا تجتمع معها في التحقق، بمعنى أنه لا يمكن أن تقول الجسم أبيض قضية متحققة ثم تقول أيضا الجسم أسود قضية متحققة، وتقصد بـ"أل" في الجسم معهودا معينا، جسم معين، فلا يمكن أن تقول بأن نفس الجسم أبيض فهذه القضية متحققة وأن نفس الجسم أسود فهذه القضية متحققة، هذه القضية حكمت بهذا التعاند فقالت إما أن يكون الجسم أبيض وإما أن يكون الجسم أسود، هذه قضية شرطية منفصلة حاكمة بعدم الاجتماع في التحقق فتسمى عندهم مانعة جمع، إياك أن تقول مانعة جمع لأنها حكمت بعدم اجتماعهما، كل القضايا المنفصلة تحكم بعدم الاجتماع، إنما هذه حكمت بعدم الاجتماع في التحقق، فالجمع في قوله مانعة جمع أي مانعة التحقق فيهما.

وقد تحكم بعدم الاجتماع لكن في عدم التحقق، أي لا تحكم على القضيتين بحكم هو غير متحققة بأن تقول مثلا في قولك الجسم لا أبيض، الجسم لا أسود، فهنا تصيغ قضية هكذا، إما أن يكون الجسم لا أبيض وإما أن يكون لا أسود، هذه القضية حاكمة بعدم اجتماعها في الانتفاء، بعدم اجتماع القضيتين في عدم التحقق، حاكمة بأنك لا يمكن أن تقول الجسم لا أبيض قضية غير متحققه، الجسم لا أسود قضية غير متحققة، لماذا؟ لأنك إذا قلت الجسم لا أبيض قضية غير متحققة، إن رفعنا لا أبيض صار أبيض، وإن قلت الجسم لا أسود قضية غير متحققة، فرفعت لا أسود صار أسود، فاجتمع في الجسم أبيض وأسود، وهو اجتماع ضدين ولا يجوز، فالقضية القائلة إما أن يكون الجسم لا أبيض وإما أن يكون لا أسود حاكمة بعدم اجتماع القضيتين في عدم التحقق، في الامتناع، فتسمى هذه القضية مانعةَ خلو، أي مانعة الاجتماع في الخلو وعدم التحقق.

القضية الأولى منعت الاجتماع بين القضيتين، والثانية منعت الاجتماع أيضا بين القضيتين، لكن الأولى منعت اجتماعهما في الوجود والثانية منعت اجتماعهما في العدم، الأولى منعت اجتماع القضيتين في التحقق معا، ولم تمنع من ارتفاعهما، من اجتماعهما في الارتفاع، فأنت تقول إما أن يكون الجسم أبيض وإما أن يكون أسود قضية مانعة جمع لأنها حكمت بعدم الاجتماع في التحقق، هذا مفهومها، هل امتنع اجتماعهما في عدم التحقق؟ انظر، إن رفعت أبيض صار لا أبيض، وإن رفعت أسود صار لا أسود، هل يجوز أن يكون الشيء لا أبيض ولا أسود في وقت واحد؟ نعم، بأن يكون أحمر، أزرق أخضر، فهي لم تمنع الارتفاع، لم تمنع ارتفاعهما، حكمت بعدم اجتماعهما في التحقق ولم تحكم بعدم اجتماعهما في عدم التحقق، حكمت بعدم اجتماعهما في التحقق فذلك يستلزم أنه إن تحقق أحدهما ارتفع الآخر، لكن حكمت بعدم الاجتماع في عدم التحقق فلا يلزم أنه إن لم يتحقق واحد أن يتحقق الآخر، قد لا يتحقق واحد بأن يكون الجسم غير أبيض ولا يجب أن يتحقق الآخر بأن يكون أسود، قد لا يكون غير أسود أيضا، هذا بالنسبة للأولى.

الثانية نأتي على حقيقتها التي بينها ونأتي بمفهومها، منعت اجتماع القضيتين في عدم التحقق، وهل منعت أو هل مع هذا المنع امتناع في التحقق؟ هل يمتنع تحققهما؟ انظر أيضا، إما أن يكون الجسم لا أبيض وإما أن يكون الجسم لا أسود، هذه القضية حاكمة بعدم اجتماعهما في الكذب، في الكذب الذي هو عدم التحقق، أو الارتفاع، هل يمتنع الاجتماع أيضا في التحقق؟ فلننظر، إما أن يكون الجسم لا أبيض، إما أن يكون الجسم لا أسود، هل يمتنع تحققهما معا بأن يكون الجسم لا أبيض وأن يكون لا أسود؟ لا، لا يمتنع ذلك بأن يكون أحمر أو أخضر أو أزرق، فدل ذلك على أن مانعة الجمع هي التي تمنع اجتماع القضيتين في التحقق وقد لا يمتنع ارتفاعهما معا كما في المثال الذي ذكرناه، وقد يمتنع ارتفاعهما أيضا.

العدد إما زوج وإما فرد، قضية حاكمة بعدم اجتماعهما في التحقق، نعم، لأنه لا يمكن أن يتحقق أن العدد زوج وأنه فرد، وهل مع حكم هذه القضية بعدم الاجتماع في التحقق، هل أيضا لا يجتمعان في عدم التحقق؟ هل لا يجوز ارتفاعهما معا؟ فلننظر هل يجوز أن يكون العدد غير زوج وغير فرد في نفس الوقت؟ لا، فأيضا مع عدم اجتماعيهما في التحقق لا يجتمعان في الارتفاع، لكن القضية التي هي مانعة الجمع حاكمة بعدم الاجتماع في التحقق فقط، حاكمة بذلك سواء كان مع ذلك -مع مفهوم القضية، مع ما استفدناه من القضية- يمتنع ارتفاعهما أو لا يمتنع، يمتنع ارتفاعهما كما في العدد إما زوج وإما فرد، ولا يمتنع ارتفاعهما كما في الجسم إما أبيض وإما أسود، هذا في القضية مانعة الجمع.

في القضية مانعة الخلو بينا مثالا فيه، استفدنا من القضية عدم اجتماع القضيتين في الارتفاع، في عدم التحقق، مع إمكان الاجتماع في التحقق في المثال الذي ذكرناه، هل يمكن أن يكون هناك أيضا عدم اجتماع في التحقق؟ نأتي بقضية يمكن أيضا فيها عدم الاجتماع في التحقق، لها مثال ربما نذكره، المهم الآن أن مانعة الجمع تفهم منها أنها تمنع عدم الاجتماع، أنها تدل على عدم الاجتماع في التحقق، كان معه عدم الاجتماع في الارتفاع أيضا أو لم يكن هي أعم من ذلك، مانعة الخلو تدل على عدم الاجتماع في الارتفاع الذي هو عدم التحقق، كان مع ذلك عدم اجتماع في الصدق والتحقق أو لم يكن هي أعم من ذلك، هذه تسمى بمانعة الخلو وتسميتها ظاهرة.

قال (مانع جمع أو خلو أو هما)، قال (أو هما) أي أو هي مانعة جمع وخلو، أي تدل القضية الشرطية المنفصلة على امتناع الاجتماع في التحقق، وفي عدم التحقق، أي لا يقال على القضيتين إنهما لم تتحققا ولا يقال على القضيتين إنهما تحققتا، لا يقال هذا ولا ذاك، لماذا؟ لأنها حاكمة بعدم الاجتماع في التحقق وبعدم الاجتماع في الارتفاع، كقضية العدد إما أن يكون زوجا وإما أن يكون فردا، فهذه القضية حاكمة بامتناع ارتفاع الزوجية والفردية عن العدد، وامتناع ثبوت الزوجية والفردية للعدد، فهذه منعت الجمع ومنعت الخلو أيضا، هذه يسمونها بمانعة الجمع والخلو معا، وتسمى بالحقيقية لما أن المنع فيها حقيقي، لأن المنع إذا كان من الجهتين كان أحق باسم المنع من المنع في جهة واحدة.

هذه الحقيقية تدخل في مانعة الجمع التي سبقت وفي مانعة الخلو التي سبقت أيضا فيها اصطلاحان، اصطلاح يقول بأن مانعة الجمع التي سبقت هي التي عرفناها وبيناها ومانعة الخلو التي سبقت التي عرفناها وبيناها حينئذ يقول لمانعة الجمع صورتان، ولمانعة الخلو صورتان، صورة منهما -من كل من الصورتين- هي المانعة الحقيقية، قلنا في مثال الجسم إما أن يكون أبيض وإما أن يكون أسود، إن المنع فيه من جهة التحقق فقط، ولا يمتنع ارتفاعهما فهي مانعة جمع وليست مانعة خلو، فهذه لا تصلح أن تكون حقيقية، وأتينا بمثال آخر وهو العدد إما زوج وإما فرد، بينا أنه من قبيل مانعة الجمع، لأنه يمتنع اجتماعهما على العدد ولكنه أيضا يمتنع ارتفاعهم عن العدد، ففيها مانع جمع وخلو، وهي داخلة تحت مانعة الجمع، نعم، لأن مانعة الجمع أعم تشمل مانعة الجمع أو تدل على منع الاجتماع في التحقق وفي الصدق سواء كان هناك امتناعا من الارتفاع أو ليس هناك امتناع من الارتفاع، إن كان هناك امتناع من الارتفاع أيضا فهي مانعة حقيقية أيضا، فالمانعة الحقيقية تندرج في مانعة الجمع.

نأتي لمانعة الخلو، مثلنا بمثال هو الجسم إما لا أبيض وإما لا أسود، مثلنا بهذا المثال لمانعة الخلو التي دلت على عدم الاجتماع في الكذب، في عدم التحقق، وليس معه عدم الاجتماع في التحقق، فتتحقق القضيتان معًا بأن يكون لا أبيض ولا أسود، ومثال العدد زوج أو فرد مانعة خلو أيضا لأنه يمتنع خلو الأمرين عن العدد، ومع امتناع الخلو يمتنع الاجتماع، نعم، يمتنع الاجتماع، إذن هي مانعة خلو؟ نعم، ومانعة حقيقية؟ نعم، لأن المانعة الحقيقية تمنع الأمرين، فتدخل المانعة الحقيقية في مانعة الخلو، فيكون كل من مانعة الجمع ومانعة الخلو أعم من المانعة الحقيقية، والمانعة الحقيقية أخص، لأننا تكلمنا في العموم الخصوص على أن الأعم يشمل الأخص ويزيد عليه أفراد، هنا مانعة الجمع أعم من المانعة الحقيقية لماذا؟ لأنها تشمل المانعة الحقيقية، كل مانعة حقيقية تدخل في مانعة الجمع وتزيد مانعة الجمع بأفراد، زادت بمثل الجسم إما أبيض وإما أسود، زادت بهذا المثال، هذا ليس من مانعة حقيقية وهذا من مانعة الجمع.

ومانعة الخلو أعم من المانعة الحقيقية، لماذا؟ لأن مانعة الخلو تشمل كل مانعة حقيقية وتزيد عليها أفراد، زادت بمثل الجسم إما لا أبيض وإما لا أسود، وما شمل شيئا بجميع أفراده وزاد عليه يكون أعم منه والآخر أخص، لذلك قال المصنف (وهو الحقيقي) في قوله (أو هما) قال (وهو) أي الذي منع الأمرين، (وهو الحقيقي) أي تسمى عندهم بالحقيقية وليس بالحقيقي بالتذكير، تسمى بالتأنيث، لكنه أتى بالتذكير لأنه ذكّر في قوله (وهو) أي المذكور، المذكور الثالث يسمي بالحقيقي، واصطلاحهم أنها تسمى بالحقيقة، المانعة الحقيقية، قال (وهو الحقيقى الأخص فاعلما) هذا اصطلاح.

هناك اصطلاح آخر هو أن مانعة الجمع تمنع التحقق فيهما فقط، فالتي تمنع عدم التحقق، التي تدل على عدم الاجتماع في الكذب أيضا ليست مانعة جمع، فمانعة الجمع حينئذ تصدق على الجسم إما أبيض وإما أسود فقط، والعدد وإما زوج أو فرج لا تصدق عليها مانعة الجمع، هذا في الاصطلاح الثاني.

ويأتي هذا الاصطلاح في مانعة الخلو، فيقول إنها تدل على عدم الاجتماع في الكذب، في الانتفاء، في الارتفاع فقط، إن أفادت عدم الاجتماع، أو إن أخد منها عدم الاجتماع في الصدق أيضا قال ليست مانعة خلو، فتكون مانعة الجمع مانعة للجمع فقط، ومانعة الخلو مانعة للخلو فقط، فتدخل في مانعة الخلو الجسم إما لاأبيض وإما لاأسود، أما العدد إما زوج أو فرد لا تدخل في مانعة الخلو، والحقيقية هي التي تمنعهما، فيكون بين الثلاثة تباين، ليست الحقيقية أخص منهما، بل يكون كل قسم مباينا للآخر، أفاد المصنف اختياره للطريقة الأولى وللاصطلاح الأول بقوله (الأخص فاعلما) أي فاعلم هذا الذي ذكرناه من البيت، فنكون بذلك قد انتهينا من الكلام على تقسيم لفظ المركب لطلب وخبر ومن تقسيم الخبر الذي هو القضية لحملية وشرطية، ومن تقسيم الحملية لأقسامها الثمانية، ومن تقسيم الشرطية لمتصلة ومنفصلة، ومن تقسيم المنفصلة لأقسامها الثلاثة بالاصطلاحين والطريقتين.

فقد انتهينا من الكلام على تعريف القضية وعلى تقسيمها لحملية وشرطية، وعلى تعريف الحملية، وعلى تقسيمها لأقسامها الأربعة أو الثمانية، وتكلمنا أيضا على تعريف الشرطية وعلى تقسيمها لمتصلة ومنفصلة، وعرفنا كل قسم من القسمين، وتكلمنا أيضا على تقسيم المنفصلة لأقسامها الثلاثة، هذا هو الذي اقتصر عليه المصنف رحمه الله في الكلام على القضايا، ولم يتكلم على تقسيم الشرطية المتصلة للزومية واتفاقية وتقسيم المنفصلة للعنادية واتفاقية، ولم يتكلم على تقسيم الشرطية للأقسام التي ذكرها في الحملية، تنقسم أيضا لكلية وجزئية وشخصية ومهملة ولكن باعتبار يختلف عن الاعتبار في الحملية لما كان ذلك صعبا على المبتدئ تركه تخفيفا عليه.

فشرع بعد ذلك في الكلام على حكمين من أحكام القضايا وهما التناقض والعكس، ويحتاج لهما في استنتاج الضروب المنتجة من الأشكال سوى الأول، وبدأ بالتناقض باحتياج العكس في الاستدلال عليه للتناقض.

فلذلك قال:

﴿فصل في التناقض﴾

63- تَنَاقُـضٌ خُلفُ القَضِيَّتَينِ فِي

 

كَيـفٍ وَصِـدقُ وَاحِـدٍ أَمرٌ قُفِي

قال (تناقض) بالتنكير، هو مبتدأ، وساغ التنكير في قوله (تناقض) والمبتدأ لا يكون نكرة أنه أراد منه الجنس فيكون حينئذن في قوة المعرفة، تناقض أي جنس التناقض، لأن التعريف تكون للحقائق وأجناس الأشياء، قال (تناقض خلف القضيتين) الخلف اسم مصدر، والمصدر هو الاختلاف، فقصد هنا باسم المصدر المصدر، كثيرا ما يطلق اسم المصدر على المصدر، «والله أنبتكم من الأرض نباتا» النبات اسم مصدر، والمصدر إنبات، "والله أنبتكم من الأرض إنباتا" هذا الأصل، لكنه عبر بالنبات وهو اسم المصدر عن الإنبات الذي هو المصدر، كذلك هنا قال (خلف) أي اختلاف.

قال (خلف القضيتين في كيف) أي اختلاف قضيتين في كيف، "الكيف" هو الإيجاب والسلب فتقول "زيد قائم" نقول ما كيف هذه القضية؟ نقول موجبة، وزيد ليس بقائم ما كيفها؟ نقول سالبة، فالكيف هو الإيجاب والسلب، والكلية والجزئية "كَم"، فيقال ما كيف هذه القضية وكمها؟ في قولك كل إنسان حيوان، تقول هي موجبة كلية، فهو هنا يقول التناقض هو اختلاف القضيتين بالايجاب والسلب، قال (وصدق) بالرفع مبتدأ، (وصدق واحد أمر قفي) أي أمر تبع، أي أمر لازم، قال (وصدق) الواو للحال، فهذه جملة غير الجملة التي سبقت (تناقض خلف القضيتين في كيف)، قال (وصدق) الواو ليست عاطفة، إنما هي واو الحال، فتدخل على جملة تؤول بالحال، (وصدق واحد أمر) أمر خبر صدق، أمر قفي، أي صدق أحد القضيتين أو صدق إحدى القضيتين أمر لازم.

فحاصل التعريف أن التناقض اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب حالةَ كون إحدى القضيتين صادقة فقط، أي والأخرى كاذبة، فقوله (وصدق واحد) أي فقط، ليكون مفيدا أن القضية الأخرى أو القول الآخر يكون كاذبا، فأخذنا من هذا البيت أن التناقض هو اختلاف القضيتين بالإيجاب والسلب مع صدق أحدى القضيتين وكذب الأخرى، التعريف الذي اشتهر بين علماء المنطق أن التناقض هو اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب الأخرى، فهذا التعريف يختلف عن تعريف المصنف ويزيد عليه زيادة سنذكرها آخر الكلام على تعريف المصنف، فنقول اختلاف القضيتين يدخل فيه كل اختلاف، فالقضيتان تختلفان بالكلية والجزئية، كل إنسان حيوان، بعض الإنسان حيوان، تختلفان بالكلية والجزئية، وتختلفان بالحمل والشرطـ، كل إنسان حيوان حملية، وكلما طلعت الشمس فالنهار موجود، قضيتان اختلفتا بالحمل والشرط، تختلفان بالاتصال والانفصال، كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، والعدد إما زوج وإما فرد، قضيتان إحداهما متصلة والأخرى منفصلة، تختلفان بالموضوع زيد قائم وعمرو قائم قضيتان اختلفتا بالموضوع، تختلفان بالمحمول زيد قائم، زيد نائم، تختلفان بالزمان تختلفان بأمور كثيرة وتختلفان أيضا في الكيف، تختلفان بالإيجاب والسلب نقول زيد قائم، زيد ليس بقائم.

فكل هذه اختلافات تدخل في قوله اختلاف القضيتين، لكن التناقض ليس جميع هذه الاختلافات، فلا بد من إخراج بعضها وإبقاء الاختلاف الذي هو التناقض، فقوله (في كيف) اختلاف القضيتين في الإيجاب والسلب يخرج ما عدا الاختلاف في الإيجاب والسلب، فالقضيتان المختلفتان في الحمل والشرط ليس بينهما تناقض، المختلفتان في الاتصال والانفصال ليس بينهما تناقض، مختلفتان في الكلية والجزئية، مختلفتان في الموضوع، مختلفتان في المحمول، كل هذه القضايا ليس بينها التناقض، بل التناقض يكون في القضيتين المختلفتين بالايجاب والسلب، فلا تناقض بين موجبتين، ولا تناقض بين سالبتين، إنما التناقض بين موجبة وسالبة، اختلاف القضيتين في الإيجاب والسلب مع صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى، اختلاف القضيتين في الإيجاب والسلب يحصل مع صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى، ويحصل مع صدقهما، ويحصل مع كذبهما، يحصل مع كل هذه الأحوال، فتختلف القضيتان ولا يختلف الصدق والكذب، بل تكون القضيتان صادقتين.

بعض الحيوان إنسان، بعض الحيوان ليس بإنسان، قضيتان مختلفتان إيجابا وسلبا، ومع ذلك هما صادقتان، كل حيوان إنسان ولاشيء من الحيوان بإنسان، قضيتان مختلفتان إيجابا وسلبا ومع ذلك لم يتحقق الاختلاف في الصدق والكذب، إنما كذبت القضيتان، كل حيوان إنسان كاذبة، لاشيء من الحيوان بإنسان كاذبة، كل إنسان حيوان، وكل حيوان إنسان كاذبة، وبعض الحيوان ليس بإنسان، قضيتان مختلفتان إيجابا وسلبا واختلفتا صدقا وكذبا، الأولى كاذبة والثانية بعض الحيوان ليس بإنسان صادقة لأنه يكون فرسا ويكون أسدا، فتبيّن بذلك أن اختلاف القضيتين لا يكون التناقض فيه إلا إذا كان بالإيجاب والسلب، بل ولا بد مع الاختلاف في الإيجاب والسلب أن يختلف الصدق والكذب، أن تصدق إحدى القضيتين وأن تكذب الأخرى، فلو كان مع الاختلاف في الإيجاب والسلب اتفاق في الصدق بأن كانت القضيتان صادقتين فليس التناقض بحاصل، أو كانتا كاذبتين فليس التناقض بحاصل.

فقوله (وصدق واحد أمر قفي) أو قولهم في التعريف مع صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى يُخرج ما إذا اختلف الإيجاب والسلب بين القضيتين ولم يختلف الصدق والكذب كما في الكليتين، فيكون الحاصل الكذب فقط، كل حيوان انسان ولا شيء من الحيوان بإنسان، وإذا كانتا صادقتين كما في الجزئيتين أيضا كما في بعض الحيوان الإنسان وبعض الحيوان ليس بإنسان، فليس هناك تناقض، أما في نحو كل حيوان إنسان وبعض الحيوان ليس بإنسان فيتحقق التناقض لما أنه قد تحقق الاختلاف في الايجاب والسلب ومعه الاختلاف في الصدق والكذب فيكون هناك تناقض بينهما حينئذن، كل حيوان إنسان قضية كلية موجبة، بعض الحيوان ليس بإنسان قضية جزئية سالبة، القضيتان متفقتان في الموضوع، متفقتان في المحمول، متفقتان في باقي الأمور، مختلفتان إيجابا وسلبا، إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، فتتحقق قول المصنف التناقض اختلاف قضيتين في الكيف أي في الإيجاب والسلب مع كون إحدى القضيتين صادقة فقط أي والأخرى كاذبة.

إلى هذا الحد تحقق كلام المصنف وأفاد كلام المصنف أن هذا تناقض، لكن كلام المصنف قاصر في إفادة التناقض المنطقي، فإن المناطقة قد ذهبوا إلى أن التناقض اختلاف بين القضيتين في الإيجاب والسلب مع الاختلاف في الصدق والكذب بين القضيتين وأوجبوا أن يكون الاختلاف في الصدق والكذب بسبب الاختلاف في الإيجاب والسلب فقط، أن يكون المتسبب أن يكون المقتضي المستلزِم للثاني الذي هو الاختلاف في الصدق والكذب هو الأول الذي هو الاختلاف في الايجاب والسلب، كلام المصنف يفيد أنه متى تحقق الاختلاف في الايجاب والسلب وتحقق معه الاختلاف في الصدق والكذب فهو تناقض، هذا كلامه الذي أخذناه من (قوله تناقض خلف القضيتين في كيف ** وصدق واحد أمر قفي)، أما كلام المناطقة فهو هذا مع زيادة أمر، وهو أن يكون الاختلاف في الصدق والكذب ناشئا عن الاختلاف في الايجاب والسلب، هل لنا اختلاف في الصدق والكذب ليس ناشئا عن الاختلاف في الاجاب والسلب؟ تحقق في القضيتين اختلاف في الإيجاب والسلب واختلاف في الصدق والكذب وليس الاختلاف في الصدق والكذب ناشئا عن الاختلاف في الإيجاب والسلب؟ نقول نعم، هناك ذلك، وكلام المصنف يجعله التناقض وهو عند المناطقة ليس بتناقض.

مثلا، زيد ناطق وزيد ليس بإنسان، هنا حصل اختلاف في الإيجاب والسلب، زيد ناطق موجبة، زيد ليس بإنسان سالبة، وتحقق مع ذلك اختلاف في الصدق والكذب، فزيد ناطق صادقة، زيد ليس بإنسان كاذبة، ولا يمكن هنا أن ينفك الاختلاف في الصدق والكذب عن الاختلاف في الإيجاب والسلب، إذا جعلنا القضيتين موجبتين، زيد ناطق، زيد إنسان صدقتا، سالبتين زيد ليس بناطق، زيد ليس بإنسان كذبتا، زيد ناطق، زيد ليس بإنسان اختلفتا في الصدق والكذب، فإذا اتحدتا في الإيجاب والسلب اتحدتا في الصدق أو في الكذب، وإذا اختلفتا إيجابا وسلبا اختلفتا في الصدق والكذب، فهنا مع الاختلاف في الإجاب والسلب دائما يختلف الصدق والكذب.

وليس بينهما تناقض اصطلاحي لما أن التناقض هنا حاصل بسبب الاختلاف في الإجابب والسلب، نعم، الاختلاف في الصدق والكذب حاصل بسبب الاختلاف في الإيجاب والسلب لكن ليس فقط بل مع أمر آخر زاد على ذلك هو أن المحمول الأول يساوي المحمول الثاني، فناطق يساوي إنسان، فإذا أردت أن تقيم الدليل هنا على كون الصدق والكذب تابعا للإيجاب والسلب ويحصل الاختلاف فيه مع الاختلاف في الإيجاب والسلب فإنك تقيم هكذا بأنه يحصل مع الإيجاب والسلب وتقول بواسطة أن كل إنسان ناطق وأن كل ناطق إنسان، هناك واسطة هناك أمر زاد، لماذا تبع الصدق والكذب أو الاختلاف في الصدق والكذب الاختلاف في الإيجاب والسلب؟ تقول لكون كل إنسان ناطقا، ولكون كل ناطق إنسانا، لولا أن الإنسان يساوي الناطق لما حصل اختلاف في الصدق والكذب مع الاختلاف في الإيجاب والسلب.

لو قلت زيد ناطق، زيد ليس بقائم، لا يجب أن يختلف الصدق والكذب مع الاختلاف في الإيجاب والسلب، لا يجب هذا لأنه قد يكون ناطقا، أو هو ناطق ويكون نائما، فتصدق القضيتان، قد يكون قائما فتكذب الثانية، فلم يكن الصدق والكذب تابعا للاختلاف في الإيجاب والسلب، إنما في زيد ناطق، زيد ليس بإنسان تبعية في اختلاف الصدق والكذب للاختلاف في الإيجاب والسلب دائما، لماذا؟ لتساوي المحمولين، فإذا قلنا للاختلاف في الإيجاب والسلب ولكون المحمولين متساويين لم يكن الاختلاف في الصدق والكذب بسبب الاختلاف في الإيجاب السلب فقط، بل كان معه أمر، زاد عليه أمر فحينئذ يقول المناطقة إن الاختلاف في الصدق والكذب ليس لذات الاختلاف في الإيجاب والسلب، إنما هو بسبب أمر زائد وهو تساوي المحمولين، هذا داخل في كلام المصنف، لا يقصده المصنف، ليس مذهبا هذا للمصنف أنه يقصد أن هذا من التناقض، لا، ليس الأمر كذلك، هو قصور في عبارته، هو لا يمكن أن يشِذّ عن المناطقة في ذلك، فلا خلاف بين المناطقة في أن التناقض لا يتحقق مع اختلاف المحمول وأن التناقض لا بد فيه من أن يكون الصدق والكذب أو اختلاف في الصدق والكذب تابعا للاختلاف في الإيجاب والسلب.

هذا مما اتفق عليه، فالمصنف ليس يذهب مذهبا آخر فذكره في المتن، لا، هو يقول ما يقوله المناطقة لكن عبارته قاصرة في التعبير عن هذا المعنى، لذلك اعترض عليه الشراح في أن كلامه لا يفيد حقيقة التناقض بتمامه لما بيناه، فكان على المصنف أن يزيد قيد "لذاته"، مثلا كأن يقول تناقض خلف القضيتين في كيف وصدق واحد أمر قفي لذاته، لذات الاختلاف مثلا، ويأتي بوزن يناسب هذا الكلام.

أيضا هناك اختلاف في الصدق، قلنا زيد ناطق وزيد ليس بإنسان، نعم، التناقض هنا بسبب تساوي المحمولين، يكفي هذا في بيان نقص كلام المصنف في قوله، وهناك حالات أخرى، فالحاصل من ذلك أن التناقض عند المناطقة هو ما ذكره المصنف مع زيادة أمر، وهو أن يكون الاختلاف في الصدق والكذب تابعا ناشئا مُسبَّبا عن الاختلاف في الايجاب والسلب فقط دون أمر زائد.

بعد ذلك تنظر في القضايا، تنظر في كل قضية، وتغير الإيجاب والسلب فيها وتنظر ما الذي يجعل الصدق والكذب يختلف مع الإيجاب والسلب؟ فتعرف التناقض، فمثلا تنظر في الشخصية، نغير الإيجاب والسلب، نأتي بزيد قائم، قضية شخصية موضوعها جزئي، تقول نغير الإيجاب والسلب هذا أول شيء وننظر هل يتغير الصدق والكذب أم لا؟ زيد قائم، تقول زيد ليس بقائم، هل يمكن أن تصدق القضيتان معا؟ لا يمكن ذلك، لا يمكن أن يصدق أن زيد قائم وأن زيد ليس بقائم لا يمكن، يصدق زيد قائم أو زيد ليس بقائم، فاختلف الصدق والكذب هنا بسبب الاختلاف في الإيجاب والسلب فقط، وليس هناك أمر زائد على الاختلاف في الإيجاب والسلب فتعلم أن نقيض الموجبة الشخصية سالبة شخصية، لذلك قال:

64- فَـإِن تَكُن شَخصـِيَّةً أَو مُهمَلَه

 

فَنَقـضُهَا بِالـكَيفِ أَن تُبَـدِّلَـه

(فإن) أي إذا علمت ذلك في تعريف التناقض فأقول لك في بيان التناقض في كل قسم من الأقسام التي سبقت، يعني كان يكفي أن يذكر التعريف ولا يحتاج لبيان نقيض كل قضية لأنك عرفت الضابط، أن تنظر في القضية وما الذي يجعل الصدق والكذب فيها يختلف مع الإيجاب والسلب فقط أو ما الذي يتحقق فيه ذلك فتجعله نقيضا، هذا كافٍ، لكن لما كان المتن المبتدئ والمبتدئ لا يستطيع أن يستخرج أو أن يطبّق حقيقة التعريف على الأقسام ذكرها المصنف فقال (فإن تكن شخصية أو مهمله)، دعك من المهملة الآن.

(فإن تكن شخصية) قال (فنقضها) أي فنقيضها، فنقيض الشخصية (بالكيف أن تبدله) نقيضها، نقيض هذه الشخصية ونقيض المهملة، فقوله فنقضها أي فنقض القضية السابقه سواء كانت شخصية أو مهملة، قال (فنقضها بالكيف أن تُبَدِّلَه) "أن والفعل" في تأويل المصدر، فتؤول "أن مع الفعل" تبدله بمصدر الفعل، فـ"تبدله" مصدره التبديل، بدل يبدل تبديلا، فتقول حينئذ فنقضها مبتدأ، بالكيف تبديله، أي فنقضها تبديل الكيف، هذا الذى قاله، قال نقيض الشخصية هو أن تبدِّل الكيف، وهذا يكفي في تناقض الشخصية، أما المهملة فسأتي الكلام عليها، ثم قال:

65- وَإِن تَكُن مَحصُـورَةً بِالسٌّـورِ

 

فانقُـض بِضِـدِّ سُورِهَـا المَذكُورِ

(وإن تكن محصورة) القضية المحصورة هي الكلية والجزئية وهما الباقيتان، لأنه تكلم على الشخصية والمهملة قال (وإن تكن محصورة بالسور ** فانقض بضد سورها المذكور) فانقض بضد، فانقض بتغيير الكيف، الكلام هنا مضاف لما في البيت السابق، فانقض بتبديل الكيف الذى سبق في البيت السابق، فانقض بتبديل الكيف مع الإتيان بضد السور، فقوله فانقض بضد سورها ليس هو الإتيان بالنقيض فحسب، بل مع ما سبق، فانقض بضد سورها المذكور أي مع ما سبق وهو الاختلاف في الإيجاب والسلب، لماذا؟ لأنه بين في التعريف أن التناقض لا بد فيه من اختلاف بالإيجاب والسلب، فإذا قال لك هنا فانقض بضد سورها المذكور لا تتوهم أنه يحصل التناقض بتبديل السور فقط، والإيجاب كما هو أو السلب كما هو، لا، لا يتوهم ذلك، لأنك عرفت أن التناقض من حقيقته الاختلاف في الإيجاب والسلب، فقوله فانقض بضد سورها المذكور، أي مع التبديل في الكيف كما علمت في الشخصية.

قال (ولو إن تكن محصورة بالسور) وهي القضية الكلية والجزئية موجبة كانت أو سالبة، قال (فانقض بضد سورها المذكور) أي فانقض بتغيير الإيجاب والسلب مع تغيير السور أيضا، فيزيد على الشخصية تغيير السور، فإذا قلت كل إنسان حيوان قضية كلية موجبة، إذا أردنا أن نأتي بنقيض هذه فإنك قد فهمت من التعريف أنه لا بد من الاختلاف في الإيجاب والسلب فتغير الإيجاب والسلب، تقول أول شيء نقول في كل إنسان حيوان نقول كل إنسان ليس بحيوان، فلنأتي بمثال كل حيوان إنسان، عرفت من التعريف أنه لا بد من تغيير الإيجاب والسلب هذا أول أمر نصنعه فتغير وتقول كل حيوان ليس بإنسان، ثم عرفت من التعريف أنه لا بد من أن يختلف الصدق والكذب مع الاختلاف في الإجاب والسلب، فننظر كل حيوان إنسان كاذبة ولما بدلنا الكيف كان يجب أن تصدق، لأنه إذا كان أحدهما صادقا كان الآخر كاذبا، فقلنا كل حيوان ليس بإنسان كاذبة أيضا.

إذن، ماذا نصنع؟ نحن غيّرنا الإيجاب والسلب ولم يتغير الصدق والكذب، هذا أيضا من الصور التي يتبين فيها أن الصدق والكذب ليس تابعا هنا للإيجاب والسلب، إنما نحتاج لأمر الآخر، لكنه أمر ليس خارجا عن القضية، ليس أمر يضر، فحينئذ نقول لو بدلنا الكم في القضية الثانية، كل حيوان الإنسان نبدل كيفها ونبدل كمها أيضا، نبدل كيفها نبدل الإيجاب السلب لأنه يجب في التناقض اختلاف في الإيجاب والسلب، ونبدل كمها لنرى هل تظل كاذبة أم تصدق؟ فنقول بعض الحيوان ليس بإنسان، بدلنا الكم، رأينا أن القضية صدقت، وكلما كان الأمر كذلك كلما غيرنا كيف القضية الكلية الموجبة مع تغيير الكم تصدق الثانية وتكذب الأولى، أو تصدق الأولى وتكذب الثانية، يتغير الصدق والكذب.

فحينئذ نقول يجب مع تغيير الإيجاب والسلب تغيير الكم وإلا لاجتمعتا على الكذب، أو اجتمعتا على الصدق لو كانت جزئية، فتقول كل حيوان إنسان لا يصح أن تقول كل حيوان ليس بإنسان بتغيير الإيجاب والسلب فقط، لا بد أن تغير السور أيضا، فتقول في نقيض الكلية الموجبة نقيضها جزئية سالبة، هذا بالنسبة للكلية الموجبة وبالنسبة للجزئية السالبة، الجزئية السالبة أيضا نقيضها كلية موجبة.

فالجزئية السالبة لا تناقضها الجزئية الموجبة، لا بد من أن تغير الكم، مثلا أنت تقول بعض الحيوان ليس بإنسان، هذه قضية جزئية سالبة فلنأتي بنقيضها تبدل الكيف أولا، هذا ما عرفناه من التعريف (خلف القضيتين في كيف) نبدل الكيف، ثم ننظر في الصدق والكذب بعد ذلك، فنقول في تبديل الكيف بعض الحيوان إنسان، هذه قضية جزئية، الأولى بعض الحيوان ليس بإنسان صادقة، وهنا بعض الحيوان إنسان بدلنا الكيف، ثم ننظر في الصدق والكذب، رأينا أن القضيتين صادقتان، ما الأمر؟ لا بد من تغيير الكيف في الثانية، فتقول كل حيوان إنسان، تكذب، الأولى صادقة، والثانية تكذب، واطرد هذا الأمر رأيناه دائما كلما أتينا في نقيض الجزئية السالبة بكلية موجبة اطرد اختلاف الصدق والكذب مع اختلاف الإيجاب والسلب، ولو لم نصنع ذلك لما حصل الاختلاف في الصدق والكذب مع الاختلاف في الإيجاب والسلب، فقرروا أن الجزئية السالبة نقيضها كلية موجبة، علمنا بهذا حكم الكلية الموجبة والجزئية السالبة، كل منهما نقيضه الآخر، فوجب مع تغيير الايجاب والسلب تغيير السور، الكلية والجزئية.

نأتي للكلية السالبة، مثلا نقول لا شيء من الإنسان بحجر، ونقول في نقيضه حينئذ بعد تبديل الكيف لا بد أن نبدل الكم أيضا فنقول لا شيء من الإنسان بحجر، نقول بعض الإنسان حجر، تكذب هذه القضية، بعض الإنسان حجر، ولو قلت كل إنسان حجر لكذبت أيضا لكن الكلية لا تناقضها كلية، تناقضها جزئية، لا بد من تبديل السور، فتبين بذلك أن المحصورة لا بد من أن تبدل فيها السور ليتحقق الاختلاف في الصدق والكذب مع اختلاف في الإيجاب والسلب باطراد، لذلك قال:

66- فَـإِن تَكُـن مُوجَبَـةً كُلِّـيَّه

 

نَقِيضُهَـا سَـالِبَـةٌ جُــزئِيَّـه

67- وَإِن تَكُـن سَـالِبَـةً كُلِّـيَّه

 

نَقِيضُـهَا مُـوجَـبَةٌ جُـزئِيَّـه

تأخذ من هذين البيتين أحكام الأقسام الأربعة، تأخذ نقيض الموجبة الكلية، ونقيض السالبة الجزئية، ومن البيت الثاني تأخذ نقيض السالبة الكلية ونقيض الموجبة الجزئية فانتهت المحصورات الأربع حينئذ، فتبيّن بذلك أن القضية إذا كانت شخصية يحصل التناقض باختلاف الإيجاب والسلب فقط، وإذا كانت محصورة فلا بد من اختلاف السور ليتحقق الاختلاف في الصدق والكذب مع الاختلاف في الإيجاب والسلب، ولا يكفي اختلاف الإيجاب والسلب فقط.

هناك قضية كلية، مثلا كل إنسان حيوان، قضية كلية، ولو غيرنا الكيف فقط دون الكم لحصل الاختلاف في الصدق والكذب، كل إنسان حيوان لو غيرنا الإيجاب وجعلناه سلبا كل إنسان ليس بحيوان، الأولى صادقة، كل إنسان حيوان، الثانية كاذبة، فتحقق الاختلاف في الصدق والكذب مع تحقق الاختلاف في الإيجاب والسلب هذه تجعلك تقول الكلية الموجبة تناقضها كلية سالبة، يمكن أن تقول ذلك لأنك رأيت أن كل إنسان حيوان صادقة، وكل إنسان ليس بحيوان أو لا شيء من الإنسان بحيوان كاذبة، فاختلف الصدق والكذب مع اختلاف الإيجاب والسلب، نقول لا، هذه تدخل في كلام المصنف لأنه اختلف في الصدق والكذب مع الاختلاف في الإيجاب والسلب، نعم تدخل في كلام المصنف، فإذا أتيت بالقيدين أو بالأمرين الذين ذكرهما المصنف فهما متحققان هنا، ولكن نحن قلنا يزيد على التعريف ما ذكره المناطقة من أنه يجب أن يكون الاختلاف في الصدق والكذب بسبب الاختلاف في الإيجاب والسلب.

هنا الاختلاف في الصدق والكذب ليس بسبب الاختلاف في الإيجاب والسلب فقط، بل بسبب الاختلاف في الإيجاب والسلب مع أمر آخر هو خصوص المادة، فإن القضية الكلية الموجبة أو الموجبة الكلية تكون موادها من محمول وموضوع متساويين، كل إنسان ناطق، وتكون من موضوع أخص من المحمول، كل إنسان حيوان، الإنسان أخص من الحيوان، وكل إنسان ناطق الإنسان يساوي الناطق، والناطق يساوي الإنسان، هذه مواد الكلية الموجبة، فإذا قلت في الكلية الموجبة كل إنسان حيوان فهي صادقة، جئت وبدلت الكيف بالسلب، تقول كل إنسان ليس بحيوان، الكلية السالبة موادها أن تكون من متباينين تباينا كليا، من أتقن وأحكم النسب يسهل عليه هذا الكلام، تكون من متباينين.

هنا بين الموضوع والمحمول العموم والخصوص وليس التباين، فحينئذ تكذب، حينئذن تكذب القضية الثانية، لأن بين إنسان وحيوان العموم والخصوص وأنت أتيت بها سالبة كلية فتكذب، لا بد أن يكون بينهما التباين، لا شيء من الإنسان بحجر، مثلا، هذه تصدق لأنها سالبة كلية من متباينين، أما أن تقول لا شيء من الإنسان بحيوان تكذب، والقضية الكلية الموجبة لو أتيت فيها بالموضوع أعم وبالمحمول أخص تكذب، قلت كل حيوان إنسان تكذب، ثم جئت في نقيضها أو ما أردت أن تجعله نقيضا وتبدل الكيف أيضا، تقول كل حيوان ليس بإنسان أيضا تكذب، لأن الموضوع الأعم والمحمول الأخص لا يصلح مادة، لا في الموجبة الكلية ولا في السالبة الكلية، لا يصلح، في السالبة الكلية لا بد من التباين، في الموجبة الكلية لا بد من أن يكون الموضوع أخص من المحمول أو مساويا له.

هذا هو السبب في أن الكلية الموجبة قد يحصل الكذب عند تبديل الكيف يحصل الكذب فيهما، فلم يتحقق الاختلاف في الصدق والكذب مع الاختلاف في الإيجاب والسلب، إذن لا بد في القضية الكلية الموجبة من أن نغير الكم أيضا كما هنا، كل حيوان إنسان لا تصلح مادة للقضية الكلية الموجبة فكانت كاذبة، فلو لم تبدل الكم أيضا مع هذه المادة الكاذبة لما حصل الاختلاف في الصدق والكذب وإنما تكذب أيضا معها، تقول كل حيوان إنسان ولا شيء من الحيوان بإنسان، كل منهما يكذب، أما لو قلت بعض الحيوان ليس بإنسان فهي قضية جزئية سالبة والجزئية السالبة تتألف من موضوع أعم ومحمول أخص، فتصح فتصدق، فيختلف الصدق والكذب.

إذن القضية الكلية الموجبة التي تتألف من موضوع أعم ومحمول أخص تكذب موجبة وتكذب سالبة أيضا، أما لو جئنا بقضية كلية موجبة صادقة بأن يكون الموضوع أخص أو مساويا فإنه يتحقق اتفاقا بسبب خصوص هذه المادة، يتحقق أننا لو غيرنا الكيف لتغير الصدق والكذب أيضا اتفاقا بسبب خصوص المادة أن المادة هنا خاصة، هي أن الموضوع أخص والمحمول أعم، إن صعب عليك هذا فأنا قد وضحته أتم توضيح في شرح الشيخ الملوي على السلم، وبينته بيانا وافيا مستوعبا لهذه المواد.

إذن نقول أيضا يرد على تعريف المصنف نحو كل إنسان حيوان وكل إنسان ليس بحيوان، فقد غيرنا الكيف وتغير الصدق والكذب مع أنه ليس بتناقض لأنه لا بد من تغيير السور، بخلاف ما لو قال "لذاته" أن يكون الاختلاف في صدق الكذب لذات الاختلاف في الإيجاب والسلب، فإن نحو هذه تخرج، لأن الاختلاف في صدق والكذب فيها بسبب الاختلاف في الإيجاب والسلب ليس فقط، بل مع خصوص المادة، هذا ما يتعلق بالشخصية والكلية والجزئية.

بقيت المهملة المصنف هنا قال المهملة حكمها أن تبدل الكيف كحكم الشخصية، (فإن تكن شخصية أو مهمله ** فنقضها بالكيف أن تبدله) هذا حكم الشخصية والمهملة معا، في الشخصية بينا أنه لا غبار عليه، والشخصية يكفي تبديل الكيف، أما المهملة، فالمهملة في حقيقتها هي بمعنى الجزئية، هذا ما قرروه وما ذكره المصنف فيما سيأتي من باب العكس، المهملة حقيقتها أنها في قوة الجزئية، لماذا؟ لماذا كانت المهملة بمعنى الجزئية؟ لأن الجزئية لا تفارقها، المهملة هي التي وجد فيها الموضوع الكلي ولم يذكر فيها سور لا كلي ولا جزئي، حينئذ يُحتمل أن يكون المحمول صادقا على الموضوع بجميع أفراده أو أنه صادق على الموضوع ببعض أفراده.

مثلا تقول الإنسان حيوان، هذه قضية موجبة مهملة لإهمال السور، والمحمول صادق على كل الأفراد، عرفناه من أمر خارج لم نعرفه من القضية، القضية أهمل فيها ذكر الأفراد، إنما نحن نعرف أن المحمول صادق على كل أفراد الموضوع، الإنسان كاتب قضية مهملة، المحمول صادق على بعض أفراد الإنسان ليس على جميع أفراد الإنسان، فتبين بذلك أن المهملة يمكن أن يكون المحمول صادقا فيها على كل أفراد الإنسان أو أن يكون صادقا على بعضه، إذا كان صادقا على بعضه بحسب الحقيقة بحسب الواقع وما عرفناه من خارج القضية، إذا كان صادقا على بعض أفراد الموضوع فهي بمعنى الجزئية لأن الإنسان كاتب هي بمعنى بعض الإنسان كاتب ولا تصلح كلية، فهي إذا كان المحمول صادقا على بعض أفرض الموضوع بمعنى الجزئية، هذا سهل وظاهر وواضح.

واذا كان المحمول صادقا على كل افراد الموضوع فإن الجزئية تصدق والكلية تصدق، الإنسان حيوان، المحمول صادق على كل أفراد الموضوع، يصدق ما إذا قلت كل إنسان حيوان، وتصدق إذا قلت بعض الإنسان حيوان، فعلى كل صدقت الجزئية، وُجدت الجزئية في كل مهملة، أما الكلية فلم توجد إلا في المهملة التي يصدق المحمول على كل أفراد الموضوع فقط، أما المهملة التي يكون المحمول فيها أخص من الموضوع فإنه لا تصدق إلا الجزئية فقط، فتبين بذلك أن كل مهملة تصدق معها الجزئية، لذلك قال المناطقة المهملة بمعنى الجزئية، المهملة في قوة الجزئية، لماذا؟ لأن المهملة تصدق معها الجزئية دائما والجزئية تصدق معها المهملة دائما، أما الكلية فليست تصدق مع المهملة دائما، إنما تصدق معها في بعض الصور وفي بعض الحالات.

إذن تبين بذلك أن المهملة هي هي الجزئية معنًى، هذا هو المتيقن، أنها في معنى الجزئية، حينئذ نقيضها يكون نقيض الجزئية لأنها بمعنى الجزئية، فنقيض المهملة يكون هو هو نقيض القضية الجزئية، ونقيض الجزئية كلية كما بينا في المحصورات، الجزئية تناقضها الكلية والكلية تناقضها الجزئية، المهملة في قوة الجزئية بمعنى الجزئية فنقيضها لا يمكن أن يكون جزئية بل تكون كلية.

المصنف لم يقل ذلك، وإنما قال (فإن تكن شخصية أو مهمله ** فنقضها بالكيف أن تبدله) أي المهملة نقيضها مهملة مثلها مع تبديل الكيف، هذا الذي قاله، والذي بينته أن المهملة نقيضها كلية تخالفها في الكيف، فمثلا، إذا قلت الحيوان إنسان، قضية مهملة، نقيضها على الكلام الذي ذكرناه بعض الحيوان ليس بإنسان، هنا أن تقول الحيوان إنسان هذه قضية مهملة، أو تقول الإنسان حيوان قضية مهملة أيضا، الإنسان حيوان صادقة، تقول في نقيضها على كلام المصنف، الإنسان ليس بحيوان.

نعم، تقول الحيوان إنسان، هذه قضية مهملة وتقول لا شيء من الحيوان بإنسان، الحيوان إنسان قضية مهملة، تقول في نقيضها على كلام المصنف الحيوان ليس بإنسان، لأنه قال نقيض المهملة مهملة مثلها، تناقضها في الكيف، الحيوان إنسان نقيضها في الكيف الحيوان ليس بإنسان، هذه قضية صادقة، الحيوان إنسان مهملة صادقة والحيوان ليس بإنسان قضية مهملة صادقة، لم يختلف الصدق والكذب مع الاختلاف في الإيجاب والسلب، أما على ما قلناه الحيوان إنسان قضية مهملة موجبة، نقيضها كلية سالبة، لا شيء من الحيوان بإنسان، هذه كاذبة.

فتبيّن أن المهملة نقيضها كلية تخالفها في الكيف، أما المصنف فقد قال المهملة نقيضها مهملة تخالفها في الكيف فقط بدون تبديل السور، ذلك ليس بصحيح، فقد خطّأه كل الشراح في ذلك، وبينوا أن ما قاله ليس موافقا للمتفق عليه بين المناطقة، فالمهملة لا يكون نقيضها مهملة، إذا قلت الإنسان حيوان قضية مهملة، وصنعت ما ذكره المصنف تقول الإنسان ليس بحيوان، أتينا بها مهملة مخالفة للأولى في الكيف، صدقت الأولى وكذبت الثانية اتفاقا، هذا اتفاقي، إنما لو أتيت بمهملة أخرى، هي الحيوان إنسان وبدلت الكيف فقط لصدقت الثانية أيضا، إذن لا يمكن في المهملة باطراد أن تقول نقيضها مهملة، لماذا؟ صح مع الإنسان حيوان أن تكون مع تبديل الكيف أن تكون كاذبة، الإنسان حيوان والإنسان ليس بحيوان، لماذا؟ لأن المحمول في الثانية في قولك الإنسان حيوان أعم من الإنسان، فجاء الكذب في قولك الإنسان ليس بحيوان، جاء اتفاقي.

إنما لو أتيت بمهملة المحمول فيها أخص، الحيوان إنسان المحمول هنا أخص من الحيوان، ثم جئت وقلت في نقيضها الحيوان ليس بإنسان لكانت الأولى صادقة والثانية صادقة، لم تكذب، لماذا؟ لأن الموضوع أعم بعضه إنسان وبعضه ليس بإنسان، فيصدق السلب والإيجاب، فلو قلت لا شيء من الحيوان بإنسان كذبت فقط ولم تصدق، الأولى صادقة، والثانية كاذبة، فتحقق التناقض في المهملة بتبديل الكيف مع الكم، فاجعل المهملة مع الجزئية في حكمها، هو قد ذكر أن الجزئية تناقضها الكلية فلتكن الكلية نقيضا للمهملة أيضا.

هذا ما يتعلق بأقسام القضايا وبقوله (فإن تكن شخصية أو مهمله ** فنقضها بالكيف أن تبدله) نقول إدخال المهملة هنا مع الشخصية ليس بصواب، بل نقيض المهملة كلية تناقضها في الكيف.

﴿فصل في العكس المستوي﴾

بعد أن انتهى من الكلام على التناقض، شرع في الكلام على العكس المستوي، العكس عندهم على ثلاثة اقسام عكس مستوٍ وعكس نقيض موافق، وعكس نقيض مخالف، المصنف اقتصر هنا على العكس المستوي لسهولته على المبتدئ، فقال:

68- العَكـسُ قَلبُ جُـزأَيِ القَضِيَّه

 

مَـعَ بَقَـاءِ الصِّـدقِ وَالكَـيفِيَّه

(العكس) أي المستوي (قلب جزئي القضيه ** مع بقاء الصدق والكيفيه) العكس لغة التبديل والقلب، مطلق التبديل والقلب، تعكس أي شيء هو أن تبدله وأن تقلبه، هذا في اللغة، هنا في المنطق أن نبدل جزئَي القضية، ليس أي تبديل كما في اللغة، وإنما أن نبدل جزئَي القضية، بأن نجعل الأول ثانيا والثاني أولا، أن تجعل الموضوع محمولا والمحمول موضوعا، لذلك قال (العكس قلب جزئي القضيه) الموضوع والمحمول، قال (مع بقاء الصدق والكيفيه) لا بد وأن يبقى الإيجاب والسلب، فلا نعكس الموجب لسالب ولا نعكس السالب لموجب، وإنما نعكس الموجب لموجب والسالب لسالب، قال (مع بقاء الصدق) مع بقاء الصدق فقط دون ذكر الكذب، والاكتفاء بالصدق هنا مقصود، أي إن كان الأصل صادقا فيكون العكس صادقا أيضا، ولو كان الأصل كاذبا لا يجب أن يبقى الكذب، إذا كان الأصل صادقا وجب أن يكون العكس صادقا، ولا يمكن أن يكون كاذبا، وإذا كان الأصل كاذبا وعكسناه قد يكون العكس صادقا وقد يكون العكس كاذبا كما سنبين بالمثال، لما كان الأمر كذلك قال (مع بقاء الصدق) ولم يقل "ومع بقاء الكذب" لأن الأصل قد يكون كاذبا والعكس يصدق فلم يبق الكذب.

فلا يكون حينئذ عكسا، العكس لا يكون إلا للقضايا الصادقة، ليبقى الصدق، فقوله مع بقاء الصدق ليس المراد منه أن كل عكس صادق، وإنما المراد منه أن العكس للقضية الصادقة صادق، وليس أن أي عكس يكون صادقا، فقوله العكس قلب جزئي القضية الصادقة مع بقاء هذا الصدق ومع بقاء كيفها، هذا هو العكس.

فمثلا قولك بعض الحيوان إنسان قضية جزئية موجبة، أردت أن تعكسها فتقول في بعض الحيوان إنسان تقول بعض الإنسان حيوان، بدلنا الموضوع بالمحمول والمحمول بالموضوع في بعض الحيوان إنسان، الموضوع هو الحيوان والمحمول هو الإنسان، عكسنا وقلنا بعض الإنسان أتينا بالإنسان الذي كان محمولا جعلناه موضوعا، بعض الإنسان حيوان، هذا نسميه بالعكس، نقول بعض الإنسان حيوان هو عكس بعض الحيوان إنسان، الأول وهو بعض الحيوان إنسان صادق وبعض الإنسان حيوان يجب أن يصدق مادام عكسا يجب أن يصدق، لأنك بدلت الموضوع بالمحمول والمحمول بالموضوع مع بقاء الكيف، نحن قلنا في بعض الحيوان إنسان، بعض الإنسان حيوان، ولم يقل بعض الإنسان ليس بحيوان، لم نبدل الكيف وإنما أتينا بالكيف كما هو، إن كان الأصل موجبا يأتي العكس موجبا كما مثلنا، وإذا كان الأصل سالبا، لا شيء من الإنسان بحجر نأتي بالعكس سالبا أيضا لا نبدل الكيف، فتقول لا شيء من الحجر بإنسان، الحجر هنا موضوع، وكان محمولا، والإنسان هنا محمول وكان موضوعا، الأصل صادق وهو لاشيء من الإنسان بحجر، العكس أيضا يجب أن يكون صادقا، لاشيء من الحجر بإنسان.

هذا معنى قوله (العكس قلب جزئي القضيه) قال (مع بقاء الصدق والكيفيه) أي إن كان الأصل صادقا فيجب أن يكون العكس صادقا ولا يتغير الكيف لأن الإيجاب لا يلزم عن السلب والسلب لا يلزم عن الإيجاب، ثم قال:

69- وَالكَـمِّ إِلاَّ المُـوجَبَ الكُـلِّيَّه

 

فَعَـوضُـهَا المُوجَـبَةُ الجُـزئِيَّـه

(والكم) بالجر، بالعطف على الصدق مع بقاء الصدق والكيفية أي الكيف هو الإيجاب والسلب والكم وهي الكلية والجزئية، أيضا يجب أن يبقى الكم، فإذا كانت القضية محصورة كلية أو جزئية، موجبة أو سالبة، فإنه لا بد في العكس أن يكون كذلك، فعلم بذلك أن العكس ما هو إلا تبديل جزئي القضية ويبقى الصدق بحاله دون الكذب، ويبقى الكيف بحاله دون أن يغيَّر، ويبقى الكم بحاله دون أن يغير، لكن لا بد أن يبقى الصدق، فإذا رأينا القضية الكلية الموجبة مثلا إذا عكسناها كلية موجبة تكذب، إذا عكسناها كلية موجبة أبقينا الإيجاب وأبقينا الكم، كما قال المصنف في التعريف، فإن العكس يكذب حينئذ.

مثلا إذا قلت كل إنسان حيوان، هذه قضية موجبة صادقة وكلية أردنا أن نعكسها، نأتي بالحيوان موضوعا وبالإنسان محمولا، نعكس ونبقي الإيجاب كما هو لا نغيره، فنقول كل حيوان إنسان قضية كاذبة، مع أننا قلنا العكس لا بد وأن يصدق إن كان الأصل صادقا، والأصل هنا صادق، كل إنسان حيوان صادقة، فماذا نصنع؟ نقول نبدل الكم أيضا، ونجعله جزئية، فنقول بعض الحيوان إنسان، فيكون كل عكس للقضية الكلية الموجبة جزئيا، هذا مستثنى.

إذا قلنا كل إنسان حيوان لا بد وأن نقول بعض الحيوان إنسان، ولو جعلناها كلية لكذبت، والعكس لا بد أن يكون صادقا مع كون الأصل صادقا، لو جئنا للقضية الجزئية الموجبة، بعض الإنسان حيوان وعكسناها جزئية موجبة كنفسها، وقلنا بعض الحيوان إنسان، عكسنا، جعلنا الحيوان موضوعا والإنسان محمولا لصدقت، كما أن الأصل صادق، فاكتفينا في عكس الجزئية بالجزئية، ولم نحتج لتبديل السور، وإذا جئنا للكلية السالبة وقلنا لا شيء من الإنسان بحجر، فعكسناها كلية سالبة أيضا فإننا حينئذ نرى أنها تصدق معها، لا شيء من الإنسان بحجر، لا شيء من الحجر بإنسان، باطراد، فالكلية الموجبة لا تصدق لو عكسناها كلية الموجبة، لأنها تكذب في نحو كل إنسان حيوان عكسها كل حيوان انسان يكذب، لو قلنا بعض الحيوان إنسان يصدق.

والجزئية الموجبة تنعكس كنفسها، والكلية السالبة تنعكس كنفسها، بقيت الجزئية السالبة، الجزئية السالبة مثلا تقول بعض الحيوان ليس بإنسان، هذه قضية جزئية سالبة، إذا جئت في عكسها تقول بعض الإنسان -تبقي السلب كما هو وتبدل الإنسان تجعله موضوعا- بعض الإنسان ليس بحيوان، بدلناها كنفسها جزئية وسالبة كما هي، والأصل صادق، بعض الحيوان ليس بإنسان صادق نعكسها ونقول بعض الإنسان ليس بحيوان كاذب، إذن، ماذا نصنع؟ كلما بدلنا جزئية سالبة بجزئية سالبة كذبت، فنحكم بأن الجزئية السالبة لا عكس لها، كلما بدلنا هذه أو تبديل الجزئية السالبة بجزئية سالبة يكذب في بعض المواد، حينئذ نقول لا، لا يمكن أن نحكم بكون القضية السالبة الجزئية لها عكس، فتبين بذلك أن الكلية الموجبة لا نجعل عكسها كلية موجبة لأنه قد يكذب والأصل صادق، فنجعلها جزئية موجبة، فدائما يطرد الصدق مع الكلية الموجبة، والجزئية الموجبة نجعلها كنفسها والكلية السالبة نجعلها كنفسها، ويكون عكسا مع تبديل الموضوع بالمحمول والمحمول بالموضوع، والجزئية السالبة لا عكس لها.

أما الشخصية، فإن المصنف هنا لم يتعرض للشخصية، تعرض للكلية وتعرض للجزئية وتعرض للمهملة، المهملة نحن قلنا إنها في قوة الجزئية أي بمعناها، وقد ذكرنا حكم الجزئية، فتكون المهملة معه، ذكرنا حكم الجزئية الموجبة فكأنما ذكرنا حكم المهملة الموجبة، لأن المهملة الموجبة بمعنى الجزئية الموجبة والجزية الموجبة نقيضها جزئية موجبة، فتقول الإنسان حيوان قضية مهملة، نعكسها للحيوان إنسان مهملة أيضا، ولو عكسناها جزئية لصح، فتقول الإنسان حيوان نعكسها لبعض الحيوان إنسان، إذن المهملة إذا كانت موجبة تنعكس مهملة موجبة أو تنعكس جزئية موجبة، لا إشكال في ذلك، لماذا؟ لأنها إن انعكست مهملة فالمهملة في قوة الجزئية والجزئية تنعكس جزئية، وكل من المهملتين جزئية، لا بأس، وإن عكسناها جزئية موجبة فهي بمعنى الجزئية أيضا، فتقول الإنسان حيوان وتعكسها الحيوان إنسان، بمعنى بعض الحيوان إنسان، الأول صادق والثاني صادق.

فتبيّن بذلك أن المهملة تنعكس كنفسها، أو تقول تنعكس كعكس الجزئية الموجبة بأن تنعكس جزئية موجبة، هذه إذا كانت موجبة، أما إذا كانت سالبة قد قلنا إنها في قوة الجزئية، فتكون المهملة السالبة بمعنى الجزئية السالبة، وقد بينا أن الجزئية السالبة لا عكس لها، فالمهملة السالبة لا عكس لها حينئذ كما قلنا في الجزئية، تقول تقول الحيوان ليس بإنسان هذه مهملة صادقة، الحيوان ليس بإنسان صادقة، لأنها مهملة تحتمل الكل والجزء، والجزئية فيها تكون صادقة لأنها بمعناها، الحيوان ليس بإنسان، نأتي بالمهملة السالبة الحيوان ليس بإنسان، نعكسها الإنسان ليس بحيوان، أو نعكسها جزئية، بعض الإنسان ليس بحيوان، على كل تكذب، فلم يكن للمهملة السالبة عكس، كما أن الجزئية السالبة ليس لها عكس.

إذن قد تبين حكم الكلية موجبة وسالبة، وحكم الجزئية موجبة وسالبة، وحكم المهملة موجبة وسالبة، الشخصية لم يتعرض لها المصنف فإنه قال (إلا الموجبة الكلية فعوضها كذا كذا) وقال بعدها (ومثلها المهملة السلبية) فيتكلم عن حكم الكلية الموجبة، والكلية السالبة، حكم المحصورات مع المهملة، ولم يتكلم عن الشخصية، لما أن القضايا الشخصية لا اعتبار بها عند المناطقة، ولا فائدة منها كبيرة، لكن على كل يذكرون في الشروح عكسها، فنقول في عكس القضية الشخصية إنها تنعكس جزئية، قضية شخصية موجبة تنعكس جزئية.

تقول زيد إنسان تعكسها لكل إنسان زيد خطأ، الأولى صادقة، زيد إنسان صادقة، لا بد أن يكون العكس صادقا، فتعكسها لكلية لا تكون صادقة، كل إنسان زيد لا تكون صادقة، وإذا قلت بعض الإنسان زيد تكون صادقة، لماذا؟ لأن زيد فرد من أفراد الإنسان، وهو بعض من الإنسان، فعكس الشخصية الموجبة حينئذ يكون جزئية موجبة، لا حاجة للتنصيص على الكيف على الإيجاب والسلب لأنه موافق للأول في كل، وإذا كانت الشخصية سالبة تقول زيد ليس بحجر، تعكسها لسالبة كلية، تقول لا شيء من الحجر بزيد، إذن تبين بذلك أن الشخصية إذا كانت موجبة تنعكس جزئية، وإذا كانت سالبة، تنعكس كلية سالبة، هذا حكم الشخصية الذي لم يتعرض له المصنف.

إذا قلنا ذلك في الشخصية إنها تنعكس جزئية موجبة وقلنا في الكلية الموجبة تنعكس جزئية موجبة وقلنا في الجزئية الموجبة تنعكس جزئية موجبة، وقلنا في المهملة الموجبة تنعكس جزئية موجبة فيتبين بذلك أن الموجب ينعكس جزئيا، وتبين بذلك أن الموجبة بكل أقسامها تنعكس جزئية موجبة، إذا كانت شخصية تنعكس جزئية موجبة، إذا كانت كلية موجبة تنعكس جزئية موجبة، إذا كانت جزئية موجبة تنعكس جزئية موجبة إذا كانت مهملة موجبة تنعكس جزئية موجبة، لذلك يقولون على الاختصار جملة مختصرة تشمل حكم الموجبات، يقولون الموجبات تنعكس جزئية، تنعكس جزئية موجبة أو سالبة؟ موجبة، لوجوب الاتفاق في الكيف في العكس بخلاف التناقض، التناقض إحدى القضيتين موجبة والأخرى سالبة، إحدى القضيتين صادقة، والأخرى كاذبة، في العكس لا بد من صدقهما ولا بد من اتحادهم في الكيف، فالتناقض فيه اختلاف في الكيف، وفيه اختلاف في الصدق هو الكذب، أما العكس ففيه اتفاق في الصدق -لا تذكر الكذب- وفيه اتفاق في الكيف، هذا في العكس.

أما في الكذب، فقد تكون القضية كاذبة، هذا المثال الذي وعدنا به، قد تكون القضية كاذبة، والعكس صادق، تقول كل حيوان إنسان قضية كاذبة، وإذا أردت أن تعكسها لموجبة، تعكسها وتقول -إذن عكستها كلية- كل إنسان حيوان، أو عكستها جزئية تقول بعض الإنسان حيوان صادقة، الأصل كاذب، كل حيوان إنسان، والعكس يصدق، عكسته كلية أو جزئية فهو صادق، لما كان الأمر كذلك ولم يكن عكس الكاذب كاذبا دائما قالوا الذي يجب بقاؤه هو الصدق، والكواذب لا يطرد معه الصدق في العكس.

والعكس يُحتاج إليه فيما إذا أردت أن تعرف صدق قضية من قضية أخرى، تنظر هل هذه القضية عكس للقضية الأخرى، نرى أنها عكس، مثلا في الاستدلالات في احتياجك للاستدلالات في المناظرات والمسائل العلمية، ترى أنها عكس لهذه القضية، أنت ليس معك دليل على صدق القضية هذه، ليس معك دليل على ذلك، معك دليل على صدق قضية أخرى، ثم رأيت أن القضية المطلوبة، المطلوب بيان صدقها، رأيت أنها عكس للقضية التي معك دليلها، فماذا تقول؟ تستعمل باب العكس، تقول هذه القضية التي نريد بيان صدقها وليس معي دليل عليها عكس قضية معي دليلها فتأتي بالقضية التي هي الأصل وتأتي بدليلها، ثم تقول والقضية المطلوبة هذه عكس وإذا صدق الأصل صدق العكس فتصدق، فتكون قد أقمت الدليل على القضية بسبب إقامتك الدليل على أصلها وليس عليها هي.

لذلك يحتاج باب العكس وهو مطلوب من أجل أنك قد تحتاج لدليل على قضية وليس معك الدليل إلا على أصلها، أما إذا كانت القضية من قبيل الجزئية السالبة، فلا بد أن يكون معك دليل عليها، على أصلها لا يكفي، لأنها لا يطرد صدقها مع الأصل، قال (العكس قلب جزئي القضيه ** مع بقاء الصدق) عرفنا أنه لا بد منه، وأما الكذب فلا يذكر، (والكيفيه) أي الكيف، لكنه أنث للوزن، أيضا يجب بقاء الكيف، الإيجاب والسلب، قال (والكم) يجب بقاء الكم، نحن بينا أن عكس الموجبة الكلية -أو دعك من الموجبة الكلية- أن عكس الجزئية الموجبة كنفسها فالكم قد بقي وأن عكس الكلية السالبة كنفسها فالكم قد بقي، أما الكلية الموجبة فلم تنعكس كنفسها، الكم لم يبقَ، فاستثناها الشيخ بقوله (والكم إلا الموجب الكليه)، هذه هي التي تستثنى.

قال (فعوْضُها) أي تعويضها وعكسها، فتعويضها العِوَض عنها وبديلها الموجبة الجزئية، قال فعوضُها، وفي بعض النسخ (فعوَّضُوها) أي المناطقة، عوضوا الموجب الكلي بالموجب الجزئي، قال (فعوضوها الموجب الجزئية) إذا قلت عوَّضوها تقول الموجب بغير التاء، فإذا قلت عوضها تقول الموجبةُ، (فعوضها الموجبة الجزئية) فقوله (إلا الموجب الكلية) مستثنًى من القيد الأخير في التعريف فقط من الكم، أيضا بينا أن من القضايا التي لها كم الجزئية السالبة وبينا أنه لا عكس لها، فلذلك قال:

70- وَالعَكـسُ لاَزِمٌ لِغَيرِ مَـا وُجِد

 

بِـهِ اجتِمَـاعُ الخِسَّـتَينِ فَاقتَصِد

(والعكس لازم) ضروري (لغير ما وجد) أي لازم لكل قضية غير القضية التي وجد فيها خستان، (لغير ما وجد به ** اجتماع الخستين فاقتصد) يقول العكس لازم لكل قضية من القضايا إلا القضية التي اجتمع فيها خستان، ما الخستان؟ السلب والجزئية، السلب خسة الكيف والجزئية خسة الكم، لماذا؟ لأن الإيجاب هو إثبات أمر لأمر، ولا شك أن الإثبات فيه زيادة علم، وفيه فوائد، وتطلب وتحتاج في العلوم، لذلك مسائل العلوم لا تكون إلا موجبة، لا تكون سالبة، أيّ مسألة في أيّ علم رأيتها سالبة يجب عليك أن تؤولها موجبة، لأنهم حكموا بأن مسائل العلوم لا تكون إلا موجبات لما أن الفائدة العظمى للقضية الموجبة وليست للسالبة، فيكون السلب بالنسبة للإيجاب خسيسا، لأن السلب يسلب معنى عن معنى، فلا يفيدني ثبوت شيء لشيء، والإنسان يطلب العلم بثبوت شيء لشيء لا بنفي شيء عن شيء، نعم، نفي شيء عن شيء علم، لكنه ليس في الشرف بمثابة شرف الإيجاب، فكان خسيسا، لذلك لم تكن العلوم فيها مسألة بالسلب.

الجزئية خسة الكم لأن الإنسان يطلب الأحكام العامة الشاملة فاذا جاءه حكم جزئي فقد نقص أفرادا، والذي ينقص أفرادا أقل شرفا من الذي يشمل جميع الأفراد، فكانت الجزئية أخص من الكلية، خسة في الكم، فقوله والعكس لازم لغير ما وجد، أي العكس لازم لكل قضية ليس فيها جزئية ولا سلب، أي لازم لكل قضية ليست جزئية سالبة، (فاقتصد) أي اكتفِ بالقضايا التي سوى القضية التي جمعت الجزئية والسلب، فتبين من محصول ما سبق أن كل قضية لها عكس سوى الجزئية السالبة، ومعها المهملة السالبة، لأنها في قوتها، وأن الكلية السالبة تنعكس كنفسها وأن الموجبة الجزئية تنعكس كنفسها وأن المهملة الموجبة كالجزئية الموجبة أيضا وأن الكلية الموجبة تنعكس جزئية موجبة، هذا محصول ما سبق قال:

71- وَمِثـلُهَـا المُهمَـلَةُ السَّلـبِيَّه

 

لِأَنَّهَــا فِـي قُـوَّةِ الجُـزئِيَّـه

(ومثلها المهملة السلبية) هنا بين أن المهملة حكمها حكم الجزئية، قال ومثلها المهملة السلبية لأنها في قوة الجزئية، هذا الذي ذكرت في التناقض أنه سيذكره في العكس، قال (لأنها في قوة الجزئيه) قوله (لأنها) أي لأن المهملة بإطلاق، الضمير راجع في البيت على المهملة السلبية، لكنها قاعدة عامة للمهملات، فلأنها راجعة في البيت للمهملة السلبية، لكن عليك أن تفهم أنها أيضا تشمل الموجبة في غير البيت، لأنها أي المهمله مطلقا في قوة الجزئية، قوله في قوة أي في معنى، فالقوة هنا بمعنى المعنى، في قوتها أي في معناها، تفيد فائدتها، لأنها في قوة الجزئية وإذا كانت المهملة السلبية في قوة الجزئية فتكون كالجزئية السلبية فقد جمعت الخستين، وإذا جمعت القضية خستين لم يكن لها عكس لأنه قال (والعكس لازم لغير ما وجد ** به اجتماع الخستين) أي وما وجد به اجتماع الخستين فليس له عكس فيشمل الجزئية السالبة والمهملة السلبية، ثم قال:

72- وَالعَكـسُ فِـي مُرَتَّبٍ بِالطَّبعِ

 

وَلَيـسَ فِـي مُـرَتَّبٍ بِالوَضـعِ

 (والعكس في مرتب بالطبيع) الذي تكلمنا عليه كله يتحقق في الحمليات وفي الشرطيات، في الحمليات كما بينا بالأمثلة، كل القضايا التي أوردناها حملية، التناقض الذي سبق والعكس هذا يتحقق في الشرطيات أيضا، فكل قضية شرطية لها نقيض، ولها عكس، كما أن الأمر كذلك في الحمليات، لكن المصنف رحمه الله لم يتكلم على الشرطية، لم يتكلم على أسوار الشرطية على أقسامها من حيث السور، كونها شخصية أو كلية أو جزئية أو مهملة، لم يتكلم على ذلك، فأهمل ذلك أيضا في التناقض، وأهمل ذلك أيضا في العكس هنا، لكنه أتى بهذا البيت الأخير وهو متعلِّق بالشرطيات، فلعله إشارة إلى أن الشرطية تدخل في التناقض السابق وفي العكس هذا أيضا لكن دون زيادة توضيح وبسط للشرطية.

الشرطية المتصلة، بينا أن فيها مقدم وتالٍ، وبينا أن المقدم فيها وإن تأخر في الذكر فإنه مقدم لأن المقدم هو الجزء الأول رتبة حقيقة، وليس ذكرا، وذكرنا في الشرطية المنفصلة أن المقدم فيها هو ما يقدم في الذكر، والتالي هو ما يتلوه في الذكر وإن عكسنا فالمقدم في الذكر مقدم مع أنه كان تاليا، هنا يكون مقدما، والذي كان مقدما يكون هنا تاليا، طيب، في الشرطية المتصلة، إن عكسنا المقدم مقدم، والتالي تالٍ، الذي كان مقدما لا يصير في الشرطية المتصلة لا يصير تاليا، والذي كان تاليا لا يصير مقدما، هذا الحكم ذكرناه ومثلنا له في المنفصلة، قلنا في الشرطية المتصلة والمنفصلة.

قلنا في المتصلة إن طلعت الشمس فالنهار موجود، إن قلت النهار موجود إن طلعت شمس فهنا طلعت الشمس مقدم فيهما تقدم أو تأخر في الذكر، والنهار موجود فيهما تالٍ، حتى وإن تقدم في الذكر نحو النهار موجود إن طلعت شمس؟ نعم، حتى وإن تقدم في الذكر، لماذا؟ لأن هناك رتبة لكل جزء من جزئي الشرطية المتصل، رتبة ثابتة سواء ذكر أولا -صاحب الرتبة الأولى- ذكر أولا أو ثانيا، أما في الشرطية المنفصلة، فإنك إذا قلت العدد إما زوج أو فرد، فالزوج هو المقدم، العدد زوج هو المقدم، والعدد فرد هو المؤخر، هو التالي، إن عكست وقلت العدد زوج العدد فرد، العدد إما فرد وإما زوج، فالأمر ينعكس، يكون الفرد هنا العدد فرد مقدما رغم أنه كان تاليا في القضية قبل عكسها.

إذن علمنا أن القضية الشرطية المنفصلة العناد فيها لا يصير أحدهما متقدما على الآخر ولا متأخرا رتبة، لأن العناد من الطرفين واحد، بمثابة واحدة، فكما أن الزوج يعاند الفرد، كذلك الفرد يعانده، كل منهما يعاند الآخر على استواء، فلا يمكن أن نجعل لأحدهما رتبة في التعاند، يتقدم فيها أو يتأخر، إنما في الاتصال أحدهما يستلزم الآخر، يطلبه والآخر مطلوب ولازم، ورتبة الطالب متقدمة على رتبة المطلوب، طلعت الشمس، هذه القضية تطلب قضية أخرى هي النهار موجود، فتكون مقدمة عليها قطعا حتى وإن تأخرت في الذكر، لما كان الأمر كذلك كان العكس في القضايا التي يكون الترتيب فيها طبيعيا أي بحسب طبيعة الجزئين، القضية الحملية الموضوع له رتبة والمحمول له رتبة، الموضوع له رتبة التقدم والمحمول له رتبة التأخر قطعا، حتى وإن عكسنا في الذكر؟ نعم، كما إذا قلت جاء زيد، فجاء محمول، رغم أنه متقدم في التلفظ، متأخر في الرتبة؟ نعم، شأنه كشأن القضية الشرطية المتصلة.

المصنف هنا يقول القضايا التي فيها ترتيب طبيعي يجري فيها العكس، هي الحمليات والشرطيات المتصلة والقضايا التي يكون الترتيب فيها بحسب الذكر لا يجري فيها العكس، ماذا تستفيد من العكس؟ العكس لا بد أن تكون له فائدة، نستفيد قضية جديدة، قضية أخرى في أنك تقول كل إنسان حيوان، نستفيد قضية أخرى هي بعض الحيوان إنسان، هذه قضية تختلف عن الأولى، استفدناها من الأولى، إنما تقول العدد إما زوج أو إما فرد تقول العدد إما فرد وإما زوج، هذه قضية استفدناها من الأولى لم نستفد أمرا جديدا، الأولى استفدنا منها تعاند الزوج للفرد، وهذه استفدنا منها تعاند الفرد للزوج، الأولى استفدنا منها تعاند الزوج للفرد، وإذا عاند الزوج الفرد عاند الفرد الزوج، والثانية استفدنا منها تعاند الفرد للزوج وإذا عاند الزوج الفرد عانده الفرد، الفائدتان موجودتان في كل قضية لم نستفد أمرا جديدا.

لذلك قال (العكس) أي المفيد الاصطلاحي (في مرتب بالطبع) وهو الحملية والشرطية المتصلة، أي في مرتب بطبيعته، بطبيعة القضية، طبيعة القضية تقتضي أن يكون الجزء هذا أولا أو ثانيا، لذلك قال (والعكس في مرتب بالطبع ** وليس في مرتب بالوضع) أي بالذكر والكتابة، فأنت في القضية الشرطية المنفصلة ترتب بذكرك بنطقك، هذا لا يجري فيه العكس، فقوله والعكس في مرتب بالطبع حاصله العكس يجري في الحمليات والشرطيات المتصلة، وقوله وليس في مرتب بالوضع أي العكس لا يجري في الشرطية المنفصلة.

نأتي بمثال على القضية الشرطية من باب التوضيح والمصنف لم يتعرض له، أنت في القضية القائلة " كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا" هذه كلية لوجود السور الذي هو "كلما"، وهو سور للكلية الموجبة، تعكسها، نحن نقول عكس الموجبة الكلية جزئية، فتقول "كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا"، تقول "قد يكون" هذا سور للجزئية، "قد يكون إذا كان النهار موجودا كانت الشمس طالعة"، نأتي بمثال آخر أوضح، كلما كان هذا الجسم إنسانا كان حيوانا، نأتي بها جزئية، فتقول قد يكون إذا كان حيوانا كان إنسانا، قد يكون، فهي جزئية، إذ قد يكون حيوانا ولا يكون إنسانا، قد يكون أسدا أو فرسا، فدل ذلك على أن الشرطية بمثابة الحملية، الشرطية في العكس يجري الكلام فيها، وكذلك في التناقض، يجري الكلام في الشرطية في البابين مجرى الحملية، في التناقض وفي العكس، والعكس لا يكون في الشرطية المنفصلة.

هذا ما يتعلق بالعكس، فتبين أن باب التناقض باب لما إذا كان بين القضيتين تنافر والعكس باب فيما إذا كان بين القضيتين اتصال وتلازم، لذلك ذكر المناطقة البابين، بابا لما بين القضيتين من تنافر وبابا لما بين القضيتين من تلازم ويحتاج للبابين في القياس، هذا ما يتعلق بفصل التناقض والعكس.

قد انتهينا بحمد الله تعالي من الكلام على مبادئ التصديقات وهي القضايا ومعها أحكامها التناقض والعكس، وكانت مبادئ التصديقات أي مبادئ المفيد للتصديق، لأن المفيد للتصديق هو القياس والحجة وهو العمدة وهو المقصد الأعلى والأثنى للمنطقي، فالمقصود من وضع المنطق هو أن يتوصل الإنسان لإثبت النِسَب الخبرية، هذا هو المقصود الأعظم من وضع علم المنطق، ولا يمكن أن نتوصل لإثبات النسب الخبرية التي تكون في القضايا إلا بالقياس والحجة، والقياس والحجة لا يمكن أن يتحقق إلا بأن يتألف من القضايا كما سنذكر في تعريفه اليوم.

فحينئذن لا بد من أن نعرف أجزاءه، لأنه بمعرفة أجزاء الشيء يُعلم الشيء، فلذلك قالوا إن القضايا وأحكامها هي مبادئ للتصديقات أي لمفيد التصديق، أو للأقوال المفيدة للتصديقات، أي هي التي يُبتدأ منها القول المفيد للتصديق وهو القياس، فلذلك شرع في الكلام على المقصود الأعظم للمنطقي وهو القياس.

 بعد أن انتهى من الكلام على أجزائه ومبادئه فقال:

﴿باب في القياس﴾

Komentar