شرح متن السلم المنورق (١٢) - الشيخ حسام رمضان - فصل في القياس الاستثنائي

﴿فصل في القياس الاستثنائي﴾

أتى به بعد أن انتهى من الكلام على الاقتراني وعرفه وبين أشكاله الأربعة وبين الضروب المنتجة وغير المنتجة منه فقال (فصل في الاستثنائي) أي في القياس الاستثنائي قال:

100- وَمِنـهُ مَـا يُدعَى بِالِاستِثنَائي

 

يُعـرَفُ بِالشَّـرطِيْ بِـلاَ امتِـرَاءِ

(ومنه ما يدعى بِالِاستِثنَائِي) هذا عطف على قوله السابق (فمنه ما يدعى بالاقتراني)، قال (ومنه ما يدعى بالاستثنائي) أي ومن القياس ما يسمى بالاستثنائي وهو القسم الثاني، قال (يعرف بالشرطيْ بلا امتراء) يعرف بالشرطيْ بتسكين الياء، لا تقل "يعرف بالشرطِيِّ بلا امتراء" ولا تقل "يعرف بالشرطِيّْ بلا امتراء" لأنك شددت مع الوقوف، قل "يعرف بالشرطيْ بلا امتراء"، قال (يعرف) أي يسمى أيضا، كما أنه يدعى بالاستثنائي أي يسمى بالاستثنائي يسمى أيضا بالشرطي، وسنعرف سبب التسميتين، قال:

101- وَهوَ الَّذِي دَلَّ على النتيجةِ
 النَّتِيجَةِ

 

أَو ضِـدِّهَـا بِالفِـعلِ لاَ بِالقُـوَّةِ

(وهو الذي دل على النتيجة) دل بمعنى اشتمل هنا كما قلنا في تعريف الاقتراني، أي هو الذي اشتمل على النتيجة (أو ضدها) أي نقيضها، فيقصد بالضد هنا النقيض (أو ضدها بالفعل لا بالقوة) يقصد بقوله (بالفعل) أنه اشتمل على النتيجة بمادتها وصورتها، كل ذلك قد بيناه تفصيلا في تعريف الاقتراني، مثاله ما إذا قلت "إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس طالعة" فالنتيجة "فالنهار موجود"، "فالنهار موجود" حاصلة بمادتها التي هي النهار وموجود، وصورتها التي هي الحكم بموجود على النهار، هذه موجودة في الشرطية القائلة "إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود" فهي تالي الشرطية.

ولا يعترض بهذا على تعريف القياس بقوله (مستلزما بالذات قولا آخر) أنه استلزم بالذات قولا ليس آخر، لماذا؟ تقول لأنه موجود في القياس فليس آخر، قلنا لا، أنت غفلت عن تعريف "الآخر" في تعريف القياس، فإننا بينا هناك أن معنى "الآخر" هو ما ليس أو ما لا يكون إحدى المقدمتين، ليس أنه ليس موجودا في القياس، لم نقل إن الآخر الذي ليس موجودا في قياس، لو قلنا ذلك لكان يعترض بالاستثنائي على تعريف القياس، وكان لا يدخل الاستثنائي في تعريف القياس لأن النتيجة موجودة فيه.

إنما قلنا ألا تكون النتيجة إحدى المقدمتين وهي هنا ليست واحدة من المقدمتين وإنما هي جزء المقدمة الشرطية، (وهو الذي دل على النتيجة ** أو ضدها بالفعل لا بالقوة) هذا المثال الذي ذكرناه اشتمل على النتيجة نفسها، والمشتمل على نقيض النتيجة "إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن النهار ليس بموجود" هذه مقدمة استثنائية، النتيجة "فالشمس ليست بطالعة"، فهذا اشتمل على نقيض النتيجة بالمادة والصورة لأن النتيجة "الشمس ليست طالعة" والموجود في القياس "إن كانت الشمس طالعة" الموجود الشمس طالعة والنتيجة الشمس ليست طالعة، فالموجود في القياس نقيضها، فنقيض السلب إيجاب، لذلك قال (وهو الذي دل على النتيجة ** أو ضدها بالفعل لا بالقوة).

لأن المشتمل عليها بالقوة هو القياس الاقتراني، والقياس الاقتراني لا يقال فيه اشتمل على النتيجة أو نقيضها بالقوة، لا يقال ذلك في الاقتراني، لأنه يشتمل إلا عليها، لأنه لا يقال عليها حالة كونها موجبة أو سالبة ولا يتأتى التناقض أو النقيض إلا إذا كان هناك سلب وإيجاب، إنما يشتمل على أجزائها، أجزاء مفرقة، والأجزاء إذا كانت مفرقة فلا يكون هناك العين ولا النقيض، لا عين النتيجة ولا نقيض النتيجة، إنما هو يشتمل على أجزاء النتيجة فلا يقال "يشتمل على النتيجة أو نقيضها بالقوة" في القياس الاقتارني، إنما يقال ذلك في القياس الاستثنائي، لأنه إذا اشتمل على النتيجة بمادتها وصورتها أمكن أن يكون حكمه كحكمها في الإيجاب والسلب أو ما هو مناقض لذلك، فيشتمل عليها أو على نقيضها حينئذ.

قال (ومنه ما يدعى بالاستثنائي) هذا القياس يشتمل على مقدمة شرطية ولا يستغني عنها، فلا يتألف القياس الاستثنائي من حمليات صرفة، إنما لا بد وأن يكون من شرطية مع حملية أو مع شرطية أخرى، لكن المهم أن تكون فيه مقدمة شرطية، لذلك يسمى بالقياس الشرطي نسبة للشرط الموجود فيه، للقضية الشرطية الموجودة فيه، أو لأداة الشرط الموجودة فيه، ويسمى بالاستثنائي لأنه يشتمل على أداة استثناء وهي عند المناطقة "لكنّ"، هي عند النحات أداة استدراك، وأدوات الاستثناء عند النحات هي "إلا" وأخواتها، لكن هناك اشتراك أو تشابه بينهما، بين "لكن" التي للاستدراك وبين الاستثناء ولأنها تحدث وتغير فيما قبلها شيئا كما تصنع "إلا" فيما قبلها وهي أنها تخرج مما قبلها وكذلك الاستدراك هو أنه يرفع فيما قبله توهم كان حاصلا فبينهما تشابه فسماها المناطقة بأداة الاستثناء لما كان بين الاستدراك والاستثناء تشابه، لكنّ كذا كذا، فلما كان مشتملا على أداة استثناء سمي بالقياس الاستثنائي، قال:

102- فَـإِن يَكُ الشَّرطِيُّ ذَا اتِّصالِ
 اتِّصَالِ

 

أَنتَـجَ وَضـعُ ذَاكَ وَضـعَ التَّالِي

شرع في بيان ضروب القياس الشرطي لتعلم المنتج منها والعقيم، فالمقدمة الشرطية التي ذكرنا أنه يجب تحققها وذكرها في القياس الاستثنائي إما أن تكون متصلة أو منفصلة ولكلٍّ ضروب، (فإن يك الشرطي ذا اتصال) إن كانت المقدمة الشرطية متصلة، قال (أنتج وضع ذاك وضع التالي) "وضع" فاعل "أنتج"، (أنتج وضع ذاك) أي وضع المقدم (وضع التالي) كيف عرفنا أن "ذاك" إشارة للمقدم؟ أنه قابله بالتالي قال (وضع التالي) أنتج وضع المقدم وضع التالي.

103- وَرَفـعُ تَـالٍ رَفعَ أَوَّلٍ وَلاَ

 

يَلـزَمُ فِي عَكسِـهِمَا لِمَا انجَلَى

(ورفع) بالعطف على الوضع الأولى، أي وأنتج رفع (تالٍ رفع أول) أي رفع المقدم، (ولا ** يلزم في عكسهما لما انجلى) بيّن في هذين البيتين ضروب القياس الاستثنائي المؤلف من شرطية متصلة وحملية، فقد بيّنّا أن القضية الشرطية المتصلة تكون من مقدم وتالٍ، والمقدم فيها يستلزم تحققُه تحققَ التالي، فإذا علمت بصدق قضية شرطية فإنك تعلم حينئذن، إذا علمت صدق قضية شرطية ليس معنى أنك تعلم صدق قضية شرطة أن المقدم متحقق أو أن التالي متحقق، أنت إذا قلت "إذا جاء زيد أكرمته" هذه قد تكون صادقة ومع ذلك لا تحقق للمقدم ولا للتالي، فالقضية الشرطية تصدق مع كذب المقدم والتالي، تنبه لذلك.

كما إذا قلت إذا كان الله حادثا فله محدث مثلا، هذه قضية شرطية، صادقة أم كاذبة؟ صادقة، مع كذب المقدم والتالي، فإن المقدم الله حادث كاذبة، والتالي الله له محدث كاذبة، إذا كانت الأربعة فردا فليست منقسمة بمتساوين، هذه قضية شرطية صادقة أم كاذبة؟ صادقة، مع أن المقدم كاذب والتالي كاذب، لأن الأربعة فرد كاذبة، والأربعة ليست منقسمة بمتساويين قضية كاذبة، كيف تصدق القضية الشرطية؟ قلنا نعم، قضية شرطية تصدق لأنها حكمت باتصالهما، حكمت بالاتصال، واتصال عدم الانقسام بمتساوين للأربعة مع فرديتها أمر حاصل وواقع، لكن فردية الأربعة ليست حاصلة وعدم الانقسام بموتساوين ليس بحاصل، فتصدق القضية الشرطية مع صدق طرفيها ومع كذبهما ومع كذب إحداهما.

هذا يذكر في مطولات المنطق، المهم أن القضية الشرطية حينئذن إذا علمت صدق القضية الشرطية تعلم أن ذلك أعم من أن يكون أحد الطرفين صادقا أو كاذبا، فإذا علمت صدق المقدم، صدق واحد منهما، أنت علمت صدق القضية الشرطية، صدق الاتصال فيها، تأتي مقدمة أخرى لتعلمك بصدق المقدم لأننا علمنا أنه  قد يكون صادقا وقد لا يكون صادقا، والتالي قد يكون صادقا وقد لا يكون صادقا، تأتي قضية أخرى تعلمك بصدق المقدم أو تعلمك بصدق التالي أو تعلمك بكذب المقدم أو تعلمك بكذب التالي.

إذن الذي يحتمل بعد معرفتك لصدق القضية الشرطية، الذي يحتمل أربعة أمور: أن يصدق المقدم أن تأتي قضية تخبرك بصدق المقدم، أو بصدق التالي، أو بكذب المقدم، أو بكذب التالي، ذلك ظاهر وواضح، فتقول إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، نعلم صدق هذه القضية، أو إذا كان إنسانا كان حيوانا نعلم صدق هذه القضية، ثم تأتيك قضية تقول لك لكنه إنسان، تبين لك أن المقدم صادق، أنت في علمك بأن القضية الشرطية صادقة ما كنت تعلم أن المقدم صادق أو كاذب، التالي صادق أو كاذب، لأننا قلنا "قد"، لأن القضية الشرطية تخبرك بالاتصال فقط، لكن هل الأطراف صادقة أم كاذبة؟ لا ندري، تأتي القضية الثانية تعلمك، فتقول لكنه إنسان، أو تقول لك لكنه ليس بإنسان، أو تقول لك لكنه حيوان بينت صدق التالي، أو تقول لك لكنه ليس بحيوان، ليس هناك احتمال غير هذه الاحتمالات الأربعة.

إذا جئت بالقضية الشرطية مع القضية الثانية التي تثبت المقدم فإننا نرى أنه بعد إثبات مقدم يثبت التالي، فبعلم صدق المقدم يعلم صدق التالي لماذا؟ لأن المقدم ملزوم والتالي لازم، وإذا صدق الملزوم صدق اللازم، كيف يكون لازما؟ لماذا هو لازم؟ هو لازم لأنه لا ينفك عن المقدم، التالي لازم لأنه لا ينفك عن المقدم، ولو كان ينفك لم يكن لازما، فمعنى كونه لازما أن المقدم إذا وجد فهو يوجد، فهذه القضية أعلمتك بصدق المقدم، إن كان إنسانا كان حيوانا، لكنه إنسان، "لكنه إنسان" أعلمتك بكونه إنسانا،  أعلمتك بصدق المقدم فتعلم صدق التالي، فتكون هذه هي النتيجة، فتقول فهو حيوان، فهذا يكون ضربا منتجا من القياس الاستثنائي المؤلف من شرطية متصلة وحملية الذي تكون الاستثنائية فيه واضعة أي مثبتة -الوضع هنا بمعنى الإثبات- أي مثبتة للمقدم، لماذا؟ لأن المقدم ملزوم وإذا وجد وجد التالي الذي هو لازم.

تقول قضية لكنه ليس بإنسان، رفعت المقدم، الرفع بمعنى النفي هنا، رفعته أي قالت إنه منفي ليس بحاصل، فبينت هذه القضية الثانية، لكنه ليس بإنسان، أن المقدم انتفى، فنقول حينئذ لا نستطيع أن نعلم أن التالي منفي أو ليس بمنفي، لماذا؟ لأنه قد لا يكون إنسانا ويكون حيوانا، يكون أسدا ويكون فرسا مثلا، فإذا انتفى المقدم لا يلزم أن ينتفي التالي، فحينئذ نقول هنا لا نستفيد شيئا فهذا ضرب عقيم لم يفدنا شيئا، إذا كان إنسانا كان حيوانا، لكنه ليس بإنسان، لا يصح أن تقول فهو ليس بحيوان، ولا يصح أن تقول فهو حيوان، لا تدري، فكان ضربا عقيما.

فالاستثنائية التي ترفع المقدم لا تفيدنا شيئا فيكون ضربا عقيما، ما هو الضرب؟ هو المؤلف من الشرطية المتصلة مع استثنائية رافعة للمقدم لما علمنا من أن المقدم ملزوم والتالي لازم، والملزوم إذا ارتفع لا يجب أن يرتفع اللازم، هو اللازم يصحب الملزوم في الوجود لكن لا يصحبه في العدم، قد يرتفع معه، قد، وقد لا يرتفع، جاءت القضية الثانية وقالت لكنه حيوان، أثبتت التالي وهذا هو الاحتمال الثالث الذي ذكرناه، إذا كان إنسانا كان حيوان، لكنه حيوان، فبينت أن التالي صادق، حينئذ نقول إذا ثبت التالي هل نعلم أن المقدم ثابت؟ إذا ثبت أنه حيوان هل نعلم أنه إنسان؟ قد يكون إنسانا وقد يكون غير إنسان، الحيوان يكون فرسا وأسدا وجملا، فلا ندري أنه إنسان أو أنه ليس بإنسان، فلو قلت إذا كان إنسانا كان حيوانا لكنه حيوان، ثم تقول فهو إنسان، نقول أخطأت لأنه قد يكون أسدا، أو قلت فهو ليس بإنسان، نقول لك أخطأت قد يكون إنسانا، لأن الحيوان يشمل الإنسان وغيره، إذن لا نستفيد شيئا أيضا إذا جاءت الاستثنائية وأثبتت التالي.

بقي الاحتمال الرابع هو أن تقول الاستثنائية إن التالي قد ارتفع، انتفى، حينئذن نقول إذا ارتفاع التالي والتالي لازم للمقدم، إذا ارتفع التالي فإن المقدم لا يكون متحققا حينئذ، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يكون المقدم متحقق والتالي مرتفع، لأنه لو كان التالي مرتفع لم يكن لازما، التالي غير منفك عن المقدم، فكيف يثبت المقدم والتالي غير ثابت، إذن ما دمنا قد علمنا أن التالي مرتفع نعلم أن المقدم مرتفع لأنه لا ينفك عنه في الوجود، فإذا ارتفع ارتفع المقدم، فنعلم أن هذا الضرب منتج، ويفيدنا، لماذا؟ لأنه اذا ارتفع اللازم ارتفع الملزوم، إن كان انسانا كان حيوانا، لكنه ليس بحيوان، فنعلم أنه ليس بإنسان.

فيكون قد ظهر بذلك أن الأمور الأربعة التي تحتمل في القضية الشرطية هي أن يرفع المقدم أو أن يثبت، أن يرفع التالي أو أن يثبت، ينتج منها ضربان هو إثبات المقدم ورفع التالي، وعكسهما وهو نفي المقدم وإثبات التالي ليس بمنتجين، هذا ما قاله المصنف في البيتين، فقال (فإن يك الشرطي ذا اتصال) أي إن تكن القضية شرطية متصلة قال (أنتج وضع ذاك) أي وضع المقدم أي إثبات المقدم (وضع التالي) أي ينتج إثبات التالي، إن كان إنسانا كان حيوانا لكنه إنسان هذا ينتج أنه حيوان، ينتج إثبات التالي، (و) ينتج (رفع تالٍ رفع أول) أي نفي التالي ينتج نفي المقدم، إن كان إنسانا كان حيوانا، لكنه ليس بحيوان، فهو ليس بإنسان، فأنتج رفع المقدم.

ثم قال (ولا يلزم) أي لا يلزم الإنتاج، (ولا يلزم في عكسهما لما انجلى) ولا يلزم في عكسهما، عكسهما هو أن تستثني رفع المقدم ووضع التالي، أن تنفي المقدم وتثبت التالي، هذا هو عكسهما، عكس الأمرين اللذين ذكرهما المصنف، قال لا يلزم الإنتاج في عكسهما قال (لما انجلى) أي لدليل أو لأمر أو لقاعدة اتضحت وظهرت، انجلى بمعنى اتضح، ما هي هذه القاعدة؟ هي قاعدة اللزوم التي اشتهرت بين العلماء، وهي أن إثبات الملزوم يقتضي إثبات اللازم ونفي اللازم يقتضي انتفاء الملزوم ولا عكس في شيء منهما، هذه القاعدة مشهورة بين العلماء، لذلك قال (لما انجلى) أي للشيء الذي ظهر وعلم، ثم انتقل للقضية الشرطية المنفصلة فقال:

104- وَإِن يَكُن مُنفَصِلاً فَوَضعُ ذا

 

يُنـتِجُ رَفـعَ ذَاكَ وَالعَكـسُ كَذَا

(وإن يكن منفصلا) أي إن يكن الشرطي منفصلا (فوضع ذا ينتج رفع ذاك والعكس كذا) وإن يكن منفصلا فوضع ذا أي فإثبات ذا ينتج رفع ذاك، فإثبات واحد منهما، المقدم أو التالي، ينتج رفع الآخر، فوضع ذا، "ذا" الإشارة هنا للواحد، طبعا كلام المصنف أو صنيع المصنف هنا مخالف لقواعد اللغة العربية، فإن "ذا" اسم إشارة، و"ذاك" أيضا يشار به لمعين، الشيخ هنا أشار به لمبهم، المهم هو يمكن أن يفهم الطالب منه المعنى المراد لكنه ليس جاريا على قواعد اللغة العربية، فهو استعمل "ذا" هنا بمعنى التنكير وليس التعريف، ولا يعرف في اللغة العربية اسم الإشارة منكرا، والله أعلم بذلك، وإن يكن منفصلا فوضع ذا أي وضع واحد منهما ينتج رفع ذاك أي الآخر.

فـ"ذا" الأولى للواحد منهما من الطرفين، وينتج رفع ذاك، "ذاك" هنا للآخر، إشاره للآخر، قال (والعكس كذا) العكس أي عكس الوضع، وليس أن تفهم أن وضع ذاك ينتج رفع ذا، لا، وضع المقدم ينتج رفع التالي، ورفع المقدم -هذا هو العكس- ينتج وضع التالي، قال:

105- وَذَاكَ فِي الأَخَصِّ ثُمَّ إِن يكن
يَكُن

 

مَـانِعَ جَمـعٍ فَبِوَضـعِ ذَا زُكِن

106- رَفعٌ لِذَاكَ دُونَ عَكسٍ وَإِذَا

 

مَـانِعَ رَفـعٍ كَانَ فَهوَ عَكسُ ذَا

(وذاك في الأخص) ما الأخص الذي ذكرناه في القضايا المنفصلة؟ هو مانعة الجمع والخلو، (وذاك في الأخص) أي المانعة الحقيقية، "ذاك" أي الحكم الذي ذكرناه من أن وضع أحد الطرفين ينتج رفع الآخر ورفع أحد الطرفين ينتج وضع الآخر هذا في المانعة الحقيقية، لماذا؟ في المانعة الحقيقية نحن بينا أنها تمنع اجتماعهما وتمنع ارتفاعهما، يمتنع اجتماع الأمرين، فإذا علمت أن الأمرين لا يجتمعان تعلم أنه إذا وجد واحد لا يوجد الآخر لأنهما لا يجتمعان، فيكون بيان -في القضية الاستثنائية- إثبات واحد دالا على رفع الآخر قطعا، لأنها تمنع الاجتماع، وأيضا هي مانعة حقيقية تمنع الخلو، أي لا يرتفعان، فإذا علم ارتفاع واحد منهما علم أن الثاني لا يرتفع بل هو ثابت، لماذا؟ لأنه تمنع ارتفاعهما وتجوز ثبوت أحدهما.

فعلم في القضية الحقيقية أن إثبات واحد من الطرفين من المقدم والتالي ينفي الآخر، وأن نفي واحد منهما يثبت الآخر، هنا أربع صور، الصورة الأولى أن تثبت المقدم فيرتفع التالي، العدد إما زوج وإما فرد، الشيء إما قديم أو حادث مثلا، لكنه قديم تقول فليس بحادث، الصورة الثانية أن تثبت التالي، إما قديم أو حادث لكنه حادث، أثبتنا الحدوث، فهو ليس بقديم، ينتج رفع المقدم، الصورة الثالثة، إما قديم أو حادث، لكنه ليس بقديم، فهو حادث، أنتج رفع الأول وضع التالي، إما قديم أو حادث -هذه الصورة الرابعة- لكنه ليس بحادث، فهو قديم، أنتج رفع التالي وضع المقدم، هذه ضروب أربعة منتجة، فتكون جميع الضروب في الشرطية المنفصلة منتجة.

سمى القضية الأولى شرطية وتكون هي الكبرى، المقدمة الشرطية في القياس الاستثنائي هي الكبرى كما نص بعضهم، والاستثنائية هي الصغرى، فتكون المقدمة الكبرى هي الشرطية الأولى، والاستثنائية هي "لكنه كذا"، والنتيجة ما يلزم من الاستثنائية.

ثم قال، (ثم إن يكن مانع جمع) إن كان القول المنفصل لذلك ذكّره، وقال (ثم إن يكن) ولم يقل "إن تكن"، قال (ثم إن يكن) أي القول المنفصل الذي هو القضية المنفصلة مانع جمع فقط فهي تمنع الجمع وتجوز الخلو قال (فبوضع ذا زكن) أي علم، فبسبب وضع ذا أي وضع أحدهما (رفع لذاك) أي للآخر (دون عكس) أيضا في القضية المانعة الجمع تتصور أربعة صور أيضا أن تثبت المقدم، أن تثبت التالي، أن تنفي المقدم، أن تنفي التالي، مانعة الجمع تمنع اجتماعهما وتجوز ارتفاعهما، فإذا علمت ثبوت واحد منهما، إذا علمت ثبوت المقدم علمت انتفاء التالي لأنهما لا يجتمعان، وإذا علمت ثبوت التالي علمت ارتفاع المقدم لأنهما لا يرتفعان، وهي تجوز ارتفاعهما فإذا علمت رفع أحدهما علمت رفع المقدم هل تعلم ثبوت التالي؟ هل تعلم رفع التالي؟ لا، لأنه يجوز ارتفاعهما، هي تمنع اجتماعهما فقط، فلم يكن رفع أحدهما منتجا لوضع أو لرفع الآخر.

لذلك قال (فبوضع ذا زكن) أي علم (رفع لذاك) رفع للآخر، بإثبات أحدهما يرتفع الآخر، (دون عكس) أي نفي أحدهما لا ينفي ولا يثبت الآخر، فهذان ضربان منتجان، وهما وضع المقدم ووضع التالي، مثالهما: الجسم إما أبيض أو أسود، "لكنه أبيض" فهو ليس بأسود، "لكنه أسود" فهو ليس بأبيض، "لكنه ليس بأبيض"، هل ينتج أنه أسود؟ أو أنه ليس بأسود؟ لا ندري، هو ليس بأبيض قد يكون أحمر، فلا ينتج أنه أسود، وقد يكون أسود، فلا ينتج أنه ليس بأسود، لكنه ليس بأسود هل ينتج أنه أبيض؟ أو أنه ليس بأبيض؟ لا ينتج، فعلم بذلك أن مانعة الجمع ينتج منها ضربان فقط.

ثم قال (وإذا ** مانع رفع كان) أي إذا كان القول الشرطي مانع رفع (فهو عكس ذا) أي عكس مانعة الجمع، إذا كان مانع رفع ما هي مانعة الرفع؟ هي مانعة الخلو عبر عنها هنا بالرفع، وإذا كان القول مانع رفع أي كانت مانعة خلو قال (كان فهو عكس ذا) أي عكس الحكم السابق، الحكم السابق كان وضع أحدهما يلزم منه رفع الآخر، فهذه رفع أحدهما يلزم منه إثبات الآخر، ووضع أحدهما لا يلزم منه شيء، كما كنا نقول في السابقة رفع أحدهما لا يلزم منه شيء.

مانعة رفع، الجسم إما لا أبيض أو لا أسود، هذه مانعة خلو، تقول -نرفع أحدهما- "لكنه أبيض"، هذا رفع "لا أبيض"، لكنه أبيض ينتج وضع وإثبات الثاني، فهو ليس بأسود، نرفع التالي "لكنه أسود"، لكنه أسود رفع للتالي لأن التالي كان "ليس بأسود"، لكنه أسود ينتج عين المقدم فهو ليس بأبيض، نأتي لإثبات كل واحد منهما، الجسم إما لا أبيض أو لا أسود، لكنه ليس بأبيض، ينتج هو أسود؟ ينتج أسود؟ لا، قد يكون أحمر، ينتج ليس بأسود؟ لا، قد يكون أسود خلاص، لكنه لا أسود، فلا ينتج أنه أبيض أو لا أبيض، فأنتج في مانعة الخلو رفع أحدهما وضعا للآخر لأنها لا تجوّز ارتفاعهما.

هذا هو حكم القياس الاستثنائي إذا كانت الشرطية متصلة أو منفصلة بأقسامها الثلاثة، ينتج في الشرطية المتصلة والمنفصلة مانعة الجمع فقط ومانعة الخلو فقط ضربان، وتنتج مانعة الجمع والخلو معا التي المانعة الحقيقة أربعة ضروب، ثم شرع في الكلام على ما يلحق القياس أي ما يأتي بعده من أمور تتعلق وتناسب القياس وليست مثل ما سبق، فلذلك جعلها لواحق تلحقه لأنها تناسبه في أمر أو أمور ولكن ليس بمناسب أن تذكر فيما سبق بل تذكر بعده لأنه أقوى منها وأكثر منها.

فلذلك قال:

﴿فصل في لواحق القياس﴾


Komentar