شرح حاشية أبي النجا على الآجرومية (١) - الشيخ سيدي فوزي كوناتي - خطبة المحشي
بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين, و بعد.
كما أسلفنا مثنى و ثلاث و رباع, بأن دارس شرح الشيخ خالد الأزهري على المقدمة الآجرومية, إن لم يُعَرِّج على حاشية أبي النجا فدراسته له كاللادراسة لأن الشرح يجب أن يتعمق الدارس في فهم معانيه وأن يغوص وراء معاني معانيه و وراء معاني معاني معانيه.
و هذا لا يتم إلا بالوقوف على الحواشي المنسوجة على الشرح, وهذه الحاشية التي هي حاشية أبي النجا هي خلاصة و زبدة و مصاصة الحواشي المنسوجة على شرح الشيخ خالد الأزهري على المقدمة الآجرومية, فقد أخذ أبو النجا حاشيته هذه من حاشية الشيخ المدابغي على شرح الشيخ خالد الأزهري على المقدمة الآجرومية والمذابعي هو شيخ العلامة الصبان و هو أحد المحشين الكبار على شرح الأشموني على الألفية وإذا قال الصبان في حاشيته على الأشموني «قال شيخنا» أي قال هذه اللفظة فإن المقصود به المدابغي.
فالمدابغي علامة له حاشية على شرح الشيخ خالد الأزهري على المقدمة اللآجرمية, و أخذ أبو النجا حاشيته من هذه الحاشية, والمدابغي أخذ حاشيته من حاشية الشيخ الشنواني على شرح الشيخ خالد الأزهري, والشنواني هو شيخ العلامه ياسين العليمي الحمصي وهو تلميذ العبادي شيخ مشايخ عصره الذي كان يجيب عن جميع المشكلات والمعضلات في جميع الفنون.
فنحن بصدد حاشية لها جذورها و أصولها الكبيرة, وأبو النجا لم يقتصر على حاشية المدابغي وإنما مدّ يده إلى حواش أخرى كحاشية عبد المعطي على شرح الشيخ خالد الأزهري ومن كتب أخرى, لكن معظم حاشيته من حاشية المدابغي و المدابغي من الشنواني فنحن الآن أمام مدرسة أزهرية عريقة و قوية.
و هذه الحاشية هي التي بها يَخرج الطالب من عالم المقدمة الآجرومية إلى عالم متن آخر فوق المقدمة الآجوبية فيجب أن يتحلى بالصبر لأن المشكلات والمعضلات التي ستعتري طريقَه لا حصر له و لكن إن صبر على هذه الحاشيه، فإنه سيجد طريق النحو بعد ذلك لاحبا واسعا واضحا لأنه يكون قد تمرس على كيفية معانقة الحواشي, والصفحة من هذه الحاشية تعدل سبعين صفحة من غيرها.
نسأل الله أن يعصمنا من الخطل و زلل وأن يحفظنا من كل سوء، وأن يفتح عليكم ولكم، وبكم فتوح العارفين بجاه الفاتح لما أغلق, صلى الله عليه وسلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى نفعنا بعلومه، و بعلوم مشرايخنا
في الدارين آمين :
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
هذه البسملة هي بسملة المحشي العلامة أبي النجا, وستأتي بسملة أخرى سيتعرض لها المحشي بما يناسب الفن المشروع فيه, تلك البسملة هي بسملة الشارح و قد أحسن المحشي صُنعا في إثبات البسملتين.
لأن بعضهم في مثل هذا يحذفون إحدى البسمبلتين, فيقال بأن البسملة المثبتة هي بسملة المحشي وأنه حذف بسملة الشارح إيماء وإعلاما و إشارة إلى أن الكتابين بمنزلة كتاب واحد.
أو يقال بأن البسملة المثبتة هي بسملة الشارح، وأن المحشي نقلها إلى أول كلامه إشارة إلى أن كتابه كَلٌّ و عَالَة على الشرح.
﴿الحمد لله الذي فتح أبواب فيضه لمن اصطفاه من عباده﴾
قوله (الفيض) في اللغة مصدر للفعل فاض – يفيض, تقول فاض الماء إذا غَزُر و كثر حتى انصبّ على جوانب الوادي.
أخذ أهل العلم كلمة الفيض من هنا إلى معنى آخر و هو إلقاء الله الأسرار والمعارف والعلوم والأنوار في قلب العبد, يقال "هذا من فيض الله" أي هذا مما ألقاه الله في قلبه من الأسرار و من المعارف و من العلوم دون سعي من العبد و دون تكسب من العبد, لم يتلق هذا من شيخه ولم يسع إليه.
الشيخ أبو النجا شبّه الفيض بشيء له أبواب و استعار لفظ ذلك الشيء الذي له أبواب في قلبه للفيض ثم حذف ذلك اللفظ و رمز إليه و أشار إليه بشيء من لوازمه، وروادفه، وتوابعه -كل هذا بمعنى واحد-، وهو الأبواب, وإثبات الأبواب للفيض استعارة تخيلية, و فيه استعارة مكنية و هي اللفظ المستعار في اللفظ المحذوف المرموز إليه بشيء من لوازمه, و إثبات الأبواب الذي هو من لوازم اللفظ المحذوف للفيض الذي هو المشبه استعارة تخيلية.
ولك أن تضرب صفحا عن هذا المسلك وتسلك مسلكا غيره, فتقول شبّه أسباب فيض بالأبواب و أسباب الفيض : التقوى, و الصلاة, و العلم و العمل فهذه هي أسباب الفيض التي تجعل الله يلقي في قلبك الأسرار والمعارف، والعلوم، فشبه أسباب الفيض بالأبواب ثم استعار الأبواب لأسباب الفيض فإذن هنا استعارة تصريحية.
ما الفرق بين المسلكين؟ في المسلك الأول الذي هو على جعله استعارة مكنية, الأبواب مستعملة في معناها الحقيقي كما إذا قلت مخالب المنية نشبت بزيد, فقد شبهت المنية بسبع، ثم استعرت السبع للمنية، ثم حذفت السبع، ثم رمزت إليه بشيء من لوازمه وهو المخالب, و المخالب مستعملة في معناها الحقيقي كذلك إذا قلت بأنه شبه الفيض بشيء له أبواب فالأبواب تكون مستعملة في معناها الحقيقي, و "فتح" يكون ترشيحا. ولكن على المسلك الثاني, الأبواب تكون مستعملة في معناها المجازي و ليس هناك استعارة مكنية, ويكون "فتح" ترشيحا. فلفظ "فتح" ترشيح لمسلكين.
هذا منهج الحواشي, إذا ظهر ما يتعلق بالنحو، تأتي به، و إن ظهر ما يتعلق بالبلاغة تأتي به و إن ظهر ما يتعلق بالمنطق تأتي به، وهكذا, و هذه هي طريقة المفسرين الكبار كالزمخشري ففي قوله تعالى مثلا ﴿إياك نعبد﴾. وظف خمسة من العلوم، تحدث عن "إياك" من جهة النحو فقال إيا هو الضمير, و الكاف هذا ليس ضميرا، وإنما جيء به لبيان الخطاب, ثم من جهة علم القراءات فقال هناك قراءة شاذة وهي "إياك" بتخفيف الياء فليس "إيّاك", و هناك قراءة أخرى "أيّاك"، وهناك قراءة ثالثة "هيّاك" بإبدال الهمزة هاء.
ثم قال الزمخشري العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل فوظف علم متن اللغة, و قال و هي مأخوذة من قولهم ثوب عبدة وهو الثوب الذي في غاية الصفاقة والنسج فوظف علم الاشتقاق, ثم قال تقديم المفعول للاختصاص ثم قال كان ينبغي أن يقال "إياه نعبد" لأنه كان يقال "الحمد لله" و الاسم الظاهر بمنزلتي الغيبة, إذن كان ينبغي أن يقول "إياه نعبد" ولكنه قال "إياك" إذن فيه التفات, فوظف علم البلاعة, كل هذا حول هذه الجملة فقط, و في المكان الآخر يظهر علوما أخرى فهذه طريقة أرباب الحواشي.
قوله (لمن اصطفاه) اللام متعلقة ب"فتح", و "من" اسم موصول, لفظه مفرد مذكر فالضمير الذي يرجع إليه يجوز أن تعيد الضمير إليه بالنظر إلى لفظه و يجوز أن تعيد الضمير إليه بالنظر إلى معناه, فقوله "لمن اصطفاه" كان يجوز أن يقول "لمن إصطفاهم" من عباده, من هؤلاء؟ الأنبياء والمرسلون والصالحون, هؤلاء هم الذين إصطفاهم من عباده.
قوله (الحمد لله الذي) الذي اسم موصول (فتح..) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿و رفع عن أحزاب حضرته عوامل الجزم فذاقوا لذة أُنسِه وداده﴾
(رفع) ضد وضع تقول "وضعه على الأرض و رفعه عند الأرض".
(الأحزاب) جمع حزب, والحزب الجماعة التي على قلب رجل واحد.
(حضرته) الحضرة الحضرة الإلهية. تقول فلان في حضرة الله, معنى ذلك أن قلبه متعلق بالله و يذكر الله, يعني هو في قرب الله.
(عوامل الجزم) العوامل جمع للعامل, والعامل الذي يعمل, العوامل هنا الأسباب والمؤثرات والفواعل, و الجزم القطع يقال جزمه أي قطعه, قوله "و رفع" معطوف على "فتح", و فتح صلة الموصول، والمعطوف على الصلة صلة -في المعنى لا الإعراب- فكأنه قال والحمد لله الذي رفع عن أحزاب حضرته عوامل الجزم فذاقوا لذة أنسه ووداده.
(أنسه) الأنس بالله هو أن تستلذ الروح بالقرب من الله، يقال أَنِس بالله أي وجد لذة في القرب من الله، و في الذكر، و في الحضور مع الله, أي وجدت روحه لذة في القرب من الله, و ضد الأنس الوحشة.
(و وداده) و الوداد المحبة, يقول بأنه يحمدالله الذي رفع و أزال عوامل الجزم أي أسباب وفواعل ومؤثرات القطع عن الله عن أحزاب حضرته أي عن الجماعات التي في حضرة الله, عن الجماعات التي قلوبها متعلقة بالله بالذكر واستحضار عظمة الله واستشعار ربوبيته. يقول عندما رفع عنهم ذلك ذاقوا لذة أنسه يعني طعموا و وجدوا متعة القرب من الله ومتعة محبته.
قوله (فذاقوا) الفاء للعطف, و ذاقوا معطوف على رفع. أي رفع فذاقوا. رفع عنهم هذه الأسباب, فهم في اتصال مع الله, فلا جرم أن ذاقوا وطعموا، ووجدوا لذة القرب من الله والأنس به والمحبة له.
﴿و جمع لهم مفردات الفضائل جمعه السالم﴾
(و جمع) جمع هذا معطوف على رفع, أي ورفع عن أحزاب حضرته عوامل الجزم وجمع (لهم) -الضمير يرجع إلى أحزاب حضرته- وجمع لهم مفردات الفضائل جمعه السالم.
(مفردات الفضائل) هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف. والتقدير "وجمع لهم الفضائل المفردة", فإن قلت : كيف نقول إضافة الصفة إلى الموصوف و الصفة لا تتقدم على الموصوف، وإذا قلنا إضافة الصفة إلى الموصوف يلزم منه تقدم الصفة على الموصوف, يجاب بأن قولنا إضافة الصفة إلى الموصوف تسميتنا له بصفة و بالموصوف هذا باعتبار ما كان فهي مجاز مرسل علاقته باعتبار ما كان فقولنا إضافة الصفة إلى الموصوف بمعنى إضافة ما كانت صفة إلى ما كان موصوفا.
مفردات الفصائل هي التي أُفرِدت عن غيرها من الفضائل لتميزها عنها ولكونها أعلى منها فكأنها أفردت عن غيرها من الفضائل. فالفضائل هذه كثيرة. ولكن هناك فضائل تفوق غيرها من الفضائل، فهذه الفضائل التي تفوق غيرها هي مفردات الفضائل كأصول الفضائل.
والفضائل جمع للفضيلة, والفضيلة هي المزية أو الخصلة، أو الصفة القاصرة معنى القاصرة أنها تتحقق أو تعقل ولو لم تتعدى أو التي ليست النسبة إلى الغير مأخوذة في مفهومها, مثل العلم. ففي مفهوم العلم لم تدخل فيه نسبة العلم إلى الغير فقد يوجد العلم دون أن يوجد التعليم, و لا يقال إذا وجد العلم لا بد من وجود التعليم.
بخلاف الفاضلة. الفضيلة جمعها الفضائل والفاضلة جمعها الفواضل, و الفاضلة هي المزية أو الخصلة المتعدية، ومعنى المتعدية أنها لا تعقل ولا تتحقق إلا بالنسبة إلى الغير، فالنسبة إلى الغير مأخوذة في مفهومها, مثل الإنعام.
فالإنعام معناه إعطاء النعمة إلى الغير، و لا يمكن أن أفهم معنى الإنعام إلا متعدية إلى الغير أما العلم فلا يقال بأنه لا يمكن أن تفهم معنى العلم إلا متعديا إلى الغير. فالعلم فضيلة و التعليم الذي هو أثر العلم فاضلة. لأن التعليم مأخوذ في مفهومه النسبة إلى لغير, و الجود لك أن تجعلها فضيلة، ولك أن تجعلها فاضلة, باعتبارين إن قلت الجود الملكة التي هي منشأ الإعطاء إلى الغير فهو فضيلة، ولكن لو فسرت الجود بإعطاء الخير إلى الغير فهو فاضلة, ولذلك تجد بعضهم يمثلوا في الفضائل بالجود وتجد غيره يمثل بالجود في الفواضل, فتقع في حيص بيص, والحقيقة لا يوجد خلط.
يقول(و جمع لهم) الضمير يرجع إلى أحزاب حضرته.(جمعه) جمع هذا مفعول مطلق. والضمير يرجع إلى لفظ الجلالة, و (السالم) هذا نعت للجمع، يعني الله جمع لهم مفردات الفضائل، جمعه يعني جمع الله السالم، يعني جمع الله الذي هو سالم من السلبة. لأن الكريم إذا وهب ما سلب.
﴿ونصب لهم علامات الفواضل بنيل المراحم و المكارم﴾
أي أقام لهم علامات الفواضل، وقد فسرنا الفواضل فيما سبق, فالفواضل هذه لها علامات يستدل بها على وجودها في أصحابها يقول ونصب لهم أي وأقام الله لأحزاب حضرته علامات الفواضل التي يستدل بها على وجود فواضلهم.
نصب بنيل المراحم و المكارم, المراحم جمع للمرحمة و هي الرحمة, والمكارم جمع للمكرُمة، والمكرمة فعل الخير أو فعل الكرم، يقول بأن الله أقام علامات أي الدلائل على فواضل أحزاب حضرته, كيف ذلك؟ بنيل الناس المراحم والمكارم منهم, و إذا ذهبت إليهم وجدت الرحمة و المكرمة فكان هذا سببا في أن الناس يحزمون حقائبهم إليهم, تجدوا الناس يأتون من كل فج عميق وكل يرجع مجرى الحقائق قد وجد ما يريد.
﴿و أشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الذي أعرب عن مستتر الأحوال بظاهر المقال﴾
(وأشهد أن لا إله إلا اللهُ) الواو واو عطف, قوله "أشهد" لك أن تجعلها معطوفة على متعلق البسملة كأنه قال بسم الله الرحمن الرحيم أحَشِّي ثم قال وأشهد, فيكون من عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية لأن جملة البسملة تكون الآن فعلية، ولك أن تجعلها معطوفة على الحمد على مذهب من يجيز عطف الجملة الفعلية على الجملة الاسمية. ولك أن تجعلها معطوفة على الحمد على مذهب من لا يجيز عطف الجملة الفعلية على الجملة الاسمية، فتقول بأن الحمد أصله أحمد حمدا لله فكلمة الحمد لله أصلها جملة فعلية يعني بمعناها في المعنى جملة فعلية، فعطفت هذه الجملة عليها بالنظر إلى المعنى.
ثم الشهادة الإقرار باللسان والإذعان بالجَنان يعني قوله وأشهد معناه أقر بلساني وأذعن بجناني أي بقلبي.
(أن) هذه هي المخففة من الثقيلة أصلها أنّ, فحذفت النون الثانية ليست النون الأولى لأن الأولى ساكنة والثانية متحركة, فتصير الكلمة أنْ لكن لو كنا نحذف الأولى تصير كلمة أنَ ثم نسكن النون, لذا نحذف النون الثانية لأنه على حذفها نكون قد ارتكبنا عملا واحدا وهو الحذف, ولكن إذا قلنا بأن المحذوف هو النون الأولى نكون قد ارتكبنا عملين على العمل الأول الحذف، والعمل الثاني إسكان المتحرك, و إرتكاب عمل أسهل من ارتكاب عملين.
أصله أنّ الحديث أو أنّ الشأن, ما هذا الحديث؟ لا إله إلا الله, فحذف كلمة الشأن و جاءوا بضميرها فقالوا "أنّه" يرجع الضمير إلى الشأن ولذلك الضمير هذا يسمى ضمير الشأن يعني يرجع إلى الشأن, ثم المقصود بالشأن هو ما يأتي بعده أي "لا إله إلا الله", ثم خففوا "أنّ" فقالوا "أنْهُ" ثم حذفوا ضمير الشأن فقالوا "أن".
فأن أصله أنّ، وأنّ يرفع الاسم وينصب الخبر, و اسم أن ضمير شأن محذوف و ضمير الشأن هذا يرجع إلى ما بعده أي لا إله إلا الله, والعرب تأتي بضمير الشأن في مقام التعظيم والتهويل.
لأن الأمر الذي سيأتي الآن "لا إله إلا الله" و هذا شيء عظيم, الأنبياء والرسل أرسلوا لبيان معنى هذه الكلمة, "أشهد" فعل مضارع و "أن" مخففة من الثقيلة, اسمها ضمير الشأن المحذوف و خبروها الجملة التي بعدها أي "لا إله إلا الله" فهذه الجملة في محل رفع خبر أن المخففة من الثقيلة.
(لا إله) لا النافية للجنس, و "إله" اسم لا النافية للجنس مبني على الفتح. في محل نصب أو منصوب بلا النافية للجنس وحذف تنوينه تخفيفا, لأن اسم لا إذا كان مفردا يبني على ما ينصب به، ويكون في محل النصب عند بعض النحاء وعند بعضهم أنه يكون منصوبا بلا تنوين تخفيفا.
القول الأول مذهب بعض البصريين والقول الثاني مذهب الكوفيين وبعض البصريين، فهناك خلاف بين البصريين ولكن هذا الخلاف عند البصريين يرجع إلى سيبويه عندما عبّر ذلك في الكتاب قال "لا" تنصب النكرات، فأتى بكلمة تنصب, فالذين حملوا "تنصب" على المعنى الظاهر و هو الإعراب قالوا بأنه معرب منصوب، إلا أن تنوينه محذوف تخفيفا، و منهم من أوّل فقال بأنه عبر بتنصب وقصد "تفتح"، وأنه قد يعبر بنصب عن الفتح, وفي الآجرومية عبر الشيخ "تنصب" فهذه العبارة أصلها من كتاب سيبويه.
من هنا ذهب البصريون فرقتين فرقة حملت كلمة النصب على المعنى الظاهر وفرقة أولت معنى كلمة النصب ففسروها بالفتح, ولكن اسم لا النافية للجنس إن كان مضافا، أو شبيها بالمضاف، فإنه يكون منصوبا قولا واحدا، ولكن إذا كان مفردا ففيه خلاف.
و المشهور أنه عند سيبويه مبني على الفتح في محله نصب، لماذا بني؟ لأنه ركب مع لا تركيب خمسة عشر، خمسة معرب، و عشر معرب، عندما ركبنا الكلمتين بنيناهما فكذلك لا و اسمها المفرد.
و الخبر محذوف تقديره موجود أو حق أو لنا يعني لا إله لنا أي كائن لنا أو لا إله حق أو إله موجود.
ثم لا النافية للجنس إذا كان إسمها مفردا عند سيبويه أن "لا" لا تعمل في الخبر, فالخبر هذا يكون مرفوعا، ولكن لا يكون مرفوعا بلا. و "لا" تعمل في الاسم فقط, والخبر هذا ليس خبر "لا" و إنما هو خبر للا مع إسمها, لأن لا ما اسمها في موضع رفع المبتدأ ذلك المبتدأ خبره هو حق أو لنا أو موجود, و ذلك الخبر مرفوع بذلك المبتدأ و ليس مرفوعا بلا.
وقال بعضهم الخبر هذا ليس مرفوعا بلا مع اسمها، وإنما مرفوع باسم لا قبل دخول لا عليه، يعني قبل دخول لا عليه كان مرفوعا على أنه مبتدأ, فهو مرفوع باسم لا قبل دخول لا عليه, القول الأول نسب إلى سيبويه و القول الثاني أيضا نُسب إلى سيبويه.
على أي حال أن "لا" إذا كان اسمها مفردا لا تعمل "لا" في الخبر، والخبر لا يكون للا، وإنما يكون للا مع اسمها لأنهما في موضع رفع المبتدأ، أو لاسم لا قبل دخول لا عليه لأنه كان مبتدأً, فذلك المبتدأ هو الذي رفع الخبر, و إذا قيل بأن هذا لم يعد مبتدأً, نقول "لا" هذه ضعيفة في العمل، لأنها عملت بالحمل على إنّ, فلم تعمل بالأصالة وإنما عملت بالفرعية فكأنها عملت في اللفظ ولم تعمل في موضعها, فموضع اسم لا الابتداء.
ولكن عند الأخفش، أن "لا" تعمل في اسمها وكذلك في خبرها, فالخبر مرفوع بلا والاسم أيضا منصوب بلا ولكنه ضعيف, و الأقوى هو مذهب سيبويه.
و محل النزاع إذا كان اسم لا مفردا، ولكن إذا كان مضافا أو شبيها بالمضاف "لا" تعمل في اسمها و في خبرها عند الجميع, و لذلك الإعراب الشائع على ألسنتنا ليس على مذهب سيبويه, عندما نقول "لا رجل في البيت" نقول لا النافية للجنس, ورجل اسم لا النافية للجنس و في البيت متعلق بخبر لا النافية للجنس و هذا على مذهب الأخفش و ليس على مذهب الإمام, فعليك بمذهب الإمام.
(إلا الله) إلا أداة استثناء, و لفظ الجلالة بدل من الضمير المستكن المستتر في الخبر, و المقصود بالخبر هنا خبر المبتدأ الذي هو هو إسم لا قبل دخول لا عليه أو المكون من لا و اسمها, لأنك إذا قدّرت موجود : موجود هو, و إذا قدرت حق ففيه ضمير مستتر تقديره هو, و لفظ الجلالة هذا بدل من هذا الضمير.
هناك كتاب يسمى "معنى لا إله إلا الله" للعلامة الزركشي. هو أصولي كبير ونحوي أيضا و هو إمام في الأصول.
(الواحد الأحد) الواحد نعت للفظ الجلالة, الواحد في ذاته والواحد في صفاته والواحد في أفعال، ولذلك يقال لك التوحيد إفراد الله ذاتا وصفات وأفعالا, الأحد صفته ثانيه أي نعت ثاني للفظ الجلالة, والأحد أصله الوَحد, أبدلت الواو همزة ولكن هذا ليس قياسيا كما درسنا فيه في الملوكي.
الواو، إذا كان في أول الكلمة وكانت مكسورة أو كانت مضمومة تبدل همزة, كوجوه يجوز أن تقوله أجوه, و وشاح يجوز أن تقول إشاح, ولكن الواو هنا مفتوحة, فإبدالها همزة شاذ, يحفظ ولا يقاس عليه.
والوحد هذا الذي صار أحد هو صفة مشبهة باسم الفاعل على وزن حَسَن, ولذلك هو أقوى في المعنى من الواحد, فكل أحد واحد و ليس كل واحد أحد. ولك أن تقول الأحد هذا توكيد للواحد، وأنهما بمعنى واحد. ولكنه قول ضعيف.
﴿الذي أعرض عن مستتر الأحوال بظاهر المقال﴾
(الذي) نعت ثالث للفظ الجلالة (أعرب عن مستتر الأحوال) والأحوال جمع للحال، والحال ما عليه الشيء من خير أو شر, مستتر الأحوال من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأحوال المستترة. ما هي الأحوال المستترة؟ الغيبيات أي ما يكون غيبا.
(بظاهر المقال) المقال أصله مقْوَل و هو مصدر ميمي بمعنى القول, والمقصود به المقول, بظاهر المقال من إضافة الصفة إلى الموصوف أيضا أصله بالمقال الظاهر. أي الذي أعرب أي أبان و أظهر عن الغيبيات بالقول الظاهر، لأن القرآن أبان وأعرب عن كثير من الغيبيات. وهذا من أسرار إعجاز القرآن الكريم.
﴿و بنى على ضم الشريعة العربية في موضع الإعزاز والإجلال﴾
(و بنى) أي و أقام موضع الإعزاز و الإجلال, يعني إذا أردت أن تكون عزيزا جليلا تأتي بهاتين صفتين من ضم الشريعة العربية أي من كونك عالما بالشريعة العربية, يقول بأن الإجلال والإعزاز سببه هو ضم الشريعة العربية، يعني العلم بالشريعة العربية, أن تضم الشريعة العربية إلى قلبك فالعلم هذا هو سبب الإجلال الإعزاز.
لماذا قال الشريعة العربية؟ لأن القرآن عربي والسنة عربية والصحابة الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة عرب. هذا معنى قوله الشريعة عربية ليس أن الشريعة للعرب بل للخلق أجمعين, فيجوز من هذه الجهة أن نقول الشريعة العربية, وبنى هذا معطوف على أعرب، أي الذي أعرب والذي بنى.
﴿وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله﴾
(سيدنا محمدا) اسم أن و محمدا بدل أو عطف بيان, يجوز لك فيه الوجهان لأن نعت المعرفة إذا تقدم عليها أعرب بحسب العوامل، وأعربت بدلا أو عطف بيان, فإذا قلت جاء زيد الصالح. فالصالح نعت لزيد وزيد معرفة بالعلمية، إذا قدمت نعت المعرفة على المعرفة، تقول جاء الصالح زيد, فستعرب ما كان نعتا بحسب العوامل، ، و هو فاعل, أما المعرفة هذه فإنها تعرب بدلا أو عطف بيان.
(عبده) عبده هذا خبر لأنّ وإضافة العبد للتشريف لأن المضاف ينال الشرف بإضافته إلى المضاف إليه.
(ورسوله) معطوف على العبد، والمعطوف على الخبر خبر -في المعنى لا الإعراب-.
﴿سيد من خفض جناحه بباب الإفادة﴾
(سيد) خبر لمبتدأ مجذوف تقديره "هو سيد" (من خفض جناحه بباب الإفادة) لك أن تجري الاستعارة في الخفض فتكون استعارة تصريحية تبيعية، أي شبه التواضع بالخفض أي بخفض الطائر جناحه ثم استعار الخفض لتواضع ثم اشتق من الخفض بمعنى التواضع خفض بمعنى تواضع, فقوله جناحه ترشيح.
ولك أن تجري الاستعارة في جناحه، أي شبهه بطائر ثم استعار لفظ الطائر في نفسه ثم حذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الجناح، وإثبات الجناح له استعارة تخيلية، وقوله خفض ترشيح.
الطائر عندما يريد أن ينحط يخفض جناحيه و عندما يريد أن يرتفع يبسط جناحيه، أو ننظر إلى معنى أن الطائر يضم جناحيه على فراخه وهذا أنسب بمعنى التربية.
كل من انتصب للإفادة وتواضع لمن حوله, هؤلاء جميعا سيدهم هو النبي صلى الله عليه وسلم ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ كل عالم متصدر يقتضي بالنبي في هذا, صلى الله عليه وسلم.
(بباب الإفادة) شبه الإفادة بشيء له باب ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه و هو الباب، وإثبات الباب للإفادة استعارة.
﴿و أفضل من ميز منصوب أعلام السعادة والسيادة﴾
السعادة ضد الشقاوة والسيادة ضد عن العبودية, الأعلام العلامات التي يبتدى بها, يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من ميز الأعلام المنصوبة التي يُهتدى بها إلى السعادة في الدنيا وفي الآخرة، وإلى السيادة في الدنيا أي إذا أردت أن تكون سعيدا في الدنيا و الآخرة، وأن تكون سيدا في الدنيا، هناك علامات يهتدى بها للوصول إلى السعادة، وإلى السيادة, و هذه العلامات تتشابه بالعلامات التي تفضي إلى الشقاوة والعبودية, و النبي مصطفى صلى الله عليه وسلم أفضل من ميز أعلام السعادة و السيادة من غيرها, صلى الله عليه وسلم.
قوله (منصوب أعلام) من إضافة الصفة إلى الموصوف أيضا.
﴿صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه الذين أخلصوا في أفعالهم الماضية على السنة، والكتاب﴾
أي أسأل الله وأطلب منه أن يصلي ويسلم عليه وعلى آله، وعلى أصحابه الذين أخلصوا لله في أفعالهم و في أعمالهم التي مضت موافقة للكتاب و للسنة و قدم السنة على الكتاب لسجع لأنه سيقول بعد ذلك.
﴿فلم يضارَعوا في حالهم المستقيم يوم العرض والحساب﴾
الأشجاع في النثر كالقوافي في الشعر, هذا كلام السكاكي.
(فلم يضارعوا) لم يشابهوا, المضارعة المشابهة، يعني لم يشبههم أحد, ولكن هنا أوقع ما يدل على الماضي موقع ما يدل على المستقبل. فلم يضارعوا، لم إذا دخل على مضارع يجعله ماضي المعنى وهو يقصد هنا معنى الاستقبال لأنه يقول يوم العرض والحساب, و هذا في المستقبل.
فكان ينبغي أن يقول، فلن يضارعوا، ولكنه عبر أوقع ما يدل على الماضي، موقع ما يدل على المستقبل، لتحقق الوقوع، يقول لك بأن هذا واقع لا محالة، كقوله تعالى ﴿أتى أمر الله﴾ أصله يأتي أمر الله.
(في حالهم المستقيم) في حالهم الذي كانوا عليه. يوم العرض على الله والحساب ويوم تحاسب كل نفس على ما عملت.
﴿وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين, آمين ﴾
كثيرا نعت أول لتسليما، ودائما نعت ثان لتسليما إلى يوم الدين, و إلى متعلق بدائما أي دائما إلى يوم الحساب.
Komentar
Posting Komentar