شرح متن السلم المنورق (١٤) - الشيخ حسام رمضان - أقسام الحجة

﴿أقسام الحجة﴾

الحجة بمعنى الدليل وما يحتج به، وما يحتج به هو الدليل، وهو أعم من القياس والاستقراء والتمثيل وغير ذلك من الأدلة، لكنه قصد بها هنا -بالحجة- القياس، فإن القياس ليس هو الحجة، إنما هو بعض الحجة، قسم من الحجة، فقوله أقسام الحجة، أي أقسام القياس من الحجة و"من" تبعيضية، ثم قال:

115- وَحُجَّـةٌ نَقلِـيَّةٌ عَقلِــيَّه


أَقسَـامُ هذِيْ خَمـسَةٌ جَلِـيَّه

(وحجة نقلية عقليه) أي وقياس نقلي وعقلي، فبين انقسام الحجة والقياس لقسمين لنقلي وعقلي، قال (أقسام هذي خمسة جليه) هذي اسم الإشارة للقريب، فنعلم أنه يقسم العقلية وسكت عن النقلية، لما أن الكلام على الأدلة النقلية محله أصول الفقه فهو العلم الذي يتكلم عن الأدلة النقلية وتفصيلها، فاقتصر المصنف هنا عن الكلام على الدليل العقلي.

الفرق بين الدليل النقلي والعقلي أن الدليل إذا كانت مقدماته كلها من جهة العقل، أي الحكم فيها ناشئ من العقل فإن الدليل عقلي، وإن كانت مقدماته من جهة النقل أو بعضها فالدليل نقلي، فلو كانت المقدمتان من الكتاب أو من السنة أو من الإجماع أو من القياس على ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع أو من غير ذلك من الأدلة التي وقع فيها الخلاف وتذكر في أصول الفقه كالاستحسان والاستصحاب وقول الصحابي وعمل أهل المدينة وغير ذلك من الأدلة المختلفة فيها فإن الدليل إذا كانت مقدمتان من هذه الأمور من الكتاب أو من السنة أو من الإجماع أو القياس عليها فإنه يكون نقليا.

إذا كان جميع مقدماته كذلك أو كانت بعض مقدمات ولو مقدمة واحدة، لو كان الدليل من عشرين مقدمة كأن يكون دليلا مركبا، كأن يكون قياسا مركبا، كما بينا في لواحق القياس، وكان جميع مقدماته عقلية من جهة العقل وكانت مقدمة واحدة نقلية كان مجموع الدليل نقليا، لأن النتيجة كما ذكرنا في دروس سابقة تتبع أضعف الصفات في القياس، وكون المقدمة نقلية يجعلها أضعف من المقدمة العقلية، فإن دليل العقل أقوى من دليل النقل.

لأن النقل يتوقف على العقل ولا شك في ذلك، فإن النقل يكون هو الكتاب أو السنة أو الإجماع والإجماع يكون مستنده نقل فيرجع للكتاب والسنة، أو قياس والقياس يكون بإلحاق فرع على أصل والأصل هو كتاب أو سنة أو إجماع والإجماع راجع للكتاب والسنة، فرجع القياس من حيث الأصل المقيس عليه للكتاب والسنة، فالنقل هو الكتاب والسنة حينئذ وما تفرع عنهما، والكتاب والسنة إنما عُلم صدقهما من النبي عليه الصلاة والسلام بسبب المعجزة، فلولا تأييده بالمعجزة لما علم صدق الكتاب ولا السنة، لأن سبيل التصديق بكلام الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام هو المعجزة، وإلا لكان كلامه ككلام غيره من الناس.

فحينئذ يتوقف التصديق بالكتاب والسنة وأنه لا خطأ فيهما ولا كذب على تأييد قائلهما بالمعجزة، والمعجزة أمر خارق للعادة، فعل خارق للعادة، فتتوقف حينئذ على فاعل يملك القدرة في أن يفعل بل وأن يخرق العادة، فلا يمكن أن يؤيد نبي ولا رسول بمعجزة ممن لا يفعل أصلا، أو ممن يفعل ولا يملك أن يخرق العادة، فلا بد حينئذن من أن يكون هناك فاعل مختار يملك أن يفعل وأن يخرق العادة، ولا يمكن أن يفعل ولا أن يخرق العادة إلا بأن يكون قادرا، ولا يكون قادرا إلا بأن يكون مريدا، ولا يكون مريدا إلا بأن يكون عالما، ولا يكون عالما مريدا قديرا إلا بأن يكون حيا، فحينئذن لا بد من معرفة أو التصديق بذات تتصف بحياة وعلم وإرادة وقدرة.

ولا سبيل إلى التصديق بذات اتصفت بهذه الصفات إلا بالعقل، فإن الدليل على وجود الباري وعلى حياته وعلى علمه وعلى إرادته وعلى قدرته وعلى أنه يفعل ما شاء وعلى أنه يخرق العادة لا دليل عليها إلا من العقل، فتوقف كل دليل نقلي على العقل، فكان العقل أقوى لأنه يستقل ولا يحتاج للنقل في شيء، بل لو توقف العقل على النقل للزم الدور حينئذن، لذلك كان العقل أقوى من النقل لرجوع كل نقل للعقل في النهاية.

فإذا قلت مثلا: هذه صلوة الظهر وصلاة الظهر واجبة، فهذه واجبة مثلا، فأنا قلت لك صلوة الظهر واجبة، هذه المقدمة ما دليلها؟ فستأتي بدليلها من السنة ستأتي بدليل وجوب الصلوة من الكتاب، وبدليل وجوب الظهر خاصة -لأنه لم يذكر في الكتاب- من السنة، فأنا أقول لك بعد ذلك ولماذا كانت السنة دليلا؟ تقول لأنها صدرت من رسول عليه الصلاة والسلام، أقول لك ولماذا كان رسولا؟ تنبه للقياس المركب الذي كنا نذكره، قلنا لا بد من أن ترجع في النهاية إلى الضروريات ليثبت دليلك، إنما أنت تقول صلوة الظهر واجبة ثم تستدل بحديث خلاص فنكتفي هذا يكتفي به المسلم، هذا يكتفي به من صارت المقدمات التي سنذكرها الآن معلومة عنده أنه آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام وعلم صدقه.

لكن لو جاءك أحد لا يعلم شيئا عن هذه، قال صلوة الظهر واجبة، من أين أتيت بهذا؟ قلت له لأنها وردت في السنة في قول النبي عليه الصلاة والسلام كذا كذا، يقول لك وهذا القول ما الذي دلنا على أنه صدق؟ تقول له أنه صدر من المعصوم، أنه صدر من النبي عليه الصلاة والسلام، فهو صدق، إذا صدر من النبي فهو صدق، يقول لك ولماذا كان كل ما يصدر عنه صدقا؟ من أين أعلم هذا؟ تقول له تعلم ذلك أن المعجزة جاءت وأيدته بصدق ما يقول، يقول لك ما هي هذه المعجزات؟ تقول له كذا وكذا وكذا، فلو كان هذا الشخص يؤمن بذات يمكن أن تفعل هذه المعجزة ليتوقف الأمر عند ذلك ولأذعن وأيقن بذلك، وذلك يتوقف على أن يعلم ذاتا حية وعالمة ومريدة وقادرة.

هب أنه من الملحدين ممن لا يعترف بذلك فأنت مهما قلت مهما قلت له إنها معجزة جاء التأييد بها من رب العالمين هو لا يؤمن بذلك، لا يؤمن بوجود ذات حية عالمة مريدة قادرة تملك أن تفعل ما تشاء وهي التي خلقت العالم هو لا يؤمن بذلك، لا يؤمن فكيف يؤمن بالنبي، كيف يؤمن بالمعجزة التي أيد بها؟ كيف يؤمن بصدق كلامه؟ كيف يؤمن حينئذ بأن الصلوة واجبة؟ فليؤمن وليصدق بأن الصلوة واجبة فلا بد أن يؤمن بأن النبي صلى الله عليه وسلم يصدق في تبليغ الأحكام ولا يدخل في ذلك كذب، ولا يؤمن بذلك إلا إذا آمن بالمعجزة ولا يؤمن بالمعجزة إلا إذا آمن بذات تعطي هذه المعجزة وتخرق العادة، فيتوقف كل دليل نقلي على العقلي.

لكن لا حاجة للإكثار من ذلك، ليس أنك كلما استدللت على حكم شرعي تأتي بهذا التسلسل لأنه واحد في كل دليل نقلي فتعلمه وتستغني عن ذكره في كل شيء، لكن كل دليل من الأدلة أو كل حكم من الأدلة النقلية في الفقه يتوقف على هذا الذي ذكرناه هو أن ترجعه إلى صدق النبي، وصدق النبي يرجع إلى المعجزة، والمعجزة ترجع إلى ذات حية عالمة مريدة قادرة، كما يتبين ذلك في علم الكلام، فتتوقف المعجزة حينئذن على معرفة ذات الباري وصفاته التي يتأتى بها الفعل، ليست كل الصفات، إنما الصفات التي يتأتى بها الفعل، أما صفة الكلام والسمع والبصر فلا تتوقف المعجزة عليها لأن الفعل لا يكون بها.

حينئذ تعلم أن الدليل العقلي أقوى من النقلي ولا إشكال في ذلك، وذلك ليس تنقيسا من النقل، إنما هذا شأن النقل هو أنه يتوقف على العقل، أما العقل فليس يتوقف على النقل ولا يحتاج له في شيء، فكان الدليل العقلي أقوى من النقلي وهذا ما نسمعه من الأئمة في أن الدليل العقلي إذا تعارض مع النقلي أو النقلي إذا تعارض مع العقلي فإنه يقدم العقلي بل يؤول النقلي للعقلي ولا يصرف العقلي لأجل النقلي، لأنه لو حصل ذلك لو أننا غيرنا العقلي للنقلي فقد ذهبنا عن العقلي بتأويله وبتغييره، وإذا ذهبنا عن العقلي ذهبنا عن النقلي أيضا، لأن ذهابنا عن العقل ذهاب عن النقل، فإن النقل ما ثبت إلا بالعقل، فإذا ذهبت على العقل يمكن أن يأتيك إنسان ويقول أن تنازلت عن الدليل العقلي هنا خلاص، تنازل عن الدليل العقلي المثبت لوجود الله، وإلا ما الفرق بين هذا الدليل العقيلي والدليل العقلي هذا؟ أن تغير هذا وأن تنفيه بعد تسليمك بأنه عقلي؟ ولا تغير الدليل العقلي الذي أثبت وجود الله تعالي، فإذا بطل دليل عقلي واحد بطلت الألوهية وإذا بطلت الألوهية بطلت المعجزة، إذا بطلت المعجزة بطل صدق النبي، إذا بطل صدق النبي بطل الكتاب هو السنة، وإذا بطل الكتاب والسنة بطل الشرع ففي إبطال العقل إبطال النقل، لذلك إذا تعارض عقل ونقل فمن الحفاظ على النقل أن نصرف النقل للعقل، ولا نصنع العكس.  

هذا ما يتعلق بانقسام الحجة للنقلية والعقلية، فعلم بذلك أن الدليل لا يكون عقليا إلا بأن تكون جميع مقدماته عقلية، فإن كان بعضها عقلية وبعضها نقلية، تبعت النتيجة أقل المقدمات فتكون النتيجة نقلية مع أن أكثر مقدماتها من جهة العقل ومقدمة واحدة مثلا من جهة النقل فتكون النتيجة نقلية حينئذ، فلدّليل النقلي صورتان أن تكون جميع مقدماته من النقل، أن تكون بعض مقدماته من النقل والبعض الآخر من العقل.

قال (وحجة نقلية) تفصيلها في أصول الفقه (عقلية أقسام هذي) أي العقلية (خمسة جلية) ظاهر هذا الكلام أن الأقسام الخمسة الآتية لا تدخل في الدليل النقلي، هذا ظاهر النظم، لأنه قسم الحجة العقلية للخمسة الآتية، فظاهر ذلك أن الخمسة الآتية لا تكون في النقل، وذلك الكلام يحتاج لتدبر، قال:

116- خَطَـابَةٌ شِعـرٌ وَبُرهَانٌ جَدَل

 

وَخَـامِسٌ سَفسَـطَةٌ نِلتَ الأَمَل

ترتيبها أن نبدأ بالبرهان وأن نثني بالجدل، أن نثلث بالخطابة والشعر والسفسطة، فالمصنف هنا لم يرتبها، وإنما أتى بها على ما سمح له النظم، ويمكن أن نقدم الخطابة على الجدل لعظم منفعتها، فتقول برهان، خطابة، جدل، شعر، سفسطة، وجهان قال بهما علماء الفن، قال (خطاب شعر وبرهان جدل ** وخامس سفسطة نلت الأمل) البرهان هو أول أقسام القياس وهو أقوىها، هو قياس يتألف من مقدمات يقينية، قال ذلك المصنف فيما سيأتي في قوله (أجلها البرهان) أي أجل هذه الخمسة وأعظمها، لأنه المنتج لليقين، وغيره ليس كذلك، ولا شك أن المنتج لليقين يكون أعظم مما لم ينتج اليقين، قال:

117- أَجَلُّهَـا البُرهَـانُ مَا أُلِّفَ مِن

 

مُقَـدِّمَـاتٍ بِـاليَقِـينِ تَقـتَرِن

(أجلها) أي أعظمها (البرهان ما) أي قياس، فـ"ما" واقعة على قياس، (ألف) أي ركب، والفرق بين التأليف والتركيب أن التأليف يكون تركيبا من أجزاء أو من أشياء لكن تكون بين هذه الأجزاء ائتلاف وألفة، أما التركيب مطلقا فقد يكون تركيبا من أشياء ليست متناسبة، وليست متآلفة، أما التأليف فلا يكون إلا تركيبا من أشياء متناسبة متآلفة.

(أجلها البرهان ما ألف من ** مقدمات باليقين تقترن) وقد علمنا في تركيب القياس أنه يتركب من مقدمات بينها مناسبة وبينها ألفة بأن تشترك في حد، أما إذا ركبتَ قولا من مقدمات لم تشترك فإنك تقول إنه تركيب وليس بتأليف، فلذلك يقولون "القياس قول مؤلف"، يمكن أن تقول مركب يمكن ذلك، لكنك لو قلت مؤلف لكان أحسن ليشعر ذلك وليدل على أن أجزاء القياس بينها تآلف وتناسب.

(أجلها البرهان ما ألف من) أي قياس ألف من (مقدمات باليقين تقترن) أي مقدمات يقينية، لا تظن من قوله باليقين تقترن أن المقدمات شيء واليقين شيء والمقدمات تقترن بهذا الشيء الذي هو اليقين، فكأن المقدمات في نفسها ليست يقينية وتقترن باليقين الذي هو شيء آخر، هذا ربما يتوهم من البيت لكن الأمر ليس كذلك، فقصده (مقدمات باليقين تقترن) أي مقدمات يقينية أي اليقين فيها، وهي متصفة به، (أجلها البرهان ما ألف من ** مقدمات باليقين تقترن) لينتج ذلك التأليف اليقين، وسنتكلم عن البرهان تفصيلا عندما نتعرض لهذا البيت وما بعده.

ثم الخطابة، فالخطابة لا تتألف من مقدمات يقينية وإنما تتألف من مقدمات ظنية، أو من مقدمات مقبولة ممن يعتقد في كلامه الصدق، فاليقين هو أن تصدق بأمر، أن أمرا يحكم عليه بكذا مع اعتقادك أن هذا الأمر لا يمكن إلا أن يكون كذا، أن تعتقد مثلا أن الله واحد مع اعتقادك أنه لا يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى اثنين، إذا كان الأمر كذلك فإنه يكون يقينا، لذلك يعرفونه بأنه الاعتقاد الجازم المطابق الثابت.

اعتقاد جازم بمعنى أنك تقطع به ونقيضه ليس محتملا عندك، الله واحد، هذا اعتقاد؟ نعم، جازم بمعنى أن الله ليس بواحد، هذه ممكنة عندك؟ تقول ليست  بممكنة، نقيضه ليس بممكن، خلاص، هو جازم، فالجازم هو الذي لا يقبل النقيض، مطابق، لأنه قد يكون جازما وغير مطابق، شريك الباري موجود، وتقول له شريك الباري غير موجود، هذه ممكنة عندك؟ يقول لا، النصراني يقول الإله ثلاثة تقول كونه غير ثلاثة ممكنة عندك؟ يقول لا، إذن هو اعتقاد جازم، لأن النقيض عنده ليس يمكن أن يتحقق لكنه غير مطابق للواقع، فاليقين لا بد أن يكون اعتقادا جازما وأن يكون مطابقا للواقع.

قد يكون جازما ومطابقا للواقع كما في اعتقادك مثلا قول أحد المجتهدين الأربعة، الأئمة الأربعة، أئمة الفقه، أن تعتقد قول إمامك وأن تجزم به وأن يكون موافقا ومطابقا للواقع، أن يكون قوله مطابقا للواقع في علم الله، نحن لا يمكن أن ندري أو أن نعلم أن هذا القول بخصوصه من الأئمة الأربعة أو من واحد من الأئمة الأربعة هو مطابق للواقع هذا لا يمكن العلم به، إنما العلم به يكون في الآخرة، فهب أن قوله مطابق للواقع وأنت جازم به، تقول قول إمامي هو الصواب، وهو الحق، وقول غيره وهو نقيضه مثلا تقول لا، هذا لا يمكن أن يكون محتملا، ولا يمكن أن يكون حاصلا إذا أنت جازم.

وهو مطابق؟ نعم، في علم الله مطابق فلنفرض ذلك، لكنه يمكن أن يزول، أن يزول هذا الاعتقاد منك، يمكن في وقت من الأوقات يتبين لك صدق أو صحة مذهب آخر فتنتقل وتتبع المذهب الآخر، وتقلد المجتهد الآخر، يمكن ذلك، لأنك لست من العلماء المجتهدين المحققين للأحكام بأدلتها، وإنما أنت كنت تابعا للإمام، يمكن أن تنتقل عن كلامه في أي وقت، فيكون اعتقادك لكلام الإمام المجتهد جازما، ومطابقا، ولكنه ليس براسخ، ليس بثابت، يمكن أن يزول وأن يتزعزع في أي وقت، اليقين لا بد فيه من أن يكون ثابتا غير قابل للزوال، فلا يكون التقليد من قبيل اليقين حينئذ، وإنما هو من قبيل الظنون، فاجتهادات المجتهدين من الأئمة الأربعة وغيرهم هي من قبيل الظنون واتباعها وتقليدها هو من قبيل الظنون، وذلك قد سمح به الشرع وأجازه بل وأمر به لعدم إمكان التيقن في الاجتهاد في الأحكام الشرعية أبدا.

فحينئذن لا بد من أن يكون هذا القول من عند نفسك بدليل لا يجعلك تزول عن هذا الحكم، تقول الواحد نصف الاثنين، هذا حكم يقيني، أنت جازم به؟ نعم، ومطابق؟ نعم، وثابت لا يمكن أن يزول عنك في وقت من الأوقات؟ نعم، هو يقين، فقد تبين بذلك أن اليقين يقابله القول الجازم المطابق غير الثابت وهو التقليد، فاليقين شيء، والتقليد شيء، وأيضا يقابله القول الجازم غير المطابق، أن تجزم، بشيء وهو غير مطابق للواقع، هذا هو الجهل المركب، أن تقول الواحد نصف الأربعة وتجزم بذلك مثلا إن فرضنا أن أحدا يقول ذلك، أو كما تقول النصارى الله ثلاثة، أو الإله ثلاثة، ويجزمون بذلك، فهذا جهل مركب، هو جازم؟ نعم، ولكنه ليس بمطابق، فالجهل المركوب يقابل اليقين، أيضا قد تكون معتقدا اعتقادا ليس جازما وإنما نقيضه يحتمل عندك، يقول لك أنت تقول زيد قائم تعتقد أن زيدا قائم؟ تقول نعم زيد قائم، هل يمكن ألا يكون قائما؟ عدم كونه قائما هذا محتمل عندك؟ تقول نعم محتمل، إذن، قد جوزت النقيض، فحينئذ يكون قولك أو اعتقادك أن زيدا قائم ليس اعتقادا جازما وإنما هو إعتقاد غير جازم.

فهذا تنظر فيه، تنظر في زيد قائم، هذا مترجح عندك، ونقيضه ممكن عندك فيكون زيد قائم ظن حينئذ، ويكون زيد غير قائم وهم، أقول لك زيد قائم؟ تقول لا أدري، تساوى عندي أن يكون قائما وأن يكون غير قائم، ليست عندي نسبة ثابتة لزيد إنما هناك احتمال أن يثبت له القيام وأن يثبت له عدمه، حينئذ نقول هذا شك، فالشك هو ألا تعتقد الشيء أو نقيضه.

فقد تبين أن اليقين يختلف عن الظن فليقين جازم والظن غير جازم لأنه يحتمل معه النقيض، واليقين غير الوهم والشك واليقين غير الجهل المركب واليقين غير التقليد، واليقين هو المسمى عند الأصوليين والمتكلمين بالعلم متى أطلقت كلمة العلم فإن المراد بها اليقين، بخلاف العلم عند المنطقيين، فإنه يشمل اليقين والظن وكذلك يشمل التقليد ويشمل الجهل المركب أيضا، أما الجهل البسيط فهو ليس اعتقادا أصلا، هو خلو الذهن، فليس داخلا في هذه الأقسام.

فقد تبين بذلك أن البرهان يتألف من مقدمات شأنها هذا: أن تكون جازما بها وأن تكون مطابقة للواقع وأن تكون ثابتة راسخة بأن تكون عن دليل، وأنّ الخطابة تتألف من مقدمات مظنونة، أي من مقدمات نقيضها محتمل عندك، أنت تعتقد هذه المقدمات ولكن النقيض يمكن أن يكون هو الصحيح، أنت تجوز ذلك، تجوزه مع مرجوحية، تعتقد المقدمة مع رجحان، وتجوز نقيضها مع مرجوحية، تقول فلان يطوف بالليل وكل من يطوف بالليل فهو لص، سارق، لأنه لماذا يطوف في الليل بالسلاح؟ لماذا؟ وهو ليس بحارس، وليس معينا لهذا الأمر، إذن هو يريد أن يسرق وأن يعتدي على الأملاك، هذا مترجح، إذا سمعت أن فلانا كان يمشي بالليل ومعه سلاح يترجح عندك أنه لصّ، لكن إذا قيل لك هل هناك احتمال أن يكون غير لص؟ تقول نعم، لأنه لا ندري، يمكن أن يكون قد اضطره أمر لذلك ونحن لا ندري، نعم، هذا عندك قد جاز مع مرجوحية، والراجح هو أن يكون لصا، لأنه الأكثر الشائع فيمن يصنع هذا الفعل.

فحينئذ نقول هذه المقدمة هي أن فلانا يطوف بالليل وكل من يطوف بالليل بالسلاح فهو لص، سارق، هذه المقدمة إن وقعت في قياس فإن القياس يكون قد تألف من مقدمات مظنونة فحينئذ يكون خطابة، هذا شأن الخطابة أننا نأتي فيها بمقدمات يكفي أن تكون راجحة عند المتكلم وراجحة عند السامع، تخطب في الناس في أي أمر ديني أو غير ديني، تخطب في الناس وتريد في هذه الخطابة في هذه الموعظة أن تأتي بمقدمات يقينية ثابتة راسخة بالبرهان قد تكلفت شيئا فوق الطاقة، لأن عامة الناس يكفيهم أن تأتي لهم بالمقدمات الراجحة، لكن أن تريد أن تخطب فيهم بالمقدمات اليقينية التي تقوم عليها الأدلة اليقينية المؤلفة من المقدمات الضرورية أو النظرية التي تنتهي إلى الضروريات وتحاول أن تبين لهم كل قضية وأن تثبتها من العقل مثلا، ذلك تكلف.

وليست كل المقامات الخطابية ليست كل الأمور التي يتكلم فيها بالخطابة والوعظ تتوفر عليها المقدمات اليقينية، بل كثير منها لا تجد معك من المقدمات التي تخطب بها إلا الظن، فحينئذ يُكتفى بهذا الظن ولا تتكلف المقدمات البرهانية، أو المقدمات اليقينية، لكن إذا أتيت في الخطابة بمقدمات يقينية، نعم هو حسن، إن كانت متوفرة عندك وكان يفهمها هؤلاء الناس، هو حسن ولا شك في ذلك، لأنه قد يكون من الجالسين من هو عالم لا يقبل إلا الأمور الراسخة، الأمور الجازمة، فحينئذ يكون ذلك مقنعا له ومفيدا له التصديق، ويكون أيضا هذا مقنعا للعامة لأنه زاد على الظن، هو أقوى من الظن، لكن تكون قد أتيت بهذه المقدمة من جهة كونها مظنونة لعامة من يسمعك، ليس من جهة أنها متيقنة.

ذلك يجرّني إلى أمر لا بد أن أذكره وهو أن المقصود في هذه الأقسام الآتية في قولنا في البرهان مثلا، إنه يتألف من مقدمات يقينية، المقصود أنك تأتي بالمقدمة من حيث إنها يقينية، قد تكون المقدمة موصوفة بالشهرة، قد تكون مسلمة في علم من العلوم أو عند الخصم وأنت أتيت بها من جهة أنها يقينية فيكون القياس برهانيا، قد تكون المقدمة يقينية وأنت تأتي بها في مقام يكفي فيه الظن كمقام الخطابة.

كما نرى الخطباء يأتون بمقدمات إذا أردت أن تحققها علميا ربما أفسدتها وتكون كاذبة بل تكون من أبطل الباطل، لكنها أفادت الناس ظنا، أفادت الناس اعتقادا راجحا مع كونها كاذبة وهذا الخطيب يظنها وأفادت الناس ظنا تكفي في الخطابة، حتى ولو لم تكن صدقا؟ ولو تكن صدقا، المهم هو أراد أن يدفعهم إلى أمر فيكفي أن يدفعهم إلى هذا الأمر بما يظنه هو وبما يفيدهم الظن ولا يتكلف اليقين في ذلك، فإن أتى بمقدمة يقينية صادقة مطابقة جازمة راسخة ثابتة عن دليل أتى بها في هذا المقام فإنك تقول إنه أتى بها من جهة الظن، ألف قياسا من مقدمات يقينية، لكن في مقام خطابي، تقول إنها خطابة، مع أنه ألف القياس من مقدمات يقينية، نعم، لكنه لم يأت بها من جهة كونها يقينية، إنما أتى بها من جهة كونها مظنونة عنده وعند الناس، قد تكون متيقنة عنده ولكنها ليست متيقنة عند من يسمعه، فيكون قد أوردها لكونها مظنونة عند السامع فتكون خطابة.

قد تكون المقدمات مشهورة مع كونها يقينية، تكون مشهورة أيضا، هي يقينية وفي نفس الوقت مشهورة بين القائس ومن يسمعه، ولا يكون القياس من قبيل الجدل، لأن الجدل يتألف من المشهورات، وإنما يكون من قبيل البرهان إذا كان المقام برهانيا، مع أن المقدمات مشهورة، لماذا لم يكن جدلا؟ هي يقينية ومشهورة فلماذا لم يكن جدلا لأنه تألف من مقدمة مشهورة؟ نقول لأن المقام برهاني كأن يكون هذا القائس يقيس في أمر اعتقادي في أمر يتعلق بالأمور الدينية التي يطلب فيها اليقين، حينئذ لا نقول إنه أوردها من جهة الشهرة، وإنما أوردها من جهة اليقين.

أو هو أورد القياس الذي مقدماته يقينية ومشهورة أورده في مقام جدلي وهو مع خصم، هذا المقام شأنه الجدل، حينئذ نقول مع أن المقدمات يقينية نقول إنه جدل، مع أنه تألف من مقدمات يقينية؟ نعم، لأنه أتى بها من جهة أنها مشهورة، لأن هذا المقام مقام مقدمات مشهورة، عليك أن تتدبر في ذلك، فالأقسام الآتية متداخلة، يمكن أن يكون القياس الواحد في مقام برهانا وفي مقام جدلا، في مقام برهان وفي مقام آخر خطابة، عليك أن تنظر في المقام، تنظر في النتيجة التي ينتجها القياس، ما الغرض الذي يستعمل القائس هذه النتيجة فيه؟ إن كان الغرض منازعة والانتصار على خصم فهو جدال، حتى وإن كانت مقدماته مقدمات البرهان؟ نعم هو جدال، حتى وإن كانت مقدماته مقدمات قياس آخر؟ نعم.

إن كانت المقدمات يقينية والقائس لا يعلم أنها يقينية ويظنها كاذبة ويتلاعب على الناس ويشوشهم مع أنها يقينية، لكنها في اعتقاده كاذبة، هو اعتقد ذلك وتلاعب بالناس وأراد أن يشوشهم، تكون من قبيل المغالطة، تكون من قبيل السفسطة، مع أنها يقينية؟ نعم، لأنه ماذا قصد بنتيجتها؟ قصد بنتيجتها أن يوقع الناس في الكذب، أن يوقع الناس في الخطأ، فهذه المقامات الخمسة، التي هي البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة بحسب قصد القائس والمقام الذي يقيس فيه، فتنبه لذلك، فأكثر الكتب والشروح لا تشير ولا تنبه على ذلك، فأنت تتشوش حينئذ وتتحير، تجد قياسا من مقدمات مظنونة وفي نفس الوقت مشهورة، ويقال أو تري عالما من العلماء يقول إنه خطابة مثلا، فتقول كيف وهو مقدماته مشهورة، لماذا لم يجعله جدلا وتتحير؟ نقول لا، هو حكم عليه بذلك لأن مستعمله قد استعمل هذا القياس في مقام خطابي.

والمقام الخطابي هو مقام يقصد به ترغيب الناس فيما ينفعهم وترهيبهم عما يضرهم، هذا هو المقام الذي يسمى بمقام خطابي، هو المقام الذي تريد أن تجعلهم يرغبون في شيء أو أنهم يرهبون شيئا ليذهبوا عنه، هذا هو المقام الخطبي، متى استعملت مقدمات حتى وإن كانت يقينية، استعملتها في مثل هذا المقام، فهو خطابة، لأنك استعملت المقدمات اليقينية من جهة كونها مظنونة، فيكفي في هذا المقام في مقام الخطابة، في مقام الترغيب والترهيب أن تستعمل ما هو مظنون أي راجح، هل نتكلف اليقين؟ أنا أريد أن أدفعك لأمر أريد أن أحثك على أمر ما لترغب في هذا الأمر ولتعمله، لا بد أن أجيئ بقياس يقيني؟ هذا تكلف، وقد لا يكون الأمر هذا عليه قياس يقيني، لا يوجد يقين في هذا الأمر الذي أريد أن أرغبك فيه، فيكفي الظن، أجيئ لك بمقدمات أنت تظنها، حتى وإن كنت أنا أتيقنها فيكفي أنك تظنها، وإذا ألفت القياس منها تندفع وترغب في الأمر.

أو أريد أن أخوفك من أمر، فأجيئ لك بمقدمات أنت تظنها، هذا يكفي أم لا؟ في دفع الناس إلى أمر أو في إحجامهم عن أمر؟ نعم يكفي، أيضا مما يكفي في مقام الترهيب والترغيب ما يقبله الناس، ما يقبلونه، هم لا يعلمون عنه شيئا، لكنهم يقبلونه، يقبلونه من بعض الناس من بعض الأشخاص، الذين يعتقد فيهم الصلاح يعتقد فيهم العلم، كأن تسمع من مهندس شيئا في أمر هندسي، فأنت تقبله، أنت لا تعلم شيئا عن صدق هذا القول وعدم صدقه، إنما أنت تقبله منه لماذا؟ لأنه متخصص في ذلك، وهو عالم بهذا المجال، قد يكون كلامه من أبطل الباطل عند أهل هذا التخصص؟ نعم، لكن أنت كيف تثبت هذا الباطل؟ أنت كعامي كيف تثبته؟ لم تدرس الهندسة، فتقول حينئذ هذا مهندس قد قال هذا القول فأنا أقبله، وأنا أريد أن أدفعك إلى أمر ما فأستعين بهذه المقدمة التي قبلتها من هذا المهندس، قبلتها من هذا الطبيب لتندفع بها نحو هذا الأمر الذي أريد أن أرغبه.

فقد اكتفينا في الترغيب والترهيب بمقدمة أنت تقبلها من شخص، مع أنك لا تعلم شيئا عن هذه، أنت تقبلها فقط كشأن القضايا الفقهية التي نقبلها عن الأئمة الأربعة، من لم يبلغ درجة الاجتهاد ممن بعد الأئمة الأربعة فإن تقليده للأئمة الأربعة يكون من قبيل أنه قبل قول هذا المجتهد لحسن اعتقاده فيه، ترى الناس تقول لهم هذا الأمر يفسد الوضوء، هذا الأمر شرط للصلوة، هذا الأمر كذا كذا، يقبله على الفور، هو لا يدري شيئا عن هذا لكن يقبله على الفور، لماذا؟ يقول لك من قال هذا الكلام؟ تقول له قاله الإمام الشافعي، يقول على العين وعلى الرأس نقبله، فهذا قول مقبول تريد أن ترغب هذا الشخص في شيء فتستعمل له هذا القول الذي قبله من الإمام الشافعي تستعمله في قياس ليندفع نحو هذا الأمر، هذا يكفي؟ نعم، يكفي في الترغيب والترهيب، ولا نتكلف يقينا، إنما اليقين يكون على البرهانيات على الأمور الاعتقادية على الأمور العلمية، ليس على الأمور التقليدية.

فحينئذ نقول يكفي في الخطابة التي هي مقام ترغيب نحو ما ينفع أو ترهيب نحو ما يضر أن نأتي بالمقدمات المظنونه أو المقبولة، قد يكون القول الذي ظنه هذا السامع أو قبل يقينيا؟ نعم، تقول إن القياس برهاني؟ لا، لأنك استعملته لترغب أو لترهب، ما استعملته لينتج اليقين، أنت استعملته لترغبه أو ترهبه، لكن لو استعملته في مقام تريد أن تنتج اليقين كأن يكون مقام اعتقاد أو مقاما علميا كعلم الهندسة أو علم الطب أو علم الحساب أو علم الفلك هذه علوم تحتاج لليقين فإنه حينئذ يكون برهانا.

فقد علمنا بذلك أن الخطابة تتألف من مقدمات مظنونة، أو من مقدمات مقبولة من شخص معتقد فيه كأن يكون مؤيدا بأمر سماوي كالأنبياء والرسل فإن الناس يقبلون كلامهم وهم لا يعلمون شيئا عن كلامهم وإنما يقبلونه لحسن اعتقادهم فيهم، ولتأييدهم بالأمر السماوي، وكالأولياء وكالعلماء والصلحاء فإن الله أيدهم بأمور تجعل الناس يقبلون كلامهم، حتى وإن كان فيه فساد وإن كان فيه باطل؟ نعم، لكن الناس يقبلون كلامهم، فإذا أردت أن تقيس لتدفع أحدا نحو أمر أو لترهبه عن أمر يكفي أن تأتي له بما يأخذه من الصلحاء ومن أهل الخبرة ومن العلماء ليندفع نحو هذا الأمر أو ليحجم عنه.

هذه هي الخطابة، فتختلف عن البرهان في أن البرهان مقامه مقام يقين وعلم والخطابة مقامها مقام ترغيب أو ترهيب، قد يكون المقام مقام علم، بمعنى مقام يقين، فإنا ذكرنا أن العلم يستعمل بمعنى اليقين عند المتكلمين وعند الأصوليين، قد يكون المقام مقاما علميا، كأن تريد أن تثبت مسألة علمية في علم من العلوم اليقنة كعلم الاعتقاد وعلم الهندسة وعلم الطب وعلم الحساب وعلم الإلهيات أو الطبيعيات وغير ذلك.

فقد يكون المقام مقاما علميا وتريد أن تثبت هذا الأمر لخصم، فعندك في هذا المقام خصم ينازعك، يقول نقيض ما تقول، حينئذ أنت تحتاج لأن تسكت هذا الخصم، إن وصلت مع هذا الخصم لأن يسكت لأن ينقطع ولا يستطيع أن يتكلم كلاما آخر، أن يأتي بمقدمة أخرى أو بدليل له على ما يقول، فأنت قد انتصرت عليه حينئذ وثبت كلامك في هذا المقام، فحينئذ لا نلتزم اليقين لأن غرضي هو أن يسكت، هذا غرضي، أسكتته باليقين، أسكتته بالظن، أسكتته بالباطل بمقدمة باطلة فاسدة، المهم أن يسكت، لكن هذا لا يمكن بأمر هو لا يسلمه، هذا لا يمكن بأمر هو لا يعلمه ولا يقول به حتى وإن كان يقينا، لأن غرضي أن يسكت، هل يسكت بما أعتقده أنا؟ أم بما يعتقده هو؟ بما يعتقده هو، حتى وإن كان باطلا؟ نعم، فيمكن أن تجادل شخصا في مذهب غير مذهبك، وكلامه باطل، تأتي بقواعده في مذهبه الباطلة وتستخدمها لتجعله يسكت لتوصله إلى الإقرار بما تقوله أنت، حتى بالمقدمات الباطلة؟ نعم، لأن هذا هو غرض هذا المقام، هو أن يسكت وأن يسلم لك.

هذا هو الغرض في المقام النزاعي بخلاف المقام العلمي، وللأسف الكتب والطلاب والعلماء يخلطون بين المقامين، فيأتون في المقام العلمي ويستدلون بمقدمات إلزامية، بمقدمات جدلية، وذلك ليس بصواب، مقام اليقين تكون قاطعا فيه النظر عن كل الأشخاص، عن منازعة أحد أو موافقة أحد، هذا مقام علمي يقيني تطلب فيه المطابق الثابت، بقطع النظر عن من خالفك ووافقك، إذا أتيت في مقام علمي مقام يقيني بأمر طائفتك تعتقده وتقر به مع احتمال أن يكون هذا الأمر عندك مخالفا للواقع فقد أتيت بأمر جدلي في مقام علمي حينئذ، كما نرى في علم الكلام أصولا ومقدمات تذكر في أدلة الاعتقادات تكون خاصة بأهل المذهب حينئذ هذا في الحقيقة من قبيل الإتيان بمقدمات جدلية أو تكون هذه المقدمات فيها إبطال مقدمات الخصم أو الاستعانة بمقدمة الخصم لإثبات ما أقوله أنا، فيكون الإتيان بمقدمات جدلية في مقام علمي.

فقد ظهر بذلك أن الجدل يستعمل عند إرادة إسكات خصم ينازع، قد يكون هناك شخص لا ينازع وليس عنده اعتقاد بل يريد أن يعتقد منك، يطلب منك أن يعلم أمرا أن تثبت له أمرا من الأمور، لكن هذا الشخص ليس من أهل اليقين، هذا الشخص لا يرتقي عقله إلى اليقينيات إلى أن يعلم الضروريات وأن يحقق القضايا، ليست عنده القدرة على ذلك، خلقه الله سبحانه وتعالى وعقله ضعيف، فهذا الشخص ماذا تصنع؟ لتثبت له أمرا ما؟ لتثبت له قضية؟ هل تأتي له باليقينيات؟ لا يفهم ذلك، يريد أن يعلم الوحدانية مثلا، فأنت حينئذ تقول له الوحدانية أن تنفي الكم المتصل والكم المنفصل عن الذات الباري سبحانه وتعالى وعن صفاته، وأن تنفي الكمة المنفصل في أفعاله، ثم تبين الكم وتبين نفي ذلك، هو ينظر إليك يقول ما هذا الأمر؟ هو ليس منازعا وليس خصما، هو يريد أن يتعلم، هو يريد أن يفهم، لكن عقله لا يرتقي بالمقدمات اليقينية ولا يفهم مثل هذا الكلام الذي تقول وتظل تعرف له الكم والمتصل والمنفصل، وتأتي في المقدمات اليقينية هذه بألفاظ غريبة اصطلاحية وتعرفها له ثم على المقدمة دليل آخر، وهذا الشخص يكون قد تحيّر معك بل ربما يقول لك: لا أريد أن أعلم الاعتقاد، ولا أريد أن أعلمها، أنا أقول الله واحد، خلاص، من غير دليل.

فماذا تصنع مع هذا الشخص؟ تأتي له بمقدمة مشهورة يعلمها هو في قومه أو من طائفة يتبعها أو شيء وكان يسمعها كثيرا، تأتي له بهذه المقدمة المشهورة التي تناسب المسألة التي يريد أن يعلمها وتكفي في أن يستفيد علما، فيكون الغرض من الجدل حينئذ هو إقناع القاصر عن إدراك اليقينيات كالعقول الضعيفة، أو إلزام الخصوم، هذا مقام الجدل هو مقام إقناعي أو إلزامي بخلاف مقام البرهان هو مقام علمي وبخلاف مقام الخطابة هو مقام ترغيبي أو ترهيبي، فإذا أتيت في قياس بمقدمات مشهورة أو مسلمة عند الخصم يسلمها هو بطريق أو آخر، المهم أنه يسلمها، فيكون هذا جدلا إذا أردت أن تقنع شخصا قاصرا أو أن تسكت شخصا منازعا.

هذا هو مقام الجدل، فيقولون الجدل يتألف من مقدمات مشهورة أو مسلمة عند الخصم، أو مشهورة أو مسلمة عند شخص يريد أن يتعلم وهو ليس بخصم، لكنه قاصر عن أن يدرك البرهان فللجدل فائدتان، فالجدل يتألف من المقدمات المشهورة أو المقدمات المسلمة عند الخصم، يكفي أن تكون مسلمة عند الخصم، حتى وإن كانت باطلة عندك، لا مشكلة في ذلك، أنت تريد أن تسكته بالحق أو بالباطل أنت تريد أن تسكته، نعم لو أسكتته بالحق لكان أفضل ولكان أولى، لكنك لو أسكتته بالباطل لكان ذلك كافيا، لأن المقام مقام إسكات، أن يكون مسلما لذلك بسبب أنه يعتقده أو بسبب أنه رأى أهل علم هو يثق بهم يسلمونه، رأى أن علما من العلوم يسلم هذا الأمر، ويقبلونه ويقررونه وهو لا علم له بهذا الأمر، فقد يكون هو عالما بهذا الأمر فيسلمه لك، وقد يكون غير عالم ولكن يثق بأهل أصول الفقه مثلا، يثق بأهل الحديث ويقول هم نصوا على ذلك وقالوا ذلك فهذا مسلم في هذا العلم فأنا أتبع هذا العلم حينئذ.

وقد يكون هو قاصرا نعم، قد يكون قاصرا، لا مشكلة في ذلك، المهم أن يصل في النهاية إلى أن يسكت، فيكفي أن تأتي له بمقدمات مشهورة، هذه المقدمات المشهورة قد تكون يقينية؟ نعم، لكنك أوردتها في مقام إسكات الخصم، فتكون قد أوردتها من جهة الشهرة، من جهة شهرتها عند الخصم أو عندكما أو عند الخصم والناس الذين يسمعون مثلا، أو عند الخصم وطائفته التي يتبعها، قد تأتي بمقدمات كاذبة؟ نعم، لكن لا بد أن تكون مشهورة عنده، المشهور على أنها صادقه وليس على أنها كاذبة، لأنها لو كانت مشهورة على أنها كاذبة لا يمكن أن تستدل بها، لأن الدليل الذي مقدماته كاذبة لا ينتج الصدق يقينا.

أو أنه يسلمها، حتى وإن كانت باطلة فاسدة؟ نعم، قد تكون مظنونة، هو يعتقدها اعتقادا راجحا، فتأتي بها في مقام تريد أن تسكته، فهل تكون حينئذ من قبيل الخطابة؟ لا، لأن المقام ليس ترغيبا ولا ترهيبا، إنما قد أتيت بالمقدمة المظنونة لأنها مشهورة عنده، أما إذا كانت يقينية ومظنونة وليست مشهورة عنده أو عند طائفته أو عند الناس، فإن استعمالك لها حينئذ يكون خطأ، لأنها مع كونها يقينية هو سيقول لك لا نعرف ذلك، فكيف تسكته حينئذ؟ فإسكاته سبيله أن تأتي بما هو مشهور أو بما هو مسلم، كان عالما بها أو كان جاهلا بها، كانت حقة أو كانت باطلة،كانت مظمونة أو كانت يقينية، لا نظر لذلك، المهم أن تكون مشهورة مسلمة.

مثلا، مرة كنت في مكتبة أشتري كتابا، كنت واقفا أنظر في الكتب، ورأيت كتابا فأمسكته بيدي، كان كتابا ربما كان يصدر لأول مرة في علم الكلام، فكان بجواري شخص، فقال لي لا، اترك هذا الكتاب، فأنا نظرت إليه وتعجبت، ولا يعرفني ولا أعرفه، قلت له لماذا أترك هذا الكتاب؟ أسر إلي في أذني وقال هذا الكتاب مؤلفه أشعري وهؤلاء ينكرون الكتاب والسنة ويحرفون الكلم عن مواضعه، هكذا والله قال، هو ما كان يعرفني ولا يعرف أني أعرف أي شيء، أنا كنت ألبس قميص وبنطلون ولا يظهر شيء، فنظرت إليه وابتسمت وقلت وهؤلاء مسلمون؟ فقال لي نعم، هم مسلمون لكن أخطئوا ولا يعرفون حق الكتاب والسنة، فقلت له عرفني بهم، فقال هكذا والله: هؤلاء أناس يقولون قال الله تعالى لا يعجبنا هذا القول خلاص نحرفه ما دام أنه لا يعجبنا نغيره إلى ما يعجبنا، ينظرون في الحديث، يأتيهم في البخاري، حتى في البخاري ويقولون فيه لا هذا الحديث لا يعجبنا نحرفه، فقلت له هكذا يقولون نحرفه؟، قال لا يقولون اسمه نؤوله بس أنت ما تعرفش هذا الكلام إحنا متخصصين ونعرف هذا الكلام، قلت له معلش برض أعذرني أنا أريد أن أتعلم وأن أفهم، فقال لا، يقولون نؤوله، ولا يأخذون بما يفيده قول الله تعالي وقول رسوله، قلت هذا شنيع، يا أخي وهؤلاء مسلمون، حقهم أن يخرجوا عن الإسلام، ولماذا يصنعون ذلك مع أنهم مسلمون ويحبون الكتاب والسنة؟ قال: عندهم شيء خبيث كده اسمه أن أخبار الآحاد لا يحتج بها في الاعتقاد، فأنا رأيت هذا الشاب في الحقيقة يعني درجته أنه قرأ الكتب أو درس أو شيء يعني ليس عاميا صرفا، فقلت له إذن الأمر ما دام كذلك نتكلم، فقلت له أنت ما دراستك؟ فقال أنا أحضر -كان الماجستير يمكن أو الدكتوراة- في قسم الحديث في كلية أصول الدين، قلت له خلاص أنت من أهل المجال، نتكلم، قلت له أولا ينبغي أن تعلم أنني أشعري، هذا أول شيء، فنظر إلي وفزع، ثانيا أن تعرف أنني من المحرفين ومن المؤولين الذين ادعيت عليهم ذلك، فبدأ ينظر بتعجب، قال لا، لا، ليس الأمر كذلك، اعتبرني غير مسلم أصلا ما مشكلة، المهم إحنا نتكلم في أمر علمي ولو أن أكون غير مسلم، المهم أن نتكلم عما تكلمت عليه، ما المشكلة في قولهم أخبار الآحاد لا تقبل في الاعتقاد؟، قال لا هذه مشكلة وأخذ الأمر بحماسة لأنه وجد أن الأمر فيه نزاع أو كذا، فقلت له لا، لا، لا تأخذ الأمر بحساسية وبغضب، هذا علم جليل نتكلم بما نعرف، ما المشكلة في أنهم يقولون أخبار الآحاد لا تُقبل في الاعتقاد؟ قال المشكلة أن أكثر البخاري لن يحتج به في الاعتقاد، والبخاري كتاب أجمعت الأمة... -هكذا تعلمون أنتم أسلوب هؤلاء- الأمة قد أجمعت بصحة أحاديث البخاري ومسلم وقبولها ومن يشكك في ذلك يكفر لأنه منكر للضروريات و و و، قلت ومن هؤلاء الذين قالو هذا الكلام الأشاعرة أم غيرهم الذين قالوا؟ قال لا، بل هم يقولون هذا، يصوبون ما في البخاري وفي مسلم ويقولون منكر ذلك يكون منكرا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقلت له يا أخي طيب إذن، فيه شيء لم يفهم، لم أقل له أنت لم تفهم، فيه شيء لم يفهم، يعني ما دام قالوا ذلك يكفرون أنفسهم، هم يقولون على أنفسهم يقولون البخاري لا بد أن يقبل ما فيه، ثم يقولون نحن لا نقبله، فبدأ يسكت، قال ماذا عندك يعني؟ قلت شوف أنت تعلم سواء كنت تدرس الاعتقاد أو ليس دارسا، قال لا، أنا لست من الدارسين للعلوم العقلية وكان صادقا في الحقيقة، هذا الذي دعاني إلى أن أتكلم معه وأحاول أن أناقش المسألة معه مع أنني في الحقيقة أضرب عن ذلك ولا أحب أمثال هذه النقاشات، لكن رأيت وتوسمت فيه الأدب مع كلامه في حق العلماء، حتى من الأشياء التي سألت عنها قلت له من هؤلاء الأشاعرة؟ يعني اذكر لي بعضهم، فذكر كبار الأئمة، ذكر الإمام النووي والغزالي، والسيوطي، وابن حجر، والبيهقي، وعد كل هؤلاء، هذا الذي دعاني إلى أن أتكلم معه في الأمر، لأنك ذكرت الأمة، ثم تضللهم وتقول يحرفون، كيف ذلك؟، المهم قلت له يا أخي العقيدة وأمر الاعتقاد أمر خطير أم أمر هين؟ قال خطير، قلت له إذن يقبل في أمر الاعتقاد ما هو يقيني أم ظني؟، قال لا، الظني لا يقبل، لأن الظني ضعيف بالنسبة لأمر الاعتقاد والاعتقاد يطلب فيه اليقين، قلت له خلاص، هذه قضية الحمد لله أننا قد اتفقنا عليها، هذه مقدمة هو يعلمها، ليس يعلمها بأدلتها وكذا فهو يسلمها، سمعها ممن يتكلم في الاعتقاد وعلم أن في علم العقيدة يقال ذلك، فيقول لا، خلاص، الاعتقاد لا بد فيه من اليقين، خلاص، قلت له هذه مقدمة اجعلها جانبا الآن، سنحتاج إليها بعد ذلك، أن العقيدة لا بد فيها من اليقين، ثم نأتي لأخبار الآحاد، قلت له ما هي أخبار الآحد، فقال أخبار الآحاد هي التي نقلت على النبي عليه الصلاة والسلام هذا تخصصه، هذا شأن علم الحديث، هي التي نقلت عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبلغ عدد الراوين للخبر إلى حد التواتر، قلت له ما معنى أنه لم يبلغ حد التواتر؟ قال يعني لا يؤمن تواطؤهم على الكذب، قلت له يعني ما معنى أنه لا يؤمن تواطؤهم على الكذب؟، فكلما أردت أن أنتقل من مقدمة لمقدمة يسكت ويستغرب فقلت له يعني يمكن أن يكذبوا، يمكن العدد الذي روى هذا خبر الآحاد يمكن أن يحصل منهم اتفاق على الكذب، نحن لا نقول اتفقوا على الكذب لكنه يمكن أن يتفقوا على الكذب لأن المتواتر هو الذي يؤمن تواطؤهم على الكذب، هذا الذي تذكره وهذا الذي تعلمه من النخبة ومن تدريب الراوي ومن غير ذلك ومن مقدمة ابن الصلاح، قال نعم، هذا الذي نعلمه، قلت إذن الآحاد لا يؤمن تواطؤهم على الكذب، هذا الذي أقره علماء الحديث الذين تقول أنت عنهم إنهم المسلمون، وإن الأشاعرة الذين يحرّفون الكلم، فقال نعم إذن صحيح أخبار الآحاد لا يؤمن تواطؤهم على الكذب، يمكن أن يتواطأ على الكذب، ولا نقول في خبر بالجزم إنهم تواطؤوا إلا في الموضوع والمكذوب الذي نعلم كذبه بطريق أو بآخر، قلت له إذن أخبار الآحاد يمكن أن يتفق رواة خبر الآحاد على الكذب، إذا كان الأمر كذلك يكون يقينيا أم يكون ظنيا؟ فنظر إلي وقال إذن يكون خبر واحد حينئذ ظنيا لأنه يحتمل التواطؤ على الكذب، وإن لم نجزم بذلك لكنه يحتمل التواطؤ على الكذب، فيكون غير يقيني لأن اليقيني تقول فيه إنني أعتقده ولا أجوز غيره، لا أجوز نقيضه، أما في هذا فإنك تعتقده، وتجوز نقيض، قلت له إذن البخاري ومسلم فيهما أحاديث متواترة، هل فيها نزاع؟ قال لا، لا، ليس فيها نزاع، لأنهم يقبلون المتواتر في الاعتقاد، النزاع في الآحاد، قلت له إذن أحاديث البخاري ومسلم التي هي آحاد يقال في هذا الكلام، لا تستثنى، لا تستثني من البخاري ومسلم بعد أن قررت أن أخبار الآحاد ظنية، لأنه لا يؤمن تواطؤهم على الكذب، بل يمكن أن يكذب الرواة وإن لم نستطع أن نجزم بذلك، لكن لما لم يجد البخاري ومسلم رضي الله عنهما، لما لم يجدا شيئا على هؤلاء الرواة يفيد أنهم يقعون في الكذب حكموا بصحة الأحاديث، ووجدوا أنها أعلى طبقة، أن هؤلاء الرواة هم أعلى طبقة وروايتهم التي وردت في الصحيحين هي أعلى روايات في الروايات التي سمعوها، فوضعوها في الكتاب الصحيح، ليس على أنه قطعي، بل على أنه الصحيح في الحكم الظني الغالب، فهو أعلى درجة في الظن، لكن هل هذا يخرجه إلى اليقين؟ هو نفسه قال لا، بعد كل هذا الترتيب وترتيب المقدمات، قال لا، إذن تكون ظنية وأحاديث غيرهما ظنية الفرق أن أحاديث غيرهما الرواة يمكن أن يكون قد ورد عنهم كذب، يمكن أن يكون قد ورد عنهم خطأ، يمكن أن يكون ورد عنهم تحريف تصحيف، نرى منهم أمورا تدل على عدم الضبط، نرى أنه ربما وقع في معصية، فنشك في روايته، لأن الذي يقع في معصية بترك صلوة أو كذا يمكن أن يكذب، لكن رواة البخاري ومسلم لم يثبت عنهم ذلك، وكان يعلم عنهم العدالة، ويعلم عنهم الضبط، كان يعلم عنهم ذلك، لكن هل أنك علمت عن شخص أنه عدل وضابط فيكون من رواة الصحيح علمت عنه أنه عدل وضابط هل هذا ينفي أنه قد يكذب؟ هل هذا ينفي أنه قد يقع في المعصية؟ يعني قد تكون المعصية خفية، أنا كيف أعلم أنه عدل لا يقع في المعصية كيف أعلم ذلك؟ بأن غالب أحواله أنه كذلك، أنه لا يقع في المعصية، كيف أعلم أنه ضابط؟ أن غالب الروايات التي رواها وأن غالب الكلام الذي سمعنا منه مضبوط لم نر فيه وهم لم نر فيه خطأ ولا خلل، لكن هل هذا يمنع أن يخطئ؟ هل هذا يمنع ألا يكون ضابطا في بعض الروايات؟ لا يمنع، إذن البخاري ومسلم ما صنع إلا أن أتوا لنا بأعلى مراتب الظن في الروايات، وهذا عمل عظيم ليس بسهل، لكنه مهما كانت عظمته فإنه لا يرتقي إلى درجة اليقين كالمتواتر، فحينئذ يتبين أن البخاري ومسلم أحاديث الآحاد فيها كأحاديث الآحاد في غيرها من حيث إمكان وقوع الخطأ والكذب، من هذه الحيثية، وليست كأحاديث غيرهما من حيث مرتبة الظن، أو مرتبة إمكان وقوع الكذب، لا، مرتبة إمكان وقوع الكذب في البخاري ومسلم ضعيفة، وفي غير الكتابين من كتب الأحاديث متوسطة أو قوية إلى غير ذلك؟ فبان له حينئذ أن أخبار الآحاد سواء كانت في البخاري ومسلم أو في غيرهما لا تفيد اليقين وإنما تفيد الظن، ونأتي بالمقدمة التي قررناها أولا، وهي أن الاعتقاد يطلب فيه اليقين، فحينئذن يمكن أن تؤلف له قياسا من الشكل الثاني مثلا أن تقول له مثلا العقيدة يقينية ولا شيء من أخبار الآحاد بيقين، العقيدة يقينية أو العقيدة يقين يمكن ذلك، ولا شيء من أخبار الآحاد بيقين، الأولى هو سلمها، والثانية سلمها لأنه قرأها في كتب الحديث، الأولى سمعها من أهل الاعتقاد وسلمها منه، والثانية سمعها من أهل تخصصه وهو الحديث، فحينئذ تقول العقيدة يقين ولاشيء من أخبار الآحاد بيقين، الحد الوسط محمول فيهما، فيكون من الشكل الثاني، نحقق الشروط، المقدمتان مختلفتان إيجابا وسلبا، الأولى موجبة والثانية سالبة، العقيدة أي كل عقيدة كل قضية عقدية، كل عقيدة يقين، والثانية سالبة، لاشيء من أخبار الآحاد بيقين، الشرط الثاني أن الكبرى كلية، خلاص ينتج تحذف اليقين وتحكم بالأكبر على الأصغر، فتقول بالسلب لاشيء من العقيدة بأخبار الآحاد، فيتبين ذلك حينئذن، أو ربما تأتي به من الشكل الرابع أيضا أن تقول مثلا من الشكل الرابع، لاشيء من المظنون بعقيدة، وكل خبر آحاد مظنون، إذن المظنون موضوع في الصغرى محمول في الكبرى، فيكون من الشكل الرابع، لاشيء من المظنون بعقيدة، هذا قريب من العقيدة يقين، العقيدة لا تكون ظنية، فلا شيء من المظنون بعقيدة، سالبة كلية، هذه الصغرى، الثانية الكبرى وكل خبر آحاد فهو مظنون، هذا الذي قاله، المظنون هو الحد الوسط، موضوع في الصغرى محمول في الكبرى، فيكون من الشكل الرابع، الشرط متحقق، نعم، وهو عدم جمع الخستين لأن القياس فيه سلب فقط وليست فيه سلب آخر ولا جزئية، النتيجة لا شيء من العقيدة بخبر واحد، نفس النتيجة لكنها من الشكل الرابع، فتبين بذلك أن هذه المقدمات التي سلمها نفعت وأفادت في أن يسكت هذا الخصم، فانتهى به الأمر في النهاية إلى أن يقول لا، أنا في الحقيقة قاصر في العلم وأحتاج إلى أن أتعلم وأنا أشكرك جدا على هذا الترتيب وعلى أدبك معي -حقيقة قال هذا الكلام وهو كان مؤدبا جدا- قال أشكرك على أدبك وعلى هذا الترتيب الجيد، وأنا تعلمت منه أن لا أكون سريعا في الأحكام على العلماء ولا في الأمور العلمية، لا بد أن أقرأ، ولا بد أن أتعلم، وأن علم الحديث الذي قرأته ودرسته لا يكفي في أن أتكلم في العقيدة أو في الفقه أو في غير ذلك، فهذا المقام كان مقاما نزاعيا بيني وبينه، هو يقول هؤلاء ضالون بسبب أنهم ينكرون أخبار الآحاد في الاعتقاد، إذن هو يريد أن يأخذ به، وأنا أقول لا، لا يمكن أن يكونوا ضالين بذلك بل يجب عدم الأخذ بأخبار الآحاد في الاعتقاد، لأنك تأخذ بأمر ظني في الاعتقاد، تعتقد أمرا مظنونا، وقد يكون هذا خطأ في حق الإله، كيف تتوثق أنه صحيح في حق الإله وهو مظنون؟ فحينئذ يكون قد استدلت عليه بأمور هو يسلمها أو أنها مشهورة، قد تكون بعض هذه المقدمات التي ذكرتها له مشهورة عند أهل فنه، أو عند غيره من أصحاب العلوم الأخرى، لكنه سمعهم في الأزهر أو في بعض الكليات، أو قرأها في بعض الكتب عن مشايخه، فتكون مشهورة عنده، فأفاد ذلك إسكاته في النهاية وإلزامه الحجة، فكان مقاما جدليا، حتى وإن كانت بعض المقدمات التي أتيت بها يقينية، لكنها في هذا المقام قد أخذها وقد قامت الحجة عليه بها من جهة أنها مشهورة عنده أو مسلمة، فهذا المقام مقام جدل.

قال (خطابة شعر وبرهان جدل) تكلمنا عن الخطابة والبرهان والجدل، بقي الشعر، الثلاثة السابقة لإفادة التصديق، لتفيد بها التصديق بشيء، البرهان الأمر ظاهر فيه يفيدك التصديق بشيء تصديقا يقينيا، الخطابة الأمر ظاهر، تفيدك التصديق بشيء لترغب فيه أو لترهب هذا الأمر، الجدل الأمر ظاهر أيضا فيه يفيدك التصديق بأمر لتسكت أو لإقناعك إن كنت قاصرا عن مرتبة ودرجة البرهان، السفسطة والمغالطة التي ستأتي وهي القسم الخامس يأتي بأمور يثبت للخصم أنها الحق مع أنها قد تكون باطلة، أو هي باطلة في الحقيقة ويستعملها ليدخِل هذا الباطل على أنه حق عند السامع فهو يريد أيضا أن يجعله يصدّق، حتى وإن كان الأمر باطلا ويريد أن يجعله يصدق بهذا الأمر؟ نعم، ليوقعه في الخطأ؟ نعم، هو يريد أن يجعله مصدقا بشيء.

إذن الأقسام الأربعة يطلب بها التصديق بشيء، أما الشعر فيختلف عن الأقسام الأربعة فإنه يطلب به التأثير، يطلب به التأثّر، وليس التصديق، ليس أنك تصدق وتذعن وتعتقد بشيء مع أنه قياس ينتج قضية؟ نعم، والقصد ليس أن تصدق بنسبة القضية، إنما القصد أن تغير فيك هذه القضية وأن تجعلك تنفعل وأن تتحرك نحو شيء فتنبسط نفسك وتُصَرّ به أو تَنفِر نفسك عنه وتنقبض، هذا هو المقصود، مع أنها قضية من شأنها أن يصدق بها؟ نعم، لكن الجزء الرابع الذي هو إدراك وقوع النسبة أو لاوقوعها هذا لم يقصد القائس أن يحدثه في السامع، إنما قصد أن يسمع الموضوع والمحمول والنسبة لتنفعل نفسك.

فقد ظهر بذلك أن الأقسام الخمسة لا يقصد بها شيء واحد، إنما يقصد بأربعة التصديق لأغراض مختلفة، ويقصد بواحد التأثير هذا هو الفرق بين الشعر وغيره، فإذا كان المقام مقام تأثير أنت تريد أن تحدث انفعالا في من يسمعك، انفعالا وتغيرا في حالته النفسية وأقمت دليلا أتيت له بمقدمات تنتج قضية لا ليصدق بها وإنما ليتغير، يكون المقام مقاما شعريا، كشأن المقامات الشعرية التي نسمعها والتي نعيشها وتغير فينا وننفعل، فهذا يسمونه بالشعر.

فيكون الشعر حينئذن مؤلفا من قضايا أو من مقدمات متخيلة تحدث أو تغير صورا في الخيال، تقلب الصور الموجودة في الخيال وهذه الصور التي تتقلب في الخيال تتغير بها النفس فتنفعل، فتصر وتنبسط أو تنقبض، فيكون الشعر مؤلفا من مقدمات متخيلة تنبسط منها النفس أو تنقبض، تقول هذا عسل وكل عسل مِرّة مهوعة، هذا يقوله بعض الناس لسامع يريد أن ينفّره عن العسل مع أن العسل محمود ومحبوب وفيه شفاء، ومع ذلك هو يريد أن ينفره، فيقول له هذا عسل صغرى، وكل عسل فهو مِرّة مهَوَّعة، المرة هي السائل الموجود داخل المرارة، وهو سائل أصفر يشبه العسل، فهو يقول له العسل مرة أي هو السائل الموجود داخل المرارة، ولا شك أن هذا الأمر مقزّز يجعل النفس تنقبض، أن تنظر في العسل على أنه السائل الموجود داخل المرارة وهو سم قاتل، السائل الموجود داخل المرارة سم قاتل، لذلك لو خرج من المرارة إلى بطن الإنسان ولم يدركه الطبيب بأن يخرجه على الفرج يموت الإنسان.

فهو يشبه لك العسل يقول هو مرة مهوعة أي متقيأة، لماذا؟ لأن هذا السائل الأصفر يخرج من بطن النحل والقيئ يخرج من بطن الإنسان، أو يخرج من بطن الحيوان، فهو شبيه، العسل شبيه بالقيئ الذي يتقيأ، تخيل عندما أردت أن تأكل عسلا فشخص قال لك العسل مرة مهوعة، هذا العسل ماذا تصنع؟ تريد أن تشرب أو تأكل السائل الأصفر الموجود داخل المرارة الذي يتقيأه النحل؟، حينئذ تنقبض نفسك عن هذا العسل، مع أنك قد تكون عالما بكذب هذا القول قد تكون متوثقا جازما بكذب ما قال، وهو أيضا القائل يعلم كذب هذا الكلام أن العسل ليس مرة مهوّعة، ومع ذلك تسمعه، فتقول انقبضت نفسي من العسل، رغم أنه كان محبوبا لكن نفسي انقبضت، هذا القياس الذي قاله هذا القائس تسبب في أن تنقبض نفس هذا الشخص، وهو لا يقصد أن يجعله يصدق بأن العسل يحكم عليه بأنه مرة مهوعة.

آخر يريد أن يجعل نفسك تنبسط من الخمر وتندفع نحو شربها، فيقول لك الخمر ياقوتة سيالة، الخمر ياقوتة سيالة، لأن الياقوت شفاف ولامع، الخمر والياقوت كل منهما شفاف ولامع، ياقوتة سيالة، والخمر سيال، فكأن اليقوت قد سال فهذا الياقوت محبوب للنفوس جدا، فعندما تشبه الخمر حتى وإن كنت لا تقربه وإن كنت تبغض الخمر، لكنها إذا شبهت لك بالياقوت السيال فأنت تشعر أن من الخسارة أن تحرم نفسك منها، فتنبسط نفسك، وتريد أن تشرب منها والعياذ بالله، فماذا صنع هذا الكلام؟ حرك نفسك وجعلها تنفعل بالرغبة في الخمر، والآخر جعل نفسك تنقبض حركها وانفعلت بالانقباض من العسل.

فالقول المفيد لقبض النفس أو لبسطها من شيء هو الشعر، كان موزونا أو غير موزون، كان معه ألحان وعزف أو لم يكن معه ذلك، حتى النثر إن أفاد ذلك؟ نعم، هذا الذي يقوله الحكماء هو أنه يكون موزونا أو غير موزون، هذا الذي كان عند أهل اليونان، وعليه علماء المنطق.

قال (خطابة شعر وبرهان جدل) إذا علمنا أن الشعر يتألف من مقدمات ليس للتصديق بنتيجة، وإنما ليحصل انبساط للنفس أو انقباض من شيء حتى وإن كان القول يقينيا لم يقصد به أن يفيد الشخص اليقين، حتى وإن كان كاذبا باطلا كما قلنا في الخمر ياقوتة سيالة والعسل مرة مهوعة وهو كاذب قطعا، ومع ذلك أفاده فهو شعر، حتى وإن كان مظنونا، حتى وإن كان مشهورا، حتى وإن كان مسلَّما، نعم، يكون شعرا؟ نعم، يكون شعرا لماذا؟ لأنه أورده في مقام يريد أن يجعل نفسك تنبسط أو تنقبض، لم يأت بهذا القول لأنه مشهور ولا لأنه يقيني، ولا لأنه مسلم، وإنما لكونها مقدمة متخيلة تحدث هيجانا وتحدث حركة نفسية وانفعالا.

هذه هي الأقسام الأربعة يقصد بثلاثة منها التصديق هو البرهان، والجدل، والخطابة، وبواحد التأثير في النفس بالانقباض أو الانبساط، قال (وخامس سفسطة نلت الأمل) الأقسام التي يقصد بها التصديق فيما مضى لا مانع أن تكون حقة صادقة ذلك متعين في البرهان، ولا يتعين في الخطابة، ولا يتعين في الجدل، لكن يمكن أن تكون الخطابة بالأمور الصادقة الصحيحة وكذلك الجدل، أما هذا القسم وهو السفسطة فإنه لا يكون إلا لإفادة التكذيب أو الإيقاع في الكذب، وللإيقاع في الخطأ، وللتمويه والتشويش، لما كان هذا أيضا مستخدما بين الناس جعله المناطقة قسما من أقسام القياس وتكلموا عليه طويلا، بل هو والبرهان أكثر الأقسام التي تكلم عليها أهل المنطق وفصلوها، البرهان لأنهم يحتاجون لبناء العلوم العلمية اليقينية كعلوم الحكمة، والسفسطة لأنهم يحتاجون لحفظ أنفسهم عن التشويش والخطأ والكذب، فأخذ البرهان والسفسطة كلاما كثيرا منهم، يليهما الجدال بعدها الخطابة.

قال (وخامس سفسطة نلت الأمل) السفسطة هي الحكمة المموَّهة التي فيها تمويه، هي حكمة في ظاهرها لأنه يستعمل أسلوب الحكيم مع السامع، السامع يراه كالشيخ الرئيس ابن سينا في طريقة كلامه وفي طريقة تقريره وفي إثباته وإيراد المقدمات والأدلة على الشيء، فلذلك كانت حكمة، سميت بالحكمة، ومموهة لأن أسلوبه هذا في الحقيقة فيه خطأ وفيه كذب لكنه خفي، فكانت مموهة، لأنه لا يمكن أن يأتي بالكذب الظاهر لتُدخل الكذب على أحد لتوقع غيرك في خطأ وفي كذب لا يمكن أن تأتي له بخطأ ظاهر ولا أن تأتي له بكذب بين، هذا صغار الناس ينصرفون عنه ولا شك في ذلك، لكن تأتي له بالكذب في صورة الحق، تأتي له بالخطأ في صورة الحكمة، فلذلك سميت سفسطة بالحكمة المموهة، وفاعلها يسمى سوفسطائي أي حكيم مموِّه.

يستعمل الحكمة وهو ليس حكيما في الحقيقة، إنما يستعمل الحكمة للتمويه، فحينئذ تعلم من هذا الكلام أن السفسطة قياس يؤلف من مقدمات باطلة فاسدة لكنها لا بد وأن تكون شبيهة بالحق، لأنها لو كانت باطلة فاسدة كاذبة قطعا وذلك مشهور عند الجميع لم يقبلها أحد، وكنت مغفّلا ولم تكن حكيما ولا شيء، إذن لا بد فيمن يستعمل هذا القسم من السفسطة أن يكون ذكيا واعيا فليس أي إنسان يستطيع أن يستخدم هذا، فلا بد أن يكون الباطل شبيها بالحق، هذا أول أمر من الأمور التي تتألف منها السفسطة، أو أن يكون أمرا وهميا كاذبا، فالأمور الوهمية الكاذبة تلتبس على الناس ويقع فيها الناس، قد يقع فيها القائس، القائس قد يكون حكيما أو ممن يشتغل بالحكمة، والتبس عليه هذا الأمر، التبس بالأوّليات، التبس باليقينيات فيأتي بقياس فيه مقدمة وهمية كاذبة وسنتكلم عليها تفصيلا.

فحينئذن تعلم أن السفسطة تكون من مقدمات كاذبة شبيهة بالحق أو من مقدمات وهمية كاذبة، ولا بد من التقييد بكاذبة لأن الوهميات قد تكون صوادق، فلا بد من أن تقول من مقدمات وهمية كاذبة، يكون القياس من مقدمات كاذبة شبيهة بالحق كما إذا قال أحد على صورة فرس منقوشة على حائط، هذا فرس وكل فرس صهال، فالنتيجة -هذا من الشكل الأول- والنتيجة هذا صهال، هذا القياس أنتج له أن الصورة المصوّرة على الحائط من قبيل الحيوان الصاهل مع أن هذه الصورة ليست كذلك.

أين الكذب؟ الكذب في قوله وكل فرس صهال؟ لا، هذه صادقة، إنما في قوله هذا فرس، على صورة فرس على حائط هذا فرس، لأن هذه صورة فرس، لكنه لما أشبه الفرس صح أن يعبّر عنه  بـ"هذا فرس"، ولما لم يتنبه السامع لتجوز مرتكب في هذه المقدمة بأن يكون أطلق الفرس على صورته إطلاقا مجازيا أو استعارة أو بأن يكون ارتكب مجاز الحذف بأن يكون الأصل هذه صورة فرس وحذف لفظ صورة كما في قوله تعالى «واسأل القرية» أي واسأل أهل القرية، فيكون هنا مجاز بالحذف، لما لم يتنبه السامع للمجاز في هذه المقدمة وقع في كونها فرسا في اعتقاد أنها فرس، وكل فرس سهال، فنظر في النهاية فوجد نفسه مضطرّا لأن يصدق بأنها فرس، فوقع في الباطل وفي الكذب بسبب مقدمات باطلة شبيهة بالحق.

ما الذي أشبه هنا بالحق؟ أشبه من الجهة المعنوية أن هذه الصورة لصاهل في الحقيقة، فهي تشبهه، ومن الجهة اللفظية أن هذا اللفظ يصح استعماله لمن تجوّز ولمن استعار أو حذف وأقام القرينة على ذلك، مع أن هذا الشخص صنع ذلك ولم يظهر ولم يبين للسامع، لأنه لو أظهر أو بين وأتى بقرينة تبين لعلم السامع أن القياس هكذا: هذه صورة فرس وكل فرس صهال، لكانت النتيجة هذه صورة صهال لكانت صادقة ولم يقع في الباطل، لكنه خدعه وجعله يقول في النهاية هذا صهال، فحينئذ يكون قوله هذا فرس من قبيل الكذب الشبيه بالحق، ولو كان كذبا صرفا نقول على هذا الجسم مثلا تقول لأي إنسان حتى لو كان طفلا، تقول هذا فرس يقول أنت مجنون، ما تستطيع أن تستعمل مثل هذا للسفسطة أو لإدخال الكذب عليه، تقول له هذا، لكن لو قلت له هذا خشب وكل خشب شجرة مثلا، هذه شجرة، يمكن أن يقول هذا شجر، يمكن يدخل عليه هذا، لأنك أتيت بأمر يشبه الشجرة، هو في الأصل كان شجرة، فأنت عبرت عما كان في الأصل شجرة بأنه الآن شجرة هذا يمكن أن يدخل عليه، نعم.

فيسأله وأبوه بعد ذلك يقول له يا بني ما هذا؟ يقول هذا شجرة، فدخل عليه الكذب بسبب استعمال مقدمات كاذبة شبيهة بالحق تكون شبيهة من الجهة اللفظية، تكون شبيهة من الجهة المعنوية، هذا كلام طويل يحتاج لتفصيل فُصل في كتب المنطق في مشابهة الحق بالباطل والباطل بالحق، يكفيك هنا أن تعلم أن السفسطة تكون من الكاذب الشبيه بالحق.

أو من وهميات كاذبة، القضية الوهمية، أو الأمر الوهمي منسوب لقوة تسمى في الإنسان بالقوة، أو في الحيوان عموما إنسانا كان أو غيره تسمى بقوة الوهم، وقوة الوهم هذه تستعمل لإدراك الجزئيات التي تكون في المحسوسات وليست محسوسة، لا بد من هذه القيود لفظة لفظة، تستعمل في إدراك الجزئيات التي تكون في المحسوسات وليست بمحسوسة، في المعاني الجزئية التي تتصف بها الأمور المحسوسة ولكن هذه المعاني ليست بمحسوسة، هناك معان جزئية تتصف بها المحسوسات وهي محسوسة مثلا اللون الأبيض في زيد خاصة، زيد الذي تراه بعينك، هذا لون أبيض فهو معنى جزئي موجود في زيد، لكنه محسوس بحاسة البصر، فهذا لا يدرك بقوة الوهم.

زيد نفسه ليس معنى، إنما هو جوهر وجسم ومحسوس، نعم هو محسوس فلا يحس بحاسة أو بقوة الوهم، إنما قوة الوهم تحس وتدرك المعنى الجزئي في المحسوس ولا يكون هذا المعنى الجزئي محسوس، فالبياض في هذا الجزئي بعينه محسوس هو نفس الجسم، نفسه كله محسوس، واللون الأبيض نفسه محسوس، فلا يدرك بالوهم، إنما الخوف في شخص زيد بعينه خائف أنت نظرت في وجهه فوجدته خائفا، فتقول زيد خائف، أدركت خوفا هو معنى جزئي، لأنك لم تدرك الخوف كمعنى كلي الذي يصدق بخوف زيد وبخوف عمرو، إنما أدركت خوف زيد خاصة وزيد جزئي، فخوفه جزئي، بل هو خوف في وقت معين من أمر معين بسبب معين فهو جزئي، وهو معنى في أمر محسوس؟ نعم هو معنى في أمر محسوس الذي هو زيد، وهل هو أمر محسوس؟ الخوف أمر محسوس؟ لا، الخوف ليس أمرا محسوسا وإنما هو أمر معقول.

فتكون قد أدركت معنى جزئيا في أمر محسوس وليس المعنى الجزئي محسوسا، هذا له قوة تكلم عليها الحكماء، وجعلوها من قوى الحيوان إنسانا كان أو غيره، وسموها بالقوة الوهمية التي تكون وظيفتها إدراك المعاني الجزئية غير المحسوسة الحاصلة في المحسوسات، هذه المعاني التي لا تكون محسوسة تصدق من القوة الوهمية إن حكمت بها في أمر محسوس، أما إذا حكمت بها في أمر غير محسوس فإنها تكذب.

مثلا التحيز، هل هو أمر مرئي؟ هل هو أمر محسوس؟ لا، تحيز للأجسام، التحيز للأمور التي نشاهدها ونحسها بحواسنا كلها متحيزة، هذا معنى أنت تقول زيد بعينه متحيز هذا الجسم بعينه متحيز، فتحيزه أمر معنوي ليس محسوسا وهو ثابت في أمر جزئي محسوس، فهو معنى جزئي غير محسوس ثابت في محسوس، قوتك الوهمية تصدق في ذلك، تصْدق في حكمها على أمر محسوس، عندما تنتقل من هذه الأمور التي تشاهدها وتقول كل موجود متحيز، ولا شك أنه من الموجودات ما هو مشاهد وما هو غير مشاهد، قوتك الوهمية لما حكمت على موجود بعينه ومشاهد بأنه متحيز صدقت، لما قلت كل موجود، أخذت مع الأمور المحسوسة المشاهدة أمورا أخرى غير مشاهدة غير محسوسة وحكمت عليها بقوة الوهم، لماذا قلنا إنك حكمت عليها بقوة الوهم؟ لأن حكمك كان بأمر جزئي يكون ثابتا في الأمور المحسوسة لك، وعممت فأدخلت الباري وقلت كل موجود متحيز.

لماذا؟ تقول لأنني لم أر موجودا إلا وهو متحيز، أقول لكن الباري لم يُر، لكن العقول عند الفلاسفة لم تر، لكن الروح والنفس والعقل أمور لم تر، وهم ينفون تحيزها والباري منفي تحيزه بالاتفاق فقد حكمت حينئذ بالتحيز -وهو معنى جزئي- في حق الباري وهو غير محسوس فيكذب الوهم حينئذ، فحكم الوهم في الأمور المحسوسة صادق وفي الأمور غير المحسوسة كاذب، لذلك يقول علماء الاعتقاد وعلماء الكلام إن حكم الناس بأن الله تعالي في مكان إنما هو من غلبة الوهم على عقولهم، وأنت ربما تفهم هذا الكلام خطأ، ربما تفهم لأننا نستعمل في عامية الوهم بمعنى الخطأ، هؤلاء وقعوا في الوهم بمعنى وقعوا في الخطأ، لا، هم لم يقولوا من غلبة الوهم، أي من غلبة الخطأ، يقصدون من غلبة الوهم، أي من غلبة حكم القوة الواهمة عليهم في أنهم رأوا المحسوسات في مكان فبدلا من أن يقولوا هكذا كل جسم في مكان قالوا كل موجود، فشمل الموجود ما أحس به وما لم يحس وهو الله سبحانه وتعالى، فقالوا الباري في مكان أيضا، فيكون من غلبة الوهم على عقولهم.

وقوة الواهمة مشكلتها الكبيرة أنها عندما تغلب على عقل أو في حكم يكون في درجة الأوليات، يكون في درجة البديهيات، فأنت عندما تنظر لعامي يعتقد أن كل موجود متحيز أو أن كل موجود في مكان ترى أنه يجزم بهذا كجزمه بالواحد نصف الاثنين، فالوهميات عندما تلتبس على الإنسان وتسيطر وتغلب على عقله تكون في درجة الأوليات، فيمكن أن يكون إنسان قد غلب عليه أمر وهمي فاستعمله فأوقع من سمعه في الكذب وفي الوهم الكاذب حينئذ، فتتألف المغالطة والسفسطة من وهميات كاذبة، أما الوهميات الصادقة فيؤيدها العقل، كأن تقول كل جسم متحيز، نعم، هذا يقرّه العقل لأنه يقول كذا كذا كذا مما أقاموا به الدليل على أن الأجسام متحيزة فيقره العقل والعقل يرفع يده من الوهم عندما يحكم في غير المحسوس، يقول له لا أؤيدك في هذا، إن أيده العقل في غير المحسوس يكون الصدق من جهة العقل ليس من جهة الوهم، ليس من جهة القوة الوهمية.

فقد علم بذلك أن الوهميات هي القضايا التي تكتسب بالقوة الوهمية بأن تكون هذه القضايا قد حكمت بمعنى جزئي غير محسوس يكون حاصلا في أمر محسوس، فإن كان الحكم صادقا فلا يستعمل في السفسطة وإن كان كاذبا فيستعمل فيها، فقد ظهر بذلك أنها باطلة كاذبة ومع ذلك هي شبيهة بالحق، فإن النفس الضعيفة التي لم تتقوَّ بالعلوم الحكمية لم تستطع أن تفصل القوة الوهمية عن القوة العقلية ليتبين لها الأمر ليتبين الفرق بين أن يقول كل جسم متحيز، كل جسم في مكان، وبين أن يقول كل موجود متحيز، أو كل موجود في مكان.

هذه هي السفسطة وفائدتها التي كان أصل نشأتها بسببها هي إيقاع الناس في الإيهام وفي الكذب والباطل واستعمال هذا القياس في ذلك حرام ولا يجوز لكنه قد تُتعلم وتستعمل هذه في أمر مهم وهو أن يرد أو أن تدفع شبهة من يأتي بمثلها، أن يتعامل مع من أراد إيقاع الناس في الكذب، بهذه فنوقعه في الكذب لينكشف أمرُه وليتضح بين الناس فتكون مهمة كالسم، السم الذي يقتل الإنسان ويميت لكنه قد يستعمل في بعض الأوقات لإزالة بعض الأمراض، أو قد يُعلم السم ليتوقع ولئلا تقع فيه، فكذلك هذه تعلم لتتوقع بأن تقي نفسك ممن يذكر لك سفسطة ويريد أن يغالطك، أو لتقي نفسك من أن تقع أنت في وهم كاذب أو في باطل شبيه بالحق، فتكون لها فائدة مهمة، أما استعمالها في إيقاع الناس في الكذب فحرام ولا يجوز.

هذا ما يتعلق بقوله (أقسام هذي خمسة جلية) _خطابة شعر وبرهان جدل ** وخامس سفسطة نلت الأمل) وتسمى أيضا بالمغالطة وبالمشاغبة، ولها تفصيل يطول محله ليس ذلك، ثم قال (أجلها البرهان ما ألف من ** مقدمات باليقين تقترن) وقد علمنا ذلك هو أن يؤلف البرهان من مقدمات يقينية بمعنى أن تكون جازما بها مطابقة للواقع ثابتة، فإذا كان الأمر كذلك واستعملت هذه المقدمات لإفادة اليقين، لذلك قيّد بعضهم ذلك بقوله لإفادة اليقين، ليفيد ذلك أن استعمالها لا يكون على سبيل البرهان إلا إذا قصدت إفادة اليقين، لأنك قد تستعملها لترغّب أو لترهّب فتكون خطابة، وتكون مستعملة من جهة أنها مظنونة وليست يقينية، هي يقينية في نفس الأمر نعم، لكن من يسمعك لا يعلم أنها يقينية، هو يظنها وتترجح عنده كما بينا مرارا، ثم قال:

118- مِـن أَوَّلِيَّـاتٍ مُشَاهَـدَاتِ

 

مُجَــرَّبَـاتٍ مُتَــوَاتِـرَاتِ

119- وَحَـدَسِيَّـاتٍ وَمَحسُوسَاتِ

 

فَتِلـكَ جُمــلَةُ اليَقِيـنِيَّاتِ

قال (من أوّليات) أراد أن يبيّن لك أصناف القضايا اليقينية فذكر هذه الأقسام فقال (من أوّليات) هذا بدل من قوله (من مقدمات باليقين) أي البرهان يتألف من مقدمات باليقين واستبدل ذلك بقوله (من أوليات مشاهدات إلى آخره) قال (من أوليات) القضايا الأولية هي البديهية، هي القضايا التي تُدرك من أول الأمر، لذلك سميت أولية، وذلك بأن يكون تصورك للموضوع وللمحمول كافيا في أن تصدّق بنسبة المحمول للموضوع وأن تجزم بذلك، تصور الطرفين كافٍ في ذلك، لا تحتاج لدليل، ولا تحتاج لأي شيء؟ نعم، ولا نحتاج لأي شيء.

الضروريات الآتية هي التي تكلمنا عليها في انقسام العلم لضروري ونظري، قلنا الضروري هو ما لا يحتاج لنظر ولا دليل ولا فكر ولا تأمل، والنظري يحتاج، فالأقسام الآتية كلها لا تحتاج لفكر ولا نظر، لا تحتاج لترتيب أمور معلومة للتوصل للأمر المجهول، لكن قد تحتاج لأمور أخرى، الأوليات لا تحتاج أصلا، لا لفكر ولا لنظر ولا لشيء آخر، لا تحتاج أبدا، أنت تتصور الطرفين تجزم بالنسبة، تقول لا أنا أحتاج لتصور الطرفين إذن؟ نقول لا، هي القضية لا تحصل قبل تصور الطرفين أصلا، نحن نتكلم عن قضية لا تحتاج، ولا يتحقق كونها قضية إلا بعد أن تتصور الموضوع وأن تتصور المحمول، بعد ذلك نقول هل احتاجت أم لم تحتج؟ لا.

لكن ما سيأتي من الأقسام فإنه سيحتاج لكن لا يحتاج لفكر ونظر، سيحتاج لأمور أخرى، فالأوليات كـ"الكل أعظم من الجزء"، أنت إذا سمعت الكل أعظم من الجزء تصدّق بنسبة هذه الأعظمية للكل على الجزء بمجرد تصورك للكل وللجزء، ولست تحتاج لأمر آخر فكر أو غير فكر، الكل ما تركب من جزئين فأكثر، والجزء ما تركب منه ومن غيره كل، إذا علمت معنى كل من الجزئين الكل والجزء تعلم قطعا أن الكل أعظم من الجزء، الواحد نصف الاثنين، إذا علمت أن الواحد هو هذا، وأن الاثنين هي هذه، وأن النصفية بأن يكون من الشيء ومثله شيء آخر تعلم أن هذا نصف هذه قطعا، لا تحتاج لدليل على ذلك، فالدليل كأنه موجود في الطرفين، هذه تُسمى بالقضية الأولية لما أنها تدرك أولَ الأمر ولا تحتاج لشيء آخر، المقصود أنه تدرك نسبتها وتصدق ويحصل التصديق والجزم بنسبة محمولها لموضوعها.

قال (مشاهدات) المشاهدات هنا في كلامه بمعنى الأمور التي تُدرك بالبصر، بحس البصر خاصة، هي الأمور التي تُرى، فالأمور التي تحس بحس البصر أو ربما يراد هنا أيضا المشاهدات هنا ممكن تدخل فيه الأمور المحسوسة بالحس الباطني ويمكن أن تدخلها في قوله بعد ذلك (ومحسوسات) المهم أن المشاهدات الأمور التي تشاهدها، أنا أشاهد هذا الكتاب الآن، فهذا الكتاب ووجوده من الأمور الضرورية، لا يمكن أن ينازع فيه إنسان، لو قال لي إنسان ليس أمامك كتاب، أقول حينئذ إنك تنفي أمرا ضروريا، فهو ضروري لأن حس البصر تعلق به ويراه أمامي.

قال (من أوليات مشاهدات ** مجربات) نذكر مع المشاهدات جميع الحواس الظاهرة والباطنة، فالحواس كلها عشرة، منها خمسة ظاهرة وخمسة باطنة، على ما ذكره الحكماء، ويمكن أن يؤيَّد أيضا من جهة المتكلمين، فالحواس الظاهرة هي البصر والشم والذوق واللمس والسمع، والحواس الباطنة كالحَسّ، كقوة للخيال، والقوى الوهمية، والقوى المفكرة، وكذلك الوجدان، كل هذه أمور أنت تدرك بها أمورا، أنت تدرك أنك جائع تدرك أنك عطشان تدرك أنك فرحان تدرك أنك حزين، إدراكك هذا لا يمكن أن تجحده، تشعر بأنك فرحان لا يمكن أن تقول لنفسك لعلي حزين ولست بفرحان، لا يمكن ذلك، تدرك أنك جائع، لا يمكن أن تقول لنفسك لا، لا، أنا لست بجائع، إنما هذا إحساس كاذب، لا، أنت تحس بالجوع في الحقيقة، إنما تريد أن تنفي ذلك ليس عندك طعام فتريد أن تشعر نفسك بأنك لست بجائع، فأنت لا يمكن أن تجحد ولا أن تكابر في هذه الأمور، لأن إحساسك بالجوع والعطش أمر لا يستطيع أن تنكره، فهذه من الأمور الضرورية.

المصنف هنا ذكر المشاهدات فنجعلها للمحسوس بحس البصر خاصة، لأنه الذي يطلق عليه المشاهدة، وذكر المحسوسات بعد الحدسيات، فذكر المحسوسات فيكون المقصود بالمحسوسات ما عدا حس البصر، ويمكن أن تجعل المشاهدات والمحسوسات في قسم واحد وهي قسم المحسوسات وحينئذ تكون الأقسام خمسة وليست ستة، ويبقى قسم من الأقسام الستة التي يذكرونها للضروريات لم يذكره المصنف وهو قضايا قياساتها معها، ذكرتُه في شرحي على إيساغوجي وعلى السلم أيضا.

من (أوليات مشاهدات ** مجربات) التجربة تفيدك اليقين، وهو أن تفعل أمرا فيقترن به أمر آخر، تفعل هذا الأمر مرة ثانية فيقترن به أمر آخر تفعل هذا الأمر مرة ثالثة فيقترن به هذا الأمر أيضا، فتكرر اقتران الأمر الثاني بالأمر الأول الذي فعلته مرات هذا التكرر يعطيك يقينا أن هذا الشيء هو هذا الشيء، أن هذا الشيء يحكم عليه بهذا الشيء، مثلا تأخذ دواءً، عندك مرض معين، فتأخذ شيئا من العقاقير مثلا أو طعاما أو شرابا، فترى أن هذا المرض يذهب، مرة ثانية جاءك هذا المرض وأخدت هذا الشيء فرأيت أن المرض ذهب، آخر جاءه هذا المرض فقلت له خذ هذا الشيء فأخذه، فذهب المرض، تكرر هذا الأمر فعُلم حينئذ أن هذا الشيء يذهب هذا المرض علما يقينيا لا يُجحد حتى إنك لو رأيت إنه لم يذهب هذا المرض في شخص آخر فتقول هذا الشخص فيه شيء غريب لعله أكل طعاما منذ قليل يفسد هذا الدواء عندما دخل عنده أو شيء مثل هذا، فيكون حينئذ تكرار هذا الأمر مفيدا لتيقني بأن هذا الأمر يحكم عليه بهذا الأمر كالعُشب المشهور هو السقَمونيا الذي يقولون إنه مسهل للصفراء يسهلها ويذيبها ويذهبها.

هذا العشب لما أخدوه وجدوا ذلك أنه مسهل للصفراء، هو السائل الموجود في المرارة، تكرر هذا الأمر وتكرر مع شخص وشخصين وثلاثة، وفي بلد وبلدين وثلاثة، وهكذا، فعلم أنه يصنع ذلك، فحكموا عليه بأن سقمونيا مسهل للصفراء، وغير ذلك من الأمور التي نجربها فأنت تأتي في ساعة معينة مثلا ساعة بعد الاستيقاظ من النوم، وتقرأ في الكتب فتجد نفسك تفهم، صنعت ذلك عدة مرات فتجد نفسك تفهم، فنصحت صديقك فوجد أنه أيضا في مثل هذه الساعة يفهم بجودة سوى باقي ساعات اليوم، نصحت آخر والثالث والرابع والخامس فوجدت الأمر قد نجح مع الجميع، فتقول حينئذ هذه الساعة الذهن صاف وقوي فيها، حكمت عليه بذلك من جهة التجربة، لأن الأمر لما تكرر معك ومع غيرك عُلم أن هذا الوقت يؤثر بشيء معين على الذهن وعلى العقل، فيجعله قويا، هذا من قبيل الحكم اليقيني الحاصل بالتجربة.

فتكون التجربة هي أن يتكرر أمر مع أمر باختيارك ليحكم بالثاني على الأول، قال (متواترات) المتواترات الأخبار التي ينقلها جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، جاءك أشخاص من مصر وأخبروك بخبر وجاءك أشخاص من العراق وأخبروك بخبر في وقت لا يمكن أن يلتقي هؤلاء مع هؤلاء، وجاءك أشخاص من فلسطين وأخبروك بخبر -بنفس الخبر- وجاءك أشخاص من مكة وأخبروك بنفس الخبر، حينئذ مثلا كأن يكون قد أخبروك بأمر حصل في السماء، والكل رآه في هذه البلاد، أو أخبروك عن شخص عالم مثلا وهذا العالم وجد في كل هذه الأماكن، فكل هؤلاء أخبروك بخبر عنه واحد بصفة فيه وأنت تعلم يقينا أن هؤلاء يستحيل في العادة أن يجتمعوا ليتفقوا على أن يكذبوا.

فحينئذن تقول هؤلاء استحال عادة تواطؤهم أي اتفاقهم علي الكذب، فخبرهم يفيدني اليقين، ولا يمكن أن أجحده، خرجت وردت فسمعت الناس يحدثونك عن مكة، يحدثونك عن مكة، يحدثونك عن الكعبة، هؤلاء يحدثونك، هؤلاء يحدثونك، وهؤلاء يحدثونك، ليس من الممكن أن يكذب كل هؤلاء ولا أن يجتمع كل هؤلاء على أن يكذبوا عليك فحينئذ تجزم بوجود مكة وبوجود الكعبة فيكون هذا الخبر متواترا لأنه جاء واحد تلو واحد تلو واحد تترى جاؤوا تترى أي متتابعين بكثرة، وأخبروك بهذا الخبر بشرط أن يستحيل عادة أن يجتمع هؤلاء ويتفقوا وأن يقولوا نكذب على فلان.

إنما لو أمكن أن يحصل، كأن يكون هؤلاء الذين أتوك من العراق ومن مصر ومن مكة ومن فلسطين حضروا ندوة أو في مكان حضروا طعاما في وقت معين اجتمعوا ثم بعده أخبروك فإن العادة لا تحيل أن يكذبوا عليك، لأنه ممكن في هذا الاجتماع أن يقولوا نريد أن نكذب على فلان في خبر كذا، يمكن أم لا؟ يمكن، مع أن خبرهم بعدد كبير كالعدد السابق، أو هم نفس الأشخاص، ليس كالعدد فقط بل هم نفس الأشخاص، لكن حصل أمر فغير اليقين غير الاعتقاد وجعله ضعيفا، هو أنهم اجتمعوا، لكن لو علمت أنهم أتوا الآن من هذه البلد وهؤلاء أتوا الآن من هذه البلد وهؤلاء أتوا الآن من هذه البلد مع تباعد هذه البلدان ومع عدم اجتماعهم تتيقن الخبر، هذا يسمى بالمتواتر، والمتواتر يفيد اليقين من جهة النقل وإن كان لا يفيد اليقين من جهة اللفظ هذا مبحث طويل يُذكر ويفسر في علم الكلام.

(وحدَسيات) بفتح الدال في النظم لضرورة النظم، وإنما هي بسكون الدال، حدْسيات لأنها منسوبة للحدْس، والحدس يعرفونه بأنه سرعة الفكر، فالحدس فكر سريع، هذا الذي قيل، وهو مشهور أنك في الفكر الذي عرفناه أول شرح هذا الكتاب تقول قضية مثلا هي "العالم حادث" كانت مطلوبة، أنت لا تدري هل هو حادث أو ليس بحادث، فأنت تطلب التصديق بهذه النسبة، فهذا مطلوب، لتصل إلى التصديق بها ماذا تصنع؟ نصنع الذي ذكرناه في الأشكال أنك تنتقل من هذا المطلوب إلى المبادئ، أي المقدمات التي يتألف منها دليل هذه القضية، تنتقل منها إلى الصغرى ومن الصغرى إلى الكبرى وبمجرد انتقالك إلى الكبرى يحصل التصديق بالمطلوب دفعيا دون أن تملك ذلك.

أنت لا تدري هل الإنسان جسم؟ وسألت شخصا هل الإنسان جسم؟ فقال كل إنسان حيوان، وأنت تصدق بهذه كانت عندك في معلوماتك، أو لا تصدق، وأقام عليها الدليل إلى أن وصل إلى الضرورة، وكل حيوان جسم بمجرد الوصول إلى الحد الأكبر وهو جسم يحصل التصديق بأن كل إنسان جسم، فما هو المطلوب؟ وما الأمر اللازم للوصول إلى التصديق بأمر مجهول؟ المطلوب حركتان، أن تتحرك من المطلوب إلى المبادئ، هذه حركة ضرورية، أن يتحرك ذهنك من المطلوب ليبحث -كما قلنا أول هذا الكتاب- ليبحث عن معلومات تناسبه، هذه حركة، انتقلنا فيها من المطلوب إلى المبادئ، ثم بعد أن تتحصل على المبادئ وعلى المعلومات تتحرك فيها بأن تأتي بهذا المعلوم هنا وبهذا المعلوم هنا وتُحدث ترتيبا ذكرناه في تعريف الفكر ترتيب أمور معلومة، وتحدث ترتيبا، فهذه هي الحركة الثانية.

الحركة الأولى تبدأ من المطلوب وتنتهي بالصغرى، الثانية تبدأ من الصغرى أو تبدأ من الصغرى والكبرى من حصولك عليهما في تفتيشك وبحثك وتنتهي بحصول الترتيب، بحصول الصورة التي حصلت للمقدمتين، وتنتهي بالوصول إلى الحد الأكبر، بالوصول إلى نهاية الكبرى، فهنا حركتان، لذلك عرفوا الفكر بعضهم عرف الفكر بأنه حركة النفس في المعقولات، أي هو حركتان في المعقولات، هذه الحركات التي ذكرناها.

الحَدْس هو ألا تحدث هذه الحركات، وإنما يحصل المطلوب مع المبادئ معا، لا ننتقل من مطلوب لمبدأ ثم ننتقل في المبدأ ونرتبه فيحصل المطلوب الذي كان مطلوبا يحصل ويكون نتيجة لا، إنما أن تسنح المبادئ والمطالب دفعة، وهذه يسميها الحكماء بالقوة القدسية، ويقولون هذه التي أيد بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ويؤيد بها كبار الأولياء وكبار الحكماء من البشر، فيقولون هذا شخص مؤيَّد بقوة قدسية، يقصدون الحدس، فإنه بمجرد أن يخطر في باله وأن يأتي في ذهنه قضية لم يصدّق بها ولم يعرفها يأتي معها على الفور تأتي معها مبادئها فيحصل تصديقها، هذا يسمونه بالحدس، أنه يعرف على التوّ على الفور.

وربما أُلحق الكشف أو أدخل الكشف في الحدس، فجعل من قبيل الحدس، أو يجعل الحدس من قبيل الكشف، والله أعلم بذلك، لكن ربما يكون الأمر كما ذكر بعضهم، مثلا أنت دخلت ووجدت إناء حوله قطرات من الماء، إناء به ماء وحول هذا الإناء قطرات من الماء على الأرض، فهناك قضية هي هل هذا -قضية مطلوبة مسؤول عنها- هل هذا الماء من هذا الإناء؟ هذه القضية تأتي في ذهنك أم لا؟ أنت إذا رأيت أي ماء على الأرض تسأل من أين هذا الماء؟ فعندما رأيت هذا الماء حول هذا الإناء يأتي في ذهنك على الفور قضية مطلوبة هي من أين هذا الماء؟ أو هل هذا الماء من الإناء أم لا؟ ومع هذه القضية التي تحضر يحضر معك أنها من الإناء، لماذا؟ لأنه لا يوجد ماء سوى هذا الماء الذي هو في الإناء وأن هذا المتقطر بجوار الإناء، فالذي يحصل لك على الفور هو هل هذا الماء من الإناء ثم يحصل معه أن هذا ماء قريب من الإناء ولا يوجد ماء غيره قريب -قريب قيد- ولا يوجد ماء غيره، وكل ما كان كذلك فهو منه، فيحصل أنه منه، لكن لا يحصل الأمر كذلك، لا يحصل أنك تنتقل وتقول هل هذا الماء من الإناء؟ ثم تقول الصغرى هذا الماء قريب من الإناء، ولا يوجد ماء سوى ما في الإناء وكل ما كان كذلك فهو من الإناء صدقت بأنه ماء من الإناء، لا يحصل هذا، إنما تسنح المبادئ التي هي المقدمات مع هذا المطلوب على الفور.

فلك أن تقول إنه قد حصل المطلوب على وجه السرعة فهو فِكر سريع لأن الانتقال في الحقيقة في الفكر الذي درسنا وتكلمنا عنه في الأشكال الأربعة وفي الاستثنائي فكر متدرج، فيه تدريج تنتقل من شيء لشيء ومن شيء لشيء فيحصل المطلوب، إنما هذا فيه انتقال دفعي، فإن نظرت إلى أن فيه انتقال ولو أنه سريع فتعرف الحدس بأنه سرعة الفكر أو سرعة الانتقال من المبادئ للمطلوب، وإن نظرت إلى أنه ليس فيه حركة بل قد حصل في ذهنك أن الماء من الإناء وحصل في ذهنك معه المقدمات التي ذكرناها، حصلت على الفور، فليس هناك سرعة، ليس هناك انتقال أصلا حتى يكون سريعا أو بطيئا فتعرف الحدْس حينئذن بأنه سنوح المبادئ التي هي المقدمات والمطالب التي هي القضية التي ستكون نتيجة، سنوح المبادئ أي خطورها وحصولها في الذهن والمطالب* دفعة واحدة، وليس هناك انتقال ولا سرعة، هذا ما يتعلق بالحدْس ولا شك أنك ترى أن هذا يقيني، يحدث عندك يقينا لا تشك فيه فتكون الحدسيات من قبيل الضروريات.

(من أولويات مشاهدات ** مجربات متواترات) (وحدسيات ومحسوسات ** فتلك جملة اليقينيات) هذا ما يتعلق بالبرهان فإن تألف القياس من صنف من هذه الستة، من أوليات صرفة فيكون برهانا أو من مشاهدات صرفة، أو من مجربات صرفة يكون برهان أو من بعضها مع بعض من قضية أولية مع قضية مشاهدة من قضية محسوسة مع قضية مجربة، يكون أيضا برهانا، لكن إن تألف من واحدة من هذه القضية الست من هذه الضروريات مع قضية مظنونة مثلا، يلحق بالخطابة تألف من واحدة من هذه مع قضية مشهورة أو مسلمة يكون جدلا ولا يكون برهانا، هذا ما يتعلق بأقسام الحجة الخمسة وكونها نقلية وعقلية، وكون العقلية برهانا وجدلا وخطابة وشعرا وسفسطة، ومن كون أقسام اليقين أو اليقينيات الأوليات والمشاهدات والمجربات والمتواترات والحدسيات والمحسوسات.

انتهينا من الكلام على القياس مادة وصورة، قد ذكرنا أن صور القياس تكون اقترانية تكون استثنائية، والاقتراني يكون على شكل من الأشكال الأربعة، وكل شكل له ضروب تكون منتجة بعد تحقق الشروط، والاستثنائي ذكرنا فيه مثل ذلك، ثم تكلمنا على مادة القياس وبيّنا أن القياس يتعدد بحسبها لخمسة أقسام لبرهان وجدل وخطابة وشعر وسفسقة.

وأن المعتدّ به والمعتبر في العلوم ومسائلها خاصة التي يطلب فيها اليقين هو البرهان، فهو العمدة في ذلك وهو الذي تبني عليه العلوم الحِكَمية قطعا بجميع فروعها وأصولها، وتبنى عليه غير العلوم الحكمية من العلوم التي لا يُطلب فيها اليقين، كعلم الفقه، فإن البراهين فيه تكون قليلة، لكن البرهان هو المعتمد في إنتاج اليقين، وما عدا ذلك يستعمل بحسب المقام.

فعلم بذلك أن الكتب العلمية والعلوم التي يطلب فيها الحق، ويطلب فيها اليقين لا الظن، ينبغي ألا تخلو مسائلها وفصولها وأبوابها من البراهين، ثم تكلمنا عن اليقين الذي يكون في البرهان، وقسمناه لستة أقسام.

بعد ذلك ذكر المصنف مسألة هي من علم الكلام في الحقيقة وذكرها هنا لزيادة الفائدة، بعد أن أنهى الكلام على القياس مادة وصورة أراد أن يبين حكم استلزام القياس للنتيجة، هل يمكن أن تتخلف النتيجة عن القياس؟ بمعنى أن القياس الذي شرحناه وبيناه بأشكاله إن تحقق فيه ما ذكر، تحقق وجود الحد الوسط في شكل من الأربعة وتوفرت الشروط، هل يجب حينئذ أن تحصل النتيجة في الذهن؟.

إنسان تصور الحد الأصغر وتصور الأوسط وحكم بالأوسط على الأصغر في الصغرى وتصور الأكبر وحكم بالأكبر على الأوسط فيكون قد علم الحكم بالأكبر على الأوسط وبالأوسط على الأصغر، هل يمكن ألا يعلم الحكم بالأكبر على الأصغر مع أنه علم أن الأصغر اندرج في الأوسط والأوسط اندرج في الأكبر؟ فهل حينئذ يمكن ألا يعلمَ اندراج الأصغر في الأكبر؟ مع علمه باندراج الأصغر في الأوسط وباندراج الأوسط في الأكبر؟ أم أنه يجب أن يحصل ذلك ؟ متى علم اندراج الأصغر في الأوسط والأوسط في الأكبر يجب أن يحصل عند العلم بذلك العلم باندراج الأصغر تحت الأكبر؟.

ذهب الشيخ الأشعري رحمه الله على أصله المعروف في علم الكلام من أنه أراد ألا يجعل بين أمرين تلازما يجعل القدرة الإلهية عاجزة عن خلق الثاني عند وجود الأول، أراد أن يصنع ذلك وطرد ذلك في المذهب واعتنى بذلك جدا، وهو أن يجعل القدرة لا تعجز عن مثل هذا وتتعلق بمثل هذا فيأتي في مثل هذا ويقول يمكن مع أن الأمر صعب جدا أن تتصور أن شخصا يعلم اندراج الشيء في الشيء ويعلم اندراج الثاني في الثالث ولا يعلم أن الأول اندرج في الثالث، أن تعلم أن هذه الورقة في هذا الكتاب وأن هذا الكتاب في هذه المكتبة ولا تعلم أن هذه الورقة في هذه المكتبة، هذا كما يبدو صعب لكن الشيخ الأشعري قال ذلك التلازم بين النتيجة وبين الدليل عادي، بحسب جري العادة.

ولا شك أن الله تعالى يمكن أن يخرق العادة فيمكن أن يخلق الحد الأصغر في عقل وأن يخلق الأوسط مع العلم بأنه محكوم به على الأصغر وأن يخلق الأكبر في تصور هذا الشخص مع خلقه العلم في هذا الشخص لكون الأكبر محكوما به على الأوسط ولا يخلق العلم بأن الأكبر محكوم به على الأصغر، هذا الذي قاله الشيخ الأشعري وضعفُه ورِكَّته ظاهرة جدا، لما وجد ذلك إمام الحرمين وكثير من أتباع الشيخ الأشعري رحمه الله كالإمام الفخر الرازي، لما وجدوا ضعْف هذا القول قالوا لا يمكن، بل هناك تلازم عقلي، أي لا يتصور العقل أن يعلم أحد الصغرى والكبرى ولا يعلم النتيجة حتى وإن وصل في الغباء لدرجة كبيرة، فإن الذي يؤهله لمعرفة الصغرى ولمعرفة الكبرى يؤهله لمعرفة النتيجة بلا شك، فمتى علمت الصغرى وعلمت الكبرى علمت النتيجة بمجرد وصولك للحد الأكبر تكون قد وصلت إلى النتيجة.

وبينوا استحالة الانفكاك، ثم أجابوا عن الشيخ الأشعري بأن ذلك لا يوجب عجزا في القدرة ولا يوجب أن الله سبحانه وتعالى ليس قادرا على عدم خلق النتيجة، إنما قالوا إذا أراد ألا يخلق النتيجة في ذهن أحد فإنه لا يخلق القياس أصلا، لا يخلق القياس في ذهنه والنتيجة، إنما أن يخلق وأن يوجد القياس في ذهنك ولا يخلق النتيجة قالوا هذا مستحيل لأن التلازم بين النتيجة والقياس تلازم عقلي بمعنى أن العقل لا يتصور الانفكاك بين هذا القياس وبين نتيجته، لذلك كان تلازما عقليا لأن الاستحالة جاءت من جهة العقل.

قالوا مثل الجوهر والعرض فماذا يقول الشيخ الاشعري في ذلك؟ هو لا يستطيع أبدا أن يقول بأن الله يمكن أن يخلق الجوهر دون أن يخلق العرض، هو نفسه يقر بأنه إذا أراد الله أن يعدم الأعراض فإنه لا يمكن أن يعدم الأعراض مع بقاء الجوهر بل يعدم الجوهر فتنعدم الأعراض، قالوا الأمر في القياس والنتيجة مثل ذلك، إذا أراد أن يعدم النتيجة فإنه لا يجعل القياس يأتي ولا يُخلق في ذهن هذا الشخص أصلا.

ولا شك أن مذهبهم قوي وحجتهم واضحة خاصة أنهم قاسوه على كل متلازمين، فإن الشيخ الأشعري لا يستطيع أن ينكر التلازمات بين الأشياء فليجعل هذا من قبيل هذا التلازم أيضا، إننا لو قلنا النتيجة تلازم القياس تلازما عقليا فإن ذلك يقتضي أن الله عاجز على حَجْب العلم عن الشخص -مع علمه بالدليل- أن يحجب عنه العلم بالنتيجة؟ أن نقول ذلك ليس بصحيح.

لأنك لو قلت ذلك هنا فلتقل ذلك في الجوهر والعرض، في الأربعة والزوجية هل يمكن أن يخلق الله الأربعة دون أن يخلق الزوجية؟ وبينهما التلازم كما بين الجوهر والعرض وبين الدليل أو بين القياس والنتيجة، ولا يستطيع الشيخ الأشعري أن يقول بذلك، أن يقول بأن الله يخلق الأربعة دون أن يخلق الزوجية، تقول له ماذا؟ تقول فيما إذا أراد الله أن يعدم الزوجية، يعني هناك غرفة أو حجرة مثلا فيها أربعة نفر ففيها زوجية، فيها عدد زوج، إذا قلت للشيخ الأشعري الزوجية هنا تلازم الأربعة، تلازم هؤلاء الأشخاص هل يمكن أن يعدم الله هذه الزوجية، أن يعدم وجود عدد زوج في هذه الغرفة مع وجود الأربعة؟ لا يستطيع أن يقول "نعم"، إذا أراد أن يعدم الزوجية فليعدم الأربعة، أن يجعلها ثلاثة أو واحد، أو أن يُذهب الأربعة من الغرفة، هذا الذي يقال، إنما أن تقول إذا لم يستطع أن يعدم الزوجية عند وجود الأربعة فإنه عاجز عن إعدام الزوجية فنقول ذلك ليس بصحيح لأنه من المعلوم أن إعدام اللازم عند وجود الملزوم مستحيل والقدرة كما ذكر في مبحث القدرة في علم الكلام لا تتعلق بالمستحيل، قدرة الباري لا تتعلق بالمستحيل.

حتى أولوا قوله تعالى «والله على كل شيء قدير» والله على كل شيء -عموم-، أولوه بالاتفاق بكون صفة الشيء محذوف أي والله على كل شيء ممكن قدير، ولا يمكن أبدا أن تعمم الشيء هنا مع أن العموم ظاهر في الآية لكنها تصرف عن ظاهرها لأن من الأشياء ما هو واجب ومنها ما هو مستحيل والقدرة لا تتعلق بالواجب ولا تتعلق بالمستحيل، و إلا لتعلقت بذات الباري فذاته واجبة فاستطاع أن يعدم نفسه ويكون قادرا على إعدام نفسه وكذلك أن يوجد الشريك فوجود الشريك مستحيل فلو قلت القدرة تتعلق بالمستحيل لجاز أن يوجد الشريك مع أن ذلك مستحيل، فهنا نقول مثل ذلك، نقول إعدام اللازم الذي هو النتيجة حالة وجود الملزوم مستحيل والقدرة لا تتعلق به، هذا الذي قاله الشيخ الأشعري ولم يتبعه فيه كثير من أصحابه.

وهناك من يقول بهذا التلازم العقلي، الذين قالوا به من أهل السنة الأشاعرة قالوا بالتلازم العقلي فقط، والقياس بخلق الله والنتيجة بخلق الله، كلّ منهما بخلق الله وليس للعبد فعل أبدا، إنما هو يكتسب المقدمات، يكتسب البحث والتفتيش على ما ذكرنا في قاعدة الكسب عند الشيخ الأشعري في شرح علم الكلام، في شرح الخريدة وفي شرح أم البراهين، إنما هو يكتسب المقدمات فإذا اكتسب المقدمات بمعنى أنها حصلت في ذهنه وأوجدها الله، اكتسابها بمعنى أن الله أوجدها في ذهنه بقدرته الاختيارية، تأتي النتيجة دفعة بايجاد الله أيضا، فمعنى التلازم العقلي أن النتيجة تأتي متى حصلت المقدمتان، ليس أن النتيجة يوجدها الشخص أو توجدها المقدمات، إنما كل منهما بإيجاد الله، لأنه لا موجد عند أهل السنة إلا الله.

هناك من قال بالتلازم العقلي كما قال به إمام الحرمين والفخر الرازي وغيرهما من الأئمة لكن جعلوا المقدمات مؤثِّرة في النتيجة، هي التي توجد النتيجة، تلازم عقلي موجود، النتيجة لا تتخلف عن القياس كما قال به إمام الحرمين لكن الفرق أنهم قالوا أن المقدمات هي التي توجد النتيجة، وفرق كبير بين من يقول بالتلازم العقلي بين النتيجة والمقدمات أي يقول بعدم انفكاكهما ولكن المقدمات بخلق الله والنتيجة أيضا بخلق الله، وبين من يقول هناك تلازم عقلي بين النتيجة والمقدمات ولكن النتيجة بخلق المقدمات، بإيجاد المقدمات.

المقدمتان هما اللتان وجدتا وخلقتا النتيجة، هذا القول هو قول الفلاسفة الذين يقولون بالتعليل فإنهم قالوا بأن القياس علة والنتيجة معلول والعلة توجد المعلول، هذا الذي ذكر وحكي وانتشر في أكثر الكتب في علم الكلام وفي هذه المسألة في كتب المنطق التي ذكرتها، لكن المسألة في الأصل كلامية، فهذا الذي ذكرته لكم عن الفلاسفة هو المذكور في كثير من كتب علم الكلام وليس ذلك بصحيح وليس موافقا لمذهب الفلاسفة في الحقيقة وإن حكاه عنهم كثير من كبار العلماء.

إنما الحق في نقل مذهب الفلاسفة كما نص السيد الشريف رحمه الله في شرح المواقف، الحق في مذهب الفلاسفة أنهم لا يقولون بأن المقدمات توجد النتيجة، إنما يقولون بأن الموجد هو العقل الفياض وهو الذي يَفِيض بالآثار على الموجودات كلها متى توّفرت الشرائط، فيقولون بأن الذي يوجد المقدمات في النفس هو العقل الفياض وهو العقل العاشر الموجود في القمر، يفيض بالمقدمات على الشخص على الذهن على العقل، وإذا تحققت هذه المقدمات، إذا أفاض بها على الذهن فإنه بحكم التلازم يفيض أيضا بالنتيجة، فليست المقدمات هي الموجدة للنتيجة في الحقيقة، لكن الكتب الكلامية تتساهل وتحكي مذهب الفلاسفة على أن الموجد للنتيجة هي المقدمات فظهر بذلك أن التلازم بين النتيجة والمقدمة عقلي عند من قال بذلك من الأشاعرة مع كون كل من القياس من المقدمات والنتيجة بخلق الله.

والتلازم عقلي أيضا بين النتيجة والقياس عند الفلاسفة، لكن الخالق والموجد للنتيجة ليس الله، إنما هي المقدمات هذا على ما يذكر في أكثر الكتب الكلامية، إنما الخالق هي المقدمات، فيكون قد زادوا على التلازم العقلي التعليل أي المقدمات علة في النتيجة بمعنى أنها أوجدتها، والذي يذكر في كتب الفلسفة، التعليل بمعنى أن النتيجة علة في كون العقل الفياض يفيض بالنتيجة على الشخص الذي تحققت في ذهنه المقدمات، وذلك له كلام طويل يذكر في محله من كتب الفلسفة.

المعتزلة لا يقولون بما يقول به الشيخ الأشعري من القول بالعادة ولا يقولون بما يقول به الفلاسفة من القول بالتعليل فلا يوافقون في القول بالعادة ولا يوافقون في القول بالتعليل، ولا يقولون بأن الخالق لأفعال البشر هو الله، وإنما يقولون هو الإنسان، فالخالق لفعل الإنسان هو الإنسان فهم يقولون بالتلازم العقلي كما قال به إمام الحرمين وغيره وكما قال به الفلاسفة، هنا بالتلازم العقلي بين النتيجة والقياس بمعنى أنه متى حصلت المقدمات وحصل القياس حصلت النتيجة، لكن لا يقولون بالتعليل فلا يقولون بأن المقدمات توجد النتيجة، إذن الذي يوجد النتيجة هو الله؟ لا، الذي يوجد النتيجة عندهم هي المقدمات؟ لو قالوا بذلك لقالوا بالتعليل كما قالت الفلاسفة.

وهم يريدون الفرار وأحبوا في مذهبهم بالكامل أن يفروا من أصول الفلاسفة خاصة القول بالتعليل، فماذا يصنعون؟ وعندهم أن العبد يخلق أفعال نفسه، فماذا قالوا في المقدمات؟ هل يقولون إنها بخلق الله؟ لا، لو قالوا إنها بخلق الله وأن الله هو الذي يخلق المقدمات في ذهنك لبطل الثواب والعقاب حينئذ ولبطل المدح والذم، لماذا تذم شخصا أنه علم هذا الأمر؟ أو تمدحه أنه علم هذا الأمر مع قولك بأن الله الذي أعلمه مع قولك بأن المقدمات التي جاءت في ذهنه الله الذي خلقها؟ إذن ماذا تقولون؟.

قالوا لا، هي بخلق العبد، هو الذي أوجد هذه المقدمات في ذهنه، سعى لتحصيلها وحصلت في ذهنه بخلقه، هذا مذهبهم على ما يعلم في علم الكلام، ثم ماذا يصنعون في النتيجة حينئذ؟ يقولون إنها بخلق العبد؟ هذا لا يمكن أن يقال إنها بخلق العبد لماذا؟، لأن العبد لو كان كذلك لم يباشر إيجاد النتيجة، لأنه لا يمكن أن يوجد النتيجة بدون المقدمات.

إذن لا بد من أن توجد النتيجة بسبب المقدمات فيجعلون وجود النتيجة فرعا عن إيجاد العبد للمقدمات فيجعلونه فعلا وخلقا مترتبا على خلق وفعل آخر، هذا يسمونه في مذهبهم بالتولد والتوليد، هذا خاص بالمذهب المعتزلي، أنهم يقولون بالتولد، لأنهم رأوا أمورا لا يستطيعون أن يقولوا إن العبد هو الذي خلقها، وفي نفس الوقت لا يستطيعون القول بأن أمورا أخرى هي التي أوجدتها لأنهم لا يقولون بالتعليل، فماذا يصنعون؟ فيقولون أمور مرتبة، هذه أمور وجدت مرتبة على أمور أوجدها العبد ويسمونها بالتولد أو التوليد ويعرفونه بأنه أن يوجد الفعل فعلا آخر، فالتولد هو أن يوجد الفعل لفاعله فعلا آخر، جعلوا هذا الفعل أيضا منسوبا لفاعله.

مثلا أنت ضربت شخصا فاحمرّ وجهه أو جسمه هنا فعلان ضرب واحمرار، هذا الضرب من فعله؟ والاحمرار من فعله؟ من أوجد الأمرين؟ على قاعدة الإمام الأشعري الذي أوجد الأمرين باستقلال هو الله وهذا يجري فيه حكم عادي أن يضرب شخص ولا يحمر وجهه فينفك الثاني عن الأول، تجري فيه قاعدة الشيخ الأشعري من الارتباط العادي، إنما لا تجري في مثل القياس والنتيجة ولا تجري في مثل الجوهر والعرض، فيقول الاحمرار ليس من إيجاد العبد ولا من إيجاد الضرب والضرب ليس من إيجاد العبد، إنما هو بكسبه، وهو بإيجاد الله على ما يذكر في مذهبه، والفلاسفة يقولون إن الموجد للاحمرار هو الضرب أو العقل الفياض بواسطة الضرب على ما هو التحقيق من مذهبه.

والمعتزلة يقولون الموجد للضرب هو الشخص الضارب، نفس الشخص موجد لفعله، موجد للضرب، لحركة اليد، والموجد للاحمرار لا يمكن أن يقولوا الضرب لأنهم لو قالوا الضرب لكان عندهم التعليل، الضرب علة وموجد للاحمرار، إنما يقولون هو منسوب لنفس الضارب بسبب فعل فعله، تفصيل ذلك والرد عليهم وبيان ما يتعلق بهذه المسألة يكون في محله من علم الكلام.

كذلك اجعل القياس كالضرب واجعل النتيجة كالاحمرار ماذا يقولون فيها؟ يقولون إنه أوجد المقدمات كما أنه أوجد الضرب، ففعله هذا الذي هو المقدمات والضرب نتج عنه فعل آخر هو النتيجة كما نتج عن الضرب الاحمرار فالفعل الأول منسوب للعبد وللشخص إيجادا وخلقا والثاني منسوب للشخص تولدا لأنه تولد عن فعله، فليس منسوبا لله وليس منسوبا للشخص مباشرة وليس منسوبا للمقدمات، هذا فيما يتعلق بالقياس والنتيجة والخلاف في ذلك، إنه عادي تنفك النتيجة عن القياس وذلك قول ظاهره فاسد، أن التلازم عقلي ثم هل النتيجة مخلوقة بالمقدمات أم بالتوليد أم مخلوقة لله فهذا قول جمهور الأشاعرة مع قولهم بالتلازم لأن كثيرا من الطلاب وممن يقرأون هذه المسألة لا يستطيعون فهم القرق بين القول بلزوم عقلي وبين ما قاله الفلاسفة، فرأيت أناسا يقرأون هذه المسألة ويقولون من يقولون بالتلازم العقلي لا بد أن يقول بقول الفلاسفة فهم لا يتصورون الانفكاك بين الأمرين، نقول لا، كل من عدا الشيخ الأشعري فهو يقول بالتلازم العقلي، الكل سوى الشيخ الأشعري يقول بالتلازم العقلي أي لا تنفك النتيجة عن المقدمة.

ثم إن قال إن النتيجة بخلق الله والمقدمات بخلق الله فهم جمهور الأشاعرة، إن قال إن النتيجة بخلق المقدمات هم الفلاسفة، إن قال بأن النتيجة بالتولد عن فعل العبد فهم المعتزلة، لذلك قال المصنف:

120- وَفِـي دلاَلَـةِ المقَـدِّمَـاتِ

 

عَـلَى النَّتِـيجَـةِ خِـلاَفٌ آتِ

نحن علمنا أن المسألة في بيان استلزام المقدمات للنتيجة في الارتباط بين النتيجة والمقدمات، فهو هنا يقول (وفي دلالة) فعبر عن ارتباط بالدلالة، هذا تجوّز، لأن هناك ارتباط بين الدال والمدلول فالدلالة ارتباط، لأن القياس أو الدليل لا يدل على النتيجة، بالنسبة للدلالة اللغوية التي درسناها في باب الدلالة، تقول القياس معناه أو مفهومه الذي يدل عليه لفظه في الحقيقة إذا دققت النظر وجدت أن لفظ القياس لا يدل على مفهوم النتيجة.

"العالم متغير وكل متغير حادث" هل ما تفهمه من المقدمتين معا هو مفهوم قولك "العالم حادث"؟ لا، فلا يدل القياس -قطعا على كل الأقوال- لا يدل القياس على النتيجة، فلذلك لا بد أن نرتكب التجوز في عبارة المصنف في قوله (وفي دلالة المقدمات على النتيجة خلاف) لا، ليس فيه خلاف، لأن المقدمات لا تدل على النتيجة، إنما لو قلت (وفي ارتباط) وفي ارتباط المقدمات بالنتيجة (خلاف آت) لكان الأمر واضحا.

نعم، الخلاف جرى في ارتباط المقدمات بالنتيجة، لكن هناك أمر آخر وهو أن المقدمات مرتبطة بالنتيجة قطعا، النتيجة في نفسها مرتبطة بالمقدمات قطعا، لا يمكن أن تحدث انفكاك بينهما في ذات النتيجة وفي ذات المقدمة، لماذا؟ لأن النتيجة فيها حد موجود في الصغرى والنتيجة فيها حد آخر موجود في الكبرى وهناك حد وسط ربط بين المقدمات، فبين المقدمات وبين النتيجة ارتباط في ذاتهما فأيضا في قوله وفي ارتباط -بعد التأويل، بعد ارتكاب المجاز- ففي قوله "وفي ارتباط المقدمات بالنتيجة خلاف" أيضا ليس فيه خلاف، فلا بد من ارتكاب مجاز آخر بالحذف وهو أن تقول "في ارتباط العلم أو الظن بالمقدمات بالعلم أو الظن بالنتيجة خلاف" فإن الخلاف جرى ليس في المقدمات والنتيجة في ذاتهما، إنما في أن نعلم بالنتيجة عقيب العلم بالمقدمات، أن نظن النتيجة عقيب الظن بالمقدمات، ما الأمر في ذلك؟ هذا الذي اختلف فيه.

إذا قلت للشيخ الأشعري "العالم حادث" في ارتباطها بـ"العالم متغير وكل متغير حادث"، هل يمكن أن ينفك هذا الارتباط؟ يقول لك لا، لا يمكن أن ينفك، كيف تفك هذا الارتباط بينهما؟، إما قوله "عادي" في أن يعلم الشخص بالنتيجة بعد علمه بالمقدمات، فهذا هو تصوير الخلاف فعلى ذلك نرتكب التجوز في كلام المصنف في أمرين، في تأويل الدلالة بالارتباط وفي تقدير مضاف محذوف، "وفي ارتباط العلم أو الظن"، لأن القياس ينتج نتيجة قطعية معلومة أو نتيجة مظنونة على ما ذكرنا في الخطابة، "وفي ارتباط العلم أو الظن بالمقدمات بالعلم أو الظن بالنتيجة خلاف آت" ثم أجمل ذكر المذاهب بقوله:

121- عَقـلِيٌّ أو عَـادِيُّ أو تَوَلُّـدُ

 

أَو وَاجِـبٌ وَالأَوَّلُ المـؤَيَّـدُ

(عقلي) هذا كل المذاهب سوى من قال بالعادة وهو الشيخ الأشعري، لكنه قصد به هنا جمهور الأشعرية، الجمهور مِن أتباع الشيخ الأشعري (أو عادي) يقصد الشيخ الأشعري على ما بينا، (أو تولد) هو عقلي أيضا لكنه لما زاد على كونه عقليا، زاد أنه يقول بالتولد، بأن النتيجة وجدت ومنسوبة للعبد أو للشخص بواسطة إيجاده للمقدمات عبّر عنه بالتولد مع أنك يمكن أن تعبر عنه بأنه عقلي بالتولد، هو اختصر وعبر عنه بالتولد.

قال (أو واجب) أي معلول، فالنتيجة موجودة بالوجوب، الوجوب عقلي أيضا، تلازم عقلي فإنه لا يمكن أن يوجد الوجوب بغير التلازم العقلي، الوجوب هو ألا ينعدم الشيء وإذا لم يكن ينعدم هذا الشيء الواجب كان لزومه عقليا بلا شك، فاللزوم العقلي يشمل المذاهب الثلاثة، يشمل قول جمهور الأشعرية سوى الأشعري ومن تبعه ويشمل قول المعتزلة وقول الفلاسفة، عبر عن قول المعتزلة هنا بالتولد وعن قول الفلاسفة بالوجوب فإنهم القائلون بوجوب المعلول عند علته.

ثم قال (والأول المؤيد) فلم يؤيد قول الفلاسفة ولا قول المعتزلة لما ذكر من بطلان كل في محله من كتب علم الكلام، ولم يؤيد قول الشيخ الأشعري لما يظهر فيه من الضعف، هذا ما يتعلق بالأقوال الأربعة التي ذكرت في ارتباط العلم أو الظن بالنتيجة بالعلم أو الظن بالمقدمات.

ويكون بذلك قد انتهى من الكلام على القياس مادة وصورة، انتهى من الكلام على القياس مادة من جهة الكلام على نفس المادة وهي القضايا، وعلى أحكامها، ومن جهة التكلم على أجزاء الأجزاء، على القضايا التي هي أجزاء القياس، فأجزاء القضايا هي المفردات، تكلم عليها من حيث تصورها ومن حيث الأمور التي نؤلف منها هذا التصور، فتكلم على القول الشارح الذي يفيدنا تصورها، وعلى الكليات التي يتركب منها هذا القول الشارح، تكلم على الدلالة والألفاظ، كل ذلك للتوصل إلى الكلام على القياس مادة، تكلم على مادة القياس من حيث الظنية والقطعية، والوهمية وكونها مقدمة شعرية إلى آخر ما ذكره، هو مشهورة أو مسلمة، هذا تكلم عليه في أقسام الحجة، وتسمى بالصناعات الخمس التي هي البرهان وما بعده، تكلم على صورة القياس تفصيلا في الاقتراني والاستثنائي، وتكلم أيضا على استلزام هذا القياس الذي فصله للنتيجة على الخلاف فيه على المذاهب الأربعة.


Komentar