شرح متن السلم المنورق (١٥) - الشيخ حسام رمضان - خاتمة
﴿خاتمة﴾
بقي الكلام على ما يمكن
أن يعتري هذا التأليف للقياس المنطقي من الأخطاء، وأنت إذا علمت ما سبق علما دقيقا
ظاهرا واضحا استغنيت عن ما يقال في هذا الفصل، لأنك إذا علمت الصواب وعلمت الصحيح،
فما عداه خطأ وفاسد، لكنه أراد أن يبين أمورا قد تخفى عليك تؤدي إلى هذا الفاسد والباطل، فذكرها في
الخاتمة، وقال:
|
122-
وَخَـطَأُ البُرهَانِ حَيثُ وُجِدَا |
|
فِـي
مَـادَةٍ أَو صُـورَةٍ فَالمُبتَدَا |
(وخطأ البرهان) يقصد بالبرهان القياس مطلقا،
فإن الأخطاء التي ستأتي لا تختص بالبرهان، إنما تدخل فيما عداه من الصناعات الأخرى،
تدخل الخطابة والجدل والشعر والسفسطة فقال (وخطأ البرهان حيث وجدا ** في مادَة)
بتخفيف الدال للوزن (أو صورة فالمبتدى).
علمنا أن القياس له
مادة وصورة، مادته القضايا، صورته الهيئة التي ذكرناها في الأشكال الأربعة أو في
القياس الاستثنائي التي تلحق المقدمات، فهذه المادة في ذاتها يلحقها الخطأ بقطع
النظر عن صورتها، فلذلك فصّل الأخطاء لأخطاء تعتري المادة وأخطاء التي تعتري
الصورة، فالصورة أيضا بقطع النظر عن المادة لها أخطاء تعتريها، لذلك قال (في مادة
أو صورة) فإذا وقع الخطأ في واحد منهما لم تلزم النتيجة عن القياس حينئذ، وبالأولى
إن وقعت فيهما فإن كان القياس صحيح الصورة فاسد المادة لم تلزم عنه نتيجة صحيحة،
إذا كان القياس صحيح المادة، فاسد الصورة لم تلزم عنه نتيجة صحيحة، لا بد أن يكون صحيح
المادة والصورة معا، قال (فالمبتدى) أي فالأول الذي اُبتدِئ به وهو الخطأ في
المادة، أخذ يذكر لك أمورا هي من قبيل الأخطاء في المادة، فقال فالأول أي الخطأ في
المادة يكون في اللفظ ويكون في المعنى، قال:
|
123-
فِي اللَّفظِ كَاشتِرَاكٍ أو كَجَعلِ ذا |
|
تَبَـايُنٍ
مِثـلَ الرَّدِيـفِ مَأخَـذَا |
قال (في اللفظ)
فالمبتدى في اللفظ، وقال في البيت الذي بعده (وفي المعاني) إذن نعلم أن الخطأ في
المادة، المادة هي القضايا والقضايا ألفاظ لها معان فالخطأ فيها إما من جهة لفظها
أو من جهة معانيها، إذن قسّم الخطأ في القياس لخطأ يكون في المادة ولخطأ يكون في
الصورة، قسم الخطأ في المادة لخطأ يكون في لفظ المادة أو في معناها.
قال (في اللفظ) وذكر
خطأين، (كاشتراك) أي كوقوع اشتراك ويقصد به الاشتراك اللفظي، لا الاشتراك المعنوي،
بل الاشتراك المعنوي لا بد أن يحصل، الاشتراك المعنوي هو الكلي وكل كلي فيه اشتراك
معنوي، لأننا ذكرنا في باب النسب أن الاشتراك يكون لفظيا ويكون معنويا، الاشتراك
اللفظي هو أن يوضع لفظ لمعان متعددة وضعا حقيقيا كالعين، الاشتراك الفظي سمي
بالاشتراك اللفظي لأن المعاني قد اشتركت في اللفظ، فكان اشتراكا لفظيا لأن
الاشتراك واقعا في اللفظ.
وأما الاشتراك المعنوي
فهو أن تشترك أفراد في المعنى، مع أن المعنى الواحد؟ نعم، في الاشتراك اللفظي
المعاني تتعدد، إنما في الاشتراك المعنوي ننظر للمعنى الواحد هل اشتركت فيه أفراد؟
فيكون مشتركا معنويا أي حصل الاشتراك في المعنى، هذا يكون في الكلي، فكل كلي فهو مشترك
معنوي ولا شك في ذلك، قد يكون مشتركا لفظيا أيضا كلفظ عين مع عين كلية من جهة
كونها للباصرة فقط تصدق على باصرتي وباصرتك وباصرة هذا الشخص وهذا الشخص وهذا
الشخص فهي كلية من جهة هذا المعنى فهي مشترك معنوي، ومن جهة أنها وضعت لغير
الباصرة وضعا حقيقيا، وضعت للشمس، وضعت للعين الجارية، ولغير ذلك وللذهب فهي مشترك
لفظي، فتنبه لهذه الأمور الدقيقة.
فهو هنا يقول (في اللفظ
كاشتراك) نفهم أنه يقصد الاشتراك اللفظي لأن الاشتراك المعنوي لا بد أن يكون
موجودا فإن القياس لا بد وأن يكون من الكليات، ومن النادر أن يذكر فيه جزئي حقيقي،
(في اللفظ كاشتراك) أي كاشتراك لفظي مثل "هذه عين" وتقصد الباصرة، "هذه
عين" أي عين باصرة ثم تقول "و كل عين سيالة" تقصد العين الجارية،
كل عين سيالة تسيل بالماء، فهنا إذا نظرت إلى هذا القياس وقد وجدت الحد الوسط قد
اتحد لفظا مع أن العين الباصرة التي أشرت إليها بقولك "هذه" ليست سيالة،
العين الباصرة ليست سيالة، فالنتيجة تخرج "هذه سيالة" هذه العين الباصرة
سيالة والنتيجة خرجت باطلة، ما السبب في ذلك؟ هو أن ما ظننته حدا وسطا بسبب اتحاد
اللفظ ليس في الحقيقة حدا وسطا لأن المعنى للفظ الأول يختلف عن المعنى للفظ الثاني،
واللفظ واحد.
لو لم يكن مشتركا لفظيا*
لما أمكن أن يحصل هذا الخطأ لأن الأمر سيكون ظاهرا، تقول "هذه باصرة وكل عين
ماء" أو "كل عين جارية سيالة" هنا لا يتوهم الخطأ ولا يلتبس عليك
الأمر، لأنه لا اشتراك لا في اللفظ ولا في المعنى، إنما الذي جعل هذا الخطأ تقع
فيه هو اتحاد اللفظ، فهو هنا ينبّهك على أن الخطأ يقع في لفظ المواد، يقع في لفظ
القضايا بسبب حصول أو وجود لفظ مشترك فيها.
من أمثلته هذا المثال، "هذه
عين" أي باصرة "وكل عين سيالة"، فالنتيجة "هذه الباصرة سيالة"
نتيجة باطلة، إذا نظرت في هذا وجدت أن الصورة فاسدة، لأن الحد الوسط ليس موجودا، ليس
متحدا، فحينئذ لا يكون على شكل من الأشكال الأربعة فليس بقياس صورة، فهذا فاسد
صورة أيضا، مع أنه ذكر في فاسد المادة وجعله من قبيل الفساد اللفظي للمادة مع أنه
يمكن أن يندرج في فساد الصورة بعد ذلك، نقول نعم، هو من فساد الصورة، لك أن تجعله
من فساد الصورة وأن تجعله مثالا للصورة الفاسدة لأن الحد الوسط لم يتحد.
لكن لما كان فساد
الصورة هذا ولما كان عدم تَكرّر الحد الوسط ناشئا عن لفظ مشترك جعل الخطأ فيه
للسبب الأصلي وهو اشتراك اللفظ فذكره في الخطأ اللفظي للمادة، فيتبين بذلك أنه
يمكن أن تذكر هذا المثال في الخطأ اللفظي للمادة أو أن تذكره في الخطأ الصوري، لكن
ذكره في الخطأ اللفظي للمادة أولى، لماذا؟ لأنه المتسبب أصالة في أن يكون هناك خطأ
في الصورة، أيضا تقول "هذا قرء" وتقصد الطهر، فلفظ القرء مشترك، هو من
الأضداد الذي يطلق على الشيء وضده، فيطلق على الطهر وعلى الحيض.
"هذا قرء" أي
طهر "وكل قرء -أي حيض- يجوز الوطء فيه" إذن القرء الأول في الصغرى تقصد
به الحيض، والقرء في الكبرى تقصد به الطهر، هو يطلق على الأمرين، "وكل قرء
يجوز الوطء فيه" النتيجة "هذا يجوز الوطء فيه" النتيجة فاسدة، لأن
الحيض لا يجوز الوطء فيه، الذي تسبب في هذا الفساد هو اشتراك لفظ القرء بين معنى
الطهر والحيض، هذا أيضا ليس فيه تكرر الحد الوسط فهو فاسد الصورة، يقال فيه ما قيل
في سابقه.
قال (أو كجعل ذا) ذا بمعنى
صاحب هنا (أو كجعل ذا تباين) أي كجعل صاحب تباين يعني المتصف بالتباين، فذا هنا
بمعنى صاحب فهي من الأسماء الستة التي ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، فكان
حقها أن يقال كجعل ذي بالياء والمصنف قال في شرحه إنه على لغة القصر، ولغة القصر
هي إلزام هذه الألفاظ الألف أن تنطق بها دائما بالألف في محل الرفع، في محل النصب،
في محل الجر تنطق بها بالألف، لكن ذلك ليس بصحيح فإنهم نصوا في النحو على أن لغة
القصر تختص بالأب والأخ والحم، هذا الذي ذكره الشراح من أن ما ذكره المصنف في شرحه
ليس بصحيح، فكان الأولى أن يأتي بها على الصحيح في النحو بأن يقول "كجعل ذي".
قال (أو كجعل ذا تباين)
أي كجعل صاحب التباين، اللفظ صاحب التباين أي الموصوف بالتيباين أي اللفظ المتباين
(مثل الرديف مأخذا) أن تأخذ اللفظ المتباين على أنه مترادف، التباين بيناه في
النسب وبينا أنه يكون تباينا كليا ويكون تساويا ويكون عموما وخصوصا وجهيا وعموما
وخصوصا مطلقا، فالتباين يشمل هذه الأقسام، والترادف أن يكون اللفظان لمعنى واحد، أن
تأخذ لفظا يباين لفظا آخر على أنه يرادفه فحينئذ تضعه موضعه، لفظ يباين لفظا آخرخ
أنت ظننت أنه يرادفه، ماذا تصنع؟ ستأخذه وتضعه في موضعه، فحينئذ يحصل الفساد لأنه
ليس يرادفه.
فهو هنا يقول (أو كجعل
ذا تباين) أي كجعل اللفظ المباين للفظ آخر (مثل الرديف) أن تجعله أنه يدل على
معناه، كما أن اللفظ المرادف يدل معنى اللفظ الآخر (مأخذا) المأخذ هنا تمييز
لـ"مثل" أي أن تأخذه مكانه، أن تأخذ المباين مكان الرديف أي المرادف.
مثلا تقول "هذا
سيف" والسيف يختلف عن الصارم، كل منهما سيف لكن الصارم هو السيف بقيد أن يكون
قاطعا فلو كان سيفا ليس قاطعا ليس حادا فهو حينئذ سيف وليس بصارم، فيقولون السيف
والصارم بينهما تباين جزئي، لماذا؟ لأن كل صارم سيف وليس كل سيف صارما، فإن السيف
أعم من الصارم يشمل الصارم وغير الصارم، بينهما تباين حينئذ، لم أذكر في المثال
التباين الذي هو كإنسان وحجر لأن هذا من الصعب أن تخطئ فيه.
الخطأ يكون في التباين
الجزئي فيما إذا كان بين اللفظين اشتراك في شيء ولا شك أن السيف يكون بينه وبين
الصارم اشتراك في أفراد لأن السيف أعم من الصارم فبينهما اشتراك في الأفراد لكن لا
يتصور التباين في كلام المصنف على أنه التباين كالإنسان والحجر، تأتي بلفظ حجر
مكان إنسان وتتوهم الترادف بينهما هذا بعيد، إنما أن تأتي بالأخص مكان الأعم
وبالأعم مكان الأخص هذا ممكن يحصل والخطأ يقع فيه، وهم يذكرون في الأخطاء ما يمكن
الوقوع وما حصل الوقوع فيه بالفعل من المستدلين ومن القائسين، فلذلك نقول في قولك
(كجعل ذا تباين) أي التباين الجزئي، وليس الكلي وإن كان يمكن أن يحصل بالكلي لكنه
بعيد، فالسيف والصارم بينهما تباين جزئي.
تقول "هذا سيف وكل
سيف فإنه يساوي ألف جنيه" مثلا مع أن الذي يساوي ألف جنيه هو الصارم ليس
السيف غير الحاد هو يساوي مائة جنيه وليس ألف جنيه لأنه ليس بحاد أو هو كالحديد
الذي ليس بسيف فأنت تقول "هذا سيف" وجعلت السيف هنا في الصغرى بمعنى
السيف الذي ليس بصارم، "وكل سيف أو وكل صارم" يمكن أن تأتي هنا
بـ"كل صارم"، أنت ظننت الترادف "وكل صارم" سألت الصارم كم
يساوي؟، قيل لك يساوي ألف جنيه، فقلت خلاص هذا سيف، الشيء الذي معي سيف، وأنت ظننت
أن الصارم الذي تسأل عنه هو نفس السيف، ما تعلم أن الصارم هو السيف القاطع، فقلت
خلاص هذا سيف وكل صارم -على أنك تعتقد الترادف بين سيف وصارم- وكل سيف يساوي ألف جنيه حينئذ تقول هذا يساوي
ألف جنيه مع أنه يساوي مائة جنيه.
ما الذي تسبب في هذا
الخطأ؟ هو اعتقادك اتحاد معنى الصارم والسيف، ترادف الصارم للسيف وليس الأمر كذلك
فتقصد بالسيف في القضية الصغرى السيف الذي هو أعم من الصارم تقصد به سيفا غير قاطع
بخصوصه، وتقصد بالصارم المعنى المعروف وتظن الترادف بينهما، هنا أيضا لا يوجد حد
متكرر فهنا خطأ في الصورة، والسبب في ذلك هو أنك وضعت اللفظين المتباينين موضع
اللفظين المترادفين لقرب بينهما، وليس أننا وضعنا الإنسان مثلا مكان الخشب أو
الخشب مكان الإنسان، تقول هذا خشب وكل إنسان -على التوهم أن الإنسان هو الخشب
والخشب هو الإنسان- وكل نسان ناطق فهذا -الخشب- ناطق، بعيد هذا أن يتصوره إنسان،
لذلك قالوا في التباين الذي يمكن أن يوضع مكان الترادف هو التباين الجزئي، هو أن
الشخص يظن العام هو الخاص أو الخاص هو العام، كما هنا ظن أن العام الذي هو السيف هو
الخاص الذي هو الصارم فحكم على السيف مطلقا بحكم بعضه الذي هو الصارم، لذلك قال
(في اللفظ كاشتراك أو كجعل ذا ** تباين مثل الرديف مأخذا) كما بينا، ثم قال:
|
124-
وَفِي المعَـانِي لِالتِبَاسِ الكَاذِبَه |
|
بِـذَاتِ
صِـدقٍ فَافهَـمِ المخَاطَبَه |
(وفي المعاني) أي والخطأ الواقع في المادة من
جهة المعنى (لالتباس الكاذبه) تنبه، ما سيأتي أمور أربعة، كل شطر في البيتين
الآتيين فهو خطأ من الأخطاء فمجموعها أربعة، كل واحد من الأخطاء التي ستأتي ذكر
المصنف هنا أنه خطأ مادي من جهة المعنى بل وبسبب كون المقدمة كاذبة.
المقدمة التي ذكرناها
في الخطأين السابقين كانت صادقة لما قلنا هذا سيف كانت صادقة ثم قلنا وكل صارم
يساوي كذا كانت صادقة، الخطأ في أن هذا اللفظ ليس هو هذا اللفظ وظننا الترادف، خط كان
هنا في التباين أنه أخذ مكان الترادف.
وبالنسبة للاشتراك هذه
عين أشار إلى باصرة فهذه صادقة وتطلق عليها العين نعم، وكل عين أي جارية سيالة هذا
أيضا حكم صادق فليس هناك كذب في المقدمات، إذا جئت بالمقدمات الكاذبة فإنه يكون
خطأ للمادة من جهة المعنى ليس من جهة اللفظ.
لأنه من جهة كون المعنى
لم يحصل في الخارج، فكذبها يكون راجعا لعدم تحقق معناها في الخارج فينسب للمعنى،
لذلك قال (وفي المعاني) ثم قال (لالتباس الكاذبة) أي يكون الخطأ في المعنى بسبب
كونها كاذبة، لكن هناك قضايا كواذب لا يمكن أن يضعها أحد في القياس وأن يستدل بها
لوضوح كذبها، إذن ما القضية الكاذبة التي يمكن أن يحصل الخطأ في القياس بسببها؟
نقول كما قلنا في السفسقة، هي القضية الكاذبة التي تشابه أو تشبه الصادقة فيمكن أن
تلتبس بالصادقة، إنما القضية الظاهرة الكذب هذه لا يمكن أن تقع من أحد ولا أن
تلتبس عليه، لذلك لم يقل "وفي المعاني لكذب القضية أو لكذب المقدمة" أو "وفي
المعاني لكذبها"، وإنما قال (وفي المعاني لالتباس) أي بسبب التباس (الكاذبة
بذات صدق) أي بالصادقة.
إذن نعرف أن الخطأ
المعنوي المادي يكون بسبب كذب إحدى المقدمتين وليس أيّ كذب وإنما الكذب الذي يلتبس
بالصدق، هذا كله نعلمه من قوله (وفي المعاني لالتباس الكاذبة ** بذات صدق فافهم
المخاطبة) أي فافهم الخطاب الذي أخاطبك به، وهو المتعلق بكون الخطأ المعنوي في
المادة بسبب كذب المقدمات والتباسها بالصادق، ثم قال:
|
125-
كَمِثلِ جَعلِ العَرَضِي كَالـذَّاتِي |
|
أَو
نَـاتِجٍ إِحـدَى المقَـدِّمَـاتِ |
(كَمِثلِ جَعلِ العَرَضِي كَالـذَّاتِي) نحن
درسنا الذاتي والعرضي في الكلام على الكليات، عندما قسمنا الكلي لذاتي وعرضي وبينا
أن الذاتي هو ما كان داخلا في حقيقة ما تحته من الأفراد والعرضي ما كان خارجا عن
حقيقة ما تحته من الأفراد أو من الجزئيات وبينهما واسطة ليست ذاتية ولا عرضية
كالنوع على ما ذكره المصنف.
الذاتي والعرضي هنا ليس
بالمعنيين السابقين فالذاتي والعرضي لهما عند المناطقة معان كثيرة ربما تزيد على
العشرة، فهذا معنى آخر للذاتي وللعرضي، فتنبه لذلك لئلا يلتبس عليك الأمر، الذاتي
هنا يطلقونه على ما لحق الشيء بغير واسطة، "الكتاب هذا أبيض" بياضه لحقه
هو، لم يلحقه بواسطة شيء إنما لحقه بواسطة ذاته، نفس الكتاب أبيض.
أما المشي مثلا فإنه
لحق الإنسان ليس لكونه إنسانا وإنما لكونه حيوانا، لأن الماشي يكون إنسانا وغير
إنسان، فإذا قيل لك "أنت تمشي" لحقتك صفة المشي هذه، هل هذا ذاتي لك؟
بالمعنى الذي نذكره هنا ليس بالمعنى الذي كان؟ لأن المشي هناك ليس ذاتيا فنقول لا،
ولحقني بواسطة كوني حيوانا لأنه يلحق كل حيوان، وأنا حيوان فيلحقني، إنما الضحِك
يلحق الإنسان لذاته فالضاحك كان هناك عرضيا، هنا بهذا الاصطلاح الثاني يكون ذاتيا
لماذا؟ لأنه يلحق الإنسان بغير واسطة، يلحق الإنسان لأنه إنسان، لأنه لا يضحك غير
الإنسان، إنما المشي كان هناك عرضيا وهنا عرضيا أيضا لأنه يلحق الإنسان بواسطة
كونه حيوانا وهكذا، فالذاتي هو ما يلحق الشيء بغير واسطة والعرضي ما يلحق الشيء
بواسطة شيء آخر.
مثلا جاء الشخص في
السفينة أو في السيارة أو في الطائرة فهو ثابت على جسمها فيمكن أن تقول إنه غير
متحرك إنه ساكن ومع ذلك هو بالنسبة للأرض يتحرك، بالنسبة لما حوله فهو يتحرك، حركته
ليست ذاتية له لأن انتقاله من مكان لآخر ليس انتقال جسمه لأن جسمه لا ينتقل، جسمه
في الحقيقة ثابت على ما هو جالس عليه، فهل هنا تقول إنه متحرك أم تقول إنه ساكن؟
نعم هو ساكن بالنسبة للسيارة أو للسفينة أو للطائرة، ومتحرك بالنسبة للأرض أو
للماء لكن هذه الحركة لحقته، لأنك قلت إنه متحرك فلحقته الحركة بمعنى أنه اتصف بها
فقلت إنه متحرك.
ثم هل هو متحرك بنفسه
أم بواسطة؟ هو متحرك بواسطة السفينة بواسطة السيارة وليس متحركا بنفسه لأنه ساكن،
فحينئذ يلتبس الأمر لأنه يمكن أن تقول عليه إنه ساكن ويمكن أن تقول عليه إنه متحرك،
فيمكن أن تقول عليه إنه متحرك وإنه غير متحرك، إنه متحرك بالعرض، تحركه عرضي وإنه
غير متحرك بالذات لأنه ساكن، فيمكن أن تأتي بالأمر العرضي وتضعه مكان الأمر الذاتي
أو العكس أن تأتي بالأمر الذاتي وتضعه مكان الأمر العرضي لعدم التنبه لكون الأمر
ذاتيا أو عرضيا.
فتقول "الجالس في
السفينة متحرك وكل متحرك لا يثبت في مكان" النتيجة "الجالس في السفينة
لا يثبت في مكان"، كيف يكون جالسا وتقول لا يثبت في مكان؟ النتيجة فاسدة لأنه
ثابت في مكان بالفعل، الذي تسبب في ذلك الخطأ أنك وضعت العرضي مكان الذاتي، الجالس
في السفينة متحرك هو متحرك يتحرك حركة عرضية، وكل متحرك لا يثبت في مكان، وكل
متحرك بالذات أم بالعرض الذي لا بثبت في مكان؟ كل متحرك بالذات، وأنت قلت الجالس
في السفينة متحرك حركة عرضية إذن حكمت على المتحرك حركة عرضية بحكم المتحرك حركة
ذاتية فنتج الباطل حينئذ.
فتقول الجالس في
السفينة متحرك أي حركة عرضية وكل متحرك حركة عرضية لا بد هنا أن تجعلها عرضية وكل
متحرك حركة عرضية لا يثبت في مكان، لماذا قلنا لا بد أن تجعلها بمعنى واحد في
المقدمتين؟ لتكون إحدى المقدمتين كاذبة، وكل متحرك حركة عرضية لا يثبت في مكان هذه
قضية كاذبة، وضعت فيها العرضي مكان الذاتي فكذبت الكبرى، ولو قصدت بالمتحرك في
القضيتين المتحرك حركة ذاتية فتقول الجالس في السفينة متحرك حركة ذاتية، هذه كاذبة،
وكل متحرك حركة ذاتية فلا يثبت في مكان هذه صادقة، فالصغرى كاذبة والنتيجة كاذبة
أيضا.
فعلى كل لا بد أن تجعل
الحد الأوسط هنا واحدا في القضيتين، فتكذب الصغرى أو تكذب الكبرى المهم أن واحدة
من القضيتين كاذبة ليتحقق قول المصنف (وفي المعاني لالتباس الكاذبة ** بذات صدق)
فلا بد من وجود قضية كاذبة هنا.
بخلاف ما إذا قلت
الجالس في السفينة متحرك حركة عرضية وكل متحرك حركة ذاتية لا يثبت في مكان فإن
الأولى صادقة والثانية صادقة والكذب جاء من جهة اشتراك اللفظين، من جهة اشتراك لفظ،
لفظ متحرك كـ"عين"، فمتحرك يدل على المتحرك بالذات وعلى المتحرك بالعرض
إن جعلنا ذلك من قبيل الاشتراك أو أنه بالحقيقة والمجاز إن جعلنا ذلك من قبيل
الحقيقة والمجاز، فيكون حقيقة في الذاتي ومجاز في العرضي، وأنت استعملت اللفظ في
المقدمتين بمعنيين مختلفين بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز وأيضا الاختلاف بالحقيقة
والمجاز في المقدمتين يرجع إلى الخطأ الأول الذي هو (وفي اللفظ كاشتراك) أي
كاشتراك وكحقيقة ومجازر فهذا يرجع إلى الأول ولم يتكرر الوسط، فعليك هنا في تمثيل
قوله (كمثل جعل العرضي كالذاتي) أن تجعل الحد الوسط في متحرك بمعنى واحد إما بالحركة
العرضية أو بالحركة الذاتية فتكذب إحدى المقدمتين.
قال (أو ناتج إحدى
المقدمات) كمثل جعل العرضي أو كمثل جعل ناتج إحدى المقدمات، فناتج معطوف على
العرضي، كمثل جعل العرضي أي وكمثل جعل ناتج أي جعل النتيجة إحدى المقدمات هذا
مفعول ثانٍ لجعل، أي كمثل جعلك ناتجا أي نتيجة إحدى المقدمات، أن تجعل النتيجة
مقدمة من المقدمات.
فيكون ناتج بالجر،
العطف على العرضي لأن العرضي مضاف إليه و"جعل" مضاف و"جعل"
مصدر والمصدر يعمل عمل الفعل فيعمل النصب في "إحدى" لكن النصب هنا
تقديري فيكون النصب على المحل "إحدى المقدمات"، إحدى مضاف والمقدمات
مضاف إليه.
يقول الخطأ الثاني هنا
هو أن تجعل النتيجة مقدمة من المقدمات أن تأتي بمقدمة من المقدمتين وتجعلها نتيجة،
"هذه نقلة وكل نقلة حركة"، النتيجة "هذه حركة" هذه حركة هي هي
الصغرى، هي هي قولك "هذه نقلة" لأن النقلة هي الحركة ذلك يكون بأن تأتي
بلفظين مترادفين، لأنه لا يمكن أن تأتي بالنتيجة عين إحدى المقدمتين دون خفاء، لا بد
أن يكون هناك خفاء قي شيء، أنت تقول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم مثلا تقول
النتيجة كل حيوان جسم كيف هذا؟ هذا لا يتأتى، فتأتي بالنتيجة تكون عين إحدى
المقدمات هذا إذا كان في المقدمات ترادف فيقع هذا الخطأ، كما تقول ، "هذه
نقلة وكل نقلة حركة" النقلة والحركة مترادفان، النتيجة هذه حركة هي هي عين
الصغرى التي هي هذه نقلة.
"هذا إنسان وكل
إنسان بشر" النتيجة "هذا بشر" هي هي "هذا إنسان" فالبشر
هو الإنسان والمناطقة ينظرون للثمرة المعنوية لا للثمرة اللفظية، لا تنظرو إلى
النتيجة أنها هذا بشر وأن اللفظ لم يأت في القياس، هذا لا يعتبره المنطقي، المنطقي
لا يعتبر في الأقيسة وفي الأدلة إلا ما أثمر معنى مختلفا وليس لفظا مختلفا، فحينئذ
هذا القياس لم يثمر ولم ينتج معنى مختلفا، إنما أنتج هذا بشر وهي هي في المعنى هذا
إنسان، فهذا يسمونه بالمصادرة على المطلوب وهو أخذ النتيجة مقدمة في القياس
بارتكاب أمر ما يكون خفيا كارتكاب الترادف هنا.
حينئذ نقول هذا الخطأ
خطأ ولا شك في ذلك، لماذا هو خطأ ولا شك في ذلك؟ لأن القياس لم ينتج لنا نتيجة
جديدة، فإن من علم الصغرى هنا يعلم النتيجة ولا شك في ذلك، من علم أن هذه نقلة
يعلم أن هذه حركة، إذن ما الذي استفدناه من النتيجة؟، والقياس كما بينا هو قول
مؤلف من قضايا يلزم عنه لذاته قولٌ آخر، هذا لم يلزم عنه قول آخر فهو قياس فاسد
ولا شك في ذلك.
فلنحقق في الفساد، الذي
وجد في هذا القياس هو أن الصغرى صادقة، والكبرى صادقة، هذه نقلة صادقة، وكل نقلة
حركة صادقة، وبالنسبة للصورة، الصورة هنا فيها حد وسط متكرر نقلة ونقلة في الصغرى
وفي الكبرى والحد الوسط
محمول في الصغرى موضوع في الكبرى فهو من الشكل الأول والشروط المتحققة، الصغرى
موجبة، الكبرى كلية، كل نقلة حركة، إذن لا كذب في المقدمات والصوره لا خطأ فيها،
فإن الحد الوسط متكرر والشروط متحققه، فماذا نصنع؟.
هذا الذي جعلهم يضطربون
ويختلفون اختلافا كبيرا في تصنيف هذا الخطأ، هو معلوم أنه خطأ ولا شك في ذلك، لكنه
يرجع لأي شيء، إن قلت يرجع للصورة لا خطأ في الصورة، وإن قلت يرجع للمادة لا خطأ
في المادة لأن المادة صادقة، فبعضهم قال يرجع للمادة، قلنا لماذا؟ قال لأن الكبرى
فيها الحكم بالشيء على نفسه، وكل نقلة حركة، والحكم بالشيء على نفسه باطل، هذا
الذي يمكن أن يقال ويكون قويا يمكن ذلك، ولكن
الإجابة عليه ممكنة أيضا، رد عليه ودفع ما قاله ممكن، لكن إن فرضنا إن كان ذلك
وكان له وجه من القوة أنه حكم بالشيء على نفسه والحكم بالشيء على نفسه باطل كما
قال.
إن قال الحكم على نفسه
لا يفيد لكان له وجه، الحكم بالشيء على نفسه لا يفيد، ثم نقول والمقدمات التي توضع في القياس لا بد أن تكون
مفيدة، فظهر بذلك أن هذا القياس الخطأ فيه بسبب الإتيان بمقدمة لا تفيد، لأن الحكم
فيها ليس بجديد هو نفس الموضوع، هذا الذي يمكن أن يقال أن الخطأ هنا في الكبرى،
الخطأ فيها بالحكم بالشيء على نفسه وأنها غير مفيدة لكن هي صادقة أم كاذبة؟.
الذي قال فيها الحكم
بالشيء على نفسه والحكم بالشيء على نفسه كاذب، قال ذلك لكن ذلك ضعيف، لأن هذه ليست
مخالفة للواقع، قال لا، بل مخالفة، لماذا؟ كل ذلك أراد بهم من قال هذا الكلام أن
يجعل إدراج المصنف لقوله (أو ناتج إحدى المقدمات) في التباس المعاني الكاذبة بالصادقة أن
يجعل هذا الإدراج صحيحا فقال الحكم بالشيء على نفسه كذب، لماذا؟ قال لأن الحكم على
الشيء يجب أن يكون غير الشيء، فهذه القضية أفادت أن الحركة غير النقلة، وكون
الحركة غير النقلة باطل، هذا الكلام الذي قاله، لكنه بعيد في الحقيقة.
فالصحيح أن نقول كما
قال بعض المحققين إن هذا القياس فيه خطأ وخطأه -هكذا- كون النتيجة عين إحدى
المقدمتين، وأن نقتصر وأن نكتفي على ذلك، وأنه لا يرجع للخطأ في الصورة ولا يرجع
للخطأ في المادة، إنما نصنفه قسما آخر.
فحينئذ يعلم أن إدراج
المصنف (أو ناتج إحدى المقدمات) في أن الخطأ هذا في المعنى الذي يرجع للمادة بسبب
التباس الكاذبة للصادقة فيه بُعْد في الحقيقة، بخلاف القسم الأول الذي هو جعل
العرضي كالذات أو الذات كالعرضي، هذا حاصل ما قاله الشراح ولكن الذي وجدته في كتب
بعض المحققين هو أنه يجعله خطأ آخر، يقول الخطأ في القياس يكون من جهة الصورة أو
من جهة المادة أو كون النتيجة عين إحدى المقدمتين، ثم قال:
|
126-
وَالحُكم لِلجِنسِ بِحُكمِ النَّـوعِ |
|
وَجَعـلُ
كَالقَطـعِيِّ غَيرِ القَطعِيْ |
(والحكم للجنس بحكم النوع) أي أن تحكم على
جنس بحكم نوع، هذا من الأخطاء التي كان يصنعها السوفسطائية ويدلسون بها على الناس
ويلبسون عليهم الحق، وهو أنه يقول لك "كل ناطق حيوان فكل حيوان ناطق"
يوهمون الإنسان بالعكس، يسمى إيهام العكس هذا، هو أن تأتي بقضية فتتوهم أنها تنعكس
كنفسها أيضا بسبب أنه غلب عليك أن هذا هو هذا فالعكس كذلك، "كل ناطق حيوان
فتقول "إذن كل حيوان ناطق"، تقول هذا الفرس حيوان وكل حيوان ناطق، من
أين يقول كل حيوان ناطق؟ هذه قضية كاذبة ولا شك في ذلك، كليتها كاذبة، نقول أوهم
السامع أو المخاطب أوهمه بالعكس فهذه كاذبة شبيهة بالحق، هذه تستعمل في السفسطة، من
ضمن طرق السفسطة والقياس المغالطي هو أن تأتي بعكس كاذب والسامع أو المخاطب يسلمه
ويقبله بسبب أنه يعلم أصل القضية فيظن أن عكسها كذلك.
بخلاف ما إذا جئت وقلت "كل
ناطيق خشب" "كل ناطق حجر" لا يقبلها، إنما لما قلت "كل ناطق
حيوان" هذا قرّب لهذا المخاطب أن يقبل "كل حيوان ناطق" ثم تقول في
القياس "هذا الفرس حيوان وكل حيوان ناطق" ينتج "هذا الفرس ناطق"
النتيجة فاسدة بسبب إيهام العكس في الكبرى وهي كاذبة.
هذا الذي قال فيه
المصنف (والحكم للجنس بحكم النوع) أي حكمنا على الجنس الذي هو الحيوان بحكم النوع
الذي هو الإنسان ما حكمه أنه ناطق فحكمناه على الحيوان وهذا يسمى إيهام العكس، هذا
الذي يظهر من إدراج المصنف هذا القسم في التباس المعاني الكاذبة بالصادقة، الذي
ذكرته هو الذي يظهر، أنه لما كانت القضية "كل ناطق حيوان" قرب ذلك من
المخاطب أن يعتقد أن "كل حيوان ناطق" لكن ذلك فيه بعد.
هذه كاذبة ولا شك في
ذلك لكن هل هي ملتبسة بالصادق؟ أين التباسها بالصادق؟ أين اشتباهها بالصادق؟ الذي
ذكرته أنا ربما يكون بعيدا، هذا ربما الذي ذكره المصنف لكنه بعيد، أنه لما كان كل
ناطق حيوان فهذا يقرب من المخاطب أن كل حيوان ناطق، فهذا كأنه فيه التباس بالصادق
لكن ذلك بعيد، لأنه لا التباس في الحقيقة بين كل حيوان ناطق وكل ناطق حيوان، فهذه
وإن كانت كاذبة لكنه لا التباس فيها بالصادق، ولم أر من دفع هذا الاعتراض من
الشراح بل اعترضوا على المصنف بذلك، فيكون الاعتراض بالمثال السابق على أنه ليس
بكاذب ولا يرجع إلى كذب المقدمات أصلا ويكون هنا المقدمة كاذبة، هي كل حيوان ناطق،
والاعتراض على المصنف بأنه لا التباس بينها وبين الصادق.
الأخير (وجعل كالقطعي
غير القطعي) هذا هو الأمر الرابع (وجعل) مصدر (كالقطعي غير القطعي) "غيرِ"
بالجر فـ"غير" هنا مضاف لجعل، وجعل مضاف، وغير القطعي مضاف إليه، وأصل
الكلام وجعلِ غير القطعي كالقطعي، ففيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه وذلك جائز
بشروط ثلاثة كما ذكروا في كتب النحو، لو لم تتوفّر هذه الشروط أو لم يتوفّر أحدها
لم يكن الفصل بين المضاف والمضاف اليه جائزا، وإنما يكون بأجنبي وذلك لا يجوز.
الشرط الأول هو أن يكون
المضاف شبيها بالفعل ليعمل فإن ما لم يشبه الفعل لا يعمل، أن يكون شبيها بالفعل أن
يكون مصدرا أو صفة، وهذا مصدر فهو شبيه بالفعل وتحققت فيه أول الشروط.
الثاني أن يكون الفاصل
بين المضاف والمضاف إليه منصوبة ليس أنه يعمل أيّ عمل بل يكون منصوبة، و(كالقطعي)
هنا جار ومجرور في محل نصب مفعول ثان لجعل، وكجعل أي كجعلك أو كجعل القائس غير
القطعي كالقطعي، فغير القطعي يكون مفعولا أولا وكالقطعي يكون مفعولا ثانيا بعد
تصورك للفاعل في قولك وجعلك أو وجعل للقائس وحذف فاعل الجعل فأضيف جعل لغير
القطعي، فـ"كالقطعي" يكون حينئذ في محل نصب مفعول جعل، فهو منصوب
المضاف.
الثالث أن يكون واحدا
وألا يكون متعددا لئلا يكثر الفصل ويطول بين المضاف والمضاف إليه لأن المضاف
والمضاف إليه بينهما نسبة، كزيد قائم نسبة إسنادية والرجل الشجاع نسبة وصفية كذلك
غلام زيد بينهما نسبة إضافية هذه النسبة لا يجوز قطعها بألفاظ إلا إذا كان هذا
اللفظ يقتضيه المضاف فكأنه من تمام المضاف فيجوز الفصل لكن لا أن يطول، لا نأتي
باللفظ ونعطف عليه لفظا ونعطف عليه لفظا ونفصل بهذه الألفاظ الثلاثة بين المضاف
والمضاف إليه لأن ذلك يطوّل الفصل بين المضاف والمضاف إليه وذلك يقطع هذه النسبة،
نسبة الإضافة.
كأن تقول رأيت غلام
واللهِ زيد، هذا لا يجوز لأن المضاف هنا ليس مشبها للفعل، أنت تقصد أن تقول رأيت
واللهِ غلام زيد فقلت رأيت غلام والله زيد، لا يجوز ذلك للفصل بأجنبي بين المضاف
والمضاف إليه.
قال (وجعل كالقطعي غير
القطعي) أي وجعل غير القطعي كالقطعي، نحن علمنا في الصناعات الخمس أن هناك مقامات،
كل مقام يورَد فيه قياس فالمقام العلمي يناسبه البرهان القطعي، والمقام الذي فيه
ترغيب أو ترهيب يناسبه الخطابة، والمقام الذي فيه منازعة وخصومة يناسبه الجدل،
المقام الذي يقصد به إحداث انفعالات يناسبه الشعر والمقام الذي يكون فيه إيقاع
الكذب وإيهام الناس يناسبه السفسطة، خلاصة الأمر الذي سيأتي هو أن ما كان مقاما من
هذه المقامات واستعملت غير المناسب للمقام فإنه حينئذ يكون خطأ في المادة وهذا
ظاهر أنه راجع للمادة، لأن اختلاف هذه المقامات ليس بالصورة وإنما هو بمادة القياس،
فإذا كنت في مقام علمي وأتيت بخطابة فقد استعملت مقدمات مظنونة أو مقبولة مكان
المقدمات القطعية اليقينية فهذا خطأ.
لأنه إن أنتج القياس
الخطابي نتيجة فإنه ينتج نتيجة ظنية، وليست هذه تفيد في المقام العلمي كما نرى في
بعض كتب العقائد أنهم يقيمون على العقائد أدلة من مقدمات ظنية، هذا دليل خطأ حتى
وإن كان صحيحا ينتج؟ نعم لكنه مظنون، ولا يفيد في مثل هذا المقام العلمي كما يؤتى
في بعض كتب الفلسفة بأدلة ظنية والمطلوب في الفلسفة القطع واليقين فحينئذ لا يصح
ذلك ،كذلك في بعض كتب أصول الفقه أتوا في الاستدلال على بعض المسائل الأصولية
بأدلة ليست قطعية ودفعت هذه الأدلة وردت بكونها في مقام يطلب فيه العلم والقطع فلا
تليق الأدلة الظنية كما صنع ذلك كثيرا الإمام الآمدي وابن الحاجب رحمهما الله،
فيندفع القياس المذكور فيه غير اليقين إذا كان المقام مقاما علميا يقينيا.
كذلك إذا أتيت في
الخطابة في الترغيب والترهيب بأمر سفسطي بأمر شعري بأمر جدلي ذلك ليس بمناسب، أتيت
في مقام جدلي بقياس خطابي ذلك ليس بمناسب، هذا كله من الخطأ في المادة، لكن أكبر
خطأ يتصور في ذلك هو أن تأتي بدل اليقين بالظن، أن تأتي بدل اليقين بالقضية
المقبولة، وقد تكون واهية جدا أن تأتي بدل اليقين بمقدمة شعرية وقد تكون فاسدة
باطلة.
فلذلك اقتصر المصنف من
كل هذا الكلام الذي ذكرته لكم على إبدال القطعي بغير القطعي فقال "وجعل غيري
القطعي كالقطعي" فأنت إذا أتيت بمقدمة ظنية في برهان لأن المقام علمي يقيني
فأتيت بمقدمة ظنية في برهان فكأنك جعلت القضية غير القطعية كالقطعية، هي لا يمكن
أن تكون قطعية ولا أن تجعلها قطعية لكن أنت جعلنها كالقطعية، في أي شيء؟ في أنها
توضع في البرهان، لذلك قال "وجعل غير القطعي كالقطعي".
والمثال في ذلك سهل كأن
يطلب البرهان مثلا على أن هذا لص، فتقول هذا يطوف بالليل بالسلاح وكل من يطوف بالليل
بالسلاح فهو لص، أتيت هنا على كونه لصا يطلب مثلا كأن يطلب دليل قطعي على أنه لص،
فأنت أتيت بهذا الدليل، هذا القياس ومقدماته ظنية، كل من يطوف بالليل بالسلاح هذه
ظنية لا تفيد القطع، لأن كل من يطوف بالليل بالسلاح فهو لص وغير ذلك، فأمثلة ذلك
سهلة.
إذن علمنا من قوله (وجعل
كالقطعي غير القطعي) أنه اختصار لخطأ من الأخطاء وهو أن تورد في مقام من المقامات
الخمسة في صناعة من الصناعات الخمسة ما لا يناسبه من أقسام الأقيسة أو من أقسام
الخمسة التي ذكرناها في أقسام الحجة، البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة.
هذا ما يتعلق بالمادة وذكر
المصنف أن كلها تكون من جهة التباس الكاذب بالصادق، فهل ترى هنا التباسا للكذب
بالصادق؟ (وجعل كالقطعي غير القطعي)، هل هذا يجعل المقدمة كاذبة؟ هي غير قطعية
لكنها قد تكون صادقة، نعم هي غير يقينية غير قطعية لكنها قد تكون صادقة.
فهذا الأمر الرابع أيضا
ليس يندرج تحت التباس الكاذبة للصادقة، وبعضهم كما رأيته في بعض الحواشي يقول بأن
(أو ناتج إحدى المقدمات) إلى آخره يعني يجعل الأخطاء الثلاثة سوى الأول غير مندرجة
في قوله (وفي المعاني لالتباس الكاذبة ** بذات صدق فافهم المخاطبة) (كمثل جعل
العرضي كالذاتي).
يجعل التباس الكاذبة
مثاله كمثل جعل العرضي كالذاتي فقط ولا يجعل (أو ناتج إحدى المقدمات) (والحكم
للجنس بحكم النوع ** وجعل كالقطي غير القطعي) لا يجعل هذه الثلاثة مندرجة في
التباس الكاذب بالصادق، لأنه قد ظهر من الشرح أنها لا تندرج في التباس الكاذب
بالصادق في الحقيقة لكن ذلك بعيد لأن المصنف قال (وفي المعاني لالتباس) علّل كونها
في المعاني بسبب التباس الكاذبة بالصادقة، فيكون كل ما سيأتي مما يكون خطأ في
المعنى مندرجا في التباس الكاذبة بالصادقة حينئذ.
فقد ظهر أن المندرج واحد من الأخطاء الأربعة التي
ذكرها المصنف فحينئذ يكون في النظم خلل كان عليه أن يعبر عن الخطأ الأول فقط بأنه
الذي لالتباس الكاذبة بالصادقة، وعن باقي الأخطاء بأنها أخطاء في المعنى ولا ترجع
لالتباس الكاذبة بالصادقة، هذا ما يتعلق بالأخطاء في المادة، خطأ لفظي ذكر فيه
خطأين وخطأ معنوي ذكر فيه أربهة أخطاء وكلها ترجع للمادة، ثم قال:
|
127-
وَالثَّانِ كَالخُـرُوجِ عَـن أَشكَالِهِ |
|
وَتَرك
شَـرطِ النتـجِ مِن إِكمَالِهِ |
(والثاني) أي والخطأ الثاني هذا معطوف على
قوله (فالمبتدى) أي فالأول ثم قال (والثاني كالخروج عن أشكاله) أي كأن يكون القياس
المدعى ليس على شكل من الأشكال الأربعة، كيف يكون ذلك؟ بألا يكون هناك حد وسط
متكرر فلا يكون قياسا حينئذ فيكون قد خرج عن أشكاله الأربعة، هذا تكرار بما ذكره
المصنف سابقا في قوله (فحيث عن هذا النظام يعدل ** ففاسد النظام) فهناك كيف يعدل
عن النظام الذي ذكره وهو الأشكال الأربعة؟ يعدل هنه بألا يكون الحد الوسط أو ألا
يكون هناك حد وسط متكرر بين المقدمتين، فهذا تكرار له.
(والثاني كالخروج عن
أشكاله ** وترك شرط النتج من إكماله) يمكن أن يكون من شكل من الأشكال الأربعة فهو لم
يخرج عن الأشكال، لكن الشرط الذي ذكرناه في هذا الشكل لم يحصل ولم يتحقق فيكون
أيضا خطأ في الصورة، لذلك قال (وتركِ) بالعطف على الخروج في قوله (والثاني
كالخروج) وكـ(ترك شرط النتج) أي الإنتاج، اسم مصدر بمعنى الإنتاج (من إكماله) أي
الخطأ الثاني في الصورة أن تترك شرطا من شروط الإنتاج.
فأن تأتي بقياس الحد
الوسط فيه محمول في الصغرى وموضوع في الكبرى فهو من الشكل الأول ثم تأتي بالصغرى
سالبة وليست موجبة "لا شيء من الإنسان بفرس وكل فرس حيوان" النتيجة "لاشيء
من الإنسان بحيوان"، فاسدة، السبب في ذلك أنك أتيت بالصغرى في الشكل الأول
سالبة فخرجت النتيجة فاسدة أو أن تأتي بالكبرى جزئية من الشكل الأول أيضا والكبرى
يجب أن تكون كلية تقول مثلا "كل إنسان حيوان وبعض الحيوان صاهل" النتيجة
بعض الإنسان صاهل، خرجت النتيجة فاسدة لماذا؟ لكون الكبرى جزئية وليست بكلية، ومثل
ذلك في كل شكل، ألا تأتي بالشكل الثاني كبرىه كلية والمقدمتان مختلفتان في الكيف،
تأتي بالمقدمتين متفقتين في الكيف وكذلك الثالث والرابع، كذلك الاستثنائي أن تأتي
مثلا بالقضية الشرطية المتصلة وأن ترفع المقدم أو أن تثبت التالي ورفع المقدم أو
إثبات التالي ضربان غير منتجين أليس كذلك؟.
حينئذ يكون الشكل متحقق
والضرب غير، الضرب المنتج، إنتاج الضرب يكون غير متحقق، لذلك قال (وترك شرط النتج
من إكماله) أي ترك شرط النتج من إكمال الخطأ في الصورة فضمير إكماله يرجع لخطأ
الصورة لأنه قال (في مادة أو صورة) إذن الخطأ يكون في المادة ويكون في الصورة.
فهو هنا يقول (ترك شرط
النتج) حالة كونه -كون ترك شرط النتج- من إكمال الخطأ في الصورة فالخطأ الأول في
الصورة هو ألا يكون على شكل من الأشكال، والخطأ المكمل لذلك هو أن تترك شرطا من
شروط الأشكال.
ويجوز أن تقول (وتركُ)
بالرفع، فيكون (من إكماله) خبرا لترك، بذلك يكون قد اكتمل الكلام على ما يتعلق
بالفكر التصوري والفكر التصديقي، الفكر التصوري يؤدي أو يوصل لمطلوب تصوري وذلك
يكون بالقول الشارح، والفكر التصديقي يوصل إلى مطلوب تصديقي وذلك يكون بالقياس
الذي يؤدي إلى التصديق بمطلوب خبري.
وذكر المصنف رحمه الله
ما يتعلق بكل باب منهما وبأجزائه، ذكر أجزاء القول الشارح وهي الكليات الخمس وما
يتعلق بها من تقسيمات، وذكر أجزاء القياس، وهي القضايا وأقسامها تعاريفها، وما
يتعلق بذلك من الأحكام بل وزاد على ذلك أن ذكر الأدلة الأخرى سوى القياس كالاستقراء
والتمثيل وزاد على ذلك أن ذكر الارتباط بين القياس والنتيجة والاختلاف على المذاهب
الأربعة في ذلك وبين الخطأ الذي يعتري كل من الفكر التصوري في الكلام على شروط
المعرف، فما لم يتحقق شرط منها يكون خطأ في الفكر التصوري وبين الأخطاء التي تعتري
الفكرة التصديقي في الخاتمة، وأرجعها إلى الخطأ في المادة أو الصورة، وما يرجع
للمادة يكون في المعنى أو في اللفظ، بذلك يكون قد انتهي الكلام في فن المنطق لذلك
قال:
|
128- هَـذَا تَمَـامُ الغَـرَضِ المَقصُودِ |
|
مِـن أُمَّهَـاتِ المَنـطِقِ المَحمُودِ |
|
|
129- قَـدِ انتَهَى بِحَمـدِ رَبِّ
الفَـلَقِ
|
|
مَـا رُمـتُهُ مِن فَنِّ عِـلمِ المنطِقِ |
|
(ما رمته من فن علم المنطق) أي ما قصدته.
|
130- نَظَمَـهُ العَبـدُ الذَّلِيـلُ المفتَـقِرْ |
|
لِرَحمَـةِ المـولَى العَظِيمِ المقتَدِرْ |
|
131- الأَخضَـرِيُّ عَابِـدُ الرَّحمـنِ |
|
المرتَجِـي مِـن رَبِّـهِ المنَّـانِ |
|
132- مَغفِـرَةً تُحِيـطُ بِـالذُّنُـوبِ |
|
وَتَكشِـفُ الغِـطَا عَنِ القُلُوبِ |
|
133- وَأَن يُثِيـبَنَا بِجَنَّـةِ
العُــلاَ |
|
فَإِنَّـهُ أَكــرَمُ مِـن تَفَـضَّلاَ |
|
134- وَكُن أَخِي لِلمُبتَدِي مسامحا |
|
وَكُـن لِإِصلاَحِ الفَسَادِ نَاصِحَا |
|
135- وَأَصلِـحِ الفَسَـادَ
بِالتَّـأَمُّلِ |
|
وَإِن بَـدِيهَـةً فَـلاَ تُبَـدِّلِ |
(وأصلح الفساد بالتأمل) أي بالتفكير وليس
بالعجلة، قال (وإن بديهة فلا تبدلي) كأنه أجاز في قوله (وأصلح الفساد بالتأمل) أو
في قوله (وكن لإصلاح الفساد نصيحا ** وأصلح الفساد بالتأمل) كأنه أجاز لمن وجد
فسادا في نظمه أن يغيره، وجد لفظا فاسدا أجاز له أن يبدله في النظم، تأخذ ذلك من
قوله (وإن بديهة فلا تبدل) فإن التبديل لا يكون إلا بذلك، يقول (وإن بديهة) أي إن
كان الخطأ بديهيا معلوم لكل أحد فإن مثل المصنف رحمه الله ومن كان في علمه وفي
حكمته لا يقع في هذا الخطأ
البديهي، إنما يقع العالم في الخطأ الخفي، الخطأ الذي يمكن أن يخفى عليه وعلى
مثله، وليس أنه يقع في خطأ يظهر خطأه واضحا جليا للكل، لذلك قال (وإن بديهة) أي وإن كان الفساد بديهيا فلا
تبدل، لأنه حينئذ يكون الخطأ منك وليس من المصنف، قال:
|
136- إِذْ قِيـلَ كَـم مُزَيِّفٍ صَحِيحَا |
|
لِأَجـلِ كَـونِ فَهـمِهِ قَبيِحَـا |
(إذ قيل) تعليل لقوله (وإن بديهة فلا تبدل)
وهل إذا كان بديهيا يمكن أن نخطئه؟ قال نعم، هناك من يكون الكلام صوابا ويخطئه
بسبب فهمه السقيم، قال (إذ قيل كم مزيفا صحيحا) كم مزيف، مزيف بالجر، لأن كم هنا
ليست للسؤال وإنما هي للتكثير، تقول كم رجلا كتب الكتاب؟ أو كم رجلا فعل ذلك؟ هذا للسؤال لأن الرجل هنا منصوب، فتمييز
كم إذا كان منصوبا تكون كم استفهامية، أما إذا كان مجرونا فتكون للتكثير، تكون
كناية عن الكثرة، هنا يقول (إذ قيل كم مزيف صحيحا) أي كم واحد يزيف الصحيح؟ فصحيحا
منصوب مزيف، فإن مزيف صفة فيعمل عمل الفعل، كم مزيفا هو الكلامَ الصحيحَ، فكم تفيد
الكناية عن كثرة المزيفين كثرة من يخطئون أهل العلم ومن يخطئون غيرهم عموما، حتى
في كلام العامة وفي كلام الناس، والخطأ من فهمهم وليس من كلام المتكلم، (إذ قيل كم
مزيفا صحيحا ** لأجل كون فهمه قبيحا) وليس لأجل كون الكلام خطأ.
|
137- وَقُل لِمن لَم يَنتَصِف لِمَقصِدِي |
|
العُـذرُ حَـقُّ وَاجِـبٌ لِلمُبتَدِي |
(وقل من لم ينتصف لمقصدي) يعني من قال لا،
أنا لن أصلح الفساد، أنا سأشنع عليك وفسادك هذا غير مقبول، وما كان ينبغي أن
تصنعه، كل من لا ينتصف لهذا المقصد، (العذر حق واجب) هناك أمر يجعلك تقبل عذري، أو
هناك أمر يجعلك تقبل ما أقول قبولا واجبا، ماهو؟ قال (العذر حق) هناك عذر حق و(واجب)
أن تقبله، ما هو؟ قال (العذر حق واجب للمبتدي) يحقّر نفسه ويصغّرها من باب
التواضع، وجعل نفسه مبتدئا، قال (العذر حق واجب للمبتدي) يعني هو يقول (للمبتدي)
يقصد أنه مبتدئ، فحينئذ تقبل عذري لأني صغير في السن فتقبل عذري حينئذ لأن الخطأ
إذا وقع منه فلا يعاب عليه كما يعاب على الشيخ الكبير، أيد كلامه السابق بقوله:
|
138- وَلِبَنِيْ إِحـدَى وَعِشـرِينَ سَنَه |
|
مَعـذِرَةٌ مَقبُـولَةٌ مُستَـحسَنَـه |
(وَلِبَنِيْ إِحـدَى وَعِشـرِينَ سَنَه) كان
سنه إحدى وعشرين سنة.
|
139- لَاسِيَّـمَا فِي عَـاشِرِ القُـرُونِ |
|
ذِي الجَهـلِ وَالفَسَـادِ وَالفُتُـونِ |
(لا سيما) أي خصوصا (في عاشر القرون) في
القرن العاشر (ذي الجهل والفساد والفتون) جمع فتنة، يقول هنا (وَلِبَنِيْ إِحـدَى
وَعِشـرِينَ سَنَه) أنا صغير سني واحد وعشرون عاما من الآن وهو في هذا السن يؤلف
كتابا أو يتقن علما أصلا، فضلا عن المصنف ألف المتن وغيره من المتون وشرحه أيضا، وألف
متن الجوهر المكنون في علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع بعد هذا المتن بسنتين، فالعذر حق واجب له
قطعا، لأنه كان في سن صغيرة، زد على ذلك أنه كان في عاشر القرون في القرن العاشر
الذي كثرت فيه الفتن، وكثر فيه الجهل والفساد، عاشر القرون، ونحن بعد عاشر القرون
هذا لأربعة قرون أو بخمسة قرون، فنحن في قرن الظلام، ليس في قرن الجهل والفساد
فقط، بل في قرن الظلام، حقيقة أنت إذا قرنت هذا القرن بما قبله من قرون تجد أنه
قرن الظلام، أنا كنت أعبر عنه دائما بقرن الشيطان.
|
140- وَكَـانَ فِـي أَوَائِـلِ المحَـرَّم |
|
تَألِيـفُ هَـذَا الرَّجَـزِ المنَظَّـمِ |
|
141- مِـن سَنَـةِ إِحـدَى وَأَربَعِينَ |
|
مِـن بَعـدِ تِسعَـةٍ مِـنَ المِئِينَ |
|
142- ثُمَّ الصَّـلاَةُ وَالسَّـلاَمُ
سَرمَدَا |
|
عَـلَى رَسُـولِ اللهِ خَيرِ مَن هَدَى |
|
143- وَآلِـهِ وَصَحبِـهِ الثِّقَـاتِ |
|
السَّـالِكِـينَ سُبُـلَ النَّجَــاةِ |
|
144- مَا قَطَعَت شَمسُ النَّهَارِ أبرجا |
|
وَطَلَـعَ البَدرُ المُنِيرُ فِي الـدٌّجَى |
وأحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر لنا وأن وفقنا في ختم هذا الكتاب، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما قلناه وما ذكرناه في هذا الكتاب نافعا لي ونافعا لكم ولمن يأتي بعدكم، ولمن يسمع هذا الشرح، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
Komentar
Posting Komentar