شرح متن السلم المنورق (١٠) - الشيخ حسام رمضان - باب في القياس

﴿باب في القياس

القياس في اللغة هو تقدير شيء على مثال شيء آخر، مثلا أنت تقدر طول هذا الكتاب، تقدره، بمعنى أنك تريد أن تعرف قدره، فتقدره بأن تقيسه بالمسطرة، مثلا تضع المسطرة هنا فيتبين أن طوله كذا، ما الذي حصل هنا؟ -وتسمي هذه العملية بالقياس تقول أنا أقيس طول الكتاب- ما الذي حصل في هذا؟ هو أنك قدرت طول هذا الكتاب على مثال شيء آخر، الشيء الآخر هو المقياس الذهني، فهناك مقياس ذهني في الذهن، للأطوال، كالسنتي والملي والمتر، هذه الأطوال هي أمور ذهنية في الحقيقة، ليست هي ما على المسطرة ولا ما على المتر ولا الأشياء التي توضع عليها هذه العلامات، إنما المقياس هو المقياس الذهني المعلوم للسنتيمتر أو للمتر، السنتيمتر عشر ملِّيمتر، هذا مقاس ذهني، والمليمتر عدد وحدات كذا، هذا المقياس الذهني لا يمكن أن نقيس عليه، أنا لا يمكن أن أجيئ بالكتاب وأريد أن أقيس طول الكتاب فأصنع هكذا، لا، هذا لا يمكن، كيف أقيس هذا بأمر معنوي ذهني، إنما الأمر المعنوي يحتاج لينزل على أمر محسوس فيقاس الأمر المحسوس بالأمر المحسوس.

ويكون الأمر المعقول هو الجامع للأمور المحسوسة التي نقيس بها، فالمسطرة التي معي والمسطرة التي معك، والمسطرة التي مع الآخر والعاشر والمائة وهذه المسطرة الموجودة مع كل الناس يجمعها مقياس واحد ذهني، طولها عشر سنتي يبقى عشر سنتي في الذهن طول واحد، نزل في مثال خارجي هو هذه المسطرة ونزل في مثال خارجي آخر هو هذه المسطرة وهكذا، ثم تأتي وتقيس الكتاب بمثال من هذه الأمثلة بهذه المسطرة أو بهذه المسطرة أو بهذه المسطرة، فتكون قد قدرت شيئا هو طول الكتاب مثلا على مثال -الذي هو المسطرة- شيء آخر هو المقياس الذهني، هذا يسمى قياسا، فالقياس هو أن تقدّر شيئا على مثال شيء آخر، لذلك نقول إني قد قست الكتاب إذا صنعته ذلك.

هذا متحقق في القول المفيد للتصديق بالقضية كما سنبين بعد أن نشرح تعريف القياس سنبين هذا الأمر، أو يمكن أن نبينه على وجه السرعة الآن، أنت عندما تقول العالم متغير وكل متغير حادث فينتج هذا العالم حادث، هذا قياس العالم متغير وكل متغير حادث قياس، والنتيجة العالم حادث، هنا قد عرفت صدق هذا التصديق الذي هو العالم حادث لأنني قدرته على أمرين هما العالم متغير وكل متغير حادث، لولا أنني قدرت أو قست النتيجة على هاتين المقدمتين، لما علمت صدق هذه النتيجة، ولا شك أن هذا القياس أو هذا التركيب من القضيتين نقول العالم متغير وكل متغير حادث مثال للقياس الذهني المعروف الذي سنذكر تعريفه اليوم، وهذا التعريف أو هذه الحقيقة حقيقة مستقرة في الذهن، وهي واحدة، لكنها تتعدد بحسب الأقيسة التي تأتي بها، كما أن المقياس الطولي واحد، ويتعدد بحسب المسطرة التي معي والمسطرة التي معك.

كذلك هذا، حقيقة ذهنية واحدة للقياس هو أن يتألف من قضيتين بترتيب معين، أن تكون الأولى كذا والثانية كذا، هذا أمر ذهني، وينزل على القياس الذي قيس وينزل على القياس الذي قاسه الآخر، وينزل على التركيب الذي صنعه الثالث، فالنتائج قد قدِّر صدقها على المثال الموجود معك للمعنى الذهني للقياس الذي نذكره اليوم في تعريفه، فهذا مثال للقياس وهو أمر معنوي، القياس الذي نذكره أن العالم حادث قسناه على كذا، هذا أمر معنوي، الأمر الحسي له هو قياس أطوال الأشياء مثلا، قياس أوزانها، قياس مكيالها، وهكذا، هذا في الأمور الحسية أما القياس المنطقي فهو في الأمور العقلية وليست المحسوسة.

قال (باب في القياس) وعرفنا معناه لغة.

73- إِنَّ القِيَـاسَ مِن قَضَـايَا صُوِّرَا

 

مُستَـلزِمًـا بِالـذَّاتِ قَولاً آخَرَا



هذا تعريفه في الاصطلاح، قال (إن القياس من قضايا صورا) أصل الكلام إن القياس صور من قضايا، إن القياس صور أي ركب في صورة، فنعلم بذلك أن القياس هو أمر ركب ووضع في صورة، إن القياس صور من قضايا، إن القياس ركب في صورة، فنعلم بذلك أن القياس أمر ركِّب في صورة، ومجموع الصورة مع المركب هو القياس، فأنت عندما تقول العالم متغير وكل متغير حادث، فهنا قد أتينا بقضيتين هما العالم متغير وكل متغير حادث، ووضعناهما في هيئة لا تظن أن قولك العالم متغير وكل متغير حادث كما إذا قلت زيد قائم وكل فعل مرفوع.

نعم، هما قضيتان ذكرت قضيتين متتاليتين كما قلت العالم متغير وكل متغير حادث، هاتان قضيتان وهاتان قضيتان، لكن الفرق بين قولك العالم متغير وكل متغير حادث، وزيد قائم وكل فاعل مرفوع، الفرق بين هاتين القضيتين بين العالم متغير وكل متغير حادث، أنهما موضوعان في صورة في هيئة تلبست القضيتان بحالة لم تتلبس بهذه الحالة القضيتان زيد قائم وكل فاعل مرفوع، ليس لهما هذه الحالة، ما هي هذه الحالة التي حصلت للعالم متغير وكل متغير حادث، هو اشتراكهما في أمر وهو متغير، القضيتان اشتركتا في أمر هو متغير، العالم متغير وكل متغير حادث، وزيد قائم وكل فاعل مرفوع لا اشتراك بينهما في حد من الحدود.

أيضا العالم متغير كل متغير حادث الجزء الأول أو القضية الأولى لها صفات معينة تعلم في كل شكل من الأشكال والثانية كذلك وتحققت هذه الصفات وهذه الأحكام لها، مجموع هذا نسميه بصورة القياس، مجموع ما يحصله القضيتين من اشتراكهما في حد ومن كون الأولى صفته هكذا ومن كون الثانية صفته هكذا، مجموع هذا نسميه بالهيئة والصفة والحالة التي حصلت لهما.

المصنف هنا يقول إن القياس قضايا صوِّرت أي جعلت لها صورة، قضايا تلبست بهذه الصورة وبهذه الحالة، فما لم يتلبس بهذه الصورة ولا بهذه الحالة لا يكون قياسا، وإن كانت أقوالا مجتمعة؟ نعم، وإن كانت أقوالا اشتركت في بعض الحدود ولم تتصف القول الأول أو القضية الأولى بما يجب أن تتصف به، ولا الثانية؟ نعم، لا يكون قياسا أيضا، وإن اتصف بإشتراكهما في حد وكانت القضية الأولى لها الصفات التي تجب والثانية كذا خلاص، كان قياسا، لأنه قول أو أقوال ركبت في الصورة، هذا معنى قوله (إن القياس من قضايا صورا) أي إن القياس قول مصوَّر أي موضوع في صورة وهو من قضايا.

لماذا قال من قضايا؟ لأننا يمكن أن نصور القول -القول عند المناطقة بمعنى اللفظ المركب- يمكن أن نصوره من غير القضايا، يمكن أن نصوره بمفردين، نقول زيد قائم، هذا قول مصور، قول موضوع في صورة، لكنها صورة نسبة خبرية ليست الصورة التي نجعلها قياسا إنما هي صورتة النسبة الخبرية، غلام زيد أيضا له صورة قول مركب وله صورة، صورته هي صورة الإضافة، صورة النسبة الإضافية، كذلك الرجل العالم هذا أيضا قول مصور بصورة النسبة الوصفية.

فإذا قال إن القياس قول صور أي ركب وجعل في صورة من قضايا، خرجت هذه التراكيب التي تكون من مفردات، (إن القياس من قضايا صورا) فـ"من قضايا" متعلق بـ"صور"، وقضايا جمع والجمع عند المناطقة يستعمل لما فوق الواحد ليس كما هو عند اللغويين لما يكون ثلاثة فما فوق، لا، الجمع عند المناطقة في استعمالهم للجمع في أي باب عند أهل المعقول عامة، يستعملون الجمع لما فوق الواحد، فيشمل المثنى، يشمل الاثنين، فقوله (إن القياس من قضايا صورا) أي هو قول مركب من قضيتين فأكثر، فأقل ما يتألف منه القياس قضيتان، ولا يكون بأقل من قضيتين، ولا يمتنع أن يكون بأكثر من قضيتين يكون بقضايا ثلاث، بأربعة، بخمسة، بعشرة، بمائة، يتألف القياس من ذلك؟ نعم، القياس المؤلف من قضيتين يسمي القياس البسيط، والمؤلف من أكثر يسمى بالقياس المركب، وسيذكره المصنِّف في فصل لواحق القياس سيتكلم تفصيلا على القياس المركب بقسمَيْه.

القياس البسيط كما تقول العالم متغير وكل متغير حادث، القياس المركب كما تقول العالم متغير وكل متغير حادث وكل حادث له محدث، النتيجة العالم له محدث، هذه النتيجة نتجت عن قضايا ثلاث، فكان قياسا مركبا، سنعرف تفصيله في فصل لواحد القياس، لذلك قال (من قضايا) ليشمل القياس البسيط والقياس المركب.

(إن القياس من قضايا صورا) قال (مستلزما بالذات قولا آخرا) مستلزما أي لا بد من أن يكون هذا القول المصور بصورة معينة مستلزما لقول آخر، إذن، يمكن أن يتألف قول من قضيتين أو يتألف قول ولا يستلزم، نعم، يمكن أن يكون ذلك كما سيأتي بيانه في الأمثلة، فحينئذ نقول لا بد في القياس من أن يكون قولا مؤلفا من قضيتين فأكثر وأن يكون مستلزما، فلو وجدت قولا يتألف من قضيتين أو أكثر ولا يستلزم، ولا يستلزم بمعنى أن القول الثالث يكون غير منفك عن القولين.

هذا معنى الاستلزام، أن القول الثالث يكون غير منفك، إن رأينا قولا تألف من قضيتين فأكثر ومعه قول ثالث يدلنا على قول ثالث يفيدنا قولا ثالثا لكن القول الثالث ليس لازما، بمعنى أنه يمكن أن يتخلف، فتوجد القضيتان متصفتان بالهيئة والقول الثالث لا يوجد، إذن هنا حصل التخلف، الأكثر أن يوجد القول الثالث مع القضيتين، هذا هو الأكثر ولكن قد يحصل التخلف، إذن ما دمنا قد قلنا إنه قد يتخلف القول الثالث إذن لا استلزام، القولان حينئذ أو القضيتان لا تستلزمان، إنما لو قلنا القول الثالث يأتي دائما، دائما يأتي مع القضيتين، متى وجدت القضيتان وتحققت فإن القول الثالث يكون معهما، هذا معناه أن الثالث لازم للقولين، هذا الذي نريده في القياس أن القول الثالث لا ينفك أبدا عن القولين المركبين.

يخرج المصنف بقولهم (مستلزما) الأقوال المركبة التي لا تستلزم، كالاستقراء والتمثيل، وسيأتي شرحهما تفصيلا في الكلام على لواحق القياس، فإن الاستقراء قول يتألف من قضايا، ويفيدنا قولا ثالثا، ككل الأحكام المستقرأة، كأحكام الفقه وغيرها، فأنت تستقرئ أمورا متعددة ويحصل منها قضايا، وبناء على استقراء هذه الأمور نستفيد أمرا أو قضية أخرى ثالثة أو عاشرة أو مائة على حسب القضايا التي ركبت، المهم أننا نستفيد قولا آخر.

لكن الاستقراء يكون ظنيا، الاستقراء الناقص يكون ظنيا والقول الثالث أو القول الآخر هذا قد يتخلف فيما لم يُستقرأ، في الأفراد التي لم تستقرأ، فحينئذن نقول إن القول الآخر ليس لازما لهذه الأقوال، لأنه قد ينفك، كذلك التمثيل أنت تأتي بقضيتين بقضية فيها الأصل وقضية فيها الفرع، الأصل حكمه مبين والفرع يبين الأمر المشترك بينه وبين الأصل، كالأقيسة الفقهية بأن أقيس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار، فأنت هنا تأتي بقضية أن الخمر مسكر، وتأتي بأن النبيذ مسكر كالخمر، وتأتي بقضية أخرى هي أن الإسكار هو علة التحريم، فينتج لك من هذه الأقوال أن النبيذ محرم كالخمر، هذا تمثيل فقهي أو قياس فقهي وليس قياسا منطقيا.

لماذا؟ لأنه إن أفادنا قولا آخر هو حرمة النبيذ إلا أن الإفادة ظنية ليست قطعية، لأنه يمكن تخلفها بأن يكون الله سبحانه وتعالى قد حرم الخمر للإسكار الخمري خاصة ليس لأي إسكان آخر، فحينئذن إذا ألحقت أيّ مسكر آخر بالخمر تكون قد علمت به حرمة هذا الشيء كالنبيذ مثلا وهو ليس محرما في شريعة الله، لأنك ظننت أن المحرِّم للخمر هو الإسكار المطلق، فألحقت بهم كل ما كان مسكرا، مع أن الله حرم الخمر للإسكار الخمري فقط، يحتمل ذلك لسنا نجزم بذلك، لكن يحتمل، فيقولون يحتمل أن العلة خاصة بمحلها، علة الإسكار، تكون خاصة بمحلها، أن يكون إسكارا خمريا، أو أن تكون العلة عامة يشمل إسكار الخمر وغير الخمر، لكن إسكار النبيذ خاصة مستثنى في حكم الله في شريعة الله فتلحق كل مسكر سوى النبيذ بالخمر، أما الإسكار الذي هو في النبيذ فهو مستثنى، هذا احتمال، لا تستطيع أن تجزم بانتفائه، نعم يغلب انتفاؤه، لكن تجزم؟ لا، لذلك كانت الأقيسة الفقهية ظنية، وكانت أحكام المجتهدين من قبيل الظنون، وليست من قبيل اليقين والقطع كما تقرر في أصول الفقه.

فتبين بذلك أن الاستقراء يفيدنا قولا ويفيدنا قضية، والتمثيل كذلك يفيدنا، لكن الإفادة فيهما قد تتخلف، القول الآخر قد يتخلف عن الأقوال التي استفدنا منها في الاستقراء وفي التمثيل، فإذا قلنا في القياس إنه مؤلف من أقوال لا بد أن تستلزم قولا آخر خرج الاستقراء والتمثيل، ويكون القياس المنطقي قياسا لا يتخلف عنه القول الآخر، هذا هو الفرق بين القياس المنطقي والقياس الفقهي والاستقراء، هو أن الاستقراء والتمثيل يتخلف عنهما القول الآخر والقياس المنطقي لا يتخلف عنه القول الآخر بل هو لازم لصورته، هذا نستفيده من قول المصنف (إن القياس من قضايا صورا ** مستلزما بالذات قولا آخرا) دعك من قوله (بالذات) الآن، (مستلزما) عرفنا من "مستلزم" أن القول الآخر لا ينفك عنه.

قال (قولا آخر) قولا آخر فيه أمران، الأمر الأول تنكير قول أنه قال قولا بالتنكير، وقال آخر أنه وصف القول بأنه آخر، فهذا يفيد أن القول يغاير الأقوال السابقة، هذا القول الآخر الذي نتج عن القياس يغاير الأقوال التي وضعت في القياس، فمعنى قوله (قولا آخر) أي قولا يغاير القضايا السابقة أو الأقوال السابقة بحيث لا يكون واحدا منها، فهم هذا القيد مهم أن تفهمه هكذا، (قولا آخرا) أي قولا مغايرا للأقوال الموضوعة في القياس، للقضايا الموضوعة في القياس، ما معنى الآخَرية؟ أن لا يكون واحدا منها؟ لأنه قد يكون فيها لا محظور في ذلك، لا تتوهم حينئذ أنه ليس آخر، المهم أنه ليس واحدا منها حتى وإن كان فيها؟ نعم، حتى وإن كان فيها كما سيأتي في القياس الاستثنائي.

فحينئذ نقول الأقوال التي تستلزم قولا ليس آخر، ليست بقياس، هي تستلزم، والقول الذي استُلزم قول لازم ولا ينفك عنها ومع ذلك ليس هو قولا آخر، أو هو مع ذلك ليس بقياس، لماذا؟ لأنه ليس قولا آخر، مثلا، أنت إذا قلت كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، هذا قول مؤلف ومركب، إن نظرت إلى قضية أو قول ثالث هو كل إنسان جسم، نرى أن هذا قياس منطقي لأن القول الآخر القول الثالث لزم عن القولين ولا ينفك عنهما، لا يمكن أبدا أن يتحقق كل إنسان حيوان وأن يتحقق كل حيوان جسم وأن يتخلف عنه كل إنسان جسم، لا يمكن هذا، لا يتصور، أن تصدق القضيتان ويكذب القول الثالث القائل كل إنسان جسم، فتبين بذلك لزوم القول الثالث، لكن هل هو آخر؟ نعم هو آخر، لأنه ليس واحدا منهما، القضية الأولى كل إنسان حيوان، والقول الثالث هذا كل إنسان جسم مختلفان من حيث المحمول، القول الثاني كل حيوان جسم والقول الثالث هو كل إنسان جسم، مختلفان من حيث الموضوع، إذن هو قول آخر، هذا يكون قياسا، تحقق التركيب من قضيتين في صورة، تحقق الاستلزام للقول الثالث، تحققت مغايرة القول الثالث لكل من القضيتين.

لكن كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم قضيتان تستلزمان كل واحدة منهما لأنهما قضيتان موضوعتان في تركيب، وكل مركب يستلزم جزأَه، هذا أمر قطعي، هذا الكتاب يستلزم كل ورقة من أوراقه، فكل كل يستلزم جزأه بلا شك، الإنسان يستلزم الحيوان ويستلزم الناطق، لا يمكن أن يتحقق إنسان بغير الحيوان والناطق، فلا نتصور تحقق كل بغير جزئه.

هنا كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، مركب، فهو كل موضوع في صورة، وقد تبين أنه قياس بالنسبة لكل إنسان جسم، لكن بالنسبة لكل قضية من القضيتين، كل قضية جزء من هذا المركب، بالنسبة لكل جزء هل كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم -هذا لقول المركب- يستلزم كل إنسان حيوان؟ نعم، لأن كل إنسان حيوان جزؤه، جزء هذا المركب، والكل يستلزم جزأه، هل كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم يستلزم كل حيوان جسم؟ نعم، لأنه جزؤه، إذن وجدنا هنا أن هذا المركب بالنسبة لكل جزء من أجزائه هو قول مركب واستلزم قولا ثالثا، استلزم كل إنسان حيوان أو استلزم كل حيوان جسم، والقول الثالث ليس آخر، ليس مغايرا للقضيتين الموضوعتين في القياس، بل هو واحد منهما.

فيكون قد أخرج المصنف نحو هذا التركيب، تركيب كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، بالنسبة لكل جزء من أجزائه بقوله آخر، لكنه لا يخرج بل يكون قياسا بالنسبة لقول ثالث هو كل إنسان جسم، فيكون قياسا بالنسبة لهذا القول، هذا نستفيد من قوله (قولا آخر).

أيضا إن كان القول الثالث ليس مغايرا للقضيتين الموضعتين في القياس، كما في قولك هذه نقلة وكل نقلة حركة، النتيجة هذه حركة، فهذه حركة هي هي الصغرى القائلة هذه نقلة لأن النقلة حركة، فإذا قلت هذه نقلة وكل نقلة حركة النتيجة هذه حركة هي هي هذه نقلة، فكان القول الذي استلزمه هذا التركيب -نعم هذه حركة يستلزمه التركيب القائل هذه نقلة وكل نقلة حركة- ولكن هل استلزم قولا مغايرا للأقوال الموضوعة في التركيب؟ لا، بل استلزم أول قول، ولم يستلزم قولا آخر، هذا ليس بقياس عند المناطقة، فتبين بذلك أن قيد آخر يخرج تركيبين، يخرج نحو المركب من قضيتين واستلزم جزأه، استلزم كل قضية منهما، ونحو هذه نقلة إلى آخره.

أيضا هناك قول مركب من قضيتين فأكثر، واستلزم قولا آخرا، قولا ثالثا هو مغاير، مثلا كل إنسان حيوان نفس المثال الذي تكلمنا عليه، كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، لا شك أن القضيتين تستلزمان عكسهما، فكل قضية لها عكس والعكس لازم للقضية لا ينفك عنها، فالقضيتان تستلزمان عكسهما، فكل إنسان حيوان وكل حيوان جسم يستلزم بعض الحيوان إنسان وبعض الجسم حيوان، لا شك في ذلك، والقول الذي استلزمه هذا التركيب آخر، قول مغاير، لأن بعض الحيوان إنسان ليس موجودا في القضيتين، وبعض الجسم حيوان ليس موجودا في القضيتين، فهو قول آخر ومع ذلك هذا ليس بقياس، القول المؤلف من قضيتين واستلزم عكس القضيتين ليس بقياس، فأخرجه المصنف بالتنكير في قوله (قولا) أي القياس مؤلف من قضايا واستلزم قولا واحدا، واستلزام القضيتين لعكسهما استلزام لقولين وليس لقول واحد، استلزام القضيتين لكل واحدة منهما لجزء قضيتين أي لكل واحدة منهما هذا استلزام لقول واحد، لكنه ليس آخر، واستلزام القضيتين لعكسهما هذا استلزام لقول آخر لكنه ليس واحدا فهذا نستفيده من مجموع قوله (قولا آخرا) إن القياس قول مؤلف من قضايا واستلزم قولا آخر قد فهمنا ما في هذه القيود.

لكن المناطقة وجدوا أقوالا توضع في هيئة تركيبية وتستلزم أقوالا أخرى، تستلزم أقوالا مغايرة، تستلزم قولا واحدا وهو مغاير للأقوال التي وضعت في التركيب وليس عندهم بقياس، مثل زيد مساوٍ لعمرو وعمرو مساوٍ لبكر هذا تركيب، ينتج لنا زيد مساو لبكر، ولا شك في ذلك أنه إذا كان زيد مساويا لعمرو في طوله مثلا، أو في وزنه، وعمرو مساو لبكر كذلك فإن زيد يكون مساويا لبكر، هذا مما لا شك فيه، انظر نقول مما لا شك فيه، إذن هناك استلزام لا نشك فيه، إذن هناك استلزام هناك عدم انفكاك للقول الثالث الذي هو زيد مساو لبكر، فزيد مساو لبكر قول ثالث استلزمه التأليف القائل زيد مساو لعمرو وعمرو مساو لبكر، فهنا قول مؤلف من قضيتين واستلزم التأليف هذا قولا ثالثا هو واحد وآخر لأن زيد مساو لبكر ليس موجودا في القضيتين السابقتين، ومع ذلك هذا عند المناطقة ليس بقياس.

لماذا؟ لماذا هو ليس بقياس؟ لأن المناطقة يوجبون في القياس أن يستلزم التأليف فيه بسبب القضيتين فقط، التأليف يكتفي بالقضيتين لا يحتاج لقضية أخرى، ولا لأي أمر آخر، فأي تركيب من قضيتين استلزم واحتجنا في بيان هذا الاستلزام لقضية ثالثة لا يكون عندهم قياس، إذن لا بد في القياس أن تكون القضيتان الموضوعتان في الصورة فقط قد تحقق بهما لزوم القول الثالث، فزيد مساو لعمرو وعمرو مساو لبكر، قضيتان مستلزمتان لا شك فيه، لكنك إذا أردت أن تبين هذا اللزوم، أن تبين هذا الاستلزام للقول الثالث الذي هو زيد مساو لبكر فلا بد من أن تستعين بقضية أخرى هي أن مساوي المساوي لشيء مساو لذلك الشيء، شيئان متساويان وأحدهما ساواه شيء أخر، ساواه شيء ثالث، فالشيء الثالث يساوي الآخر أيضا، لا بد من أن تبين هذه القضية أن تقول مساوي المساوي لشيء مساو لذلك الشيء.

حينئذ نكون قد علمنا استلزام زيد مساو لعمرو وعمرو مساو لبكر لقضية هي زيد مساو لبكر بواسطة قضية ثالثة هي مساوي المساوي لشيء مساو لذلك الشيء، ولولاها لما علمنا استلزام القضيتين، مثلا الإنسان مباين للحجر والحجر مباين للضاحك، وقد علمنا نسبة التباين أنه لا توجد أفراد تشترك بين المفهومين، هنا كذلك، الإنسان مباين للحجر لا فرد من الإنسان يدخل في الحجر ولا فرد من الحجر يدخل في الإنسان، والحجر مباين للضاحك، لا فرد من الضاحك يدخل في الحجر ولا فرد من الحجر يدخل في الضاحك، فالقضيتان صادقتان ولم نجد هذا الاستلزام، لم نجد الاستلزام للقول الثالث، نفس هذا التأليف الإنسان مباين للحجر والحجر مباين للضاحك هو نفس التأليف زيد مساو لعمرو وعمرو مساو لبكر، الاختلاف في أن هذا تساوٍ وهذا تباين فقط، لكن نفس التأليف واحد، ما هو هذا التأليف؟ هذا يحتاج لطول في شرحه بينته في شرح الشيخ الملوي على هذا المتن.

فهذا التأليف لم ينتج في الإنسان مباين للحجر والحجر مباين للضاحك لم ينتج، لأنك لو قلت القول الثالث هو الإنسان مباين للضاحك لكان كذبا فلم ينتج، نحن نتكلم عن إنتاج الصدق وليس أي إنتاج، لماذا؟ لأننا لما نظرنا في هذا التركيب وهو الإنسان مباين للحجر والحجر مباين للضاحك، رأينا أنه يحتاج لقول ثالث، والقول الثالث هو مباين المباين للشيء مباين لذلك الشيء، هذا هو القول الثالث، كما كنا نقول في مساوي المساوي لشيء مساو لذلك الشيء، ومباين المباين لشيء مباين لذلك الشيء كاذبة ليست بصادقة، فإن أحد المتباينين قد يباينه شيء ولا يباينه الآخر، فتكون هذه القضية كاذبة لما كذبت لم ينتج هذا التركيب، كذلك الواحد نصف الاثنين والاثنان نصف الأربعة، هذا لا ينتج ولا يستلزم، لماذا؟ لأن القول الثالث الذي تظن أنه يستلزمه، الواحد نصف الأربعة، هذا كذب، فلم يستلزم قولا صادقا، بسبب أن القول الثالث الذي احتجنا له وهو نصف النصف لشيء نصف لذلك الشيء، هذا كاذب، لأن نصف النصف لشيء ربع لذلك الشيء وليس نصفا، فكان كاذبا.

فتبين بذلك أن هناك أقوال تركب وتدل على قول ثالث بواسطة الاحتياج لقضية أخرى إن صدقت القضية الأخرى صدق الاستلزام، وإن كذبت القضية الأخرى كذب الاستلزام للقول الثالث، هذا عند المناطقة لا يعتبرونه قياسا لأنه يجب عندهم في القياس أن يستلزم القول الثالث لذات القضيتين دون الاحتياج لقضية ثالثة، هذا يسمونه بقياس المساواة، زيد مساو لعمرو وعمرو مساو لبكر إلى آخره يسمونه بقياس المساواة، وكل قياس على هذه الصورة يسمونه بقياس المساواة الواحد نصف الاثنين والاثنان نصف الأربعة يسمونها بقياس المساواة، الإنسان مباين للحجر والحجر مباين للضاحك هذا يسمونه بقياس المساواة وهكذا، وبعضهم يغاير في التسمية، فيسمي الإنسان مباين للحجر والحجر مباين للضاحك يسميه بقياس المبايَن، والواحد نصف الاثنين والاثنان نصف الأربعة يسميه بقياس النصفية، إلى آخر ما هنالك.

المهم أن هذه الصورة في المشهور عند المناطقة تسمى بقياس المساواة، سواء كانت بمادة المساواة أو النصفية أو المباينة أو غير ذلك من المواد الكثيرة، فيتبين من ذلك أن تسميته بالقياس ليس علي الاصطلاح وإنما هو من قبيل الاستعارة لما أنه أشبه القياس الاصطلاحي في الصورة والهيئة، ولكنه لم يتحقق في صورته وهيئته أنه يستلزم لذاته، إنما يستلزم بسبب قول آخر، بسبب قول ثالث.

فقد تبين بذلك أن هذا ليس بقياس عند المنطقيين، فلو اقتصرنا في التعريف على قول المصنف "إن القياس من قضايا صور مستلزما قولا آخر"، لدخل نحو هذا، لأنه قول مؤلف من قضايا ووضع في صورة واستلزم قولا آخر فيكون قياسا، فأخرجه المصنف بقوله (بالذات) أي التأليف من قضيتين فأكثر الذي يكون مستلزما لقول ثالث لكن نحتاج لبيان هذا الاستلزام لقضية ثالثة لا يكون استلزاما بذات القضيتين، وإنما بذات القضيتين مع قضية ثالثة، دخل مع ذات القضيتين قضية أخرى، فذلك لا يكون قياسا، لذلك قال (مستلزما بالذات) الباء للسببية و"أل" هنا عوض عن الضمير، أي بذاته، مستلزما بسبب ذاته، أي ذات القول، لا بسبب الذات مع شيء آخر يزاد على هذه الذات كما في قياس المساواة.

فيتبين من ذلك أن القياس المنطقي هو أن تأتي بقضيتين تؤلفهما تأليفا معينا يدرس في هذا المنطق يتسبب هذا التأليف في أن تستلزم القضيتان قولا ثالثا يكون قولا واحدا ويكون مغايرا لكل واحدة منهما وأن يكون استلزام القضيتين بهما فقط دون احتياج لقضية أخرى، كما في قولك كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فإذا نظرت في هذا التأليف رأيت أن الإنسان يندرج في الحيوان والحيوان يندرج في الجسم فينتج لك هذا القول أن الإنسان مندرج في الجسم، ولم نحتج لقول ثالث، ولم نحتج لقضية أخرى، ولم يتخلف كل إنسان جسم عن صدق القضيتين السابقتين، فتبين بذلك الاستلزام وتبين أنه قول واحد وتبين أنه مغاير للقضيتين، وتبين أن استلزامه بواسطة القضيتين فقط مع الصورة دون الاحتياج لقضية ثالثة، ما تجتمع فيه هذه الأشياء يكون قياسا عند المنطقيين، وما عداه مما فقد شيئا من هذه الأشياء التي ذكرناها لا يكون قياسا منطقيا.

لذلك كان القياس المنطقي مفيدا للقطع بالنتيجة، بخلاف الاستقراء والتمثيل وهو القياس الفقهي، فإن كلا من الاستقراء والقياس الفقهي يمكن أن يفيد قولا ثالثا ولكن لا تكون إفادته قطعية، أما القياس المنطقي فتكون إفادة القول الثالث قطعية، بمعنى أنك إذا ثبت عندك صدق القضيتين وجب أن يثبت صدق الثالثة، ليس بمعنى أن القياس المنطقي مهما وضعت فيه من قضايا فإن القضية الثالثة تصدق، هذا خطأ، لأنه قد قيس بالباطل على الباطل، قيس بالكذب على الكذب، فالقياس المنطقي متى ثبت عندك صدق مقدمتيه ثبت عندك صدق النتيجة، إنما لو لم يثبت صدق النتيجة، صدق المقدمتين، فحينئذ قد تصدق النتيجة وقد لا تصدق، أما الاستقراء والقياس الفقهي فتصدق عندك المقدمات والقضايا التي ركب منها الاستقراء والقياس الفقهي تصدق يقينا ومع ذلك لا تجزم، لا تستطيع أن تجزم بالنتيجة، هذا هو الفرق بين القياس المنطقي والقياس الفقهي والاستقراء، هو أنه في كل تجزم بصدق الأقوال التي ركبت منها القياس الفقهي والقياس المنطقي والاستقراء، تجزم بالأقوال وتتيقنها.

القياس المنطقي ينتج لك قولا تجزم به القياس الفقهي والاستقراء ينتجان لك قولا لا تجزم به، مع الجزم بهما؟ نعم، مع الجزم بهما، لذلك كان القياس المفيد للجزم هو القياس المنطقي، هذا معنى قوله (إن القياس من قضايا صورا ** مستلزما) أي حالة كونه مستلزما، فـ"مستلزما" منصوب على الحالية، حالة كون هذا القياس المصور أو القضايا المصورة مستلزمة بذاتها لقول آخر نحو كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم ينتج كل إنسان جسم، العالم متغير وكل متغير حادث، اندرج العالم في متغير، واندرج متغير في حادث فاندرج عالم في حادث بواسطة اندراجه في متغير، فكان الإنتاج قطعيا وهو العالم حادث وهكذا.

بعد أن بيّن حقيقة القياس شرع في بيان أقسامه، فقال:

74- ثُمَّ القِيَـاسُ عِندَهُـم قِسـمَانِ

 

فَمِـنهُ مَـا يُدعَـى بِالِاقـتِرَانِي

(ثم القياس عندهم) أي عند المنطقيين (قسمان ** فمنه ما يدعى بالاقتراني) ويقابل هذا قوله فيما سيأتي بعد أبيات كثيرة (ومنه ما يدعى بالاستثنائي) فقوله ومنه ما يدعى بالاستثنائي معطوف على قوله (فمنه ما يدعى بالاقتراني) فتبين بذلك أن القياس ينقسم للاقتراني والاستثنائي، لا شك أن كل قياس يجب أن تتضمن قضيتاه نتيجته، يجب هذا لأنه قياس عليها ومنتج لها فكيف يكون مباينا لها ولا يكون متضمنا لها؟ فحينئذ نقول إن تضمن مادة النتيجة فقط -ولا شك أن هذا يكفي في أن يستلزمها- إن تضمن مادة النتيجة فقط فهو القياس الاقتراني، وإن تضمن النتيجة بتمامها بمادتها وصورتها، فهو قياس استثنائي.

مادة القضية هي أجزاؤها، الموضوع والمحمول، وصورتها هي الهيئة التي يتلبس بها الموضوع والمحمول، يتلبس بها الجزئان فيصيران قضية واحدة، يصيران شيئا واحدا، فأنت تقول زيد وتقول قائم، زيد شيء وقائم شيء وليس بينهما اتصال، فنقول زيد هنا وقائم لم يتلبسا بهيئة ولا بصورة، إنما إذا قلت زيدٌ، ورفعت "زيد"، قائمٌ، ورفعت "قائم"، فحينئذ نقول تلبس بهيئة خبرية، تلبس بصورة القضية، فبعد أن كان زيد فقط وقائم فقط صار شيئا واحدا هو زيد قائم، صار قضية واحدة، فقد لحقت زيد وقائم صورة، لم تكن لهما قبل التركيب، هي الصورة التركيبية الخبرية بالحكم بالثاني على الأول.

فمادة زيد قائم، مادة هذه القضية زيد فقط وقائم فقط، وصورة هذه القضية هي الحكم بقائم على زيد، هذه الصورة حصلت لهما بعد أن كان زيد وحده وقائم وحده، لم نحكم بأحدهما على الآخر، القياس إن اشتمل على النتيجة، والنتيجة قضية، إن اشتمل على مادتها، أي على أجزائها، دون أن تحصل لهذه الأجزاء هيئة، فهو قياس اقتراني، تقول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم ينتج لك كل إنسان جسم، قضية لها مادة ولها صورة، مادتها إنسان فقط وجسم فقط، و"كل" سور ليس من المادة، إنما المادة الموضوع والمحمول، فكل إنسان جسم مادتها إنسان وجسم، وصورة هذه القضية هي الحكم بالجسمية على كل أفراد الإنسان.

هنا ننظر في القياس القائل -الذي استلزم هذه القضية- كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، لم نر فيه كل إنسان جسم بالمادة والصورة، لأن هذه الصورة وهي الحكم بالجسم على الإنسان ليست موجودة فيه، فيه الحكم بالحيوان على الإنسان، فيه الحكم بالجسم على الحيوان، إنما الحكم بالجسم على الإنسان ليست موجودة في هذا القياس، لكن فيه مادة هذه القضية فيه الإنسان فقط، كل إنسان حيوان فيها إنسان فقط، وفيه الجسم فقط، كل حيوان جسم فيه الجسم، فوجدت أجزاء كل إنسان جسم مفرقة في القياس، أي لم تلحقها الصورة والهيئة، فوجدت مواد أو مادة كل إنسان جسم، إذا كان القياس بهذه الحالة فهو قياس اقتراني، لأنه اشتمل على مادة النتيجة دون صورتها.

إن اشتمل على مادة النتيجة وعلى صورتها، كالقياس الاستثنائي الذي سيأتي تفصيله، فإنه يكون استثنائيا، كما في قولك مثلا كلما كان إنسانا كان حيوانا، لكنه إنسان فهو حيوان، فالنتيجة هنا "هو حيوان"، كلما كان إنسانا كان حيوانا، هذه القضية الأولى، القضية الثانية لكنه إنسان، النتيجة فهو حيوان، فـ"هو حيوان" أي الإنسان حيوان، "فهو حيوان" موجودة بمادتها -مادتها "هو" الذي هو الإنسان وحيوان- وصورتها الحكم بالحيوان على الإنسان أو على هو، إذا فتشنا في القياس رأيناها هي هي بمادتها وصورتها، أين؟ في قولك كلما كان إنسانا كان (هو) حيوانا، فهو حيوان موجود، دعك من "كان" ودعك من أدوات الاتصال هذه وأدوات على الزمان هذه تلغى تماما عند المناطقة، الألفاظ التي تدل على الأزمنة وغير ذلك عند النحاة تلغى بتمامها عند المناطقة، فتستعمل كأدوات حكم فقط دون الدلالة على زمان ولا اتصال ولا شيء من هذا.

فكلما كان إنسانا كان حيوانا، كان "هو"، فوجد في القياس "هو حيوان" بالمادة والصورة كان حينئذن قياسا استثنائيا، فانقسم القياس لاستثنائي واقتراني بحسب وجود النتيجة بالمادة فقط، أو بالمادة والصورة في القياس كما سيأتي في القياس الاستثناء، قال (ثم القياس عندهم قسمان ** فمنه ما يدعى بالاقتراني) سمي بالاقتراني لاقتران حدوده، حدوده أي أطرافه، الإنسان حد وحيوان حد وجسم حد حدود ثلاثة مقترنة، لم يفصل بينها بـ"لكن" بخلاف القياس الاستثنائي فأنت تقوله كلما كان إنسانا كان حيوانا لكنه... فصلنا بـ"لكن" بين المقدمتين، القياس الاقتراني لا يفصل بـ"لكن" التي هي أداة الاستثناء عند المنطقيين، لما لم يفصل بـ"لكن" سمي بالاقتراني لاقتران حدوده، قال المصنف رحمه الله:

75- وَهـوَ الَّذِي دَلَّ عَلَى النَّـتِيجَةِ

 

بِقُـوَّةٍ وَاخـتَصَّ بِـالحَمـلِيَّـةِ

(وهو) تعريف للاقتراني (الذي دل) أي استلزم أو اشتمل، واستعمال دل بمعنى اشتمل غريب شيئا ما، قال (وهو الذي دل) أي اشتمل (على النتيجة بقوة) الاشتمال على مادة الشيء دون صورته يقال إن الشيء وجد معه بالقوة، فوجود الشيء بالقوة هو أن يوجد بمادته دون صورته، فلما وجدت النتيجة بمادتها دون صورتها في القياس الاقتراني فهو مشتمل عليها بالقوة لا بالفعل، بمعنى أن النتيجة لم تتحقق بالفعل، لكنها مستعدة لأن تتحقق، بأن تتألف القضيتان فقط، أن تتألف فتوجد حينئذن.

كما في الكرسي مثلا، فالفلاسفة يقولون مادة الشيء إذا وجدت دون أن تلحقه أن تتلبس به الصورة فيصتلحون على أنه موجود بالقوة، مع أنه لم يوجد، نعم، لكنه موجود بالقوة، الكرسي هذا موجود بالفعل، لأنه قد وجد خشبه ومسماره وائتلف الجزئان هذا الائتلاف المعين، لحقته هذه الصورة المعينة وتلبس بصورة الكرسي، فإذا نزعنا هذا الخشب وفرّقناه عن المسمار، فتفرقت هذه الصورة، ووجدت هذه اليد وحدها، وهذه الرجل وحدها، وهذا المقعد وحده، وهذا الظهر وحده، فإننا نقول حينئذ، هو ليس بكرسي بالفعل، لا يسمى كرسيا، ولا يطلق عليه كرسي، إنما هو كرسي بالقوة، بمعنى أنه أن هذه الأجزاء تأتلف فيتحقق، فما كان موجودا بالقوة هو ما وجد بمادته كمادة الكرسي الخشب والمسمار موجودة متفرقة، فإذا لحقتها الصورة، صورة الكرسي كان كرسيا بالفعل، كذلك هنا النتيجة موجودة بالقوة، بمادتها في القياس، فهي موجودة بالقوة لأن المادة مفرقة كما إذا فرقنا الخشب والمسمار في حق الكرسي.

لذلك قالوا هو الذي دل أي اشتمل على النتيجة بالقوة لا بالفعل، أما القياس الاستثنائي فسيأتي أنه الذي اشتمل على النتيجة بالفعل، ثم قال (واختص بالحملية) تبع في ذلك الشيخ ابن الحاجب رحمه الله في أن القياس الاقتراني يتألف من القضايا الحملية، ولا يتألف من القضايا الشرطية، فمفاد ذلك أن الأقيسة الاقترانية لا تدخلها القضايا الشرطية المتصلة ولا المنفصلة، بل لا تكون إلا من الحملية، كل إنسان حيوان، كل حيوان جسم، قضية حملية مع قضية حملية، العالم متغير، قضية الحملية، وكل متغير حادث، قضية حملية، فلا يتألف القياس الاقتراني من القضايا الشرطية.

هذا الذي ذهب إليه الشيخ العلامة بن الحاجب رحمه الله، وتبعه في ذلك المصنف هنا، لكن ذلك خلاف التحقيق الذي ذهب اليه الشيخ الرئيس ابن سينا رحمه الله، من أن القياس الاقتراني يتألف من الحمليات والشرطيات المتصلة والمنفصلة، وقد استفاض في تفصيل ذلك، فصله تفصيلا طويلا واستخرج لذلك أقساما كثيرة جدا نافعة استعملت في العلوم، والسبب في اعتناء الشيخ الرئيس ابن سينا رحمه الله بذلك هو أنه الذي استخرج ذلك، فما كان معروف تأليف القياس الاقتراني من الشرطيات قبله، فهو الذي استخرجه، وكان يفتخر بذلك ويتباهى بأنه استخرج الأقيسة الاقترانية المؤلفة من الشرطيات، وبين لها أقساما كثيرة جدا، فكلامه فيها طويل في كتابه الشفاء.

فلما كان الأمر كذلك قالو إن فائدتها قليلة فكأنها كالعدم، فلم يعتبرها الشيخ ابن الحاجب وجماعة، ولكن التحقيق هو ما ذهب إليه الشيخ الرئيس، فإن ما ذكره في تركب الأقيسة الاقترانية من الشرطيات المتصلة والمنفصلة نافع جدا، وإلا لما أطال فيه الشيخ الرئيس ولما استعمله في العلوم الفلسفية، مثلا تقول كلما كان إنسانا كان حيوانا و كلما كان حيوانا كان جسما، ينتج لك شرطية كلما كان إنسان كان جسما، فقد تألف من شرطيتين متصلتين كلما كان إنسانا كان حيوانا وكلما كان حيوانا -الأولى شرطية كلية متصلة- وكلما كان حيوانا كان جسما ينتج، نأتي بمقدم الشرطية الأولى مع تالي الشرطية الثانية ونأتي بشرطية متصلة منهما، فكلما كان إنسان كان جسما فيكون منتجا حينئذن لقضية شرطية.

 وقد يتألف من شرطية مع حملية ومن حملية مع شرطية، من شرطية متصلة مع حملية ومن شرطية منفصلة مع حملية، ومن حملية مع متصلة، ومن حملية مع منفصلة، ومن متصلة مع منفصلة، ومن متصلتين، ومن منفصلتين، فالأقسام تسعة، وتفصيل الحد الوسط الذي تشترك فيه القضيتان طويل جدا بينه وفصله الشيخ الرئيس وشراح كلامه، فتبين بذلك أن القياس الاقتراني يتألف من الشرطيات أيضا، فما ذكره المصنف هنا ليس تابعا فيه لجمهور المنطقيين وإنما هو تابع فيه للشيخ ابن الحاجب رحمه الله، لذلك قال (واختص بالحملية) أي لا يتألف إلا من الحملية وقد عرفنا أن ذلك خلاف التحقيق، ثم قال:

76- فَـإِن تُـرِد تَركِـيبَهُ فَرَكِّبَـا

 

مُقَـدِّمَـاتِـهِ عَـلَى مَـا وَجَبَا

(فإن) الفاء فصيحة، إذا عرفت حقيقة القياس وعرفت أقسامه وعرفت أنه يختص بالحملية فأقول لك في بياني كيفية تركيبه إن ترد أن تركبه، قال (فإن ترد تركيبه فركبا) أي إن ترد تركيب القياس فاجمع، قال (مقدماته على ما وجبا) أي فاجمع المقدمات.

القضية عرفناها فإن كانت جزء قياس تسمى بمقدمة لأنها تتقدم المطلوب، هناك قضيتان هما القياس، وهناك قضية أو قول آخر والذي ينتج عنهما ويلزم، القولان كل واحد منهما يسمى بمقدمة، والثالث يسمى بالمطلوب قبل أن تتألف القضيتان، أسألك أقول لك، هل العالم حادث؟ فحينئذن "العالم حادث" قضية تسمى بالمطلوب، هي قضية وتسمى أيضا بالمطلوب، تسمى بالقضية لأننا قد قبل ذلك أن القضية هي ما احتمل الصدق والكذب، وهذه تحتمل الصدق والكذب، العالم حادث تحتمل الصدق والكذب، وتسمى هنا بالمطلوب لأنها طلبت نسبتها، إذا قلت لك هل العالم حادث؟ فأنا أطلب هنا التصديق بهذه النسبة، فتسمى بالمطلوب.

فأنت تشرع في الاستدال عليها، فتقول لي العالم متغير وكل متغير حادث، بعد ما تقول ذلك يصبح هذا المطلوب نتيجة، بعد ما كان مطلوب التصديق به صار نتيجة مصدَّقا بها، فكان العالم حادث مطلوبا التصديق به، صار السامع بعد سماع هذا القياس صار جازما بها فسميت بنتيجة، فالقضية والمطلوب والنتيجة بمعنى واحد، لكن الاعتبار هو المختلف، إن اعتبرت اشتمالها على الحكم كانت قضية لأن الحكم بمعنى القضاء، إن اعتبرت طلب التصديق بها فهي مطلوب، وإن اعتبرت نتجها عن مقدمتين فهي نتيجة، المقدمة سميت مقدمة لأنها تتقدم المطلوب، تتقدمه ليصير نتيجة فتسمى بمقدمة.

فالمقدمة والقضية والمطلوب والنتيجة بمعنى واحد، الاعتبار فقط هو المختلف، قال فإن ترد تركيبه فاجمع، (فركبا) أي فاجمع (مقدماته) أي اجمعها في الهيئة والصورة التي ذكرتها لك في التعريف، لكنه لم يذكر الصورة بتمامها لم يبين لك الصورة، هو ذكر لك أن هناك صورة، لكن لم يبين لك الصورة سيبينها في قوله (فصل في الأشكال) أي فصل في الصور المختلفة التي تجمع فيها هذه القضايا، قال (فركبا) أي فاجمع مقدماته، قال (على ما وجبا) ما الذي وجب؟ الذي وجب هو أن تأتي في هذا الجمع بحد مشترك بين القضايا، القضايا التي تأتي بها لا بد من حد يجمعها وتشترك فيه، هذا هو الذي وجب عند المناطقة في صحة الجمع.

فأنت إذا قلت كل إنسان حيوان، وكل جسم جوهر، فحينئذ قد جمعت قضيتين على غير ما وجب، ولم تتحقق لك صورة، ولم يتحقق لك قياس، لأنه لا يوجد شرط اجتماع القضايا وحصول الصورة، وهو اشتراكها في جزء، هنا كل إنسان حيوان وكل جسم جوهر، لم تشترك هذه القضية مع الثانية في شيء، فهذا جمع على غير ما وجب، فإذا قلت كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم وكل جسم جوهر، فقد نتج لك كل إنسان جوهر، لأنك قد أتيت بما تشترك فيه الأولى مع الثانية والثانية مع الثالثة فحكم بالحد الأخير على الأول، فصار كل إنسان جوهر، وصح ذلك لأنك قد جمعتها على ما يجب عندهم من وجود حد مشترك.

الحد بمعنى الطرف، حد هذا الجسم هو طرفه، يسمى بالحد أجزاء القضايا أو أجزاء المقدمات التي وضعت في القياس، يسمى بالحد، فأنت تقول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، هنا قضية هي كل إنسان حيوان لها جزآن، الأول هو إنسان، نجعله الحد الأول، والجزء الثاني هو حيوان نجعله الحد الثاني، لأنه طرف هذه القضية، شُبه بالطرف، شُبه الجزء الأول والجزء الثاني بحدَّي الأجسام الحسية، فسمي بالحد، كل حيوان جسم كذلك، حيوان نجعله حدا وجسم نجعله حدا، فكل إنسان حيوان وكل حيوان جسم اشتركتا في حد هو حيوان.

الحد أصغر وأوسط وأكبر، فالقياس يتألف من حدود ثلاثة، هي أربعة في الظاهر لأنه يتألف من قضيتين وكل قضية فيها حدان، ففي الظاهر القياس يتألف من أربعة، لكنك بعد رعاية وجود حد واحد في القضيتين تكون ثلاثة، فهناك حد مشترك موجود في القضيتين فتكون ثلاثة، كل إنسان الحيوان وكل حيوان جسم، الحد الأول إنسان، الحد الثاني حيوان، الحد الثالث جسم، تنظر في النتيجة كل إنسان جسم، تنظر لموضوعها، موضوعها هو الحد الأصغر يسمي هكذا عندهم، محمولها هو الحد الأكبر، هذا اصطلاحهم، فالحد الأصغر هو ما كان موضوعا للنتيجة والحد الأكبر هو ما كان محمولا للنتيجة، تنبه لكل هذه المصطلحات التي يرتب بعضها على بعض لأنك تحتاج لها دفعة واحدة في الكلام على الشكل وتحتاج لها دفعة واحدة في بيان الضروب، فكل هذه الاصطلاحات مفرقة كثيرة، كل مصطلح له تعريف تجتمع كلها دفعة واحدة في الكلام على الأشكال والكلام على الضروب، فتنبه.

فالحد الأصغر هو موضوع النتيجة، الحد الأكبر محمولها، فتنظر في موضوع كل إنسان جسم، هذه نتيجة القياس، تنظر في موضوعها هو انسان، تفتش عليه في القياس، فتراه فيه كل إنسان حيوان، هذا هو الحد الأصغر، تأتي لمحمولها، هو جسم هو الحد الأكبر، تفتش عليه في القياس وهو في كل حيوان جسم، هذا هو الحد والأكبر، ثم ما سوى من الحدين وهو المشترك بين القضيتين هو الحد الأوسط بين الحدين، ثم القضية التي وجد فيها الأصغر تسمى صغرى، والقضية التي وجد فيها الأكبر تسمى كبرى.

قد عرفت الآن معنى المطلوب ومعنى المقدمة ومعنى النتيجة ومعنى الأصغر والأوسط والأكبر ومعنى الصغرى والكبرى، هذه مصطلحات مهمة لفهم ما سيأتي، قال (فإن ترد تركيبه فركبا) أي فاجمع (مقدماته) عرفنا معنى المقدمة، أي اجمع القضايا التي وجدت في القياس (على ما وجبا) أي بأن تشترك في حد بأن تشترك في أمر هو الحد الوسط، لأنه الذي اشتركت فيه القضيتان.

قال (ورتب المقدمات وانظرا ** صحيحها من فاسد مختبرا) يُكمل لك بيان وتفصيل كيفية ما ذكره في التعريف السابق، قال (ورتب بالمقدمات) بين هنا أن المقدمات يجب أن تترتب في هيئة تركيبية، فلو لم ترتب لم يكن قياسا، لأننا قد بينا في تعريف الفكر أول هذا الكتاب أنه ترتيب أمور معلومة للتوصل للأمر المجهول، فالأمور المعلومة هنا في القياس هي القضايا التي تأتي بها وتضعها في هيئة لتتوصل إلى النتيجة، تضعها هكذا بأي ترتيب أو بأي اختيار لك؟ لا، بل تضعها بترتيب معين يذكرونه، بأن تقدم الصغرى -أي التي اشتملت على الأصغر- على الكبرى -أي التي اشتملت على الأكبر- ولا بد من ذلك.

فكل إنسان حيوان وكل حيوان جسم قياس لأنك قد رتبت مقدماته وأتيت بها على الوجه المطلوب الذي وجب وهو اشتراكها في حد، فإذا قلت كل حيوان جسم وكل إنسان حيوان لم يكن قياسا، مع أن مجموع القضيتين يفيدك كل إنسان جسم، نعم، لكنك لم تضع القضيتين في هيئة تركيبية مرتبة، إنما عكست وأتيت بالكبرى قبل الصغري، فإذا رأيت مثل ذلك في كلام الأئمة والعلماء أنهم يأتون بالكبرى ويقدمونها على الصغرى ويأتون بالإنتاج ويعتبرونها قياسا فاعلم أن ذلك على سبيل التسامح وليس على سبيل ما اصطلح عليه أهل الفن.

وكثيرا ما يصنع ذلك الإمام الغزالي رحمه الله بأن يقدم الكبرى على الصغرى، أو أنه لا يرى أن الترتيب في مثل ذلك في التلفظ واجب وإن كان الترتيب حاصلا ذهنا، لأنه يجب أن يتقدم كل إنسان الحيوان على كل حيوان جسم في الذهن، أما في التلفظ فبعضهم ألحقه بما في الذهن وأوجبه أيضا وبعضهم لم يصنع ذلك، والإمام الغزالي رحمه الله في أكثر الأقيسة التي يذكرها يقدم الكبرى، ذلك له سبب وليس يصنع ذلك بغير علة أو بغير وجه، إنما له سبب، فهل نعتبره قياسا بهذا اللفظ أم لا؟ هذا قد ظهر لك، لذلك قال المصنف (ورتب المقدمات) لأنك لو لم ترتبها لم يتحقق تعريف الفكر فلم يكن فكرا وإذا لم يكن فكرا لم يكن قياسا، لأن القياس قسم، هو القسم الثاني للفكر، فإن الفكر قول شرح أو قياس فقط، لذلك قلنا في تعريفه هو ترتيب أمور، قالوا في تعريفه "ترتيب" فاشترطوا الترتيب، قال:

77- وَرَتِّـبِ المقَـدِّمَاتِ وَانـظُرَا

 

صَحِيـحَهَا مِـن فَـاسِدٍ مُختَبِرَا

أي انظر في هذه المقدمات في صدقها وصحتها وعدم صدقها وعدم صحتها، فإن كانت صادقة فلتألف منها القياس، وإن لم تكن فلا يصح تأليف القياس، لماذا؟ قال:

78- فَـإِنَّ لاَزِمَ المقَـدِّمَـــاتِ

 

بِحَسَـبِ المقَـدِّمَـــاتِ آتِ

(فإن لازم) فالفاء بمعنى التعليل كأنه قال "لأن"، لأن (لازم المقدمات ** بحسب المقدمات آت) لماذا أرتب المقدمات؟ ولماذا أنظر في صحيحها وفاسدها؟، وأختبر المقدمتين؟، قال لك لتركبه من القضايا الصادقة لأن لازم القياس الذى تطلبه، وهو القول الثالث يأتي لك بحسب هذه المقدمات، إن ألّفت القياس من صادق فسيخرج لك صادقا، وإن ألفت القياس من غير صادق فإنك لن تعلم صدق القول الثالث، فلذلك يجب أن تختبر صدق وصحة ما يذكر في القياس، لأن الذي تطلبه وهو لازم القياس يأتي بحسبه.

القياس ملزوم والنتيجة لازمة، بمعنى أن القياس إذا وجد وجدت النتيجة، هذا شأن الملزوم إذا وجد وجدت النتيجة، فلذلك كان القياس ملزوما والنتيجة كانت لازمة، لذلك قال فإن لازم المقدمات، ما هو لازم المقدمات؟ هو النتيجة، كأنه قال فإن نتيجة التركيب بحسب التركيب تأتي، قال (فإن لازم المقدمات ** بحسب المقدمات آت) هذا يفهم منه أن المقدمات إذا صدقت صدقت النتيجة وذلك حق، إذا قلت كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، وتبين صدقهما بأن تستدل عليهما، فقوله (انظرا صحيحها من فاسد) بأن تنظر في كل مقدمة وأن تأتي بدليلها، أن تأتي بأقيسة عليها إلى أن تصل إلى الجزم بصدقها، فإن جزمت بصدق القضيتين النتيجة تكون صادقة جزما، هذا نستفيده من قوله (فإن لازم المقدمات ** بحسب المقدمات آت) بنفس الحالة التي كان عليها المقدمة.

نستفيد منه أيضا أنه لو كانت المقدمات كاذبة لخرجت النتيجة كاذبة، لأنه قال النتيجة بحسب المقدمات، إن صادقة فصادق وإن كاذبة فكاذبة، لكن ذلك ليس بصحيح، فإن الملزوم إذا كذب لا يجب أن يكذب اللازم، والقياس ملزوم والنتيجة لازمة، وينطبق عليه هذه القاعدة، فحينئذن يتألف القياس من قضايا كاذبة وتصدق النتيجة كما إذا قلت مثلا كل إنسان حجر، هذه كاذبة، كل إنسان حجر وكل حجر ناطق، كاذبة أيضا، كل إنسان حجر وكل حجر ناطق كاذبة، القضيتان كاذبتان، واشتركتا في حد وسط هو حجر فنحذفه ونحكم بالحد الأكبر على الحد الأصغر، فنقول كل إنسان ناطق، صدقت النتيجة.

فتبين بذلك أن القياس يتألف من قضايا كاذبة وينتج صادقا، لماذا؟ لأنه لن يؤلف القياس من هذه القضايا الكاذبة إلا من كان يعتقد صدقها فتنتج قضية صادقة، قد يتألف من قضايا كاذبة وينتج الكاذب، هذا شأن الملزوم، الملزوم يكذب فيوجد اللازم أو لا يوجد، قد وقد، هذا شأن قاعدة الملزوم واللازم، فتقول كل إنسان حجر كاذبة، وتقول كل حجر جماد، صادقة، فتألف القياس من قضايا صادقة وكاذبة، فالمجموع كاذبة، المجموع ما تألف من صادق وكاذب كاذب، فالنتيجة كل إنسان جماد كاذبة أيضا، ويمكن أن تقول كل إنسان حجر وكل حجر نبات، كاذبة وكاذبة، تألف من كاذبتين، والنتيجة كل إنسان نبات كاذبة أيضا.

فعلى كل، القياس إن تألف من قضايا صادقة صدقت النتيجة ولا ريب في ذلك، وإن تألف من قضايا كاذبة فقد تكذب النتيجة وقد تصدق، فقوله (فإن لازم المقدمات  ** بحسب المقدمات آت) شِق مفهومه صحيح وهو أن الصادق يستلزم صادقا، أو النتيجة تكون صادقة بحسب المقدمات الصادقة، والشق الثاني ليس صحيحا إن قصده المصنف رحم الله، وهو أن النتيجة تكذب إن كذبت المقدمات، ويمكن أن يرتكب التأويل في كلامه بحيث يكون ما يفيد هذا البيت صحيحا، كما صنع الشيخ الملوي فارج إليه إن شئت أن تعلم التأويل الذي ارتكبه، ثم قال:

79- وَمَـا مِنَ المقَدِّمَـاتِ صُغـرَى

 

فَيَجِـبُ اندِرَاجُـهَا فِي الكُبرَى

(وما من المقدمات صغرى) قد بينا الصغرى هي التي تشتمل على الحد الأصغر (فيجب اندراجها في الكبرى) هذا هو الوجه كما ذكر الشيخ العلامة ابن الحاجب رحمه الله، هذا هو الوجه الذي بسببه استنتج المناطقة هذا القياس، فوجه إنتاج القياس هو اندراج الصغرى في الكبرى.

فإننا عندما قلنا كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، ما وجه إنتاج هذا، ما الذي جعل هذا التركيب وهذه الصورة صحيحة منتجة ملزومة لقول آخر؟ هو اندراج الأصغر في الأوسط واندراج الأوسط في الأكبر، دخول الإنسان بجميع أفراده في الحيوان لأن الحيوان أعم من الإنسان، ودخول الحيوان بجميع أفراده في الجسم جعلت الإنسان يدخل في الجسم، فكانت وجه إنتاج القياس المنطقي هو الاندراج، أراد أن يبينه المصنف، فقال (وما من المقدمات صغرى ** فيجب اندراجها في الكبرى).

كلامه يفيد أن الصغرى بتمامها تندرج في الكبرى بتمامها، ذلك ليس بصحيح، لأن القضية لا تندرج في القضية، إنما الذي يندرج هو الحد، وهذا هو الوجه الذي ذكروه للقياس المنطقي، لم يذكروا أن الصغرى تندرج في الكبرى، إلا أن يكون هذا التعبير على سبيل التسامح والتجاوز بأن تعتبر اندراج الأصغر في الأوسط والأوسط في الأكبر اندراجا للصغرى في الكبرى، لكن حقيقة الأمر هو أن الحد الأصغر هو الذي يندرج في الأوسط والأوسط هو الذي يندرج في الأكبر، عبر عنه المصنف باندراج الصغرى في الكبرى، فلا تتوهم أن الصغرى بتمامها تندرج في الكبرى، إذ كل إنسان حيوان بتمامها لا تندرج في كل حيوان جسم، هذه قضية وهذه قضية مختلفة عنها.

فقوله (وما من المقدمات صغرى ** فيجب اندراجها) نرتكب فيه التأويل ليكون على الحقيقة، فتقول (وما من المقدمات صغرى ** فيجب اندراجها) فيجب اندراج "أصغرها"، تقدر بين اندراج وهاء الضمير تقدر أصغر، فيجب اندراج أصغرها، أي أصغر الصغرى في أوسط الكبرى، تقدر بين في والكبرى أوسط، فيصير التركيب هكذا، وما من المقدمات الصغرى فيجب اندراج أصغرها في أوسط الكبرى، فيكون هذا البيت نصا في اندراج الأصغر في الأوسط وبقي اندراج الأوسط في الأكبر ليحكم بالأكبر على الأصغر، هكذا سيأتي ذكره في قوله:

81- وَأَصـغَرٌ فَــذَاكَ ذُو انـدِرَاجِ

 

وَوَسَـطٌ يُلـغَى لَـدَى الإِنتَاجِ

قال (وأصغرٌ) بالتنوين لضرورة الوزن، (وأصغر فذاك) آي فالأصغر ذو أي صاحب اندراج، اندراج في أي؟ هو صرح بأنه اندرج قبل ذلك على التأويل الذي ارتكبناه وأخذناه من الشيخ الملوي رحمه الله في شرحه، على هذا التأويل يكون قد صرح باندراج الأصغر في الأوسط، وهنا يصرح باندراج الأصغر في قوله (وأصغر فذاك ذو اندراج) فقد قال (فذاك ذو اندراج) اندراج في أي شيء؟ ولم يكمل الكلام لم يقل الاندراج في كذا، نقول صرح قبل ذلك على التأويل الذي ارتكبناه باندراج الأصغر في الأوسط فهنا لا بد من أن نقول (فذاك ذو اندراج) في الأكبر، لأنه الباقي، (وأصغر فذاك) أي فالأصغر ذو اندراج في الأكبر، فيكون قد صرح باندراج الأصغر في الأوسط قبل ذلك واندراج الأصغر في الأكبر هنا في هذا الشطر، فنعلم بذلك أن الأوسط اندرج في الأكبر، بين ذلك بقوله (ووسط يلغى لدى الإنتاج) أي اندراج الأصغر في الأكبر بواسطة حذف الوسط بواسطة أن الأوسط يلغى عند الإنتاج.

فتبين بكل ما ذكره الشيخ وهو كلام جيد في بيان هيئة القياس وفي بيان كيفية تركيبه وفي بيان وجه إنتاجه، هو أن القياس يؤلف من حدود ثلاثة، يندرج الأصغر في الأوسط والأوسط في الأكبر بواسطة اندراج الأوسط في الأكبر فيلغى الأوسط فيحصل الإنتاج، هذا كلام بديع من المصنف رحمه الله وإن كان فيه غموض وفيه ارتكاب حذف كثير وفيه عدم ترتيب لكنك فهمته على الوجه الأكمل بعد شرحي له.

هذا معنى قوله وما من المقدمات صغرى فيجب اندراج أصغرها في أوسط الكبرى وأصغر فذاك ذو اندراج في الأكبر بواسطة الأوسط، ثم قال الأوسط يحذف فيحصل الإنتاج، كما في قولك كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم، تحذف حيوان، فيحصل الحكم بالجسم على الإنسان، قال:

80- وَذَاتُ حَـدٍّ أصـغَرٍ صُغـرَاهُمَا

 

وَذَاتُ حَــدٍّ أَكبَرٍ كُبـرَاهُمَا

كان عليه أن يقدم هذا البيت في الحقيقة لأنه بيان لمعنى الصغرى، ما هي الصغرى؟ قال هي ذات الحد الأصغر، وتنبه أنه لم يبين لك الحد الأصغر، ولم يعرفه لك، لكنه شرع في تعريف الصغرى مباشرة، وعرف الصغرى هنا بعد أن ذكرها في البيت السابق، فكان يحتاج البيت السابق لمعرفة الصغرى قبله، فكان عليه أن يذكر هذا البيت قبل قوله (وما من المقدمة صغرى) لنعلم ما هي الصغرى ثم يقول لك وما من المقدمات صغرى فكذا كذا.

قال (وذات حد أصغر) عرفنا الحد الأصغر هو موضوع المطلوب، أو موضوع النتيجة، (وذات حد أصغر صغرىهما) أي الصغرى هي التي يوجد فيها الحد الأصغر (وذات حد أكبر كبرىهما) أي كبرى المقدمتين، هذا أيضا عرفناه.

بعد أن بين لك القياس، وبين لك أقسامه أنه ينقسم إلى اقتراني واستثنائي، وشرع في البيان حقيقة القياس الاقتراني، وبين أنه ما اشتمل على النتيجة بمادتها لا بصورتها والمسمى بالاشتمال بالقوة، بين لك بعد ذلك كيفية تركيب القياس أي الاقتراني، فكل كلامه في الاقتراني، أراد أن يبين لك الصورة، فإنك بعد كل هذا الكلام الذي ذكره تتشوق لمعرفة الصورة ولمعرفة الهيئة، فما الهيئة إذن التي أركّب فيها القياس وأرتب المقدمات فيها التي ذكرها المصنف في قوله (من قضايا صورا)؟. 

فأراد أن يبين لك أقسام وأنواع هذه الصور، فقال:

﴿فصل في الأشكال

Komentar