شرح متن السلم المنورق (١١) - الشيخ حسام رمضان - فصل في الأشكال

﴿فصل في الأشكال﴾

أي فصل في الهيئات التي يكون عليها القياس الاقتراني، فقال:

82- الشَّكـلُ عِنـدَ هَؤُلاَءِ النَّـاسِ

 

يُطـلَقُ عَـن قَضِيَّـتَى قِيَـاسِ

(الشكل عند هؤلاء الناس) أي ما اصطلح على تسميته بالشكل عند المناطقة، فالناس هنا يقصد بهم المناطقة، الشكل عند هؤلاء الناس، (يطلق عن) أي على، فعن بمعنى على، لأن الإطلاق يتعدى بـ"على"، (يطلق عن قضيتي قياس).

83- مِـن غَيرِ أَن تُعتَـبَرَ الأَسـوَارُ

 

إِذ ذَاكَ بِالضَّـربِ لَـهُ يُشَـارُ

بين في البيتين بلفظ وجيز مختصر معنى الشكل والضرب، فإن القياس قد عرفنا أنه يتركب منه قضيتين يستلزم تركيب القضيتين لقضية ثالثة، القضيتان فيهما حد أصغر وأوسط وحد أكبر، لم نتعرض في كل الكلام السابق لكون القضية كلية أو جزئية، ولا لكونها موجبة ولا سالبة، كنا نتكلم عن حد أصغر، وحد أوسط، وحد أكبر، واندراج الأصغر في الأوسط والأوسط في الأكبر والصغرى في الكبرى، ولم نتكلم عن كلية ولا جزئية، ولا إيجاب، ولا سلب، كنا نتكلم عن القضية في ذاتها، وعن حدودها مجردة عن اعتبار الكلية والجزئية، هذا الذي نتكلم عنه يسمى بالشكل، فإنك إذا نظرت للقياس للقضيتين المركبتين من حيث الحدود وجردتها عن الكلية والجزئية وجردتها عن الإيجاب والسلب، نعم، فيها الإيجاب والسلب قطعا، وفيها الكلية والجزئية، ولا شك في ذلك، لكنك تجرد نظرك في القياس عن الكلية والجزئية والإيجاب والسلب.

كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، لا شك فيه إيجاب وسلب، وفيه كلية، القضيتان كليتان، تقطع نظرك عن ذلك، فتنظر لكل إنسان حيوان على أنها قضية فيها موضوع هو الإنسان هو حد أصغر، وفيها محمول هو الحيوان هو حد أوسط، أين الإيجاب؟ أين الكلية؟ لم نتعرض له، وإن كانت سالبة وان كانت جزئية فالأمر كذلك، كذلك تقول في كل حيوان جسم ننظر إلى الحيوان أنه حد أوسط والجسم حد أكبر، القضية كلية؟ لم نلتفت بذلك، القضية موجبة؟ لم نلتفت بذلك، ولو كانت جزئية وسالبة؟ فالأمر كذلك أيضا، لا نلتفت لهما.

هذا الذي صنعته الذي نظرنا إليه دون الاعتبار لأسوار ولا لإيجاب وسلب يسمى بالشكل، فحينئذ يكون الشكل هو النظر للحدود الثلاثة مجردةً عن الكلية والجزئية والإيجاب والسلب، إن نظرت إلى القياس إلى حدوده الثلاثة مع الكلية والجزئية والإيجاب والسلب، أي نظرت للقضيتين كاملتين يسمى عندهم بالضرب، والضرب نوع، كلمة الضرب في اللغة بمعنى النوع، هذا ضرب من كذا أي نوع من كذا، فهنا هذا يسمى بالضرب لأنه نوع داخل تحت الشكل، هذا معنى قوله (الشكل عند هؤلاء الناس) أي عند المناطقة (يطلق عن) أي على (قضيتي قياس من غير أن تعتبر الأسوار) أي يطلق على القضيتين من غير أن ننظر للأسوار ليس أنه يطلق على القضيتين اللتين لا تشتمل على الأسوار، لا، قد تشتمل على السور لكنك تقطع النظر عن السور لا تلتفت إليه مع اشتمالهما، إياك أن تفهم من قوله (من غير أن تعتبر الأسوار) أنه بمعنى من غير أن توجد الأسوار، لا، توجد ولكنك لا تعتبرها، فهي لا توجد في اعتبارك فقط.

تقول (من غير أن تعتبر الأسوار) بأن تنظر للحدود الثلاثة مجردة عن الأسوار، وكذلك الإيجاب والسلب، فقولهم من غير أن تعتبر الأسوار فيه اكتفاء، أي من غير أن تعتبر الأسوار والكيف، من غير أن تعتبر الكم والكيف، ثم قال (إذ ذاك بالضرب له يشار)، ذاك أي النظر لقضيتي القياس مع اعتبار الأسوار والكيف يشار له بالضرب، أي يسمى بالضرب، فتبين بهذا اللفظ الوجيز في البيتين معنى الشكل والضرب.

فإذا قلت لك ما شكل كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم؟ حينئذ تنظر للإنسان على أنه الجزء الأول، والحيوان الجزء الثاني، والحيوان الجزء الأول في الثانية، والثاني في الثالثة، أين الكلية والجزئية؟ أين الإجاب والسلب؟ لم ننظر، ما الضرب؟ تقول الضرب كليتان موجبتان، قد نظرت للقضيتين من حيث كونهما ها موجبتين وكليتين، إذن نظرت للقضيتين مع اعتبار الإيجاب والسلب ومع اعتبار الكلية والجزئية يسمى بالضرب، ثم قال:

84- وَلِلمُقَدِّمَـاتِ أَشكَـالٌ فَقَـط

 

أَربَعَةٌ بِحَسَـبِ الحَـدِّ الوَسَط

أي إذا عرفت أن الشكل هو أن تنظر للحدود الثلاثة دون اعتبار الأسوار والإيجاب والسلب، ستنظر حينئذ في الحد الوسط، تنظر في الحد الوسط ما مكانه في القضيتين؟ هذا هو الذي يجعل الأشكال تتعدد، مكان الحد الوسط، فالأشكال تتعدد إلى أربعة بسبب موقع الحد الوسط فقط، ولا نظر إلى الإيجاب والسلب، ولا إلى الكلية والجزئية.

فتقول في كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، الحد الوسط محمول في الصغرى، قد عرفت ما هي الصغرى، وعرفت الحد الوسط، محمول في الصغرى موضوع في الكبرى، هكذا نظرنا لموقع الحد الوسط، وتعلم مما سيأتي أن الحد الوسط إذا كان محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى فيسمى عندهم بالشكل الأول كما يقول:

85- حَمـلٌ بِصُغرَى وَضعُهُ بِكُبرَى


 

يُدعَـى بِشَكـلٍ أَوَّلٍ وَيُـدرَى

(حمل) أي للوسط (وضعه) أي وضع الوسط بكبرى (يدعي بشكل أول ويدرى) أي يعرف، يدعى ويسمى عندهم بالشكل الأول ويعرف بذلك، بيّن في هذا البيت باختصار وبإيجاز بديع الشكل الأول، قال (حمل بصغرى) أي حمل الوسط في الصغرى، أي أن يكون محمولا، (وضعه بكبرى) أي أن يكون الحد الأوسط موضوعا في الكبرى، قال هذا (يدعى) عندهم (بشكل أول)، هذا معنى قوله (وللمقدمات أشكال فقط ** أربعة بحسب الحد الوسط)، أي لماذا تتعدد هذه الأشكال الأربعة؟ قال بحسب الحد الوسط، بالنظر للحد الوسط، فإن كان مكانه كذا فيكون أولا، وإن كان مكانه كذا فيكون ثانيا، وإن كان مكانه كذا فيكون ثالثا، وإن كان مكانه كذا فيكون رابعا، فما موقعه في الشكل الأول؟ قال أن يكون محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى، ثم قال:

86- وَحَملُهُ فِي الكُلِّ ثَانِيـًا عُرِف

 

وَ وَضعُهُ فِي الكُـلِّ ثَالِثًـا أُلِف

(وحمله في الكل) أي أن يكون محمولا في الصغرى وفي الكبرى، قال (ثانيا عرف) أي عرف عندهم بالشكل الثاني، كما إذا قلت كل إنسان حيوان ولا شيء من الحجر بحيوان، الحيوان هنا متكرر، هو الحد الوسط موجود في الصغرى محمولا، ولا شيء من الحجر بحيوان، موجود في الكبرى محمولا أيضا، بخلاف ما كنا نقوله كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، هنا نقول كل إنسان حيوان، ولا شيء من الحجر بحيوان، النتيجة لا من الإنسان بحجر.

هذا يسمى بالشكل الثاني لذلك قال (وحمله في الكل ثانيا عرف) أي عرف بالشكل الثاني، فثانيا متعلق بـ"عرف"، وثانيا منصوب على نزع الخافض، أي عرف بالثاني وبينا مثاله، ثم قال (ووضعه في كل ثالثا ألف) أي وعرف أيضا عندهم بالشكل الثالث أن يكون موضوعا في المقدمتين، كأن تقول كل إنسان جسم وبعض الإنسان كاتب، هذا من الشكل الثالث، لماذا هو من الشكل الثالث؟ كيف عرفت أنه من الشكل الثالث؟ انظر إلى الحد الوسط، كل إنسان جسم وبعض الإنسان كاتب، المتكرر الوسط هو إنسان مذكور في الصغرى، كل إنسان جسم، موضوع، ومذكور في الكبرى، بعض الإنسان كاتب، إذن هو موضوع فيهما، فيكون من الشكل الثالث، لذلك قال (ووضعه في الكل ثالثا ألف) أي عرف عندهم بالشكل الثالث ثم قال:

87- وَرَابِعُ الأَشكَالِ عَكسُ الأَوَّلِ

 

وَهْيَ عَلَى التَّرتِيبِ فِي التَّكَـمُّلِ

(ورابع الأشكال) أي والشكل الرابع، عكس الأول، ماذا كنا نقول في الأول؟ أن الحد الوسط محمول في الصغرى موضوع في الكبرى، هنا نقول العكس، نقول إنه موضوع في الصغرى محمول في الكبرى، يكون هو الشكل الرابع، كنا نقول في الأول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، هنا نعكس نقول كل حيوان جسم وكل إنسان حيوان، الحيوان هو المتكرر، هو الوسط، كل حيوان جسم جاء موضوعا في الصغرى، وكل إنسان حيوان جاء محمولا في الكبرى، الإنتاج يكون بعض الجسم إنسان، تخرج النتيجة جزئية لأنه من الشكل الرابع، فتخرج النتيجة حينئذ، فيكون الحد الوسط حينئذ موضوعا في الصغرى محمولا في الكبرى، عكس الأول، ولا يمكن أن يتصور عقلا للحد الوسط مكان سوى ما ذكرناه في هذه الأشكال الأربعة لذلك قال المصنف (وللمقدمات أشكال فقط) أي لا يوجد غيرها (أربعة بحسب الحد الوسط) ثم بيّنها.

ثم قال (وهي على الترتيب في التكمل) وهي أي الأشكال الأربعة على الترتيب في التكمل، أي على الترتيب الذي ذكرناه فـ"أل" في الترتيب للمعهود الذهني، والمعهود ذهنا هنا هو الترتيب الذي ذكره، فإنه ذكر ما كان الحد الوسط محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى أولا، دعك من تسميته بالأول والثاني والثالث والرابع، ذكر ما كان محمولا في الصغرى موضوعا في الكبري ذكره أولا، وذكر ما كان محمولا فيهما ثانيا، وذكر ما كان موضوعا فيهما ثالثا، وذكر عكس الأول رابعا، هذا الترتيب هذه الأشكال عليه أيضا في التكمل، فهو ليس ترتيبا فقط في الذكر بل في التكمل.

فأول ما ذكر هو أكملها، لذلك سمي عند المناطقة بالأول، والثاني يليه في الكمال، لذلك سمي عند المناطقة بالثاني والثالث يلي الثاني في الكمال، وهو أشد من الرابع في الكمال فسموه بالثالث، والرابع آخرها، لماذا كانت على هذا الترتيب في التكمل؟ لأن الأول ينتج المطالب الأربعة، كما سيتبين بمشيئة الله في الكلام على ضروبه، والأول هو على النظم الطبيعي كما يقولون، فالنظم الطبيعي الذي بيناه في قول المصنف (وما من المقدمات الصغرى ** فيجب اندراجها في الكبرى) قلنا بين وجه إنتاج القياس المنطقي هو أن يندرج الأصغر في الأوسط والأوسط في الأكبر فيحصل الإنتاج.

فوجه إنتاج القياس المنطقي هو الاندراج، هذا الاندراج كما نراه في الشكل الأول طبيعي، فإنك في الشكل الأول تذكر الحد الأصغر أولا والأوسط ثانيا والأكبر ثالثا فيندرج الأول في الثاني والثاني في الثالث، هذا هو الأمر الطبيعي، لكن أن يندرج الثاني في الرابع فيندرج الأول في الثالث، هذا بعيد، كما يحصل في الشكل الرابع، هذه الصعوبة في الاندراج تحصل في الرابع، في الشكل الثاني يندرج الأول في الثاني، والثالث يندرج في الثاني، أنت في الشكل الثاني، الحد الوسط محمول فيهما، فالحد الأصغر موضوع في الصغرى فيندرج في الأوسط، هذا على النظم الطبيعي، ثم نأتي للكبرى نجد أن الثالث موضوع الكبرى يندرج الثالث أو يذكر الثالث قبل الثاني في الكبرى، يذكر الثالث مثلا أنت تقول في الشكل الثاني، كل إنسان حيوان ولا شيء من الحجر بحيوان، هنا كل إنسان حيوان اندرج الإنسان في الحيوان، طيب، وفي الكبرى تجد أن الثالث ذكر أولا، ما هو الثالث؟ هو الحد الأكبر، ذكر أولا هو الحجر، والوسط ذكر بعده، هذا ليس على الترتيب الطبيعي.

لكن الأشكال الأربعة منتجة والأقيسة المنطقية، وتفيد القطع، لكن الأول ترتب على النظم الطبيعي، يمشي على النظم الطبيعي الذي فطرت عليه البشرية، وأما الثاني فيخالف النظم الطبيعي في القضية الكبرى، ويوافق النظم الطبيعي في القضية الصغرى لذلك جعلوه ثانيا لموافقته للأول في أشرف المقدمتين وهي الصغرى، لاشتمالها على أشرف الجزئين، وهو موضوع النتيجة، والموضوع أشرف من المحمول لأن المحمول سيق وذكر لكونه حكما على الموضوع، فما احتجنا للمحمول إلا لنتعرف على الموضوع فكان الموضوع أشرف، فما اجتمع على الموضوع يكون أشرف أيضا، لذلك جعلوه ثانيا.

وأما الشكل الثالث فنرى أنه خالف النظم الطبيعي في الصغرى، فإن الحد الوسط يكون محمولا فيهما، ففي الصغرى يكون محمولا، فالوسط يأتي قبل الأصغر، وأما في الكبرى، فالحد الوسط يكون موضوعا في الشكل الثالث فيهما، فيأتي قبل الأصغر فيخالف النظم الطبيعي الشكل الثالث في الصغرى، أما في الكبرى فالحد الوسط يكون موضوعا فيهما فيكون في الكبرى موضوعا فيأتي قبل الأكبر فيوافق النظم الطبيعي في الكبرى، لما وافق الشكل الأول ووافق النظم الطبيعي في الكبرى وليس في الصغرى، والكبرى مشتملة على أخس الجزئين وهو المحمول، جعلوه ثالثا.

جئنا للرابع لم يوافق الأول ولم يوافق النظم الطبيعي لا في الصغرى ولا في الكبرى، لأننا نذكر الحد الوسط قبل الأصغر في الصغرى ونذكر الأكبر قبل الأوسط في الكبرى فمخالف للنظم الطبيعي في المقدمتين، فكان أبعد الأشكال، فكان الرابع، لذلك أسقطه، أسقط هذا الشكل الحكيم الفرابي والشيخ الرئيس ابن سينا، والإمام الغزالي، هؤلاء أسقطوا الشكل الرابع، لم يعتبروه من أقيسة المنطقية أصلا لبعده جدا عن الطبع لكن الحق أنه شكل من الأشكال من أشكال الأقيسة المنطقية لذلك ذكره المصنف هنا، فلذلك قال (وهي على الترتيب في التكمل) هذا الشطر أنت فهمته تماما الآن قال:

88- فَحَيثُ عَن هَـذَا النِّظَامِ يُعدَلُ

 

فَفَاسِـدُ النِّظَـامِ أَمَّـا الأَوَّلُ

(فحيث عن هذا النظام يعدل) أي حيث عن هذا النظم والترتيب الذي بيناه يعدل بأن يذكر القياس بغير حد وسط، (ففاسد النظام) فمفاد هذا البيت هو أنه لو ذكر القياس بغير الحد الوسط وبغير الترتيب الذي ذكرناه وبيناه، أو لو ذكرت المقدمات أو الحدود بغير الحد الوسط وبغير الترتيب والهيئة التي ذكرناها يكون فاسد النظام، ولا يكون قياسا منطقيا، هذا الذي ذكرته لكم قبل ذلك في تعريف الفكر أو في تعريف المنطق أنه يعصم الفكر أو الذهن عن الخطأ في الفكر بأن يبين لك الفكر، ما كنا نصنعه في تعريف القياس، وفي بيان هيئته، وفي بيان أقسامه وحدوده ومقدماته، كل ذلك بيان للفكر السليم الصحيح، كيف تنتقل من المعلوم للمجهول من المعلومات هي المقدمات للمجهول هو النتيجة، كيف تنتقل، وإذا خالفت ذلك كان فاسدا، كما هنا، كما ذكر (فحيث عن هذا النظام يعدل ** ففاسد النظام).

لما عرفت ذلك هنا في المنطق كان المنطق حقيقة عاصما -إن رعيت هذا، إن رعيته- كان عاصما لفكرك عن الخطأ، وفي آخر هذا النظم سيصرح بالأخطاء التي تعتري الفكر، سيصرح وينص عليها، لا حاجة لذكرها في الحقيقة، لكنه سيتفضل عليك بزيادتها والتنصيص عليها، لأنك بمعرفة الصحيح تعرف أن ما عداه باطل، فلا حاجة للنص على الباطل لكنه زاد في هذا النظم ببيان بعض صور الفكر الباطل الفاسد.

ثم قال (أما الأول) أي أما الشكل الأول فسآتيك بتفصيله، فبيّن الشكل الأول أي بين الشكل الأول الصحيح الذي ليس بفاسد، فإن الشكل قد عرفناه هو أن تنظر للقياس أو للقضيتين من غير أن تنظر للأسوار وللإيجاب والسلب، كما قلنا، كنا نقول حد وسط يكون محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى، ما قلنا كلية ولا جزئية ولا موجبة ولا سالبة، وسميناه بالشكل الأول، كنا نقول محمولا فيهما، وما قلنا والقضيتان موجبتان أو سالبتان، أو موجبة وسالبة، أو جزئية وكلية، لم نقل لذلك، قلنا محمول فيهما، نظرنا للقضيتين من حيث الحد الوسط من غير اعتبار الأسوار، ولا الإيجاب والسلب، فكان الشكل الثاني، كذلك الثالث، وكذلك الرابع.

بعد ذلك تنظر في كل شكل من الأشكال الأربعة للضرب، أي تنظر للقضيتين مع اعتبار الأسوار والإيجاب والسلب، فتنظر في القضيتين فيحتمل أو فتكون الصغرى كلية وتكون جزئية وتكون موجبة وتكون سالبة، هذه الأقسام الأربعة المحصورة التي ذكرناها قبل ذلك، هي أربعة كلية موجبة وكلية سالبة وجزئية موجبة وجزئية سالبة، أقسام أربعة، الصغرى تكون هذه الأربعة، والكبري أيضا تكون هذه الأربعة، إذن الآن نظرنا للقضيتين مع اعتبار كليتهما وجزيئتهما وإيجابهما وسلبهما، فتتعدد الضروب، نضرب أربعة في أربعة، فتتعدد الضروب لستة عشر ضربا، تدخل تحت كل شكل، فكل شكل تحته ستة عشر ضربا حاصلة من اجتماع الصغريات الأربع مع الكبريات الأربع، الصغريات الأربع هي الكلية الموجبة، الكلية السالبة، الجزئية الموجبة، الجزئية السالبة، مثلها في الكبرى، نضرب أربعة في أربعة، فتعطينا ستة عشر ضربا، كل شكل يشتمل عليها.

لكن هذه الضروب ليست بتمامها صادقة، وليست بتمامها صحيحة، بل يصح ويصدق منها بعضها، فكيف نعرفه؟ كيف نعرف الضروب الصحيحة من الضروب الفاسدة؟ هذا ما تعرفه بتحقق الشروط، فلكل شكل شروط إن تحققت هذه الشروط -ولا تتحقق إلا في بعض الضروب، والبعض الآخر لا تتحقق فيه- فالضروب التي تحققت فيها الشروط تكون هي الضروب المنتجة حقيقة الصحيحة التي تكون قياسا حقيقة عند المنطقي، وما عداها من الضروب لا يكون قياسا عند المنطقي، لذلك شرع في بيان الأشكال، فقال (أما الأول) (فشرط الإيجاب في صغرىه ** وأن ترى كلية كبرىه).

كنا تكلمنا على تعريف القياس وبيناه على أقسامه لاقتراني واستثنائي، ثم بينا أمورا ذكرها المصنف رحمه الله في بيان تأليف وتركيب القياس وبعض الأمور التي ينبغي مراعاتها في ذلك، وتكلمنا أيضا على معنى الشكل والضرب عند المناطقة، وبينا أن الشكل هو أن تنظر لقضيتي القياس من غير أن تنظر لأسوار ولا لإيجاب وسلب، إن نظرت لذلك كان ضربا، ثم تكلمنا على أنواع الأشكال عند المناطقة وأنها تنقسم لأشكال أربعة ذلك بحسب القسمة العقلية الحاصلة والناشئة من موقع ومكان الحد الوسط في المقدمتين، فإن كان محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى فالأول، وإن كان محمولا فيهما فالثاني، وإن كان موضوعا فيهما فالثالث، وإن كان عكس الأول بأن يكون موضوعا في الصغرى محمولا في الكبرى فالرابع.

وبينا أيضا وجه ترتيب هذه الأشكال على ما ذكرناه وذكره المصنف، يتبين من ذلك أن كل شكل فله ضروب، وضروبه ستة عشر ضربا لماذا تعددت هذا التعدد؟ نقول لأن الضرب نراعي فيه الكلية والجزئية والإيجاب والسلب، فبمراعاة ذلك تكون الصغرى صغريات أربع، وتكون الكبرى كبريات أربع، لماذا؟ لأن الصغرى ستكون كلية موجبة، كلية سالبة، جزئية موجبة، جزئية سالبة، لأننا نظرنا للكلية والجزئية والإيجاب والسلب، فتكون أربعة، والكبري كذلك، الصغرى تكون أربعة قضايا التي هي أقسام المحصورة، والكبرى تكون كذلك، والحاصل من ضرب أربعة في أربعة هو ستة عشر ضربا.

فتأتي مع الكلية الموجبة الصغرى بالأربعة في الكبرى وتأتي مع الكلية السالبة في الصغرى بالأربعة في الكبرى، فهذه ثمانية وتأتي مع الجزئية الموجبة في الصغرى بأربعة بنفس الأربعة، وتأتي مع الجزئية السالبة في الصغرى بنفس الأربعة في الكبرى، فتصل الضروب لستة عشر ضربا، تحصل من ضرب أربعة الصغرى في أربعة الكبرى، كل شكل تحته هذه الضروب، لكن ليست كل هذه الضروب منتجة، يحصل فيها الاندراج الذي ذكرناه، وتستلزم قولا آخرا باطراد، إنما بعضها يكون منتجا ويستلزم قولا آخر باطراد، وبعضها لا يكون كذلك.

فحينئذن لا بد من ضابط نعلم به الضرب المنتج ويمتاز عندنا من الضرب العقيم حتى نستعمل المنتج ونترك العقيم، الضرب الذي لا ينتج يسمى عقيما تشبيها له بالمرأة العقيم التي لا تلد، فلا بد من ضابط حينئذ نعلم به المنتج لنستعمله وإن لم يتحقق كان الضرب عقيما فيُترك، فنقول حينئذا ذكروا شروطا لإنتاج كل شكل، فنعلم بذلك ـأن الشكل أو أن ضرب كل شكل ما لم تتحقق فيه الشروط فهو عقيم وليس بقياس حينئذ.

فنقول الشكل الأول شرطه بحسب الكيف الإيجاب، وشرطه بحسب الكم كلية الكبرى، شرطه بحسب الكيف إيجاب الصغرى، وشرطه بحسب الكم كلية الكبرى فله شرطان، شرط يتعلق بالصغرى وشرط يتعلق بالكبرى، فلذلك قال المصنف رحمه الله (أما الأول) أي الشكل الأول:

89- فَشَرطُهُ الإِيجَـابُ فِي صُغرَاهُ

 

وَأَن تُـرَى كُلِّــيَّةً كُبــرَاهُ

فالذي ينتج من الشكل الأول هو ما كان صغرىه موجبة وكبرىه كلية، وما عدا ذلك من الضروب فليس بمنتج وتستخرجها هكذا بأن تقول، الصغرى لا تكون إلا موجبة كلية أو جزئية، هذا في الصغرى كلية أو جزئية، فلا تكون سالبة كلية ولا جزئية، فالصغرى الموجبة الكلية لا يكون معها في الكبرى إلا الكلية، لأن شرط الكبرى أن تكون كلية، فلا يكون مع الموجبة في الصغرى -الموجبة الكلية- في الكبرى إلا الكلية موجبة كانت أو سالبة، فيتحقق ضربان موجبة كلية صغرى مع كلية موجبة كبرى، هذا ضرب إذن من كليتين موجبتين، الضرب الثاني موجبة كلية صغرى مع كلية سالبة كبرى، فيتحقق ضرب ثان حينئذ.

ثم تقول الموجبة الجزئية في الصغرى معها أيضا في الكبرى كلية موجبة وكلية سالبة، فيتحقق ضربان من موجبة جزئية مع كلية موجبة ومن موجبة جزئية مع كلية سالبة، فتتحقق ضروب أربعة حاصلة من إيجاب الصغرى وكلية الكبرى، وما عدا هذه الضروب الأربعة فليس بمنتج في الشكل الأول، مهما وجدت فكرا وتفكيرا تألف من شكل أول، من قياس من الشكل الأول ولا تتحقق فيه الشروط كان أتي في هذا الفكر بصغرى سالبة أو بكبرى جزئية فاعلم أنه فكر فاسد، وليس بصحيح.

اختبر فكرك دائما كلما فكرت في شيء ورتبت معلومات فلتنظر هي من أي شكل؟ تقول ما الذي اشترك بين هذه المعلومات؟ أنت تستطيع أن تصنع ذلك، والعامي في الشارع يستطيع أن يصنع ذلك، ليس الأمر مختصا بمن يدرس ولا بعلم المنطق فقط ولا بالعلوم كافة فقط، لا، هذا يُصنع في أي فكر، إن كنت تفكر في أكل وشرب المهم أن يكون فكرا أن يكون تفكيرا وليس تخيلا أو تذكرا، فأي تفكير أي ترتيب لمعلومة على معلومة لا يخرج عن هذه الأشكال الأربعة إن كان قياسا اقترانيا، وإن لم يكن كذلك فلن يخرج عن القياس الاستثنائي الذي سيأتي شرحه بإذن الله، فحينئذ تختبر فكرك بأن تأتي بالمعلومات التي رتبتها، قد يصعب عليك ذلك، ذلك يحتاج منك لتمرن، فتأتي بها وبعد أن تأتي بها تنظر ما الذي اشترك بين المعلومين ثم تنظر مكانه، هل هو محمول أم موضوع؟ ثم تنظر للضرب، تنظر هل أنت أتيت بها كلية أم جزئية، موجبة أم سالبة؟ وهل تحقق الشرط أم لم يتحقق؟ بعد هذه المراحل يتبين لك صحة الفكر.

ذلك تصنعه في كل فكر، سيصعب عليك الأمر في بداية ذلك، لكن بعد ذلك ستكون قد مارست ذلك وتمرنت عليه وسهل عليك ذلك، الشروح والحواشي العلمية تصنع ذلك في عبارات الأئمة، تصنعه على وجه السرعة، فلا بد أن تعمل ذهنك فيما تصنعه أو تفكره أنت أولاً وفي أي شيء تقرأه في الكتب المختصرة ليسهل عليك في الحواشي الكبيرة بعد ذلك، فإنهم يتعاملون بهذا الاصطلاح وينظرون لأي دليل هل هو من هذا الشكل أم من هذا الشكل؟ من أي ضرب من منتج أم من عقيم؟ ثم يوردون الاعتراضات أو يدفعونها وهكذا.

فيأتون بقضية تكون سالبة من الشكل الأول، فيقول الدليل هذا مقدوح فيه بأن صغرىه سالبة وهو من الشكل الأول، والشكل الأول شرط إنتاجها كذا، هذا يقولونه أنت لو لم تكن دارسا لهذا وفاهمت لذلك لا تستطيع أن تفهم ما تقول هذه الحاشية، يقول وشرطه إيجاب الصغرى وحينئذ فهذه لا تنتج، ثم يجيب بأننا نؤول السالبة بمعدولة المحمول فتكون موجبة حينئذ، وتفيد نفس المعنى حينئذ ينتج، وهكذا، كل هذا أنت لو لم تكن ممارسة متمرنا على هذا الذي نقوله فسيصعب عليك في الحواشي، ولن تستطيع أن تفهم ما يقولون، ولن تستطيع أن تحفظه مهما كانت حافظتك، فسيفوتك كلية.

حينئذ نقول الشكل الأول لا ينتج منه إلا أربعة، وباقي الضروب تكون عقيمة، الضرب الأول من كليتين موجبتين، وهذا هو أقوى ضرب في الضروب كلها في ضروب الأول وضروب كل الأشكال، فهذا الضرب هو أقوى أو أعلى ضرب مرتبة بين ضروب القياس الاقتراني كافة، فهو من كليتين موجبتين، مثاله كل إنسان حيوان الذي كنا نذكره كثيرا، كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، هذا من الشكل الأول، أول شيء تحققه أنه من أي شكل؟ هذا من الشكل الأول، لأن الحد الوسط حيوان وهو محمول في الصغرى موضوع في الكبرى، ثم تنظر من أي ضرب هو عقيم أم منتج؟ تقول إيجاب الصغرى، كل إنسان حيوان موجبة، كلية الكبرى، نعم، كل حيوان جسم كلية، حينئذ هو من ضرب منتج، كل إنسان الحيوان وكل حيوان الجسم ينتج كل إنسان جسم، حينها تقول هذا منتج لكل إنسان جسم وتجزم بذلك ما دام قد صحت الصورة، أما المادة فتحقيقها وبيان صدقها يرجع لك، لكن الصورة صحت.

فهذا سينتج متى صحت المقدمات، وتصحيح المقدمات عليك أن تعتبره وأن تنظر فيه أنت، المنطقي لا شأن له بذلك، إنما أنت الذي تنظر في أنها صادقة أو ليست بصادقة، تذهب وتفتش في العلوم أو في الواقع أو في فطرتك، أو عند أهل الخبرة عن صدقها، بعد أن يتبين لك أن القياس من الشكل الأول وأن صغرىه موجبة وأن كبرىه كلية تبينت لك صحة الصورة لكن أن تنتج النتيجة صادقة ليس لازما ذلك، لماذا؟ لأنه بقي أمر هو أن تتأكد من صدق المقدمات.

فإنه يمكن أن تقول كل إنسان حجر وكل حجر خشب ثم تنتج لك كل إنسان خشب، المقدمتان باطلتان والنتيجة باطلة، ولكن هذا من الشكل الأول والصغرى موجبة والكبرى كلية، فتقول كيف هذا؟ أنت ظننت أنه ما دام قد صح الشكل واستقام وتحققت فيه الشروط بأن تكون الصغرى موجبة إن كان من الشكل الأول والكبرى كلية خلاص، لا بد أن ينتج الصدق، لا، لا بد أن ينتج الصدق متى صدقت المقدمات، فعليك أن تتحقق بعد صدق الصورة بعد صحة الصورة من أمر هو صدق المقدمات.

تتحقق من صدق المقدمات كيف؟ كيف تتحقق من صدق المقدمات؟ إياك أن تُحَمِّل ذلك للمنطقي، لا شأن للمنطقي بذلك، المنطقي يقول لك كل إنسان حيوان اذهب ابحث في الفلسفة، ابحث هناك، تعرّف على الإنسان وتعرف على الحيوان واعرف تفاصيل كل منهما، لتعرف هل كل إنسان حيوان أم لا، بعد أن تعرف تكون قد تأكدت من صدقها، وكل حيوان جسم اذهب في الفلسفة واعرف، بعد أن تعرف هذه خلاص، صحت الأولى، وصحت الثانية، والصورة صحت عندي كمنطقي، لا بد أن تصح النتيجة.

كل فاعل منصوب وكل منصوب فهو فضلة، كل فاعل منصوب باطلة، كل منصوب فهو فضلة صادقة، ينتج كل فاعل فضلة باطلة، الصورة صحت من الشكل الأول، لأن الحد الوسط محمول في الصغرى وهو منصوب، محمول في الصغرى وموضوع في الكبرى من الشكل الأول، والشروط محققة، الصغرى موجبة والكبرى كلية، إذن كان عليه أن ينتج نتيجة صحيحة، لا، من قال إن المنطق يجعلك تفكر في كل شيء وتنتج الصدق والنتيجة الصحيحة، المنطق يجعلك تتمكن من ذلك، ليس أن تنتج النتائج الصادقة بالفعل، لا، يبقى واحد تضمه مع ما تعلمته من المنطق ليخرج الحق هو أن تتحقق من صدق المقدمات فقط، لكن ليس إذا تحققت من صدق المقدمات استطعت أن تنتج الصدق، شخص يعلم حقائق كثيرة تعلمها واكتسبها ولكنه لا يعلم المنطق، قد يرتب الحقائق، قد يرتب القضايا الصادقة -وهو لا يعلم المنطق- ترتيبا فاسدا فتخرج معه النتيجة فاسدة.

إذن لتخرج لك النتيجة حقة صادقة لا بد من أن تعلم الصورة علما يقينيا في المنطق بأن تعلم الأشكال الأربعة، أن تعلم ضروب الأشكال الأربعة المنتجة، خلاص، انتهيت الآن من معرفة الصورة، ما الذي ستضع في هذه الصورة؟ تعرفه من محله، فتكون قد تأكدت من صدق المواد، وتأكدت من صدق المواد في مكانها، ومن صحة الصورة في المنطق تخرج النتيجة صادقة.

كل كلي فهو متحقق في فرد واحد فقط، وكل ما تحقق في فرد واحد فهو جزئي، فالنتيجة تنتج كل كلي جزئي، باطلة، كل كلي يتحقق في فرد واحد اذهب في المنطق وفتش عنها، هل هي صادقة أم كاذبة؟ وجدتها في المنطق كاذبة، وكل ما يتحقق في فرد واحد جزئي أعرفها في المنطق أيضا، لماذا؟ لأنه هو المتكفل بمثل هذه المسائل، فعرفت أن الأولى كاذبة، والثانية صادقة، خلاص، وعرفت الصورة في المنطق، إذن مثل هذا القياس يتكفل المنطق بمعرفته بتمامه، مادته من المنطق وصورته من المنطق.

كل كلي يصدق على أفراد متعدد وما يصدق على أفراد متعددة فإنه ينقسم لستة أقسام بحسب الخارج، فالكلي ينقسم لستة أقسام بحسب الخارج، صادقة النتيجة، صورتها صحيحة من الشكل الأول من الضرب الأول وهو ضرب منتج، والمقدمات من المنطق أيضا، صادقة، مثل هذا القياس هو الذي تقول إن المنطقي يتكفل به بكماله، إنما أن تأتي بشيء في العقيدة، العالم حادث مثلا، وكل حادث فهو مسبوق بالعدم، فالعالم مسبوق بالعدم مثلا، تقول مثل هذه يتكفل بها المنطقي؟ أنا درست المنطق إذن خلاص في أي علم سأعرف الحق؟ كيف هذا؟ لا، لا بد أن تفتش عن المقدمتين في علم الكلام، ادرس علم الكلام وافهم ما فيه لتعرف صدق المقدمات، عرفت صدق المقدمات تعرف صدق الصورة من المنطق تُدخل هذه المقدمات أو هذه القضايا في الصورة يخرج لك الحق، فقد عرفت بذلك أن المنطق من أوله إلى آخره يصحح لك الصورة.

وإياك أن تستقل بذلك كما يستخف أناس بالمنطق، يقول له هو صوري يتعلق بالصورة، أصورة الفكر يستهزأ بها ويستهان بها؟ صورة الفكر؟ يعني النجار هذا في أي شيء أنت تمدحه؟ تمدحه في أنه صنع هذا الخشب؟ في أنه خلق هذا الخشب؟ أوجده من العدم؟ في أنه زرعه لما كان شجرا؟، أنت تمدحه في أنه صنع الصورة، أتستهين بصورة كرسي وصورة أشياء مطرّزة مزخرفة جميلة، لا يحسن صور الأشياء كثير منهم كذلك صورة الفكر أعظم من صورة الكرسي وصورة أي شيء، الخياط ماذا يصنع؟ يصنع صورة للثوب، القماش لم يصنعه ولم ينتجه، لم يصنع فيه شيء سوى أنه جزّأه وركبه، فصنع له صورة، فأنت فيما تصنعه فيما تتعلمه في المنطق كالنجار الذي يتعلم كيفية تصوير الخشب، كالرسام الذي يتعلم كيفية تصوير على الورق، كالمطابع التي تطبع هذه الكتب وتنتجها، يتعلم كيف يضم الورق، ورقة، ورقة، ويخيطه.

فإياك أن تستهين بالصورة ويقولون المنطق صوري، المنطق غاياته الصورة، وينقّسون هذا كنا نسمعه، ولكن هذا في الحقيقة من ضعفهم، لأنهم لما استصحبوا المنطق أرادوا أن يحقروا منه وأن ينزلوا من شأنه فيقولون إنه صوري، وقد بان لكم أن هذه الصورة لتصل إليها وسيتبين لكم في الضروب الآتية أن أمثال هذه الضروب وصورها ليست بالأمر الهين الذي يستهان به لا في فهمها ولا في الوصول إليها فقد عجز أكثر البشر عن أن يدرسوا هذا العلم وأن يفهموه، ولا في تركيبها في أذهان البشر، فعليها المعوّل عند كل البشر في فكرهم وفي بناء حياتهم، فكيف يستهان بها؟.

هذا هو الضرب الأول، هذه هي الصورة الأولى من صور الفكر، ويتبين فيها تعريف الفكر بأنه ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى أمر مجهول، "ترتيب أمور" نعلم الترتيب من المنطق، "أمور معلومة" نعلمها من غيره، ليس اللازم أن تكون من الفلسفة، قد تكون من الفلسفة، قد تكون من الفقه، قد تكون من النحو، قد تكون من الطب وهكذا، يعني "هذا بدن متعفن الأخلاط وكل متعفن الأخلاط فإنه محموم"، هذا بدن محموم، متعفن الأخلاط أي الأخلاط التي دخلت فيه متعفنة، أصابها العفن، وكل بدن متعفن الأخلاط فإنه محموم، تصيبه الحمى، هذا من الطب، هذا قياس من الطب، مبادئه مقدماته لا تعرفها في النحو، ولا في المنطق، ولا في الفقه إنما تعرفها من الطب.

كل صلوة عبادة وكل عبادة محمودة، كل صلوة محمودة، إلى آخره من الأقيسة الكثيرة التي تأتي بها، كل صلوة عبادة، كل صلوة لها وضوء، أو لا تصح إلا بالوضوء، أو هذه صلوة وكل صلوة لا تصح إلا بوضوء فهذه لا تصح إلا بوضوء، هذا تعرفه من الفقه، وهكذا، إذن المنطق صورة لفكرك ولتفكيرك في أي شيء، في أمر يتعلق بحياتك، أنا نشيط وأقضي الوقت فيما ينفع وكل شخص كان كذلك فإنه سينجح في حياته، إذن أنا أنجح، هذا أنت تصنعه دون الإتيان بهذه الصورة بنفس ألفاظها وترتيبها، يقول لك الناس كن نشيطا لتنجح، هو رتب قياسا، رتب قياسا على وجه السرعة في ذهنه، فلا تجهل له أنك إذا كنت نشيطا تنجح، لماذا؟ لأن الكبرى تقول وكل نشيط ينجح، وكل من يستغل الوقت ولا يضيعه ينجح، لكن ليس من اللازم أن تذكر القضايا مرتبة موضوعا فيها الأسوار السالبة والموجبة الكلية والجزئية، ليس من اللازم، فالذي نصنعه هنا في المنطق أننا نصيغ فكر الناس في كل مجالات الحياة في قوالب، بعد أن تتعلم هذه القوالب ليس من اللازم أنك إذا فكّرت في أي شيء تفكيرا منطقيا -قد تعلمت المنطق- ليس من اللازم أن تصيغ هذه القوالب، لا.

الضرب الأول من كليتين موجبتين، وهذا أعلى الضروب مرتبة، لأنه جمع أشرف الأمرين في المقدمتين، بل وفي النتيجة جمع الشرفين في المقدمتين هو الكلية والجزئية، بل وفي النتيجة جمع الشرفين، فهذا أشرف الضروب لذلك يبتدئون به في الشكل الأول، الثاني من موجبة كلية مع كلية سالبة، تقول كل صلوة عبادة ولا شيء من العبادة يصح بغير نية، كل صلوة عبادة، هذه الصغرى موجبة كلية، ولا شيء -سالبة كلية- من العبادة -الحد الوسط هو عبادة محمول في الصغرى موضوع في الكبرى فهو من الشكل الأول- لا يصح بغير نية، نحذف الوسط، ووسط يلغى لدي الإنتاج، وتحكم بقوله يصح بغير نية تحكم به على الصلوة، ثم تأتي بالسور السالب الكلي فتقول لاشيء من الصلوة يصح بغير نية، إذا كان هناك في القياس سلب، فإنه يخرج في النتيجة ولا شك، وإذا كان هناك جزئية في القياس فإنها تخرج في النتيجة ولا شك، كما سيذكر المصنف بعد ذلك في قوله وتتبع النتيجة الأخسَّ، لذلك هنا خرجت النتيجة سالبة كلية لوجود السلب في القياس.

الثالث من موجبة جزئية، أنا أرتب هذا الترتيب ليسهل عليك، أقول في الصغرى موجبة جزئية أقول في الكبرى كلية موجبة يعني أجيئ في الصغرى بما يتعلق بالإيجاب والسلب أولا وأجيئ في الكبرى بما يتعلق بالكلية والجزئية أولا لمراعاة الشروط، أقول في الصغرى موجبة جزئية والكبري تكون كلية موجبة، هذا هو الضرب الثالث، بعض الصلوة فريضة وكل فريضة يعاقب على تركها، تقول في النتيجة بعض الصلوة يعاقب على تركها، هنا بعض الصلوة فريضة موجبة جزئية صغرى وكل فريضة يعاقب على تركها موجبة كلية كبرى، شروط متحققة وهو من الشكل الأول لأن الحد الوسك هو فريضة ومحمول في الصغرى موضوع في الكبرى، ينتج بعض الصلوة يعاقب على تركها، نتيجة صحيحة.

الرابع من موجبة جزئية وكلية سالبة، تقول بعض العبادة صلوة، ولا شيء من الصلوة يقبل النيابة، يعني أن يصلي شخص نيابة عن آخر، الصلوة لا تقبل ذلك، بعض العبادة صلوة موجبة جزئية، ولاشيء -إذن هي سالبة كلية، الكبرى سالبة كلية- ولاشيء من الصلوة* يقبل النيابة، الصلوة* هو الحد الوسط محمول في الصغرى موضوع في الكبرى، النتيجة تخرج سالبة وجزئية، تخرج سالبة لوجود السلب في القياس في الكبرى وجزئية لوجود الجزئية في القياس في الصغرى فتخرج بعض العبادة لا يصح أو لا يقبل النيابة، أو ليس بعض العبادات يقبل النيابة، هذه هي الضروب الأربعة التي تنتج من الشكل الأول، وما عداها فعقيم، قال المصنف رحمه الله:

90- وَالثَّانِ أن يَختَلِفَا فِي الكَيفِ مَع

 

كُلِّيَّةِ الكُبـرَى لَـهُ شَـرطٌ وَقَع

هذا بيان لشرط الشكل الثاني، قال (أن يختلفا في الكيف) أي ألا تكون المقدمتان موجبتين ولا سالبتين، إنما تكون إحدىهما موجبة والأخرى سالبة، تكون الأولى موجبة والثانيه سالبة، أو الأولى سالبة والثانية موجبة، المهم اختلافهما في الكيف، وكلية الكبرى، إذن هو متوافق مع الشكل الأول في شرط الكم وهو متحقق في الكبرى، واختلف عنه في شرط الكيف فإن الأول شرطه الإيجاب في صغرىه الثاني شرطه اختلاف الكيف ليس إيجابا فقط أو سلبا فقط بل وجود الأمرين في المقدمتين.

إذا أردت أن تستخرج الضروب المنتجة من هذا الشكل، فإنك تقول يجب في الشكل الثاني أن تكون كبرىه كلية، فحينئذ إما أن تكون هذه الكلية موجبة أو سالبة فالكلية تشمل الموجبة والسالبة، ثم تأتي بالموجبة تقول الكلية الموجبة في الكبرى لا تنتج مع الصغرى إلا إذا كانت سالبة لأنها موجبة فلا تنتج مع الموجبة في الصغرى كلية أو جزئية لأن الكيف ليس مختلفا، فلا تنتج الكلية الموجبة مع الصغرى إلا إذا كانت الصغرى سالبة، والسالبة تكون كلية وجزئية، فنعلم بذلك ضربين منتجين من كليتين والصغرى سالبة، من صغرى سالبة جزئية وكبرى كلية موجبة.

إذن هذان ضربان من كليتين والصغرى سالبة والكبرى موجبة، ومن صغرى سالبة جزئية والكبرى كلية موجبة، ثم نقول الكبرى الكلية السالبة لا تنتج مع الصغرى إلا إذا كانت موجبة لأنها لو كانت سالبة لم يكن هناك اختلاف في الكيف، فنعلم بذلك ضربين أيضا، لماذا؟ لأن الموجبة في الصغرى تكون كلية وتكون جزئية فحينئذن نجد أن الضرب الثالث من كليتين -عكس الضرب الأول- والصغرى موجبة والكبرى سالبة، الضرب الرابع من كبرى كلية سالبة كما هو واضح والصغرى موجبة جزئية.

ليس هناك ضرب تحقق فيه الشروط سوى هذه الأربعة فيكون المنتج من الشكل الثاني أيضا أربعة كالشكل الأول لكن ليست الضروب كضروب الشكل الأول، هي مثلُها في أنها أربعة فقط، لأن الشكل الأول يمكن اتفاق المقدمتين في الإيجاب والسلب أما الشكل الثاني فلا اتفاق، هذه هي الضروب الأربعة للشكل الثاني.

أمثلتها الضرب الأول هو من كليتين، والصغرى موجبة والكبرى سالبة، كل انسان حيوان ولا شيء من الحجر بحيوان، هذا من الشكل الثاني، لأن الحيوان وسط محمول في المقدمتين، كل إنسان حيوان موجبة كلية، ولا شيء من الحجر بحيوان إذن الكبرى سالبة تحقق اختلاف الكيف والكبرى سالبة وكلية إذن تحقق الشرط الثاني هو كلية الكبرى، حينئذ نقول بالجزم إنه ينتج، على فرض صدق المقدمات ينتج، كل إنسان حيوان ولاشيء من الحجر بحيوان، وجد في القياس سلب فنخرجه في النتيجة فنقول لا شيء من الإنسان بحجر.

الضرب الثاني من كلية سالبة وكلية موجبة، من كليتين على عكس الضرب السابق، السابق كان من موجبة كلية أو كان من كليتين والصغرى موجبة، هذا من كليتين والصغرى سالبة، عكس السابق، نقول لا شيء من الحجر بحيوان نأتي بنفس المقدمتين السابقتين أيضا، لكن نعكسهما الصغرى نجعلها كبرى، والكبرى نجعلها صغرى، لاشيء من الحجر بحيوان وكل إنسان حيوان، الحد الوسط حيوان محمول في المقدمتين فهو من الشكل الثاني، هذا أول الأمر تحققه، إياك أن تتكلم في الشروط أو تبحث عنها دون أن تعلم هي من أي شكل، لاشيء من الحجر بحيوان، الصغرى سالبة والكبرى وكل إنسان حيوان موجبة تحقق اختلاف كيف، الكبرى كل إنسان حيوان تحقق كلية الكبرى، فالشروط متحققة من الشرط الثاني ينتج، السلب موجود في القياس لا بد أن يخرج في النتيجة لاشيء من الحجر بإنسان.

الضرب الثالث من جزئية موجبة وكلية سالبة، تقول بعض الإنسان كاتب، هذه جزئية موجبة، ولاشيء من النائم بكاتب، كاتب هو الحد الوسط، محمول في المقدمتين فهو من الشكل الثاني، نحقق الشروط، الصغرى بعض الإنسان كاتب موجبة، والكبرى لا شيء من النائم بكاتب سالبة تحقق اختلاف الكيف، الكبرى لا شيء من النائم بكاتب، فهي كلية تحقق الشرط الثاني إذن ينتج، هذا فيه سلب وجزئية، الجزئية موجودة في الصغرى، السلب موجود في الكبرى، تخرج النتيجة فيها الخستان، بعض الإنسان ليس بنائم.

الرابع جزئية سالبة مع كلية موجبة كبرى، بعض الإنسان ليس بكاتب جزئية سالبة في الصغرى وكل متعلم كاتب، الكاتب محمول في المقدمتين فهو من الشكل الثاني، هذا أول الأمر تحققه، نأتي للشروط، بعض الإنسان ليس بكاتب هذه سالبة، والكبرى كل متعلم كاتب موجبة، اختلف الكيف، الكبرى كل متعلم كاتب كلية تحقق الشرط الثاني.

أنا يمكن أن أشرح سريعا يا مولانا، لكن أنا أفصل في كل ضرب لتتدرب أنت وتتعلم، لكن أنا يمكن أن أذكر المثال سريعا وخلاص وأنت عليك أن تتدبر، لكن أنا أحاول أن أعوّدك على كيفية التفكير في كل ضرب، كيف تعرف هو من الضروب المنتجة أولا تمر في كل ضرب بهذه المراحل، أن تنظر أولا لحد مشترك، أولا هل هناك حد مشترك؟ نعم، ليس موجود؟ خلاص هذا فاسد النظام كما قال الشيخ (وحيث عن هذا النظام يعدل ** ففاسد النظام) هناك حد مشترك تنظر ما موقعه؟ فتحقق الشكل حينئذ هو من الشكل الثاني، بعد ذلك تنظر ما شروط الشكل الثاني تأتي بها في ذهنك ثم تحققها، اختلاف الكيف تنظر للمقدمتين، وكلية الكبرى تنظر للكبرى، هذا الذي تمر به في كل قياس، بعض الإنسان ليس بكاتب وكل متعلم كاتب، نحذف "كاتب" والقياس فيه الجزئية وفيه أيضا -هذه من الخطوات التي تصنع للإنتاج لتنتج الصدق- تقول القياس فيه جزئية؟ نعم، أخرجها فيه النتيجة، القياس فيه سلب؟ نعم، أخرج السلب في النتيجة، فلا بد أن تخرج النتيجة مشتملة على الخسة الموجودة في القياس أو الخستين فبعض الإنسان ليس بمتعلم، هذا هو الشكل الثاني ينتج فيه أربعة ضروب.

نأتي للشكل الثالث وشرطه أن يكون الحد الوسط موضوعا فيهما قال:

91- وَالثَّالِثُ الإِيجَابُ فِي صُغرَاهُمَا

 

وَأَن تُرَى كُلِّـيَّةً إِحــدَاهُمَـا

(وَالثَّالِثُ الإِيجَابُ فِي صُغرَاهُمَا) الضمير مضاف إليه يرجع للمقدمتين، والثالث الإيجاب في صغرى المقدمتين، (وأن ترى كلية إحداهما) هنا يجب في الثالث أن تكون الصغرى موجبة فهو قد تَوافق مع الأول في شرط الكيف الحاصل في الصغرى، بخلاف الثاني فإنه قد تَوافق مع الأول في شرط الكم الحاصل في الكبرى، أما هنا فقد توافق مع الأول في شرط الكيف الحاصل في الصغرى.

وأما شرط الكم فليس كالأول وليس كالثاني، وهو هنا أن تكون إحدى المقدمتين كلية سواء كانت الأخرى كلية أو جزئية، يعني أن تكون إحدى المقدمتين كلية ليس كالشرط في الكيف الذى كان في الثاني هو اختلافهما في الإيجاب والسلب، لا، هنا أن تكون إحدى المقدمتين واحدة كلية، والأخرى قد تكون كلية، وقد تكون جزئية، فهو لم يقل شرطه اختلاف المقدمتين في الكم، لو كان الأمر كذلك لم يصح أن تكون المقدمتان كليتين ولا جزئيتين، إنما هو هنا يقول أن تكون واحدة كلية والثانية قد تكون كلية أو جزئية، فلا تتوهم من قوله (وأن ترى كلية إحداهما) أن الشرط الثاني هو اختلاف المقدمتين في الكلية والجزئية، لا، إذن (وأن ترى كلية إحداهما) يجعلنا نقول القياس المؤلف من جزئيتين من الشكل الثالث لا ينتج، فالذي يخرج بقوله (وأن ترى كلية إحداهما) هو القياس الذي تكون -من الشكل الثالث- مقدمتاه جزئيتين، لأنها لم تتحقق كلية إحدى المقدمتين.

وإذا كانت الصغرى كلية، والكبرى جزئية، أو الصغرى جزئية والكبرى كلية، أو كانت المقدمتان كليتين فالقياس ينتج إن تحقق إيجاب الصغرى، قال (والثالث الإيجاب في صغرهما ** وأن ترى كلية إحداهما) كما سنبين في الضروب، ينتج من هذا الشكل الثالث ضروبا ستة بخلاف الأول والثاني، فإنه ينتج من الأول أربعة ومن الثاني أربعة، هذا ينتج منه ستة ضروب.

بيانها بالأمثلة من كليتين موجبتين، كالضرب الأول في الشكل الأول، هذا من كليتين موجبتين، لماذا؟ لأن صغراه موجبة وتحقق كلية إحدى المقدمتين، بل هنا المقدمتان كليتان، تقول كل صلوة عبادة وكل صلوة لها وضوء، النتيجة بعض العبادة لها وضوء، وليست كل عبادة، فالصيام ليس له وضوء والحج والزكاة ليس لها وضوء وهكذا، كل صلوة عبادة موجبة كلية خلاص، إذا كانت الصغرى موجبة كلية فإنها حينئذن تنتج مع الكبريات الأربع، إذا كانت الصغرى موجبة كلية تحقق فيها الإيجاب وتحقق حينئذ كلية إحدى المقدمتين، هي وحدها تكفي في تحقق الشرطين، إذا كانت الصغرى موجبة كلية ينتج مع الكبريات الأربع، مع الموجبة الكلية ومع الموجبة الجزئية ومع السالبة الكلية ومع السالبة الجزئية، لماذا؟ لأن ما تحقق في الصغرى يكفي في تحقق الشرطين، فهذه أربعة ضروب.

وإذا كانت الصغرى غير ذلك، إذا لم تكن موجبة كلية كانت موجبة جزئية فإنها حينئذ لا تنتج إلا مع الكبرى الكلية، لماذا؟ لأن الصغرى جزئية ليس هناك كلية، لا بد أن تكون في الكبرى، فلا تنتج مع الجزئيتين الموجبة والسالبة، تنتج مع الكليتين الموجبة والسالبة، هذان ضربان، والصغرى السالبة الكلية والجزئية لا تنتج، لأنه لا بد من إيجاب الصغرى، إذن أردت أن تستخرج ضروب الشكل الثالث الستة تقول هكذا: الصغرى إذا كانت موجبة كلية، فقد تحقق الشرطان فتنتج مع الكبرى بأقسامها الأربعة، فهذه أربعة ضروب، وإذا لم تكن كلية كانت الصغرى موجبة -ولا بد أن تكون موجبة- كانت موجبة جزئية تنتج مع الكليتين كبرى، الكلية السالبة والكلية الموجبة، فحينئذن ينتج ستة ضروب من هذا الشكل.

مثلنا للضرب الأول، وهو مثل الضرب الأول في الشكل الأول، لكن الفرق أن الشكل الأول الحد الوسط محمول في الصغرى موضوع في الكبرى، والثالث الحد الوسط موضوع فيهما، أن الشكل الأول نتيجته تكون موجبة كلية، الشكل الثالث لا، لا ينتج هذا الشكل موجبة كلية، بل لا ينتج إلا الجزئية فقط، الشكل الثاني لا ينتج إلا السلب، والشكل الثالث لا ينتج إلا الجزئية، لا ينتج كلية أبدا، لذلك كان الأول أولا لأنه ينتج الجزئية والكلية والموجبة والسالبة، أما الثاني ينتج السالبة فقط كلية وجزية كما تبين، والثالث هذا سيتبين أنه ينتج الجزئية فقط موجبة وسالبة، هنا تألف من كليتين موجبتين ولم تخرج النتيجة كلية وإنما خرجت جزئية، تنبه لما قلته قبل ذلك، ما قلته لك قبل ذلك هو أنه إذا وجدت الجزئية في القياس فلتوجد في النتيجة، إذا وجد السلب في القياس فلتوجد في النتيجة، لكن لم نقل إذا وجدت الجزئية في النتيجة وجدت في القياس، لا، قد توجد الجزئية في النتيجة وليست توجد في القياس كهذا الضرب.

فقول المصنف الآتي (وتتبع النتيجة الأخس من ** تلك المقدمات) يقصد به أن القياس إذا كانت فيه جزئية خرجت في النتيجة، وإذا كانت فيه سلب تكون النتيجة سالبة، لكن هل إذا كانت النتيجة جزئية تكون هناك جزئية في القياس؟ لا، ليس من اللازم، تكون المقدمة كلية في الشكل الثالث وتخرج النتيجة جزئية في ضربين، لعله في ضربين في الشكل الثالث، وفي الرابع أيضا تكون المقدمات كلية والنتيجة جزئية، ما السبب في ذلك؟ أنا شرحته وفصلته في شرح الشيخ الملاوي على هذا المتن، أما تفصيله الآن فلا داعي له.

الضرب الثاني من كلية موجبة وكلية سالبة، كل صلوة حركة ولا شيء من الصلوة بمذموم، هنا تألف من كليتين والصغرى موجبة والكبرى سالبة، وإذا وجد السلب في النتيجة فإنه يوجد في القياس، النتيجة مع المقدمتين هناك توافق في الإيجاب والسلب ولا ريب في ذلك، إنما لا توافق في الكلية والجزئية إلا من جهة القياس، إذا وجدت واحدة من الجزئية أو السلب في القياس فإن النتيجة تخرج جزئية وسالبة، إذا وجدت النتيجة سالبة هناك سلب في القياس قطعا، إنما إذا وجدت النتيجة جزئية ليس يجب أن توجد الجزئية في القياس، تنبه لذلك.

إذن هناك ثلاثة أمور أنت تعرفها، وأمر رابع يختلف، ثلاثة أمور فيها توافق، هو أن الجزئية في القياس تقتضي الجزئية في النتيجة، السلب في القياس يقتضي السلب في النتيجة، السلب في النتيجة يقتضي السلب في القياس، الجزئية في النتيجة لا تقتضي الجزئية في القياس، قد تخرج النتيجة جزئية والمقدمات كلية كما في الضرب السابق في الشكل الثالث، الشكل الأول والثاني هناك توافق بين النتيجة والقياس، إذا لم توجد جزئية في القياس فهي لا توجد في النتيجة، هذه في الأول والثاني الأمر هين.

إنما في الثالث نجد الضرب الذي سبق من كليتين والنتيجة جزئية، وهذا الضرب الذي سيأتي، كل صلوة حركة ولا شيء من الصلوة بمذموم، من كليتين الصغرى موجبة، الكبرى سالبة تخرج النتيجة سالبة قطعا، لأن السلب موجود في القياس ولا تختلف النتيجة مع القياس في السلب والإيجاب، وهي من كليتين، لا تخرج النتيجة كلية هنا، وإنما تخرج جزئية، لأن الثالث لا ينتج إلا الجزئية، فتقول بعض الحركات ليس بمذموم، خرجت النتيجة جزئية مع أن المقدمتين كليتان، وخرجت سالبة لوجود السلب في القياس.

الثالث من جزئية موجبة وكلية موجبة، بعض الفاعل مرفوع وكل فاعل يمتنع حذفه، الجزئية موجودة في القياس فتخرج في النتيجة والسلب ليس موجودا في القياس فلا تخرج النتيجة سالبة، بعض الفاعل مرفوع موجبة تحقق شرط إيجاب الصغرى، وكل فاعل يمتنع حذفه تحقق شرط كلية إحدى المقدمتين فينتج الشكل الثالث، وهذا من الثالث لأن الحد الوسط هو فاعل موجود موضوع فيهما، بعض الفاعل مرفوع وكل فاعل يمتنع حذفه، النتيجة بعض المرفوع يمتنع حذفه وغير هذا البعض لا يمتنع حذفه كالخبر مثلا، والمبتدأ من المرفوعات لا يمتنع حذفها.

الرابع من كلية موجبة وجزئية موجبة، كل إنسان جسم وبعض الإنسان كاتب، الحد الوسط إنسان موضوع فيهما، فهو من الشكل الثالث، الصغرى موجبة كلية إذن تنتج مع أي كبرى مع الكبريات الأربع، كل إنسان جسم وبعض الإنسان كاتب، بعض الجسم كاتب.

جزئية موجبة مع كلية سالبة، الضرب الخامس، مثاله بعض الإنسان كاتب، لا شيء من الإنسان بحجر، الإنسان حد وسط موضوع فيهما، الصغرى موجبة، الكبرى كلية فتحقق الشرطان ينتج، تقول بعض الكاتب ليس بحجر، السادس من كلية موجبة وجزئية سالبة، مثاله كل إنسان حيوان وبعض الإنسان ليس بكاتب، النتيجة تكون سالبة لوجود السلب في القياس وجزئية لوجود الجزئية في القياس تقول بعض الحيوان ليس بكاتب، هذه ستة ضروب تنتج من الشكل الثالث وما عداها من الضروب الستة عشر فإنه لا ينتج في هذا الشكل، فمتى رأيت ضربا من هذه الضروب تحقق فيه الشرطان فلتجزم بصحة صورة النتيجة، ثم تحقق بعد ذلك صدق المقدمتين وأنهما متحققتان في الخارج، فإن تبين لك ذلك تبينت لك صحة النتيجة من جهة صورة القياس ومادته.

92- وَرَابِعٌ عَـدَمُ جَمعِ الخِسَّـتَين

 

إِلاَّ بِصُـورَةٍ فَفِيهَــا يسـتَبِين

(إلا بصورة ففيها يستبين) أي إلا بصورة واحدة جمعت بين الخستين واستبان فيها، أي ظهر الإنتاج، أي صورة واحدة فيها الخستان وتنتج، دعك مما ذكره المصنف الآن، شرط الشكل الرابع هو أنه إذا كانت الصغرى -شرطه مركب ليس مفصلا وواضحا كالشروط السابقة- أنه إذا كانت الصغرى موجبة جزئية فإنها لا تنتج إلا مع الكلية السالبة في الكبرى، إذن هناك شرط واحد يتعلق بما إذا كانت الصغرى موجبة جزئية، فإنه حينئذ لا تنتج إلا مع الكبرى السالبة الكلية.

هذا جانب من الشرط، وإن لم تكن الصغرى موجبة جزئية، بأن كانت أي قسم من الأقسام الثلاثة الأخرى فإنك تقول الشرط ألا تجتمع خستان في القياس من جنس واحد أو من جنسين في مقدمة أو في مقدمتين، هكذا الشرط بتمامه، إن لم تكن الصغرى موجبة جزئية بأن كانت موجبة كلية أو سالبة بقسميها الجزئية والكلية، فإن الشرط ألا تجتمع الخستان السلب والجزئية من جنس واحد أي سلب مع سلب، جزئية مع جزئية أو من جنسين سلب مع جزئية، في مقدمة واحدة سالبة جزئية جمعت الخستين في مقدمة، أو في مقدمتين مقدمة سالبة ومقدمة جزئية، هذا هو الشرط في الشكل الرابع، إن كانت الصغرى موجبة جزئية فالكبرى لا بد أن تكون سالبة كلية، هذا ضرب واحد، وإن لم تكن موجبة جزئية فالشرط ألا تجتمع خستان من جنس أو جنسين في مقدمة أو في مقدمتين فهذا ينتج لنا أو يعطينا أربعة ضروب، فيكون مجموع المنتج من ضروب الرابع خمسة حينئذ.

المصنف هنا لم يقل ذلك وإنما قال (ورابع عدم جمع الخستين) إذن شرط الشكل الرابع في كلام المصنف ألا تجتمع الخستان في الشكل الرابع، هذا الذي نستفيده من كلامه، لأنه قال (ورابع) أي والشكل الرابع شرطه عدم جمع الخستين إلا في صورة واحدة حصل فيها اجتماع الخستين وهي منتجة وبيّنها بعدها بقوله:

93- صُغـرَاهُمَا مُـوجَبَةٌ جُزئِـيِّه


 

كُبــرَاهُمَـا سَالِــبَةٌ كُلِّــيَّه

(صغرهما) أي صغرى المقدمتين موجبة جزئية، (كبرىهما) أي كبرى المقدمتين سالبة كلية، خلاص، هذا ضرب عرفناه، فقوله (ورابع عدم جمع الخستين) قاصر لأنه يشمل ضربا غير منتج، هو يقول (ورابع عدم جمع الخستين) ألا تجتمع خستان في ضروب في الشكل الرابع، إذا كان القياس من موجبة جزئية مثلا مع موجبة كلية، هل هنا اجتمع خستان؟ هو من موجبتين فلا خسة الكيف أصلا، والجزئية موجودة في الصغرى، فهناك خسة واحدة فقط لم تجتمع خستان، فهنا خسة واحدة فقط.

فهذا الضرب على كلام المصنف من موجبتين والكبرى كلية والصغرى جزئية، هذا الضرب على كلام المصنف يكون منتجا على الذي فهمناه من كلامه، فتكون الضروب المنتجة من الشكل الرابع ستة على كلام المصنف، لأنه قال (ورابع) أي وشرط الشكل الرابع ألا تجتمع فيه خستان إلا في صورة واحدة فقط فيها خستان وتنتج، وإذا كان من موجبتين والصغرى جزئية والكبرى كلية ليس فيه خستان، بخلاف ما إذا كانت الصغرى موجبة جزئية والكبرى سالبة جزئية فإنه اجتمعت خستان في الكبرى من جنسين، سلب وجزئية، واجتمعت أيضا الخستان من جنس واحد في مقدمتين، لأن الصغرى جزئية، والكبرى جزئية، فجزئية مع جزئية خسة، اجتمعت خستان من جنس واحد، هي خسة الجزئية، فلا يمكن.

إذن يدخل في كلام المصنف كل الضروب التي سنذكرها الخمسة التي نصّوا على أنها تنتج من الرابع، ويدخل ضرب سادس على سبيل الخطأ في كلام المصنف، لأنه قال (ورابع عدم جمع الخستين ** إلا بصورة) واحدة وقد تبين أن الضرب من موجبة جزئية مع كبرى كلية موجبة ينتج، ومن موجبة جزئية مع موجبة جزئية تحقق فيه خسة الجزئية في المقدمتين، فاجتمعت خستان من جنس واحد في المقدمتين، إذن لم يتبقَّ مما يدخل في كلام المصنف وليس داخلا في المنتج، فإنه عقيم إلا ضرب صغرىه من موجبة جزئية وكبرىه من موجبة كلية، هذا في الحقيقة ليس بمنتج بل هو عقيم، لأن المناطقة نصوا في شرط الرابع على أنه إذا كانت الصغرى موجبة جزئية فالكبرى يجب أن تكون سالبة كلية فقط ولا ينتج معها ما عدا ذلك، فالموجبة الكلية حينئذ لا تنتج مع الموجبة الجزئية في الصغرى.

المصنف لم يقل "ورابع شرطه إن كانت الصغرى موجبة جزئية أن تكون الكبرى سالبة كلية وإن لم يكن كذلك فالباقي ألا تجتمع خستان"، لم يقل ذلك، وإنما قال شرط الشكل بتمامه بجميع ضروبه ألا تجتمع فيه الخستان، فحينئذ تنتج الكلية الموجبة مع الجزئية الموجبة في هذا الشكل، تدخل خطأً في كلام المصنف، إياك أن تظن أنه مذهب للمصنف أو أنها تخرج بقيد أو كذا، لا تخرج، كما نص الشراح على أن هذا الضرب يدخل على سبيل الخطأ في كلام المصنف، لأن كلام المصنف يشمله، فقول المصنف ورابع عدم جمع الخستين، أي من جنس أو جنسين في مقدمة أو مقدمتين إلا في صورة واحدة تجتمع الخستان وتنتج.

الضرب الأول من الضروب الخمسة المنتجة من الرابع من كليتين موجبتين، كالضرب الأول في الثالث، والضرب الأول في الأول، من كليتين موجبتين، وهذا الضرب لا يوجد في الثاني، لأنه من موجبتين والثاني لا بد من اختلاف الكيف، من كليتين موجبتين، تقول كل إنسان حيوان وكل ناطق إنسان، الحد الوسط إنسان موضوع في الصغرى محمول في الكبرى عكس الأول، وهو من كليتين، ومع ذلك تخرج النتيجة جزئية لأنه لا ينتج الموجبة الكلية إلا الأول، تقول كل إنسان حيوان وكل ناطق إنسان، النتيجة بعض الحيوان ناطق، تخرج موجبة لأنه لا يوجد سلب في القياس.

الثاني كل إنسان حيوان وبعض الناطق إنسان، الحد الوسط إنسان موضوع في الصغرى محمول في الكبرى، الشرط متحقق لأنه لا توجد إلا خسة الجزئية في الكبرى فقط، فلم تجتمع خستان، النتيجة تخرج جزئية لوجود الجزئية في القياس، بعض الحيوان ناطق، الثالث من كليتين، والصغرى سالبة* والكبرى موجبة*، لاشيء من العبادة بمستغن عن النية وكل وضوء عبادة، الحد الوسط عبادة، موضوع في الصغرى محمول في الكبرى، فهو من الشكل الرابع، المقدمتان كليتان وستخرج النتيجة كلية، السلب موجود في القياس في الصغرى، لا شيء من العبادة بمستغن عن النية، فتخرج النتيجة سالبة، وتتحقق فيه شروط، لأنه وجدت فيه خسة واحدة فقط، هي خسة السلب في الصغرى، فهو منتج، ينتج لاشيء من المستغني عن النية بوضوء، فإنه لا يوجد وضوء يستغني عن النية.

الرابع، الضرب الذي سبق من كليتين، والصغرى سالبة والكبرى موجبة، وهذا عكسه، الضرب السابق من كليتين، والصغرى سالبة والكبرى موجبة، كما مثلنا، لاشيء من العبادة مستغن عن النية وكل وضوء عبادة، لكن أنا عكست في ذكر لهذا الضرب قلت من كليتين والصغرى موجبة والكبرى سالبة، هذا الضرب من كليتين والصغرى موجبة والكبرى سالبة، عكس الذي سبق، نأتي أيضا بنفس المقدمتين السابقتين، لكن لو عكسناهما لكان من الشكل الأول، نقول كل إنسان حيوان ولاشيء من الفرس بإنسان، حد وسط إنسان، موضوع في الصغرى، كل إنسان حيوان محمول في الكبرى لاشيء من الفرس بإنسان، الشروط متحققة، لأنه لا توجد إلا خسة السلب في الكبرى فقط، حينئذن ينتج، هو من كليتين وإحدىهما موجبة والأخرى سالبة تخرج النتيجة حينئذ نقول بعض الحيوان ليس بفرس، تخرج النتيجة جزئية سالبة، السلب لأجل أن السلب موجود في القياس، وخرجت جزئية والقياس ليس فيه جزئية؟ قلنا نعم.

المعروف أن القياس إذا كانت فيه جزئية تخرج في النتيجة، لكن ليست إذا وجدت الجزئية في النتيجة أن تكون في القياس، لذلك ضابط أنا شرحته وفصلته في شرح الشيخ الملوي على السلم، كل إنسان حيوان ولا شيء من الفرس بإنسان النتيجة بعض الحيوان ليس بفرس، هذا الضرب والضرب الأول هنا في الشكل الرابع تألف من كليتين والنتيجة جزئية، فهذان ضربان، وضربان في الثالث تألفا من كليتين والنتيجة جزئية، فلتحفظ هذا، أربعة ضروب تألفت من كليتين والنتيجة جزيئة، أربعة ضروب فقط، ضربان في الثالث، لأنه لا ينتج إلا الجزئية، وضربان في الرابع، الرابع ينتج الكلية، لكن تكون سالبة ولا تكون موجبة، لا ينتج الكلية الموجبة إلا الأول فقط، قد بينا ذلك في كلام المصنف (وهي على الترتيب في التكمل) شرحنا، ذكرنا ذلك هناك في شرح هذا الشطر.

الضرب الخامس ما ذكره المصنف (صغرهما موجبة جزئية) هي الصورة المستثناة و(كبرىهما سالبة كلية)، مثاله بعض الحيوان إنسان، لاشيء من الحجر بحيوان، الحد الوسط حيوان موضوع في الصغرى محمول في الكبرى، خلاص لا ننظر هنا للشرط الذي هو عدم جمع الخستين لأن هذه الصورة مستثناة، فيها خستان، فيها جزئية في الصغرى وسلب في الكبرى وهي مستثناة، فتنتج حينئذ بعض الإنسان ليس بحجر.

فقد تبين بذلك أن كلام المصنف رحمه الله في الأشكال الثلاثة، وفي شروط الأشكال الثلاثة مستقيم ليس فيه عيب، وكلامه في الشرط الرابع فيه عيب وهو أنه يدخل فيه صورة أو ضرب من موجبة جزئية مع موجبة كلية في الكبرى، وهذا الضرب ليس بداخل على كلام المناطقة باتفاق المناطقة هذا الضرب لا يدخل، هذا الكلام الذي ذكره المصنف من إنتاج خمسة ضروب في الشكل الرابع هو مذهب المتقدمين والمتأخرون من المنطقيين على أنه ينتج منه ثمانية ضروب تفصيلها في المطولات، قال بعد ذلك:

94- فَمُنــتِجٌ لِأَوَّلٍ أَربَــعَةُ

 

كَـالثَّـانِ ثُمَّ ثَالِـثٌ فَسِـتَّةُ

(فمنتج لأول أربعة) هذا عرفناه ينتج من الشكل الأول أربعة (كالثاني) أي الثاني ينتج أربعة أيضا، ينتج منه ضروب أربعة، (ثم ثالث فستة) أي والشكل الثالث تنتج منه ضروب ستة، هذا كله قد بينا تفصيلا بالأمثلة.

95- وَرَابِـعٌ بِخَمـسَةٍ قَد أَنتَجَا

 

وَغَيـرُ مَـا ذَكَـرتُهُ لَـن يُنتِجَا

(ورابع بخمسة قد أنتجا) هذا بينا أيضا مع أن كلام المصنف يفيد أن ستة تنتج، وهنا قد نص على أن خمسة تنتج، (ورابع بخمسة قد أنتجا ** وغير ما ذكرته لن ينتجا) كلامه هذا ليس فيه عيب إنما العيب في الشكل الرابع فقط، ثم قال:

96- وَتَتبَعُ النَّتِيـجَةُ الأَخَسَّ مِـن

 

تِلـكَ المُقَـدِّمَـاتِ هَكَـذَا زُكِن

زُكِنَ بمعنى عُلِم، علم من قاعدة اللازم والملزوم وعلم من كلام المنطقيين، (وتتبع النتيجة الأخس) أي النتيجة في كونها سالبة أو جزئية تكون تابعة للمقدمتين، تفهم من هذا أن القياس -لأنه قال النتيجة تتبع القياس- فلو وجد في القياس جزئية توجد في النتيجة، وهذا مفهوم صحيح، وتفهم أيضا منه أنه لو كان في القياس سلب تتبعه النتيجة، يخرج في النتيجة فتتبع النتيجة المقدمات، لكن هل يفهم من هذا الكلام أن المقدمات لو لم يكن فيها جزئية تخرج النتيجة كلية؟ أن المقدمات لو كانت كلية تخرج النتيجة كلية؟ هل يُفهم ذلك حتى يعترض على المصنف بأن كلامه يشمل ما إذا كانت المقدمات كلية والنتيجة جزئية وهنا لم تتبع النتيجة المقدمات؟ هذا يرد على كلام المصنف لو قال وتتبع النتيجة المقدمات في الكلية والجزئية، لكنه لم يقل ذلك، إنما قال تتبع النتيجة الأخس من المقدمات، بمعنى أن الخسة الموجودة في القياس توجد في النتيجة فإن لم توجد خسة في القياس الشروح ذكرت أنه لو لم توجد خسة في القياس بأن كانت المقدمات كلية مثلا فالنتيجة تخرج كلية أيضا جعلوا ذلك مفهوما من كلام المصنف، واعترضوا على المصنف بعد ذلك بأن المقدمات تكون كلية والنتيجة تكون جزئية، فحينئذ لم تتبع النتيجة القياس في هذه الحالة.

نقول هذا ليس مفهوما من كلام المصنف لأنه قال وتتبع النتيجة الأخس أي الخسة الموجودة في القياس موجودة في النتيجة، وإذا لم تكن هناك خسة في القياس النظم سكت عن ذلك لصعوبة ذلك على المبتدئين، فلم يوضحه، لأنه يحتاج لضابط وقاعدة قد ذكرتها تفصيلا في شرح الشيخ الملوي على هذا المتن، فلما كان الأمر كذلك وصعب على الطالب تركه المصنف، فبيّن أن القياس إذا كانت فيه جزئية أو سلب تخرج في النتيجة، وسكت عن ضابط متى تكون النتيجة جزئية لم يذكره، وقد تبين لكم في القياس في الكلام على أشكال أربعة أن هناك أربعة ضروب تتألف من كليتين والنتيجة تخرج جزئية، فحينئذ نقول هذه الأربعة لم يتعرض لها المصنف هنا في البيت حتى يقال إن النتيجة لم تتبع القياس فيها.

نعم تدخل هذه الأربعة في كلام المصنف لو قال وتتبع النتيجة المقدمات في الكلية والجزئية، لكان ذلك واردا على المصنف، المهم الآن أننا فهمنا من هذا البيت أن قوله (وتتبع نتيجة الأخس ** من تلك المقدمات هكذا زكن) أن مفهوم هذا أو مراد المصنف من هذا البيت أنه إذا وجدت الخستان في القياس وجدتا أو وجدت إحداهما في النتيجة، هذا الذي قاله المصنف في هذا البيت، وأما إذا لم توجد فماذا يحصل في النتيجة؟ فهذا مسكوت عنه في كلام المصنف، وقد بيناه في الضروب كاملة، ثم قال:

97- وَهَـذِهِ الأَشكَـالُ بِالحَـملِىِّ

 

مُختَصَّـةٌ وَلَيـسَ بِالشَّـرطِـيِّ

تعرضنا له قبل ذلك عند قول المصنف (واختص بالحملية)، في قول المصنف قبل فصل الأشكال في تعريف الاقتراني (وهو الذي دل على النتيجة ** بقوة واختص بالحملية) أي لا يتألف القياس الاقتراني إلا من الحملية، فلا تدخله الشرطيات، صرح بذلك وأعاده في قوله (وهذه الأشكال بالحملي مختصة) أي لا تتألف من الشرطية بل صرح في ذلك بقوله (وليس بالشرطي) أي ليست مختصة بشرطي أو ليس يدخلها الشرطي، فهذا تكرار مع ما سبق في قوله (واختص بالحملية) فكان عليه أن يحذف هذا البيت فلا فائدة فيه، وأيضا هذا خلاف ما عليه الجمهور كما بيناه هناك، ثم قال:

98- وَالحَـذفُ فِي بَعـضِ المقَدِّمَاتِ

 

أَوِ النَّتِــيجَةِ لِعِــلمٍ آتِ

لما عرفت أن القياس من مقدمتين وأنه لا يتألف من أقل من مقدمتين وقضيتين ربما تتوهم أنه متى ذكرت مقدمة واحدة فلا يحصل إنتاج فتخلط بين أن القياس لا يتألف من أقل من مقدمتين وبين أن تذكر مقدمة، قد تذكر مقدمة واحدة لتفيد نتيجة، كيف هذا؟ القياس لا يمكن أن يكون من مقدمة واحدة؟ قلنا لا، الذي ذكرت مقدمة واحدة، لكن النتيجة هذه تعتمد على هذه المقدمة وعلى مقدمة أخرى حذفت، فكأنه في هذا البيت يقول لك إنك قد علمت أن القياس يتألف من مقدمتين أو من قضيتين، لكن إياك أن تظن أنه يجب ذكر القضيتين، فكثيرا ما تذكر قضية أو مقدمة وتحذف الأخرى، بل قد تذكر النتيجة دون قياس أو يذكر القياس ولا تذكر النتيجة.

فقد علمت بذلك أن الحذف له صور ثلاثة، حذف الصغرى وذكر الكبرى والنتيجة، وحذف الكبرى وذكر الصغرى والنتيجة، وحذف النتيجة مع ذكر القياس تقول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم وتسكت عن النتيجة، لأن من يسمع هذا القياس سينتقل ذهنه من كل إنسان جسم، هذا من حذف النتيجة لذلك قال (والحذف في بعض المقدمات ** أو النتيجة لعلم آت) وكما في قوله تعالى «لو كان آلهة إلا الله لفسادتا» حذف النتيجة وحذف المقدمة الاستثنائية لأن تأليف القياس هكذا "لو كان فيما آلهة إلا الله لفسدتا لكنهما لم تفسدا" هذه المقدمة الاستثنائية كما سيأتي في القياس الاستثنائي، "لكنهما لم تفسدا"، "فليس فيهما آلهة غير الله"، هذه نتيجة، حذف النتيجة وحذف المقدمة الاستثنائية.

فتبيّن بذلك قول المصنف (والحذف في بعض المقدمات) كما حذف القرآن "لكنهما لم تفسدا"، أيضا تقول هذا إنسان لأنه كاتب، أي وكل كاتب إنسان، فهذا إنسان، أنت حذفت الكبرى، وهذا يجري على ألسنتنا كثيرا، هذا كذا لكذا نأتي بقضية واحدة فأنت تتوهم أن الاستدلال هو قولنا لأنه كاتب، هذا إنسان لأنه كاتب، هذا عالم لأنه قرأ العلوم، تظن أن هذا هو الدليل، لا، هناك مقدمة محذوفة، وكل من يقرأ العلوم أي ويفهمها فهو عالم، قضية كبرى محذوفة، لا بد أن تتعود على هذا في قراءتك لأي عبارة ولأي دليل، أنك إذا رأيت بعد "لأنه" قضية واحدة لا بد وأن تقول أين الثانية؟ وأن تستخرجها، وأن تتعلم كيف تستخرجها، فهذا باب مهم، ليس كل من يتعلم المنطق يستطيع أن يستخرج القضايا المحذوفة.

أولا لا بد أن تعرف هل المحذوف الصغرى أم الكبرى؟ وأن تعرف -بعد معرفتك للمحذوف هو الصغرى أو الكبرى- أن تعرف بعد ذلك التي تأتي بها هذه عندما أؤلفها مع المذكورة يتحقق شكل أول أم ثان أم ثالث أم رابع، أم يتحقق القياس الاستثنائي، هذان بابان أو هذا باب مهم، وما يسمونه بباب اكتساب المقدمات، هذا يذكر في مطولات المنطق، أنك كيف تكتسب المقدمات المحذوفة وكيف تجعلها شكلا أولا، أو شكلا ثانيا لأنه قد تأتي بمقدمة محذوفة في ذهنك وتضعها مع المقدمة المذكورة فلا يتحقق شكل من الأشكال، أو يتحقق شكل كالثالث مثلا، ولا تتحقق فيه الشروط، إذن ماذا تصنع؟ هل تعكسها؟ هل تأتي بنقيضها؟ هل تجعله استثنائيا؟ هل ما ظننت أنها صفرى هي كبرى وليست بصغرى.

هذا باب يسمى باكتساب المقدمات، باب مهم جدا يتوقف على معرفة كلام في هذا البيت (والحذف في بعض المقدمات) أي لبعض المقدمات (أو النتيجة لعلم آت) أي حاصل، يقول (لعلم) اللام للتعليل، تعليل الحذف، أي وإنما كان الحذف لبعض المقدمات أو النتيجة بسبب العلم بالمحذوف، ثم قال (آت) خبر الحذف تنبه لإعراب البيت، والحذف في بعض المقدمات أو النتيجة آت أي حاصل، فآت خبر الحذف، بسبب العلم بالمحذوف، فعلمك بالمحذوف أو علم المتكلم بالأمر المحذوف وأنه سيأتي في ذهن السامع يجعله يحذفه، "هذا إنسان لأنه كاتب"، تعلم أن السامع سيقول "وكل كاتب إنسان"، خلاص، هذا جسم لأن كل حيوان جسم، هنا حذفنا الصغرى وأتينا بالكبرى، هذا جسم لأن كل حيوان جسم، أصل القياس بعد الإتيان بالصغرى، هذا حيوان وكل حيوان جسم فهذا جسم، فحذفنا الصغرى.

الأكثر في الكلام وفي الكتب وعلى ألسنة الناس هو أن تحذف الكبرى لأنها كلية، والقضايا الكلية تكون مستحضرة كثيرا في العقول فيأتي بالصغرى فقط بعد أن يذكر النتيجة، "هذا عاصٍ لأنه قاتل أو لأنه سارق" ويسكت، "هذا عاص لأنه ترك الصلوة" ويسكت، وأنت تعلم، لا بد أن تتم الدليل هذا عاصٍ لأنه ترك الصلوة ثم تقول وكل من ترك الصلوة فهو عاص، لو لم تأت بهذه ما كان دليلا، ما كان قوله "لأنه ترك الصلوة" ما كان دليلا، لأن قوله "لأنه ترك الصلوة" هل يفيد أنه عاص؟ قد يكون ترك الصلوة غير معصية، قد يكون، تقول لا، ترك الصلوة معصية، لا بد أن تضع هذه في مقدمة وتتمم الدليل، لا بد، فتقول وكل تارك للصلوة عاص، إذن عرفنا من قوله (والحذف في بعض المقدمات ** أو النتيجة لعلم آت) "لعلم" متعلق بقوله الحذف، "وآت" خبر "الحذف"، ثم قال:

99- وَتَنتَـهِي إِلَى ضَـرُورَةٍ لِمَـا

 

مِـن دَورٍ او تَسَلـسُلٍ قَـد لَزِمَـا

(من دور او تسلسل قد لزما) بنقل حركة الهمز في "أو" إلى الساكن قبلها الذي هو التنوين مع حذفها (من دور او تسلسل قد لزما) رعاية للبيت، يقول في هذا البيت إنك قد عرفت أن الفكر أو أن التصور والتصديق ينقسمان إلى ضروري ونظري، وعرفت أن النظري منسوب للنظر، له نظر له فكر، فكر يؤدي إلى التصور وفكر يؤدي إلى التصديق، الفكر الذي يؤدي إلى تصور كالحيوان الناطق يؤدي إلى تصور الإنسان، الفكر الذي يؤدي إلى تصديق كالعالم متغير وكل متغير حادث يؤدي إلى العالم حادث، نعم عرفنا ذلك، فيكون نظريا، بهذا ينتهي الاستدلال نتوصل إلى الجزم بالنتيجة؟ لا، إذا كان نظريا فلتنظر في المقدمات، المقدمات أيضا قضايا تنقسم إلى نظرية وضرورية، فإن رأيتها ضرورية بتمامها -المقدمتان ضروريتان- انتهى الدليل، وكان دليلا قاطعا على النتيجة.

"هذا العدد منقسم بمتساويين وكل منقسم بمتساويين زوج"، "الأربعة منقسمة بمتساويين وكل منقسم بمتساويين زوج"، "أربعة منقسمة بمتساويين" ضرورية أم نظرية؟ ضرورية، لا تحتاج إلى نظر لنعلمها، "وكل منقسم بمتساويين زوج" هذه أيضا ضرورية لأن حقيقة الزوج هو المنقسم بمتساويين، فهذه لا تحتاج إلى الاستبدلال، فتألف الدليل هنا على أن الأربعة زوج من مقدمتين ضروريتين، ينتهي الاستدلال، لذلك ترون في بعض الكتب يقولون "وهنا ينتهي الدليل" قولهم "وهنا ينتهي الدليل" أي إذا وصلنا للضرورة.

لكن إذا رأيت قياسا على نتيجة ويتألف من مقدمات نظرية، أو من مقدمة ضرورية والأخرى نظرية، هل قد استدللت؟ هل قد ثبت مطلوبك؟ وأفاد القياس تصديق النتيجة؟ لا، لماذا؟ لأن المقدمة نظرية، ما الذي أدراني أنها صادقة؟ لا بد من أن تأتي بنظرها، أن تأتي بدليلها أيضا، ثم دليلها يتألف من قضيتين هل هما نظرتان أم ضروريتان أم إحداهما نظرية والأخرى ضرورية؟ إن كان في دليلها مقدمة النظرية فلتأت بدليلها وإن كانت مقدمتها ضرورية فقد انتهى الاستدلال.

وهكذا هكذا هكذا إلى أن تصل إلى قضايا قد اعتمدت عليها في تفكيرك كلها ضرورية لا تحتاج لفكر ونظر، هذا الذي يسمونه بالانتهاء إلى الضرورة في الفكر، وما لم تصل إلى الضرورة في أي تفكير عندك، في لغة، في شرع، في معقول، في حياتك الاجتماعية من الأمور التي تحتاج لليقين فإنك في الحقيقة لم تتوثق من صحة أدلتك على الأشياء، فلا بد أن تحرر أدلتك في كل شيء -إذا كانت برهانا- حتى تصل إلى الضرورة، إذا كانت برهانا كما سيأتي في أقسام القياس الخمسة، أما إذا لم تكن برهانا فلها كلام آخر، فقوله هنا (وتنتهي) أي مقدمات البرهان، قيِّدْ بهذا، اكتب على هذا البيت، لأن هذا القيد قد أغفلته أكثر الشروح وذكره بعضهم وهو الصحيح، الصحيح أن تقيد، ومن لم يقيد وعمم فكلامه ليس بصواب.

(وتنتهي) أي مقدمات البرهان خاصة، والبرهان سيأتي، لذلك كان المناسب أن يؤخر المصنف هذا البيت لما بعد الكلام على البرهان، لتعرف ما هو البرهان، (وتنتهي إلى ضرورة) أي تنتهي مقدمات البرهان (إلى ضرورة) أي إلى مقدمات ضرورية، حيث إذا رأيت برهانا مقدماته نظرية فإنك لا بد من أن تأتي بدليل هذه المقدمات النظرية، وأن تأتي بأدلة مقدماتها، وهكذا إلى أن تصل إلى مقدمات كلها تكون ضرورية، (وتنتهي إلى ضرورة لما ** من دور او تسلسل قد لازما).

يقول (لما من دور) "لما" اللام للتعليل، لماذا لا بد أن تنتهي مقدمات البرهان للضرورة؟ قال (لما من دور) يقول لما قد لزم، هكذا تفهم البيت، وتنتهي مقدمات البرهان إلى ضرورة لما قد لزم أي لشيء قد لزم، ثم تسأله وما هو هذا الشيء؟ قال من دور أو تسلسل، فـ"من" بيان لـ"ما"، لما لزم من دور أو تسلسل، لكن الدور أو تسلسل في كلامه هنا تستفيد من ظاهر كلامه أن الدور والتسلسل يلزمان إن انتهت للضرورة، تنتهي المقدمات للضرورة للدور وللتسلسل اللازم، يمكن أن تتوهم أنها يجب أن تنتهي إلى الضرورة ليحصل الدور أو التسلسل اللازم عند انتهائها إلى الضرورة، فهذا البيت فيه إيهام غير حسن، أنت عليك أن تفهمه هكذا: تنتهي مقدمات البرهان إلى الضرورة لما يلزم على عدم انتهائها للضرورة من الدور والتسلسل، فيلزم عند عدم انتهائها للضرورة دور أو تسلسل.

ما الدور وما التسلسل؟ لا أريد أن أشرح الدور والتسلسل وأن أفصلهما في هذا المحل لكن أذكر معناهما سريعا، المقدمات التي يترتب بعضها على بعض، هناك نتيجة تحتاج لقضيتين، وقضية في الدليل تحتاج لقضيتين، وقضية في الدليل الثاني تحتاج لقضيتين، وقضية في الدليل الثالث تحتاج لقضتين، ترتبت المقدمة مائة مقدمة، قد تحتاج في الاستدلال على قضية أو مسألة عقدية إلى مائة مقدمة تترتب متلاحقة، دليل يعقبه دليل يعقبه دليل يعقبه دليل إلى أن تصل إلى الضرورة لأن قضايا أو مسائل علم الكلام أو العقيدة من قبيل البراهين، فيجب أن تنتهي إلى الضرورة.

لكن تنبه كتب الكلام لا تصنع هذا، أكثركم أو أكثر من يقرؤون كتب علم الكلام والعقيدة يعتمدون على مقدمات نظرية في البراهين ولا يحقق أدلة هذه المقدمات النظرية في البراهين ويسكت ويكتفي بالنظري وهو حينئذ لم يحقق ولم يتيقن في اعتقاده، لأن تيقنك بأن تصل في المقدمات النظرية هذه إلى الضرورة قد تحتاج لمائة برهان أو لمائة دليل آخر، وقد تكون ثلث هذه المقدمات المائة متوقفة على فهمك للفلسفة، حقيقة هذا، وهناك مقدمة بلاغية تفتقر لمقدمات عشرين مثلا، أكثرها من النحو وبعضها من الصرف وبعضها من اللغة وبعضها من العقل لتثبت هذه القضية أو المسألة البلاغية، هناك مسألة أصولية تتوقف على عشرة قضايا أكثرها أو بعضها من الفقه، بعضها من البلاغة، بعضها من المنطق وهكذا، فلتعتني بشأن أو بفهم هذا البيت وبما فهمته منه، وهو أن الدليل الذي يورد على أي قضية أو مسألة لا بد أن تنظر في مقدماته هي اثنتان قطعا، نظريتان أم ضروريتان أم واحدة ضرورية والأخرى نظرية؟ فإن كان فيها مقدمة نظرية فلتحقق دليلها.

والدليل الذي ستأتي به مقدماته ضرورية خلاص انتهينا، مقدماته بعضها نظرية تأتي بدليلها وهكذا وهكذا ثم إن ظللت تذهب تذهب تذهب، إن قلنا لا يجب أن تنتهي للضرورة إن قلنا ذلك، فإنك ستأتي بدليل على المقدمة النظرية ثم المقدمات التي أتيت بها نظرية أيضا فتأتي بأدلتها والأدلة على المقدمتين مقدماتها نظرية، فتأتي بأدلة لكل مقدمة منها، والمقدمات نظرية وتأتي بمقدمات نظرية، وتأتي بدليها، وبمقدمات نظرية وتأتي بدليلها، لن ينتهي الأمر إن قلت إنه لا يجب أن تنتهي إلى الضرورة، لن ينتهي الأمر حينئذ، سيذهب الأمر إلى غير نهاية، هذا يسمونه بالتسلسل، فالتسلسل هو أن تذهب الأمور المترتبة، ليس أي أمور، الأمور المترتبة إلى غير نهاية.

أمور يترتب بعضها على بعض إلى غير نهاية، إنما أن تنتهي أمور مجتمعة فلا مشكلة، أو أن تكون أمور كثيرة لا تنتهي في وقت واحد ككمالات الله مثلا لا مشكلة، لكن المشكلة تأتي في الأمور المترتبة، أي التي يحتاج كل واحد منها لواحد آخر، وهذا يحتاج للذي بعده، وهذا يحتاج للذي بعده، وهذا يحتاج للذي بعده، كل واحد منها يحتاج لما بعده، السير معها إلى غير نهاية تسلسل وهو محال، دليل إحالة واستحالة التسلسل معلوم في علم الفلسفة في علم الإلهيات وفي علم الكلام، هما العلمان اللذان يذكران استحالة التسلسل وهو أن تترتب الأمور إلى غير نهاية.

فحينئذ نقول قد نذهب إلى القضية المائة في استدلالنا وفي الإتيان بمقدمات نظرية، نصل إلى القضية المائة، ثم القضية المائة هذه تكون قضية من القضايا التي استعملناها في هذا الدليل، أي نرجع لقضية في الدليل الذي ذكرناه، ثم نقول للقضية التي معنا في الدليل الذي ذكرناه نظرية فنأتي بالاستدلال عليها فنرجع للقضية المائة التي هي هي هذه القضية، ونظل ندور، ما دليل هذه المسألة؟ دليلها مقدمتان، والمقدمة الأولى نظرية ما دليلها؟ تقول تأتي بدليل مقدماته نظرية، وما دليل هذه المقدمة تأتي بدليل وما دليل مقدمات الدليل الأخير هذا تأتي بمقدمات منها -من هذه المقدمات- المقدمة الأولى التي استعملتها في الدليل الأول، هذا دور، ستظل تدور ولن تثبت مقدمة منها وهذا يحصل في تفكير كثير من الناس وطلاب العلم في مسائل علمية.

حينئذ نقول هذا الدور لما بان أنه لا يفيدنا علما، ونحن نريد من القياس أن نستفيد علما فكان مستحيلا، وكان لا يصح حصوله في الاستدلال، وكذلك التسلسل لما كان مستحيلا استحال أن نصل إلى العلم، فماذا نصنع؟ نقول إذن لا بد أن تنتهي المقدمات إلى مقدمات ضرورية لينقطع التسلسل وليقف الدور، لذلك قال (وتنتهي) مقدمات البرهان خاصة (إلى ضرورة)، لماذا؟ قال لما يلزم من عدم انتهائها للضرورة، ما الذي يلزم؟ قال (من دور او تسلسل)، بيان الدليل الذي يتألف من مقدمات نظرية وتحتاج لأدلة قولك "العالم صفاته حادثة وكل من صفاته حادثة فهو حادث" هذا دليل تنظر، هذا دليل على أي شيء؟ دليل على أن نحذف صفاته حادثة وصفاته حادثة في المقدمتين لأنه من الشكل الأول ونحكم بحادث على العالم، فنقول فالعالم حادث.

تقول العالم حادث أنا أخدتها من هذا الدليل، وما الذي أدرىك أن مقدمات هذا الدليل صادقة يقينية؟ إذن ماذا أصنع؟ أنظر في المقدمات إذا كانت نظرية أجيئ بدليلها، فتقول العالم صفاته حادثة ليست ضرورية تحتاج لدليل، ليعلم أن العالم صفاته حادثة، أي وجدت بعد عدم، وكل من صفاته حادثة فهو حادث أيضا ليست ضرورية، بل نظرية لا أعلمها إلا بدليل، فلتأت بالدليل على العالم صفاته حادثة، فتقول العالم صفاته متغيرة وكل ما كانت صفاته متغيرة فهو حادث، لتبين حدوث الصفات، العالم صفاته متغير وكل متغير حادث، العالم صفاته متغيرة يقينية أي صفات العالم متغيرة هذا يقين لأننا نراها تكون في عدم وتوجد، وتكون موجودة وتعلم وتتحرك، إذن هذه ضرورية، لا نحتاج حينئذ لأن نقيم دليلا عليه، لأنها حاصلة بالمشاهدة والمشاهدة من قبيل الضروريات كما سيأتي في آخر المتن، وكل متغير حادث، لأن المتغير هذه ليست ضرورية تقول لأن المتغير إما متغير من وجود إلى عدم أو من عدم إلى وجود، إذن كل متغير حادث ليست ضرورية، لا بد من أن تأتي بدليل، فتقول هكذا لأن المتغير إما من وجود إلى عدم وإما من عدم إلى وجود.

إذن هذه قضية شرطية منفصلة ثم تأتي بالكبرى واحدة للشق الأول من المنفصلة وواحدة للشق الثاني من المنفصلة والمحمول واحد كما بينت في القياس المقسم في شرح إيساغوجي لشيخ الإسلام ينتج لك النتيجة، فتقول التغير إما من وجود لعدم وإما من عدم لوجود، إن كان من عدم لوجود فهو عين الحدوث، العالم أو التغير إن كان من عدم إلى وجود هو عين الحدوث، لأن الحدوث ما هو؟ الانتقال من عدم إلى وجود، فإن كان التغير من عدم إلى وجود فهو عين الحدوث، وإن كان من وجود إلى عدم فإن الموجود يكون جائزا، لأنه لا يعدم إلا الجائز وكل جائز حادث ينتج حينئذن أن الصفات هذه حادثة، فنتج أن صفات العالم حادثة، فثبتت المقدمة الأولى العالم صفاته حادثة.

لكن بقي قضية واحدة وهي "والجائز حادث" وهذه تفصيلها طويل، لكن يكفي ما ذكرناه في المقدمات، والجائز حادث هذه تحتاج لتفصيل معلوم في علم الكلام، بخلاف ما عند الفلاسفة، فهذه المقدمة لا تستقيم إلا على كلام المتكلمين، وليس على كلام الفلاسفة، لكن لا مشكلة في ذلك، المهم أن أبين لك ترتب مقدمات على مقدمات، ونأتي لكبرى، إذن أثبتنا الآن فيما سوى "الجائز حادث"، أثبتنا كل المقدمات ما عدا الجائز حادث هذه، أثبتنا كل المقدمات التي تتعلق بصغرى الدليل القائلة العالم صفاته حادثة، نأتي لكل ما كانت صفاته حادثة فهو حادث، في الدليل الأصلي الأول، فنقول كل من صفاته حادثة فهو لا يعرى أي لا يتجرد ولا يخلو عن الحوادث، وكل من كان لا يعرى عن الحوادث فهو لا يسبقها، هو لا يعرو عنها، لا يخلو عنها، فهو لا يسبقها حينئذ، وكل ما لا يسبق الحادث فهو حادث، لأنه إذا كان لا يسبق الحادث فيسبقه العدم الذي يسبق الحادث فهو حادث، فتثبت الكبري، فيكون قد أثبتتَ قولك العالم صفاته حديثة وكل من صفاته حادثة حادث فيثبت أن العالم حادث.

فهمنا هذا، هكذا، هكذا تصنع خاصة في قضايا علم الكلام، لأن قضايا علم الكلام، وقضايا العقيدة كلها ضرورية فتحتاج للوصول إلى الضرورة في كل مسألة، وإلا لم تكن حينئذن متيقنا لاعتقادك، هذا ما يتعلق بقوله (وتنتهي إلى ضرورة لما ** من دور او تسلسل قد لزما).

انتهينا من الكلام على القياس الاقتراني، وبينا أنه القياس الذي يشتمل على النتيجة بالقوة أي بالمادة دون الصورة، ويقابله القياس الاستثنائي* فهو الذي يشتمل على النتيجة بالمادة والصورة بمعنى أن النتيجة توجد مادتها وصورتها في الظاهر فيه.

 

لذلك قال المصنف رحمه الله:

﴿فصل في الاستثنائي﴾

Komentar