شرح متن السلم المنورق (١٣) - الشيخ حسام رمضان - فصل في لواحق القياس

﴿فصل في لواحق القياس﴾

أي بعد أن انتهينا من القياس الاقتراني والقياس الاستثنائي نتكلم عما يلحق القياس، وذكر فيه القياس المركب، فإن القياس المركب يتبع القياس البسيط، القياس المركب من أقيسة يتبع القياس البسيط ويأتي بعده، فالمناسب ذكره في اللواحق وليس ذكره فيما سبق، وأيضا ذكر الاستقراء والتمثيل فإنها أدلة، كما أن القياس دليل فهذه أدلة لكن الاستقراء والتمثيل لا يفيدان القطع واليقين كما يفيده القياس بل يفيدان الظن، وقد يفيدان القطع، قد ينتجان اليقين، فكانا أخس مرتبة من القياس، فيذكران بعده، لذلك قال (فصل في لواحق القياس) التي هي القياس المركب والاستقراء والتمثيل قال:

107- وَمِنـهُ مَـا يَدعُونَهُ مُرَكَّبَا

 

لِكَـونِهِ مِـن حُجَـجٍ قَـد رُكِّبَا

(ومنه) أي من القياس (ما يدعونه مركبا ** لكونه من حجج قد ركبا) لا شك أن القياس مركب أنت علمت ذلك أنه لا يتحقق قياس من قضية واحدة، فلا يكون من أقل من قضيتين، فقوله (ومنه ما يدعونه مركبا) أو يسمونه بالقياس المركب قد تقول "وكل قياس مركب هل هناك قياس ليس بمركب؟" فدفع عنك هذا الوهم بقوله (لكونه من حجج قد ركبا) أي لا تفهم أنه مركب من قضايا لأن ما سبق يدل على أن القياس لايكون إلا مركبا بل أقصد هنا في قولي (ومنه ما يدعونه مركبا) أي يسمونه مركبا هو أنه تركب من حجج من أقيسة (لكونه من حجج قد ركبا)، ثم قال:

108- فَرَكِّبَـنهُ إِن تُرِد أَن تَعلَمَه

 

وَاقـلِب نَتِيـجَةً بِـهِ مُقَـدِّمَـه

القياس الذي سبق والأمثله التي أوردناها كانت أقيسة غير مركبة، بسيطة، لأنها تتألف من قضيتين فقط، والقياس الذي تألف من قضيتين فقط يسمى قياسا بسيطا، نحن بينا في قوله (وتنتهي إلى ضرورة لما... إلى آخره) أن القياس قد يتألف من ضروريتين من قضيتين مقدمتين ضروريتين، فهل يحتاج القياس أو النتيجة تحتاج لمقدمات سوى المقدمتين؟ لا تحتاج، المقدمتان ضروريتان منتجتان للنتيجة، فهذا يسمى قياسا بسيطا، فتعلم بذلك أن القياس إذا كانت مقدمتاه ضروريتين فيسمى بالقياس البسيط، لأنه لا يحتاج لمقدمات أخرى.

وقد تحتاج مقدمة منهما أو تحتاج المقدمتان لأقيسة، الصغرى قد تكون نظرية، فتحتاج لقياس ومقدمتاه نظريتان فتحتاج لأقيسة وهكذا كما بينا في قوله (وتنتهي إلى ضرورة لما)، فنصل إلى مائة مقدمة فتكون النتيجة الأولى مثلا النتيجة التي جئنا بها في مثال (وتنتهي إلى ضرورة لما ** من دور أو تسلسل قد لازما) وهي العالم صفاته حادثة أو متغيرة وكل ما كانت صفاته متغيرة فهو حادث مثلا، هذه النتيجة أتينا لها بمقدمات كثيرة، أتينا بمقدمتين وكل مقدمة لها أدلة، كل المقدمات التي ذكرت في هذه الأدلة ولتكن مثلا عشرين، هذه مقدمات لإنتاج هذه النتيجة، فتكون هذه النتيجة لا تنتج حينئذ إلا عن عشرين مقدمة، فقد تحقق التصديق بها بما فوق المقدمتين، فيسمى بالقياس المركب.

لماذا؟ لأنك لو نظرت فيه لوجدت كل مقدمتين معا قياس، تجد كل مقدمة من المقدمات التي اعتمدت عليها هذه النتيجة تؤلفان قياسا، فهو مؤلف من أقيسة حينئذ، لذلك قال (لكونه من حجج قد ركبا) ثم قال (فركبنه إن ترد أن تعلمه) يعني أرشدك إلى طريقة تركيبه إن أردت أن تركبه، قال (فركبنه إن ترد أن تعلمه) أي ضع قياسا مع قياس مع قياس مع قياس، قال (واقلب نتيجة به) أي بالقياس (مقدمة) لقياس آخرى، (فركبنه) أي فركب القياس على ما ذكرناه قبل ذلك من شكل أول أو ثانٍ أو ثالث، (إن ترد أن تعلمه) أي إن ترد أن تعلم القياس المركب، (واقلب نتيجة) أي نتيجة القياس الذي ركبته مقدمة في القياس الآخر الثاني وهكذا، ثم قال:

109- يَلـزَمُ مِن تَركِيبِهَا بِأُخرَى

 

نَتِيـجَةٌ إِلَـى هَلُـمَّ جَــرَّا

(يلزم من تركيبها بأخرى) أي يلزم من تركيبها مع قضية أخرى، مع مقدمة أخرى، يلزم من تركيب النتيجة للقياس الأول مع مقدمة أخرى قياس آخر، قال (يلزم من تركيبها بأخرى) أي بمقدمة أخرى (نتيجة) أيضا لأنه صار قياسا فتلزم منه نتيجة، واصنع مثل ذلك في النتيجة أن تأتي بهذه النتيجة وتركب معها مقدمة أخرى لتنتج نتيجة، وهكذا، فتتركب أقيسة، قال (إلى هلم جرا) أي استقر الأمر واستمر إلى ما شاء الله لك أن تنتجه من النتائج.

ذلك مرتبط بالنتيجة التي تريدها، ماذا تريد؟ هذا الذي صنعه المصنف وقاله عكس الترتيب الطبيعي في الحقيقة، الترتيب الطبيعي أن تنظر لمطلوب وتأتي بقياس عليه، ثم تأتي بأقيسة للمقدمات، فأنت تبدأ بالنتيجة أو بالمطلوب وترجع لمقدماتها، ومن المقدمات ترجع لأدلتها، لكن المصنف بدأ هكذا، تأتي بقياس وتصل إلى نتيجته، وتركب نتيجة مع مقدمة فيحصل قياس وهكذا، مع أن الأمر بالعكس، أنت تنظر لمطلوب، أنا أريد أن أعلم العالم حادث أم لا؟ فتركب عليه قياسا، والقياس تنظر في مقدمتيه نظريتان تأتي بقياس لكل مقدمة وهكذا، فترجع، الصورة النهائية للمقدمات كلها ترى أنه قياس مع نتيجة صارت مقدمة لقياس آخر فصار قياسا أنتج نتيجة فصارت مقدمة وهكذا، حكاها المصنف هنا، فهو حكاها بعكس الترتيب الطبيعي، بعكس ما يصنع في الحقيقة.

نحن كنا نقول، أنت تقول مثلا هذا كاتب وكل كاتب إنسان وكل إنسان حيوان وكل حيوان جسم وكل جسم حادث وكل حادث له محدث، هذه كلها مقدمات أنتجت هذا له محدث، هنا هذا كاتب وكل كاتب إنسان، ثم قلنا بعد ذلك وكل إنسان حيوان، لا، هنا مقدمة نتيجة ركبناها مع هذه القضية، هذا كاتب وكل كاتب إنسان النتيجة هذا إنسان، ثم تأتي بهذه النتيجة وتجعل معها مقدمة أخري التي هي وكل إنسان حيوان، ثم ينتج لك نتيجة وهي فهذا حيوان، ثم تقول وكل حيوان جسم، ثم تنتج لك النتيجة هي هذا جسم، ثم تقول وكل جسم مركب، تقول هذا مركب، هذه نتيجة تركب مع مقدمة أخرى وكل مركب حادث، فهذا حادث، ثم تقول وكل حادث له محدث فهذا له محدث، هذا الذي حصل، هذا الذي ذكره المصنف رحمه الله.

فقد ظهر بذلك أن القياس المركب هو قياس على نتيجة بمقدمات فوق المقدمتين، ما هي النتيجة هنا؟ هي "هذا له محدث"، وما هي المقدمات الكثيرة؟ هي المقدمات التي ذكرناها من هذا كاتب وكل كاتب إنسان فهذا إنسان وكل إنسان حيوان فهذا حيوان كل هذه المقدمات التي ذكرناها، لذلك قال (يلزم من تركيبها بأخرى ** نتيجة إلى هلم جرا) وهكذا، ثم قسّمه إلى قوله:

110- مُتَّصِلَ النَّتَائِجِ الَّذِي حَوَى

 

يَكُـونُ أَو مَفصُـولَهَا كُلُّ سَوَا

أصل الكلام (يكون) أي القياس المركب الذي ذكره في البيتين السابقين، يكون هذا القياس (الذي حوى) (متصل النتائج) يكون القياس المركب السابق الذي حوى متصل النتاج، فـ"الذي حوى" اسم يكون ومتصل النتائج خبر يكون، أو الذي حوى مبتدأ يكون هو أي الذي حوى متصل النتائج، فمتصل النتائج خبر يكون، الذي حوى أي شيء؟ فمفعول حوى محذوف، الذي حوي النتائج، فمفعول حوى هي النتائج، الذي حوى النتائج أي الذي اشتمل على النتائج الذي ذكرت فيه النتائج يكون متصل النتائج أي يسمى بمتصل النتائج، هذا هو فك البيت، القياس المركب الذي حوى أي اشتمل وذكرت فيه النتائج يكون أو يسمى متصل النتائج.

كما إذا قلت، هذا كاتب وكل كاتب إنسان، ثم تقول النتيجة فهذا إنسان، ثم تقول وكل إنسان حيوان، وتأتي بنتيجة، فهذا حيوان، ثم تقول وكل حيوان جسم، ثم تأتي بالنتيجة، فهذا جسم، وهكذا، هذا قد ذكرت فيه النتائج، فقد حواها، واشتمل عليها، فيسمى عندهم بمتصل النتائج، لأن نتائجه اتصلت به، ووجدت فيه، فهو هنا يقول القياس المركب الذي حوي نتائجه بأن ذكرت فيه يسمى متصل النتائج، هذا أول قسم.

القسم الثاني هو مفصول النتائج، يسمى بالقياس المركب المفصول النتائج، لماذا؟ لأن نتائجه لم تذكر، فصلت عنه، فأنت تقول هذا كاتب وكل كاتب إنسان، وكل إنسان حيوان، لم تقل هذا إنسان، إنما قلت وكل إنسان حيوان، ولم تقل فهذا حيوان، وإنما قلت وكل حيوان جسم، ولم تقل فهذا جسم، وإنما قلت وكل جسم مركب، فقد ظهر بذلك أن القياس المركب يمكن أن تذكر فيه النتائج ويمكن أن لا تذكرها، إذا لم تذكر يسمى القياس قياسا مركبا مفصول النتائج لفصل نتائجها عنه أي لحذفها وعدم ذكرها.

لذلك قال (أو مفصولَها كل سوى) وهذا التركيب فيه عيب كما سأبينه لكم، هو يقول الذي حوى النتائج يكون متصل النتائج، يكون متصلها، ثم قال أو مفصولها، كيف ذلك؟ الذي حوى نتائج يكون متصلها أو يكون مفصولها؟ هذا لا يصح، هذا إن جعلت أو عاطفة لمفصولها على متصل النتائج، الذي حوى نتائجه يكون متصل النتائج أو مفصول النتائج هذا خطأ، لكن (أو) هنا معطوفة على (الذي حوى) إن كان "الذي حوى" مبتدأ، أو على "يكون" إن جعلنا الجملة فعلية، فأصل الكلام وتتميمه الذي حوى النتائج يكون متصلها أو الذي لم يحو النتائج يكون مفصولها، فمفصولها خبر ليكون أو لكان التي حذفت مع اسمها، وليس معطوفا على خبر كان السابقة لفساد المعنى، فتنبه، (متصل النتائج الذي حوى ** يكون أو مفصولها كل سوى) يقول (كل سوى) أي كل سوى في إنتاج المطلوب، ليس أحدهما يمتاز عن الآخر ولا يزيد عنه بشيء، كل سوى، ذكر النتيجة أو ذكر النتائج وحذفها لا يغير من القياس شيئا.

هذا ما يتعلق بالقياس المركب وبتقسيمه لقياس مركب متصل النتائج وقياس مركب مفصول النتائج، بعضهم ذكر في القياس المتصل النتائج الذي تذكر فيه نتائج أن النتيجة تذكر مرتين نحن ذكرناها في الشرح السابق مرة واحدة لك أن تذكرها مرتين، لا مشكلة في هذا، أن تقول هذا كاتب وكل كاتب إنسان فهذا إنسان ثم تقول هذا إنسان وكل إنسان حيوان فهذا حيوان، ثم تقول هذا حيوان وكل حيوان جسم، فهذا جسم، ثم تقول هذا جسم، وكل جسم وهكذا، فتعيد النتيجة.

لأنه هنا يقول اقلب النتيجة مقدمة في قياس آخر، فهل معنى ذلك أن تذكر النتيجة مرة ثانية على أنها مقدمة للقياس الثاني؟ أم أنك تجعل القضية واحدة؟ وتكون هي هي نتيجة للسابق مقدمة لللاحق؟ لك هذا، ولك ذاك، المهم أنك عرفت أن النتيجة ما دامت قد ذكرت فيسمى قياسا مركبا متصل النتائج، ثم شرع في الشيء الثاني الذي هو لاحق للقياس فقال:

111- وَإِن بِجُزئِيٍّ عَلَى كُلِّ استُدِل

 

فَـذَا بِالِاستِقـرَاءِ عِنـدَهُم عُقِل

(وإن بجزئي على كلِّ استدل) على كلِّ بتسكين الياء مع حذفها، بتسكين الياء للوزن وحذفها لالتقاء الساكنين، لأن الياء لما سكنت التقت بسين "استدل"، والسين ساكنة فصار (وإن بجزئي على كلِّ استدل) تنطق باللام مشددة مكسورة بعدها السين مباشرة، فالياء محذوفة، (وإن بجزئي على كل استدل**  فذا بالاستقراء عندهم عقل) أي علم وعرف وفهم، هذا تعريف للاستقراء، وهو أنه استدلال بالجزئي على الكلي.

الاستقراء هو أن تأتي بأحكام جزئيات كثيرة لتحكم بهذه الأحكام أو بهذا الحكم -وتكون هذه الأحكام حكما واحدا- لتحكم بهذا الحكم على أمر يعم هذه الجزئيات، بدلا من أن تذكر الجزئيات تحكم على الأمر الذي يعمها، فمثلا أنت تقول الاسم لفظ والفعل لفظ والحرف لفظ هذه ثلاثة أمور، هي جزئيات للكلمة، فإن الكلمة تنقسم لاسم وفعلا وحرف، تقول الاسم لفظ، والفعل لفظ، والحرف لفظ، بدلا من أن تقول ذلك تحكم باللفظ -لأنه حكم واحد حكمت به على الأقسام الثلاثة- تحكم به على أمر كلي يعم الثلاثة فتقول الكلمة لفظ.

فهنا قد استقرأنا الثلاثة الاسم والفعل والحرف وجدناها لفظ، وجدنا كل واحد منها لفظ، فبدلا من أن تقول الاسم لفظ الفعل لفظ الحرف لفظ، لا، تأتي بأمر واحد يعم الموضوعات الثلاثة المختلفة فيكون أمرا واحدا، وبدلا من أنك أتيت بمحاميل ثلاثة وهي محمول واحد في الحقيقة هو اللفظ، فتأتي بمحمول واحد وتحكم به، فتقول الكلمة لفظ، خلاص، قد أرحت نفسك بدل تكرار هذه القضايا، بدلا من أنها كانت قضايا ثلاث صارت قضية واحدة، هي الكلمة لفظ، هذا يسمونه بالاستقراء أنك تتبعت جزئيات أمر كما تتبعت الاسم والفعل والحرف، وهي جزئيات الكلمة، أقسامها، تتبعت جزئيات شيء لماذا؟ لتحكم بحكمها بحكم هذه الجزئيات على أمر يعمها.

فإذا استقرأت جزئيات أمر بتمامها، استقرأت جميع الجزئيات لم يكن هناك جزئي إلا واستقرئ، فإنه استقراء تام يفيد اليقين، والاستقراء التام قياس منطقي، يدخل في القياس السابق المنطقي، فهو لا يُذكر بلفظ الاستقراء، إذا أطلق الاستقراء لا يتناول التام إنما يتناول الناقص فقط كما سيأتي، لأن الاستقراء التام عند المنطقيين قياس منطقي يدخل في القياس السابق، ألف من -القياس الاقتراني- ألف من صغرى منفصلة أجزاؤها بعدد الجزئيات وألف من كبريات، من عدة قضايا كبريات، كل واحدة حكم على جزئي والحكم واحد.

مثلا، تقول الكلمة إما اسم أو فعل أو حرف، هذه قضية شرطية منفصلة، ثم تأتي بالكبرى وتقول وكل اسم لفظ كبرى للجزء الأول من المنفصلة، وكل فعل لفظ وكل حرف لفظ، فقد أتيت بكبريات ثلاث لكل جزء من أجزاء المنفصلة السابقة التي هي الصغرى، الكلمة إما اسم أو فعل أو حرف، وكل اسم لفظ وكل فعل لفظ وكل حرف لفظ، ثم تحذف الأجزاء الثلاثة في المنفصلة وتحذف الموضوعات الثلاثة في الكبريات، وتحكم بالمحمول الواحد على الموضوع في الصغرى، فتقول فالكلمة لفظ، فيكون قياسا منطقيا من الشكل الأول مفيد لليقين.

أما إذا استقرأت جزئيات أو بعض جزئيات الأمر الكلي، لم تستقص كل الجزئيات، وإنما استقرأت أكثرها، فحينئذ نقول الحكم صادق على هذا الأكثر قطعا لأنك استقرأتها وعلمت حكمها قطعا، وعلى الأمر الكلي الذي يشملها ظنا، لماذا؟ لأننا لا ندري هل الجزئيات التي لم نستقرئها حكمها حكم ما استقرئت أم مخالف؟ لا ندري، فإذا أتينا بالأمر الذي يعم أكثر هذه الجزئيات وهو يعم غيرها أيضا وحكمنا على هذا الأمر بحكم أكثر الجزئيات دون أن ندري باقي الجزئيات ما حكمها فقد تتوافق الجزئية الباقية مع هذه الجزئيات فيكون حكما للكلي، وقد لا تتوافق فيكون حكما بالظن وليس باليقين، هذا يسمى عندهم بالاستقراء الناقص، لأن الاستقراء فيه لم يكن لجميع الجزئيات، هذا ليس داخلا في القياس المنطقي لذلك لا يفيد القطع كما سيأتي في كلام المصنف.

المصنف هنا قال (وإن بجزئي) عرف الاستقرار بأنه استدلال بالجزئي على الكلي، استدللنا بحكم الاسم والاسم جزئي من الكلمة، وبحكم الفعل والفعل جزئي من الكلمة، وبحكم الحرف والحرف جزئي من الكلمة على حكم كلي الذي هو الكلمة ويشمل ثلاثة، (وإن بجزئي) أي وإن بحكم جزئيٍّ (على كلي) أي على حكمِ كليٍ (استدل) أي وإن استدل بحكم جزئي على حكم كلي، (فذا) أي هذا الاستدلال (بالاستقراء عندهم عقل) فيعرف الاستقراء بأنه تصفح أو تتبع أكثر الجزئيات ليحكم بحكمها على أمر كلي يشملها، ثم قال:

112- وَعَكسُهُ يُدعَى القياس المنطقي



وَهـوَ الَّـذِي قَدَّمـتُهُ فَحَقِّـقِ

(وعكسه) أي عكس الاستقراء، عكسه في أي شيء؟ في أن الاستقراء ننتقل فيه من الجزئي إلى الكلي والقياس المنطقي العكس، ننتقل فيه من الكلي إلى الجزئي، فالقياس المنطقي يعرف بأنه استدلال بالكلي على الجزئي، استدلال بحكم الكلي على حكم الجزئي، بيانه في القياس المنطقي السابق أنك تقول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فهنا الإنسان جزئي من جزئياتي الحيوان، والحيوان كلي بالنسبة للإنسان، وقد استدللنا في الكبري بحكم الكلي، حكم الحيوان، حكمه الجسم لأننا نقول كل حيوان جسم، فاستدللنا بكون الحيوان جسما على أن نقول فالإنسان جسم، فقد استدللنا بحكم الأوسط على الأصغر والأوسط بالنسبة للأصغر كلي، والأصغر بالنسبة للأوسط جزئي، فكان استدلالا بحكم الكلي على الجزئي.

بعكس الاستقراء، فإننا نستدل فيه بحكم الجزئي على حكم الكلي، لذلك قال (وعكسه يدعى القياس المنطقي ** وهو الذي قدمته) وهو أي القياس المنطقي الذي قدمته (فحقق) أي هو الذي قدمه في أول فصل القياس وشرحناه وبيناه بقسميه الاقتراني والاستثنائي وبأشكال الاقتراني كلها، قال (فحقق) أي عليك أن تحقق الأمور التي ذكرتها في القياس السابق، ثم قال:

113- وَحَيثُ جُزئِيٌّ عَلَى جُزئِيْ حُمِلْ

 

لِجَـامِعٍ فَـذَاكَ تَمثِـيلٌ جُـعِل

(وحيث جزئي على جزئيْ حمل) على جزئيْ بإسكان الياء، (وحيث جزئي على جزئي حمل ** لجامعا فذاك تمثيل جعل) أصل الكلام وحيث حمل جزئي على جزئي آخر أي في حكمه بسبب جامع، فقوله (لجامع) علة الحمل والحمل بمعنى الإلحاق، أي وحيث ألحقت الجزئي في حكمه بجزئي آخر في حكمه بسبب جامع فيسمى ذلك تمثيلا وقياسا أصوليا فقهيا، فهذا هو القياس الفقهي وهو يختلف عن القياس المنطقي، فالتمثيل عند المناطقة هو نفس القياس الفقهي الذي يذكر عند الفقهاء في علم أصول الفقه.

فإنك فيه تحمل جزئيا على جزئي، فتقيس النبيذ على الخمر، وكل منهما جزئي تحت كلي هو المسكر، فإن المسكر يشمل النبيذ والخمر وكذا وكذا وكذا من الأمور المسكرة، فالخمر جزئي بالنسبة للمسكر، يدخل تحته، والنبيذ جزئي بالنسبة للمسكر يدخل تحته، فإن ألحقت النبيذ في الحكم وهو الحرمة بالخمر في حكمها وهو الحرمة، فقلت النبيذ حرام كان ذلك قياسا فقهيا كما يصنع الفقهاء، يأتون بجزئي نص عليه الشرع ويلحقون به جزئيا آخر لجامع، أي لأمر جمع بينهما.

فهم ألحقوا النبيذ في الحرمة بالخمر في الحرمة بجامع الإسكار فيهما، لولا اجتماعهما في وصف الإسكار لما جاز إلحاق النبيذ بالخمر، هل نحرم الماء أو نحرم عصير البرتقال مثلا، نحرمه ونلحقه بالخمر؟ لا، لأنه ليس داخلا مع الخمر تحت كلي آخر يكون جامعا بينهما، ويكون سببا في الحرمة، لذلك حرمنا النبيذ لأنه داخل مع الخمر تحت كلي هو المسكر والإسكار سبب الحرمة.

هذا هو القياس الفقهي يختلف عن القياس المنطقي في أن القياس المنطقي يستدل فيه بحكم كلي على حكم جزئي والأصولي أو الفقهي يستدل فيه بحكم جزئي على جزئي فإن النبيذ لا يدخل في الخمر والخمر لا يدخل في النبيذ فليس أحدهما للآخر كليا وجزئيا، إنما الإنسان فهو جزئي من الحيوان يدخل فيه، والحيوان يعم الانسان، فإذا لحق الحيوان حكم فهو يلحق الإنسان كما أن الحيوان لحقه حكم الجسمية، فيلحق ذلك الإنسان لأن الإنسان داخل فيه، إنما هنا الخمر والنبيذ ليس من الواجب أنه إذا لحق الخمر حكم أن يلحق النبيذ، ليس من الواجب، لكن الشرع سمح بالقياس، فقيس حكم هذا على الخمر ظنا أن حكم الله تعالى هو هذا لكن قد لا يكون حكم الله هو ذاك.

(وحيث جزئي علي جزئي حمل ** لجامع) أي حمل بسبب جامع كما بينا في المثال، فالجزئي هو النبيذ حمل على جزئي آخر هو الخمر لأنهما جزيان تحت المسكر لجامع هو الإسكار في الحكم الذي هو الحرمة (فذاك تمثيل جعل) التمثيل في اللغة بمعنى التشبيه، سماه المناطقة بالتمثيل لأنه في الحقيقة تشبيه، فقد شبهنا النبيذ بالخمر في الحرمة، وتمثيل لأننا أتينا للنبيذ بمثال في الشرع، فإن الشرع لم ينص على حكم النبيذ ونص على حكم الخمر، فنتكلم عن النبيذ فنأتي له بمثال في الشرع وهو الخمر فيكون تمثيلا، أما الأصوليون فسموه بالقياس، لأن القياس أن نقدر -كما قلنا في اللغة- أن نقدر الشيء على مثال شيء آخر، فقدروا الشيء هو النبيذ على مثال شيء آخر هو الخمر في الحرمة، بعد أن انتهي من الكلام على القياس المنطقي لقسميه البسيط والمركب، وانتهى من الكلام على الاستقراء والتمثيل وبين كلا أتى بأمر يتعلق بالاستقراء والتمثيل فقال:

114- وَلاَ يُفِيـدُ القَطـعَ بِالدَّلِـيلِ

 

قِيَـاسُ الِاستِقـرَاءِ وَالتَّمـثِيلِ

تنبه لهذا التركيب (ولا يفيد) فاعله قوله بعد ذلك (قياس الاستقراء والتمثيل) ولا يفيد قياس الاستقراء والتمثيل (القطع)، فالقطع مفعول يفيد، قال (بالدليل) متعلق بالقطع، لا يفيدان القطع بالدليل، ما هذا؟ الاستقراء والتمثيل دليلان، الذي يقال أن الدليل لا يفيد القطع بالنتيجة أو أن الدليل لا يفيد القطع بالمدلول ليس أن الدليل لا يفيد القطع بالدليل، أنت تقول الدليل يفيد القطع بمدلوله أو بنتيجته، وليس أن الدليل يفيد القطع بالدليل، وتقول الدليل لا يفيد القطع بالنتيجة، أو لا يفيد القطع بمدلوله، وليس أن الدليل لا يفيد القطع بالدليل، فقول المصنف هنا (بالدليل) من قبيل المجاز، أطلق الدليل وأراد المدلول، أي ولا يفيد قياس الاستقراء والتمثيل القطع بمدلولهما، القطع بنتيجتهما.

فالمفهوم من هذا البيت أن كلا من قياس الاستقراء والتمثيل لا يفيد القطع بنتيجته، بخلاف القياس المنطقي، فإنه ذكر هنا الاستقراء والتمثيل وسكت عن القياس المنطقي، لم يقل قياس الاستقراء والتمثيل والمنطقي، لا، سكت عنه، فسكوته على القياس المنطقي يفيد أن القياس المنطقي يفيد القطع بالمدلول وبالنتيجة، نعم، ذلك لا ريب فيه، إذا تألفت المقدمتان على شكل من الأشكال الأربعة أو على ضرب من ضروب الاستثنائي وجبت النتيجة بالنسبة لهذا القياس، ليس أن النتيجة تجب في الواقع، إنما تجب بالنسبة للقياس وتجب في الواقع إن كانت المقدمتان صادقتين.

كل إنسان حجر وكل حجر خشب، النتيجة كل إنسان خشب، هذه النتيجة واجبة للقياس قطعا، وينتجها القياس إنتاجا قطعيا، مع أنها فاسدة باطلة، نعم من جهة المادة، نحن لم نقل القياس المنطقي ينتج اليقين كل ما ينتجه القياس المنطقي يقين ومتحقق، لم نقل ذلك، نقول القياس المنطقي نتيجته لازمة له قطعية بالنسبة له ثم تتأكد بعد ذلك من صدق المقدمات، فإن صدقت كانت النتيجة لازمة للقياس ولازمة في الواقع، صادقة في الواقع أيضا، لأن ذلك كثيرا ما يشوش الطلاب ولا يفهمونه، كيف أن القياس المنطقي تكون نتيجته صادقة مع أننا علمنا أن القياس المنطقي إن تألف من مقدمة كاذبة قد ينتج الكذب، كيف تقول إنه ينتج دائما القطع فكأن أي قياس منطقي نتيجته صادقة، فهم لزوم النتيجة للقياس على أنها لزوم النتيجة في الواقع، ذلك خطأ.

بخلاف الاستقراء والتمثيل تكون مقدمات الاستقراء والتمثيل كلها صحيحة صادقة وصورة الاستقراء والتمثيل صحيحة، فالمادة والصورة كلاهما صادق صحيح، والنتيجة لا تكون كذلك، تكون باطلة، هذا لا يمكن أن يتحقق في القياس المنطقي، لأن الصورة إذا صحت على الأشكال الأربعة التي ذكرناها وعلى ضروب الاستثنائي التي ذكرناها لزمتها النتيجة، ثم تحقق في المقدمات إذا صدقت في الواقع لزمت النتيجة واقعة أيضا.

فأنت تقول كل إنسان حجر وكل حجر خشب، إن فرضنا أن كل إنسان حجر بالفعل وكل حجر خشب بالفعل، وهذا حاصل ومتحقق حينئذ يلزم أن يكون كل إنسان خشب، إن قلت كل إنسان حجر ليست متحققة، وكل حجر خشب ليست متحققة، هذه النتيجة إذن لا تكون قطعية، نقول لا، هي قطعية بالنسبة للقياس، لأنه من كليتين موجبتين من الشكل الأول، فالنتيجة تكون موجبة كلية قطعا، أما أنها صادقة أو ليست بصادقة ينظر لصدق وكذب المقدمات، فقد علم من ذلك أن القياس المنطقي له مادة وصورة، المادة تأتي بإذن الله في الفصل القادم، والصورة قد سبق ذكرها، النتيجة لازمة لصورة القياس.

أما في الاستقراء والتمثيل، فصورة الاستقراء الناقص -لأن التام يقيني لأنه يرجع للقياس المنطقي المقسِّم أو المقسَّم كما بينت مثالا في الكلمة اسم أو فعل أو حرف، وكل اسم لفظ، وكل فعل لفظ، وكل حرف لفظ، النتيجة الكلمة لفظ هذا قطعي، فالاستقراء إذا أطلق يصدق على الناقص فقط وليس على التام، لأن التام قطعي- فالاستقراء الناقص صورته تكون صحيحة.

تقول مثلا هذا الطالب مجتهد، أنا مثلا عندما صححت امتحانات الطلاب، مثلا كانت مائة امتحان فصححته تسعين امتحانا، نظرت في تسعين امتحانا، رأيت الطلاب التسعين مجتهدين، قبل أن أنظر في الامتحانات الباقية، قلت محمد مجتهد صاحب الورقة الأولى، علي مجتهد صاحب الورقة الثانية، بكر مجتهد صاحب الورقه الثالثة، خالد مجتهد صاحب الورقة الرابعة إلى التسعين، ثم عندما أريد أن أخبر أحدا بحال الطلاب بدلا من أن أقول له محمد مجتهد علي مجتهد وأذكر له تسعين اسما، ماذا أصنع؟ أجيئ بأمر كلي يشترك فيه هؤلاء الطلاب، والحكم الذي هو مجتهد واحد، أخبر به عن هذا الكلي، فأقول الطلاب مجتهدون.

هذا الحكم يشمل المائة وليس التسعين فقط، فقد تكون العشرة الباقية أيضا مجتهدة وقد تكون غير مجتهدة، فيمكن أن يكون قولي الطلاب مجتهدون خطأ، لم يكن كل الطلاب مجتهدين يمكن أن يكون خطأ إذا كانت العشرة الباقية تخالف التسعين ويمكن أن يكون صحيحا إذا كانت العشرة الباقية لا تخالف، بأن تكون مجتهدة، هذا احتمال، لأننا لم نرى الورقة الباقية فلما كان الأمر احتمالا كانت النتيجة ظنية، المقدمات ما هي؟ بكر مجتهد محمد مجتهد علي مجتهد، ثم بعد كل هذه القضايا تقول المحمول واحد والموضوعات لها كلي يشملها فنحكم بالمحمول الواحد على كل هذه الموضوعات، نحكم على كليها.

فالصورة صحيحة في الاستقراء الناقص ومع ذلك ينتج غير اليقين فهذا المثال سهل، مثل المثال الذي يذكرونه كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضع، لأن الذي استقرأ الحيوانات وجد الإنسان يحرك فكه الأسفل عند المضع والأعلى ثابت، ووجد البقر كذلك، ووجد الجمل كذلك، ووجد القرد كذلك، ووجد النملة كذلك، الله أعلم، رآها أم لا، المهم فلما وجد هذه الحيوانات كذلك فاتته حيوانات منها التمساح مثلا فهو لما استقرأ كثيرا من جزئيات الحيوان غلب على ظنه أن سائر الحيوان أن باقي الحيوانات كذلك، يعني ما الذي سيجعل الباقي من الحيوانات كما أنا أقول ما الذي سيجعل العشرة الباقية من الطلاب غير مجتهدة؟ إذا كان تسعون طالبا مجتهدين فالعشرة أيضا كذلك يغلب على الظن، تصفح واستقراء أكثر الجزئيات يغلّب على ظن الإنسان أن الباقي القليل كذلك.

فهو هنا يقول بدلا من أن يقول الإنسان يحرك فكه اللأسفل عند المضع، الجمل يحرك فكه الأسفل عند المضع، القرد يحرك فكه الأسفل عند المضع، النملة تحركه فكها الأسفل عند المضع، يقول "الحيوان" ليشمل الإنسان والفرس والأسد والجمل والنملة، فيقول الحيوان، كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضع ويأتي بالمحمول الواحد، هذا الحكم ليس قطعيا ليس يقينيا لماذا؟ لأنه قد يكون الحكم فيما لم يستقرأ مخالفا لما استقرئ، ولذا وجدوا بعد ذلك أن التمساح من الحيوانات ويحرك فكه الأعلى عند المضع، فالتمساح فكه الأسفل ثابت وهو يفتح ويغلق فكه الأعلى عند المضع، فظهور أن التمساح يحرك فكه الأعلى دليل على أن من كان استقرأ الحيوانات قبل أن يرى التمساح كان حكمه ظنيا.

أما إذا استقرأ الإنسان والأسد والفرس والتمساح، واستقرأ كل حيوان وظهر له أن ليس هناك حيوان إلا وقد استقرأه وعلم أنه يحرك فكه الأسفل عند المضع وقال كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضع يكون استقراءا تاما مفيدا لليقين، لكن ذلك ليس بحاصل في جزئية الحيوان لأن فيها الكثير مما يخفى، التمثيل كذلك، ألحق النبيذ بالخمر في الحرمة بجامع الإسكار، كل المناطقة وكذلك كل الفقهاء وكل الأصوليين على أن القياس الأصولي أو القياس الفقهي ظني.

لا تظن أن أهل المنطق يحكمون على القياس الأصولي أو القياس الفقهي بأنه ظني، وأهل الفقه يحكمون عليه بأنه يقيني، كأن أهل المنطق ينقسّون منه، ليس الأمر كذلك، هذا حكم متفق عليه، لذلك يقولون اجتهاد المجتهدين من قبيل الظنون، هذا يقولونه في الفقه ويقولون لا يعترض على اجتهاد باجتهاد مجتهد، لماذا؟ لأن هذا ظني وهذا ظني، هناك احتمال، أنت تنكر على مجتهد بكلام مجتهد آخر يكون كلام المجتهد الآخر هو الصحيح لأن حكم هذا المجتهد وهذا المجتهد ظني، لأنهم يحكمون بالقياس، لماذا كان ظنيا؟ لأن الفقيه الذي نظر في النبيذ ووجده مسكرا فقال هو مسكر كالخمر ماذا صنع؟ هو أولا علم أن الخمر محرمة، خلاص هذا علمه بنص قطعي بالإجماع فلا سبيل إلى كون هذا الحكم ظنيا، لكن علة حرمة الخمر الذي قال به المجتهد هو أنها الإسكار، هذا الذي قاله، قال حكم حرمة الخمر الإسكار من أين هذا؟ هل النص الذي حرم الخمر؟ قال فاجتنبوه قال لأنه مسكر؟ لم يقل ذلك.

فاستخراج العلة للحكم باجتهاد المجتهد، فقد يخطئ المجتهد في ذلك، قد لا تكون هذه هي العلة، صحيح؟ قد يكون هذا الحكم في حرمة الخمر لعلة أخري لم يطلعنا الله سبحانه وتعالى عليه، ثم إنه نظر في النبيذ فوجده مسكرا نقول خلاص، هذا الإسكار معلوم من المشاهدة لأن من يشربه يسكر، فلا سبيل للتشكيك في هذا الحكم، هذا يقيني، أن النبيذ يسكر، ثم ألحقه بالخمر بجامع الإسكار، ما الذي أدرى أن إسكار الخمر مثل إسكار النبيذ في حكم الله، قد يكون بين الإسكارين فرق، هو لم يعلم ولم يطلع عليه، لكن الله مطلع عليه ويعلمه لأنه خالق الأمرين، فيكون الله سبحانه وتعالى قد حرم الخمر للإسكار الخاص بها، ولا يحرم النبيذ للإسكار الخاص به، لأن إسكار النبيذ يختلف عن إسكار الخمر.

فأيضا إلحاق إسكار النبيذ بإسكار الخمر من قبيل اجتهاد المجتهد، وقد يخطئ في ذلك بأن يكون الله قد حرم الخمر بسبب إسكارها هي فقط، وما كان مسكرا من غير الخمر فليس بمحرم، لماذا؟ لا ندري لعل الله يعلم شيئا في إسكار الخمر لا نعلمه في غير ذلك من الأمور المسكرة، كل ذلك لا نستطيع أن نتوثق منه، لا يمكن لمجتهد ولو كان من الأمة الأربعة أن يقول لا، أنا أعلم يقينا أن الخمر محرم للإسكار ويأتي ويقول أنا أعلم يقينا أن إسكار الخمر كإسكار النبيذ، لا يمكن أبدا أن يقطع بهذا ويقول أنا أعلم يقينا أن النبيذ ملحق بالخمر في الحرمة لأن الإسكار واحد، لا يمكن لمجتهد أن يجزم بذلك، لذلك قرروا في الفقه وفي الأصول أن الحكم بحرمة النبيذ ظني لا قطعي، لأن القياس الأصولي يفيد الظن لا القطع، لذلك قال هنا ولا (يفيد القطع بالدليل) أي الاستقراء والتمثيل لا يفيدان القطع بالمدلول لجواز تخلف حكم الاستقراء في الأفراد التي لم تستقرأ وتخلف حكم الفرع عن الأصل في الأمر المقيس والمقيس عليه.

 هذا ما يتعلق بهذا الفصل وهو فصل لواحق القياس، بقي لنا من هذا المتن البديع المفيد ما يتعلق بأقسام الحجة، نحن ذكرنا وتكلمنا على أقسام الحجة أي أقسام القياس، قوله هنا أقسام الحجة يقصد أقسام القياس، مع أننا قسمناه قبل ذلك لكن المنقسم قبل ذلك هو القياس من حيث الصورة، وما سيأتي هو انقسام القياس من حيث المادة، فيكون بتمام ما سيأتي في فصل أقسام الحجة، قد تم الكلام على القياس صورة ومادة، ويبقى ما يتعلق بالخطأ الوارد في تأليف الأقيسة ليجتنب وليحترز القائس عنه.

بعد أن انتهينا من الكلام على القياس الاستثنائي بضروبه المنتجة وغير المنتجة وانتهينا أيضا من الكلام على لواحق القياس وهي القياس المركب والاستقراء والتمثيل فبذلك نكون قد انتهينا من الكلام على القياس المنطقي بقسميه الاقتراني والاستثنائي وكذلك البسيط والمركب ومن الكلام على حجج أخرى هي الاستقراء والتمثيل.

وكل هذا الكلام الذي ذكرناه من أول قوله (إن القياس من قضايا صورا) إنما هو كلام على الصورة، على صورة الدليل، على صورة القياس، بمعنى الهيئة اللاحقة لمقدماته وهي هيئة معقولة معنوية ليست هيئة محسوسة، فإنك تقول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، فهاتان المقدمتان متعقلتان ومسموعتان، لفظهما مسموع أيضا، فهما من قبيل المحسوسات لأنه يتلفظ بهما، أما الهيئة العارضة لهما، فإنها أمر معقول فقط، ولا يمكن أن تبرِزه في التلفظ.

تقول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، ما الفرق بين هاتين المقدمتين وبين قولك كل إنسان حيوان وكل كاتب متحرك الأصابع مثلا، ما الفرق؟ الفرق أن المقدمتين: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم لحقتهما هيئة وصورة في العقل اقتضت كل إنسان جسم، وأما: كل إنسان حيوان وكل كاتب متحرك الأصابع فمع كونهما قضيتين لم تلحقهما هيئة تقتضي أو تستلزم هذه الهيئة شيئا.

فحينئذن نعلم أن كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم قد تألف من مادة وصورة كما ذكرنا عن القضية الواحدة قبل ذلك، أنها تتألف من مادة وصورة، وهذا شأن الموجودات الحادثة أنها تكون من هيئة وصورة، يوجد الشيء مع مادته بالقوة، ويوجد مع صورته بالفعل عندما تتلبس المادة بالصورة، كذلك القياس، فكل ما ذكرناه من الشكل الأول والثاني والثالث والرابع إنما هو على الصورة، لذلك سمي بالشكل، والشكل في اللغة هو هيئة الشيء وصورته، وما ذكرناه في القياس الاستثنائي أيضا إنما هو يتعلق بالشكل، بالهيئة والصورة التي تلحق القضية الشرطية مع الاستثنائية.

وهذا هو أهم أمر في الفكر هو الاعتناء بأمر الصورة هو أن تصح الصورة، هذا هو المهم، لذلك أخذ المناطقة أو أعطى المناطقة الصورة اهتماما كبيرا، ولكن لا شك في أن الفكر أو أن نتيجة الفكر التي يكون التصديق بها هو غرض المنطقي لا تتوقف على الصورة فحسب، وإنما تتوقف على المادة التي توضع في هذه الصورة أيضا، لأنها إن صحت تصح النتيجة، وإن كذبت فليس يلزم أن تكذب النتيجة أو أن تصدق، فحينئذ لا بد من أن نعلم صدق المقدمات في ذاتها بقطع النظر عن الصورة، حتى إذا وضعت في الصورة وكانت الصورة صادقة ووضعت فيها المقدمات الصادقة فقد تألف القياس من صورة صادقة ومن مواد صادقة فلا ينتج إلا الصدق، فلذلك احتاج المناطقة للكلام على المادة، والكلام الأكثر عندهم على الصورة.

يتكلمون عن المادة من جهة كونها يقينية أو ظنية، صادقة أو كاذبة، وما يحصل للقياس بحسب هذه المقدمات، فقسّموا القياس لخمسة أقسام لبرهان وجدل وخطابة وشعر وسفسطة، هذه الأقسام تختلف عن الشكل الأول والثاني والثالث والرابع، فالأشكال الأربعة أقسام للقياس أيضا، وهذه الخمسة أقسام للقياس أيضا، فلا يلتبس عليك الأمر.

الأشكال الأربعة أقسام للقياس من حيث الصورة والأقسام الخمسة الآتية أقسام للقياس من حيث المادة وتتداخل بمعنى أنه يكون من الشكل الأول الأقسام الخمسة، فيكون من الشكل الأول ما هو برهان وجدل وخطابة وشعر وسفسطة، ويكون من الشكل الثاني هذه الخمسة، ويكون من الشكل الثالث هذه الخمسة، ويكون من الشكل الرابع هذه الخمسة، ويكون كل قسم من هذه الأقسام الخمسة فيه الأشكال الأربعة، ويكون اقترانيا ويكون استثنائيا فتنبه لذلك، فليس هناك تباين بين الأقسام السابقة وهذه الأقسام، فوجه القسمة السابقة لاقتراني واستثنائي من حيث الصورة، ووجه القسمة للأقسام الخمسة الآتية من حيث المواد، ليس من جهة المادة مطلقا إنما من جهة المادة من جهة صدقها وكذبها، من جهة كونها يقينية أو ظنية، من هذه الجهات فقط، فالكلام في المواد من جهات محدودة أيضا ليس من الجهات التي تجعلك تعلم صدق المواد وتتيقنها والأشياء التي كنا نسمعها ممن يمدحون في المنطق أو يتكلمون عنه إلى آخره.

إنما هم يقسمون هذه المواد من حيث الظنية واليقينية والشهرة والتسليم ويعرفونك أن المواد تكون من هذه الأقسام فينقسم القياس بحسبها أيضا، فهذا التقسيم أيضا من جهة صفات تعرض للمقدمات كما أن التقسيم السابق كان من جهة الصورة التي تعرض للمقدمات. 

لذلك قال:

﴿أقسام الحجة﴾


Komentar